إبراهيم عبد المجيد يكتب: كيف غاب هذا الكاتب عن النقاد وتاريخ الرواية المصرية؟

ليس من عملي البحث والاستقصاء في تاريخ الأدب . لكن هذا لا يمنع من الدهشة حين ألتقي بنص لم أعرفه من قبل أو أسمع به . هذه المرة كانت الدهشة كبيرة جدا لأن ما وصلني هو نص غاب اسم صاحبه تماما ، وغابت أعماله عن النقد الأدبي في مصر أو العالم العربي ، وما يهمني هو مصر .

الكاتب يحمل اسما شهيرا جدا هو اسم “سعد الخادم” . وهو إسم يحيل أي شخص علي الفور إلي أستاذ التراث الشعبي الشهير والفنان التشكيلي العظيم سعد الخادم ، صاحب الأيادي البيضاء الكثيرة علي الثقافة الشعبية ودراسات الحرف والصناعات الشعبية ، الذي نشر فيها حوالي تسعة عشر كتابا ، وتولي مناصب كبري في الجامعة والمتاحف الفنية ، وحصل علي جوائز مختلفة ، وشارك في معارض عالمية ، وله متحف باسمه واسم الفنانة عفت ناجي في منطقة الزيتون بالقاهرة يحتوي علي نماذج من تراثهما الفني ، والذي ولد عام 1913 وتوفي عام 1987. ربما كان هذا من أسباب غياب الكاتب الذي سأتحدث عنه والذي يحمل اسما لمشهور كبير في مجال آخر . لكن حتي لو كان كذلك فلماذا لم يتحدث أحد عن رواياته باعتبارها للفنان سعد الخادم فيتحمس من يضيئ الحقيقة ؟

لماذا دخل هذا الكاتب شرنقة التجاهل والنسيان ؟ بدأت المسألة برسالة خاصة علي الفيس بوك من صديقي الجميل الدكتور محمد عيسي الأستاذ السابق للغة والأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة شيكاغو ونورثوسترن وميشيغان وغيرها ، والذي يعيش الآن في شيكاجو، يسألني هل سبق وعرفت أن للفنان سعد الخادم روايات ؟ طلبت مهلة . سألت أكثر من فنان صديق . الكل احتار . فسألت السؤال علي صفحتي علي الفيس بوك ووجهته للنقاد وباحثي تاريخ الأدب . اثنان قالا لي أن هناك سعد الخادم آخر عاش في كندا خارج مصر . الأول منهما هو الصحفي الكبير عمرو خفاجي والثانية هي الدكتورة منارعمر المترجمة ومدرسة الأدب الألماني بجامعة حلوان ، وأرسلت لي صفحة بالإنجليزية في جريدة الدراسات الإثنية الكندية Canadian Ethnic Studies Journal” للكاتبة: اليزابيث دهب. Dahab Elizabethوهي بالمناسبة صاحبة كتاب “كتّاب عرب كنديون .. أصوات المنفي Arabic Canadian writers, Voices of Exile “. المقال بعنوان: “Poetics of Exile and Dislocation in Saad Elkhadem,s Wings of lead1971 , the Plague 1989 ,and Trilogy of Flying Egypian 1990-1992 ” ” شعرية النفي والخروج في روايات سعد الخادم ” أجنحة من رصاص Wings of lead التي نُشرت عام 1971 والطاعون The Plague التي نُشرت عام 1989 وترجمها سعد الجبلاوي وثلاثية المصري الطائر Trilogy of Flying Egyptian التي نُشرت مابين عامي 1990-1992 ” وترجمها سعد الجبلاوي أيضا .

لسعد الخادم روايات مثل “رجال وخنازير Men and Pigs ” التي كتبها من قبل عام 1967 وترجمها بنفسه عام 1971، كما ترجم بنفسه رواية أجنحة من رصاص عام 1994 وله أيضا ” ثلاثية يوليسيس the Ulysses trilogy ” التي كتبت ونشرت بين عامي 1985-1987 وهي ثلاث نوفيلات – روايات قصيرة- في كتاب واحد عن رحلات أكاديمي مصري عبر عشرين عاما وترجمه ” سعد الجبلاوي “كذلك استوحي فيها اسم يوليسيس في رواية “أوليس ” لجيمس جويس وطريقته في تداعي الأفكار والأحداث، لكنها طبعا صغيرة جدا قياسا علي “أوليس جيمس جويس ” وهي تقريبا نفس عذاب” ثلاثية المصري الطائر”التي توسعت أكثر . من المقالة عرفت أن سعد الخادم مصري حصل علي الجنسية الكندية بعد رحيله عن مصر . ولد عام 1932 وتوفي في الخارج عام 2003 . وُلد في مصر وحصل علي بكالوريوس في الفنون ثم الدكتوراة من النمسا . كان الملحق الإعلامي لمصر في سويسرا وشغل وظائف حكومية أخري في مصر قبل السفر عام 1968

في عام 1968 أُعير كمدرس مساعد للغة الالمانية في جامعة برونسويك الجديدة Brunswick New في كندا وكذلك لتدريس الأدب المقارن . هناك أمضي بقية حياته بعد أن صار استاذا . من هنا عرفته الدكتور منار عمر المترجمة ومدرسة الأدب الألماني . لقد أنتج أكثر من ثلاث وعشرين كتابا بينها أربعة عشر رواية مُنع الكثير منها في مصر، ربما كلها فلم أسمع بأي منها . ولقد كان أيضا نشيطا في نشر أعماله وغيره ، ووسيطا مثل بعض المصريين الكنديين الذين توفروا علي نشر أعمالهم وغيرهم في دور النشر .

أما سعد الجبلاوي فهو أيضا مصري عمل أستاذا في كندا للأدب واللغات، ولد عام 1927 وتوفي عام 2002 في تورنتو بكندا . سعد الجبلاوي المترجم حصل علي ليسانس الأداب من جامعة القاهرة قسم اللغة الانجليزية ، ثم علي الدكتوراة من جامعة ليفربول، وهاجر الي كنداعام 1968 وقام بترجمات كثيرة من الإدب العربي، منها قصص قصيرة لنجيب محفوظ إلي الإنجليزية والعكس . كان عام 1968 عام خروج كثير من الشباب الجامعي بعد هزيمة عام 1967 إلي أميركا وكندا واستراليا ولقد رأيت ذلك بنفسي وكان بينهم بعض أصحابي . ليتني فعلت مثلهم !

اسم سعد كان متداولا في مصر بقوة للمواليد بعد ثورة 1919 وأوضحت لي الدكتورة منار أن سعد الخادم مسلم بينما سعد الجبلاوي مسيحي . قلت في نفسي هكذا اتحد الهلال مع الصليب . ما أجمله من زمن .

————–

وصلتني رواية واحدة بالعربية من الصديق الدكتور محمد عيسي . هي نوفيلا “الطاعون” . ومقدمة الترجمة الإنجليزية التي كتبها سعد الجبلاوي مترجم الرواية . والنصان منشوران معا في كتاب واحد أصدرته مطبعة يورك York Pressفي كندا، في سلسلة كتابات ودراسات في الأدب العربي ، وفي الكتاب صفحة بها بعض اصداراتها . هي السلسلة التي نشرت بالإنجليزية أعمالا مثل “قصص قصيرة مصرية حديثة Modern Egyptian short stories” و” ثلاث روايات مصرية معاصرة three Contemporary Egyptian Novels “تاريخ الرواية المصرية .. صعودها وبداياتها History of the Egyptian Novel –its Rise and the beginnings ” وكتاب عن الأمثال والأقوال الشعبية المصرية Egyptian Proverbs and Popular sayingsجمعها وترجمها سعد الخادم ، وروايات سعد الخادم كلها تقريبا . ترجم سعد الجبلاويي نوفيلا “الطاعون” وكتب لها مقدمة تحليلية وفنية عميقة . لكني أحببت أن اقرا النص الأصلي بالعربية للرواية واكتفيت بالمقدمة الإنجليزية .

وجدت أني أتوافق مع سعد الجبلاوي في علامات واضحة في النوفيلا وهي أنها عبارة عن مونولوجات وسرد من الخارج متداخلان لعشر شخصيات ، سبعة رجال وثلاث نساء ،في مكتب للهجرة وللحصول علي الفيزا في عصر جمال عبد الناصر . أسهل شيئ أن تصل إلي ما وصل إليه المترجم من أن المقصود بالطاعون هو عصر عبد الناصر نفسه، الذي أراد فيه كل من يملك عقلا ويفكر في الرأي والمعارضة أن يطير عابرا البلاد .

يقول المترجم أن ذلك يذكره بالديكاميرون لبوكاشيو حيث هروب عشرة أشخاص ، سبعة رجال وثلاث نساء أيضا ،من الطاعون في القرن الرابع عشرفي فلورنسا ، وهكذا في مصر بعد عام 1952 ومافعلته ماسميت بثورة يوليو. لقد حولت مصر إلي معسكر اعتقال كبير . أمة تحت الأسوار . كارانتينا للعزل . وبيوت للقبض علي الناس فيها . ألخ . وجدت فعلا في حديث الشخصيات العشرة في النوفيلا ما يدل علي ذلك ، فرغبتهم في الهروب مذهلة . هم ينجحون في الحصول علي الفيزا للخروج لكن تظل لحظات الانتظار في يوم واحد في مكان واحد هي الرعب كله . نعرف حكاية كل منهم من رجال ونساء ، وأحدهم قاتل سفاح كان ضابطا يقوم بتعذيب المعتقلين وتم الاستغناء عنه ويريد الخروج حتي لا يحدث له ما فعله . هو يأتي في نهاية النوفيلا ليختمها فنيا بشكل جيد كأنه التفسير الذي يصدِّق علي كل ما قاله الآخرون أو قاله المؤلف عنهم .

الأول يتحدث قائلا ” اسمي محمد اسماعيل” ولا ينتظر المؤلف فيدخل بالسرد المباشر ليتحدث عنه . فتي في الخامسة والعشرين يستمر في وصفه ومن مواليد القاهرة وعلي الفور مونولوج لمحمد اسماعيل بلغة غير متوقعة ” هو أنت شايف أني من مواليد الأناضول يابن الأحبة ياغبي ” كأنه يرد علي المؤلف . ويستمر محمد اسماعيل في الحديث عن أهله وعن نفسه فتعرف أن أباه كان كبير مهندسي شركة الكيماويات بحلوان ، وهي في الأصل كانت مصنعا يملكه يوناني ، تم تأميمه وتغيير اسمه إلي مؤسسة النصر للأدوية والعقاقير الطبية وافلست . المهم الحديث يستمر عن الفساد وعن السرقة والنساء والجرسونيرات – الشقق الخاصة – بالمسؤولين لمعاشرة النساء ، ويتناثر الحوار علي ألسنة الآخرين فهو له أخ مستشار في قنصلية بسان فرانسيسكو . هو يقول ذلك وهم يقولون “أبعد عنه ابن الأحبة دا مادام ليه حد في الحكومة يبقي مخبر علينا” كل ذلك أحاديث غير منطوقة يرسلها المؤلف كأنها حقيقة.

محمد اسماعيل يريد الخروج أصلا خوفا من الموت في الجيش بعد التخرج في حروب عبد الناصر التي انتهت بالهزائم ، ونعرف طبعا من المؤلف أن أخاه أمين محفوظات في القنصلية وليس مستشارا . المهم يمشي الحديث في ثلاث طرق متداخلة . ضمير المتكلم . الغائب في مونولجات سريعة أو حوارات مكتومة للآخرين ثم المؤلف ، وتفاجئنا عبارات من نوع “ابن الأحبة ” ” أو “انتم عايزين مننا إيه يا اولاد الشرموطة” وكثير جدا مما يمكن أن تتصور من شتائم بالجنس تعرفها العامية المصرية.

نعرف كيف استقر أخوه في أميركا بعد أن تزوج من امرأة عجوز هناك ، لكن لا يزال بها مسحة من جمال وكيف يعيش معها في مزرعتها، ويبدأ الحديث عن المرتبات في مصر وأميركا ،وكيف أن من يذهب لا يعود ، ففي مصر خريج الجامعة راتبه – ذلك الوقت – خمسة عشر جنيها وفي أميركا “العربيات المستعملة بتتباع في شوادر زي شوادر البطيخ هنا، شاطرين بس يقولوا الأمريكان ياريس ، دول حبة كلاب ياريس، والله مافيه كلاب مسعورة غيركم يا ولاد الأحبة اللي ماسبتوش حد إلا ما عضتوه أو شخيته عليه ” هذا نموذج واحد ولن أزيد .

ثم يتابع محمد اسماعيل في أميركا وما جري له ، فالتجنيد إجباري هناك وقتها ، وتنفجر فيه قنبلة في أحد التدريبات ، ويعيش مشوها لكن مكرما من الدولة الأمريكية مع أخيه وزوجته بالمزرعة ،ويعود الكاتب العجيب إلي المكان والواقفين وكل الأحاديث بينهم تتم في نفوسهم فهو مثلهم يتصورهم جواسيس ، وعلي حد قوله حكم قراقوش خلي الناس خايفة من بعضها .

الثاني مجدي نعيم في الثانية والثلاثين من عمره ومدرس لغة فرنسية . يعني “عضمة زرقا” ، وهذا مايقال عن المسيحيين . وينتقل بنا علي طريقته المتداخلة في السرد في الحال بين المسيحيين والمسلمين وان كان مكتوما، وعن هجرة المسيحيين الكثيرة هربا من الفقروالقهر والعنصرية، وكيف تُرفض فيزاتهم كثيرا ، وسعيد الحظ هو من يجد طريقه إلي كندا أو أميركا أو استراليا . مجدي نعيم أصابه فرح كبير بعد أن أخطرته وزارة الداخلية بالموافقة علي السفر ، المهم أن يذهب يتقدم للحصول علي الفيزا . باع أثاث بيته وحجز طائرة في نفس اليوم ، ويقول لهم أنه ذاهب للعمل استاذا مساعدا للغات في كندا ويقولون في نفوسهم هم “تلاقيه نصاب ماحيلتوش غير دبلوم معلمين وحيدرِّس فرنساوي في مدرسة ابتدائي بالكتير” .

ويتابع مجدي نعيم فنعرف كيف كان مدرسا بالصعيد وضاقت به البلاد بسبب أنه عضمة زرقا ويتحدث في مونولوج غاضب حديثا معبرا “أنا مش عضمة زرقا، انتم اللي نزلتم علي خير وادي النيل زي الجراد أكلتم خيراته ، وغيرتم عاداته ، وقضيتوا علي أمجاده . دول نسوان الفراعنة كانوا بيشربوا بيرة ويلعبوا تنس ويحطوا أكلادور في إيديهم ويتجوزوا عن حب، جيتوا انتم حبستوهم في البيوت وخوفتوهم من الرجالة وعملتوهم عبيد تخدم عليكم أو بقر يولد لكم ، والأكتر كمان إنكم عاملتم أهل البلد الأصليين أنهم خونة وجواسيس وعملا ، طيب آديني سايبها لكم اعملوا فيها اللي انتم عايزين تعملوه ، قسموها بينكم ، بيعوها لروسيا، اعملوها جمهورية عربية اسلامية أو حتي أجروها مفروش للسعوديين، ماهو كله مكسب، وكله داخل جيوبكم مادام بتقولوا الدين الرسمي للدولة هو الاسلام ”

طبعا يقصد دخول العرب إلي مصر ، ويستمر معترضا أن يكون الدين مرجعا للحياة الواقعية وهو أفكار روحية .ألخ ، ويدين الأزهر واحد المشايخ الذين عرفهم مجدي نعيم – الكاتب نشر النوفيلا عام 1989 ورأي ماجري في عصر السادات والحديث هنا في عصر عبد الناصر لا يعد استشرافا بما حدث لكن تأكيد عليه – ويحكي عن التجسس علي الأجانب في الفنادق قصصا غريبة.

ويتابعه في رحلته حيث لم يكن مسموحا بالخروج إلا بخمسة جنيهات وهو ما يساوي عشر دولارات فيشتري مجدي نعيم مائة دولار ويبرمها ويضعها داخل قلمه بعد أن نزع منه خزان الحبر . يتابعه في مطار مونتريال حيث يُصاب مجدي بالصدمة حين يكتشفون أن المائة دولار مزيفة ،ويتم حجزه للتحقيق فيما لو كان يعمل مع عصابة لتهريب الأموال المزيفة ، لكنهم يتأكدون من براءته، ويخرج لكن لا يوفّق في الحياة الزوجية مع يولين الكندية التي تعرف عليها في القاهرة ، ويعود من جديد بعد أقل من عام ليمضي حياته ذليلا يتنقل بين البلاد في مصر وحيدا بلا زوجة أو ولد حتي يلقي ربه حين يترقي ناظرا لمدرسة بني سويف النموذجية للبنين !.

نظل نتنقل بين الشخصيات التي لن أقف عندها كلها ، وبنفس طريقة السرد ثلاثية الأضلاع اذا جاز التعبير وبنفس تداعي اللاشعور. سأقف فقط عن امرأة مهاجرة وعن رجل الأمن الأخير .

مئة عام على معركة المايوه النسائي.. ومستمرة!

عد النجاح المدوي لعدد من المسرحيات التي أدت فيها دور البطولة مع المخرج عزيز عيد (1884-1942)، انتقلت روز اليوسف للعمل مع فرقة عكاشة المسرحية، إحدى أنجح وأشهر الفرق في منتصف العشرينات من القرن الماضى. أصبحت روز بطلة الفرقة الأولى، وطافت مع الفرقة مسارح مصر الكبرى في ذلك الوقت.

بورتريه لروز اليوسف

في الصيف كانت الفرقة تؤدي عروضها في الإسكندرية، ونزل أعضاء الفرقة في أحد فنادق المنتزه الفاخرة. صودف أن طلعت حرب، رجل الأعمال ومؤسس “بنك مصر” وأحد رموز الحداثة المصرية الليبرالية، كان نزيلاً في الفندق نفسه، وبالطبع كان طلعت حرب يمتلك حصة في الفندق، ويمول بشكل أساسي الفرقة المسرحية. وبينما كان يتناول إفطاره في الصباح، شاهد روز اليوسف تخلع ملابسها وتلج البحر بمايوه قصير. لم يكن “بكيني”، لأن “البكيني” لم يكن قد اختُرع بعد في ذاك الزمن. بل كان مايوهاً من قطعة واحدة يكشف الذراعين، والصدر، ويغطى جزءاً بسيطاً من أعلى الفخذ، تاركاً بقية الساقَين للشمس.

صُعق طلعت حرب من المنظر، ليس بسبب جمال روز اليوسف الفاتن، بل لما اعتبره تهجماً على الأخلاق والمثل العليا، وتهديداً لقيم المجتمع المصري. وبحُكم مركزه وموقعه كذكَر مصري يمتلك الكثير من المال والنفوذ، شعر طلعت حرب، كأي ذكَر في موقع سلطة، بمسؤوليته عن أجساد الآخرين، وعن قيم المجتمع الذي يعيشون فيه. أرسل مع “جرسون” رسالة اعتراض لروز اليوسف، طالباً منها أن ترتدي ملابسها وألا تجلس على الشاطئ بالمايوه، لأن هذا إخلال بسمعة الفندق والفرقة المسرحية التي يمولها.

في ذاك الزمن، كانت هناك قِيَم وأخلاق متاحة للأجانب المقيمين في مصر، وقِيَم وأخلاق للعرب والمصريين. فمُتاح للأجنبيات ارتداء المايوه، بل والمشي عاريات أن أرَدن، بينما كانت النساء المصريات تحت وصاية الأزهر، والمَلِك، والنيابة، والآن طلعت حرب و”بنك مصر”.

لم تستجب روز اليوسف لرسالة طلعت التحذيرية، بل سخرت منه، وقامت من مكانها لتتمشى بالمايوه في استعراض لجمالها ونفوذها الفنى. انفعل “زكيبة الفلوس الوطنية” من الإهانة، وأرسل مهدداً مدير الفرقة بوقف تمويله للفرقة. وآنذاك، لم تكن خسارة طلعت حرب تعني خسارة تمويل كبير فحسب، بل خسارة “بنك مصر”، البنك “الوطنى” الوحيد الذي يجازف بدعم فرقة مسرحية محلية. فذهب أعضاء الفرقة إلى روز اليوسف، وحاولوا إقناعها بأن تعتذر لطلعت حرب، لكن ممثلة مصر الأولى التي صنعت شهرتها في بطولة مسرحية عزيز عيد “يا ست ما تمشيش كده عريانة”، رفضت أن تعتذر عن المايوه أو أن تذهب إلى طلعت حرب، فهددها مدير الفرقة بالتخلي عنها وطردها، فقدّمت استقالتها وتركت الفرقة.

في اليوم التالى، انتظرت روز جلوس “الباشا” في شرفة الفندق أمام البحر لتناول طعام الإفطار، وتعمدت أن تنزل بمايوه أجرأ من سابقه، ومكثت في الفندق أسبوعاً آخر، لا لشيء سوى لتستفز طلعت حرب وتتلذذ بتمريغ سلطته في رمال شاطئ الإسكندرية، بينما يطيّر الهواء شعرها الأشقر.

ليوم، وبعد حوالى مئة عام على تلك الواقعة، ما زالت مصر مشغولة، كما كل صيف، بمعركة البكيني والبوركيني، وما يجب أن ترتديه النساء وأين يرتدينه. وكما مصر العشرينات، حينما سادت التفرقة بين النساء المصريات العربيات، والأجنبيات، فهناك اليوم أيضاً تفرقة بناء على الطبقات الاجتماعية والحدود بينها.

عدد محدود من حمّامات السباحة والشواطئ الخاصة في مصر لا يسمح بنزول السيدات بالمايوه الشرعي “البوركيني”، ولا يقبل سوى البكيني أو ستايل “مايوه روز اليوسف”. الدافع المعلن هو ذاته دافع أبيهم التاريخي، زكيبة الفلوس، طلعت حرب، أي الدفاع عن قيم وأخلاق المجتمع. لكن حقيقة الأمر أن لا طلعت حرب، ولا أعداء “البكيني” أو “البوركيني” يهتم بأي قيم أو أخلاق. الدافع دائماً وأبداً هو السلطة، والنفوذ، والمال. وكيفية احتكار الثلاثة ووضع قواعد منظمة لعملية انتقالها وهرمية التسلط.

كان طلعت حرب يدافع عن قيم مجتمع جديد، يصفه بأنه المجتمع الوطنى المصري الناهض من طين الأراضي الزراعية، ليخلع الجلباب ويرتدى الطربوش، ويتخلى عن لقب فلاح لصالح لقب أفندي، ويرفع العلَم ويغنى “قوم يا مصري”. وفي تصوره وأقرانه، فإن قادة هذا التغيير هم المصريون الذكور فقط، كاملو المصرية والذكورة معاً. وبالتالي، فإن نهضة الحركة النسائية التي صاحبت ثورة 1919، لم يكن مسموحاً أن تعبّر عنها سوى هدى شعراوي المنتمية إلى الطبقة الاجتماعية نفسها التي يخدمها طلعت حرب، والتى تقتصر مطالباتها على الحقوق السياسية والاقتصادية.

أما النساء المتمردات مثل روز اليوسف، القادمات من قاع المجتمع، من حانات عماد الدين والأزبكية والمسرح، فلم يكن مسموحاً لهن بالحركة والتمرد إلا في المساحات المحددة سلفاً، المسارح والبارات وصالات الرقص. فليست المشكلة في المايوه أبداً. فمايوه الأجنبية لم يضايق طلعت حرب في العشرينات، كذلك، في يومنا هذا، إذا كانت السيدة التي ترتدي “البوركيني” أجنبية ونزلت حمام السباحة الممنوع فيه “المايوه الشرعي”، فلن يوقفها أو يعترضها أحد.

اللعنة ليست في أن تكون المرأة، امرأة. بل أن تكون امرأة ومصرية. مِصرية المرأة تضعها تلقائياً تحت وصاية مجموعة من المؤسسات والأفراد، ساعتها يتم تحديد ما هو مسموح وغير مسموح لها بناء على وضعها الطبقي.

الأماكن المعدود التي لا تسمح بدخول المحجبات أو نزول النساء بالبوركيني إلى البيسين، تفعل ذلك لأنها تبيع امتيازاً طبقياً لجمهورها. الامتياز ليس نزول الإناث في مياه البحر أو البيسين، الامتياز هو أن تنزل في البيسين ذاته حيث يتبول أبناء وأحفاد الوزراء والرؤساء السابقين.

في الفيديو الذي انتشر مؤخراً، وتشكو فيه إحدى الفتيات من منعها النزول إلى البيسين بالبوركيني، حددت الفتاة بيسين أحد النوادي الفخمة، وأشهر مَن يسكن في تلك المنطقة ويمتلك عضوية في النادي، مثلاً، عائلة جمال مبارك، ونخبة من أثرياء وأغنياء ولصوص مصر الكبار. بالنسبة إليهم، إذا سمحوا بنزول النساء بالبوركيني، فهذا يعنى خسارتهم أرضاً جديدة، وامتيازاً طبقياً جديداً يفصلهم عن جموع الشعب الوطنى الذي وضع طلعت حرب أولى لَبِناته منذ قرن من الزمن.

قبل مئة عام، لم تفاوض روز اليوسف على حريتها وقرارها، لم تبكِ أو تحاول الاعتماد على إيقاظ التعاطف بين الجمهور، بل كان اختيارها أن تستغل أدواتها (الفن/المسرح/الصحافة) لتغيير هذا الوعي، ولفرض رؤيتها وأفكارها حتى تصبح جزءاً من المجال العام، ولو خسرت وظيفتها وتركت فرقتها المسرحية.

في مجال سياسي مغلق، وفي لحظة خضوع المجال العام وكل وسائل التعبير، للتأميم، لا يجد الاحتقان الاقتصادى والكبت السياسي وسيلة للتعبير عن نفسه، سوى أجساد النساء. فتُعاد المعارك نفسها حول مايوه النساء ولباسهن، مثلما كان الحال قبل مئة عام… لكن المرء يبحث حوله فلا يجد روز اليوسف ولا مِشعلها.

البحر المحيط- هامش

ماذا يعنى القول إن الحقيقة لا تنقاد إلا للخوف، وإنه لكي نصل إليها، كان علينا أن نمر من هذا الجحيم، ولكى نراها، كان علينا أن يُهلك بعضنا بعضاَ، ولكى نملكها، كان علينا أن ننقلب وحوشاً مفترسة، ولكي نخرجها من وكرها، كان علينا أن نتمزق من الألم. لكي نكون حقيقيين، كان علينا أن نموت. لماذا؟ لماذا تصبح الأشياء حقيقية فقط بين أنياب اليأس؟
من شكل العالم بهذه الطريقة، أن الحقيقة يجب أن تكون في الجانب المعتم، وأن المستنقع المخزي لبشرية منبوذة هو الأرض الوحيدة الكريهة التي ينمو فيها ذلك الذي ليس، في حد ذاته ، أكذوبة؟
وفي النهاية: أي حقيقة هى هذه التى تفوح منها رائحة الجثث وتنمو في الدم، وتتغذي بالألم، وتعيض حيث الإنسان يهان، وتنتصر حيث الإنسان يتعفن؟
حقيقة من تكون؟
حقيقة لأجلنا نحن؟

—–

أليساندرو باريكو

البحر المحيط

ترجمة: آمارجي

أشهر خمسة «إفيهات» عن الإحباط

 

1- مفيش فايدة.. مفيش أمل

لدي صديقة على فيس بوك تعمل منذ سنوات في مجال التنمية الثقافية، ما يفترض أنه أمر وثيق الصلة بحرية الرأي والتعبير. وفي تعليق مؤخراً صرحت بأنها ضد الشعارات الدينية حتى لو خارج الانتخابات، فالشعارات العرقية أو الدينية في رأيها تؤدي للتميز والتفرقة ولا يجوز لأحد أن يرفع شعارا يفرق المصريين.

لا أريد الرد على الزميلة هنا، ولا تخيل هذا العالم الكابوسي حيث لا أحد يرفع شعار إلا «تحيا مصر». تخيل مثلا لو أنك نوبي ورفعت شعارا خاصا فأنت خارج العالم الجميل والتصورات المثالية لتلك الصديقة. لكن الصدمة أن هذه السيدة الفاضلة لسبب ما أو آخر تعتقد أنني وهي في جبهة واحدة. مثلما يعتقد مؤيدو حمدين أن رفض مسار صناعة الفرعون الإله «سسي-نعخ» فأنت معهم في ذات الصف. وحينما يفشل أنصار كل تيار من هؤلاء ينسحب منه قطاع ينظر لك بحزن ويقول «مفيش أمل».

الحمد لله يا أخى أن «مفيش أمل» وأن صديقتي الليبرالية اللي بتحب مصر لكل المصريين وتكره التمييز لا تحكم وليس لديها سلطة لتقرر للناس نوع الشعارات التي يرفعونها، فمثل هذه الظواهر تجعلك تحمد لله على محمد إبراهيم وزيراً للداخلية.

لذا فكلما شاهدت شخصاً يردد بإحباط «مفيش أمل» تذكر أن مصائب قوم عن قوم فوائد. والحياة ميدان. والصراع دينامو التقدم. وأن يفقد أحدهم الأمل معناه ارتفاع فرصة تحقيقك لأملك أنت.

2- شعب ليس جديراً بالحرية

مع كل جملة أسمعها أو أقرؤها تحتوى على كلمة الشعب أشعر بأن هناك كارثة في الطريق. من يملك القدرة على التحدث باسم الشعب؟ ولماذا؟

الاثنان حالات خطرة، من يتحدث باسم الشعب لكى يصبغ على حديثه رأي الجماعة والتأييد الشعبي أو شرعية الصندوق. ومن يتحدث باسم الشعب بأن الإحباط وأخلاق العبيد قدر ومسألة جينية. وإذا كان الشعب لا يريد الحرية فما علاقة ذلك بأني أريدها. وأصلاً أليست المعركة بالأساس مع هذا الشعب وتحطيم أساطيره، بداية من أسطورة الإسلام هو الحل، وحتى أسطورة الدولة العبيطة الذي يصر في مازوشية على التمرغ في ترابها، بعد أن فاته القطار.

أنت فرد. أهميتك من فرديتك. والأحلام دائماً خاصة، لا تقبل أن يقايض أحدهم حلمك الخاص بحلمه يصفه بأنه حلم الشعب، ثم يحوله إلى مقورة كوسة تحملها في يدك بلا كوسة لتقورها، وتقول ها هو الإحباط تحت الباط.

ثق في نفسك، ولا تثق في الجماهير والجموع مادمت لا تعمل في المجال الفني أو التليفزيوني. شاهدت على مدى ثلاث سنوات فقط كيف يتقلب مزاجها، وكيف في يوم تهتف باسم حسن شحاتة وفي اليوم التالى تلعنه.

3- البلد محتاجة خمسين سنة على ما تتصلح

صياغة هذه العبارة وتكوينها يجعلان المسألة في مصر مشكلة ميتافيزيقية غيبية، وكأن آلام الناس وبؤس حياتهم لا يرتبطان بمنظومة تشريعية استبدادية سائدة ولا بسلطة غاشمة، غشيمة، فاشلة. تنزعك هذه العبارة من همك الفردى وأزماتك الأساسية مع هذا النظام لتحولها إلى أزمة ضخمة لا يمكن حلها إلا في المستقبل البعيد.

تحكى ماهينور المصري في شهادتها من داخل السجن كيف أن معظم السجينات معها نساء تم سجنهن بسبب ايصالات أمانة ومبالغ لا تتجاوز الآلاف اقترضنها لتزويج بناتهن، وكيف يعشن بطموح انتظار العفو الرئاسي من الرئيس القادم.

نحن نواجه سلطة منحطة، ومجتمعا قيمة الشرف فيه ترتبط بالوضع الاجتماعى والطبقي قبل أي شيء. ليس من أهدافي شخصياً جعل مصر قد الدنيا، ولا أعتقد أن أم أحمد المحبوسة لمدة 6 سنوات بسبب شيكات لا تتجاوز الخمسين ألفا لديها أي اهتمام بهذا الأمر. ما نرغب فيه هو أن نحيا العشرين سنة المتبقية من عمرنا دون قنبلة تنفجر فجأة، وأن تمضي أيامنا دون التعرض لسخافات الكمين كل يوم.

4- الثورة خلصت ولازم نسلم نفسنا

بغض النظر عن «الكيد» المتبادل بين شباب 25 يناير الطاهر النقي، ومؤيدي ثورة 30 يونيو. وموقف السيسي في المنتصف بين الاثنين. فقد دخلت ثورة 25 يناير في التاريخ الرسمي للسلطة بصفتها ثورة طاهرة نقية، مثلما دخلت حركة 30 يونيو.

لا تعش في الماضي، ولا تترك الحنين يلتهمك. نقد ثورة 25 يناير يجب أن يكون إحدى المهمات العاجلة، محاربة التسطيح الذي يمارسه الإعلام لثورة 25 يناير أهم كثيرًا من الاستسلام للعبة «شطة وفلفل» مع الفلول المحروقين. التحليل وإعادة التدبير يعنى أيضًا التحرك خارج تلك اللحظة الآن وفوراً، والتموضع في مكان وموقف جديد غير تعريف «شباب الثورة».

5- الناس تعبت

ومتى كانت الناس طوال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ والشقاء وعصر الشهداء والمجاعات وسنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية، طوال هذه الرحلة العظمى التي يتفاخرون بها كل يوم، ومع كل أغنية، متى كان ناس مصر مش تعبانة.

لكن منير ليس مسؤولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

 

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

لكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

Rotten Evidence: Ahmed Naji’s Incarcerated Fiction

On July 25, 2019, ARC in collaboration with apexart hosted Egyptian novelist Ahmed Naji, who was the 2016 winner of the PEN/Barbey Freedom To Write Award, for a lecture entitled “Rotten Evidence: Reading and Writing in Prison.” Naji was formerly sentenced to two years in prison when a literary magazine published a chapter of his novel. Naji discussed the growth and trajectory of his career as a novelist, what life was like in an Egyptian prison, the power of literature, his new project, and more. He is now a Shearing/City of Asylum Fellow at the Black Mountain Institute.

This event was supported by the Andy Warhol Foundation for the Visual Arts.

mahfouzinhospital_ahmednaji

When I first saw this picture, it was in 1995. I was sitting with my grandfather and we were watching the news and TV. And when this picture appeared he felt annoyed and sad. I was very young at that age and I asked him, “What’s going on,” and, “What is this story?” And he said it like, “Some kids tried to kill this guy.” And I asked him, “Why did they try to kill him?” And he said, “Because he writes.” At that age I was ten years old. I was reading mainly comics or books for kids and teenagers. And of course while reading I started to imitate what I was reading–I started writing. So suddenly my grandfather was telling me that someone tried to kill this guy cause he was writing. It stayed in back in my mind.

And I continue writing but I know writing is dangerous. So it goes on, I published my first novel in 2007, called Rogers, and then after a while I publish my second novel Using Life. When I published the novel I knew it was dangerous in Egypt and the Arab world. I knew also what is a red line. From an early age I knew that there are [three main] red lines that as a writer you cannot cross. The first red line is the religious mythology. You can’t come close to the Islamic mythology. [The second red line] the national identity imagination. You could talk about politics but you can’t talk about the imagination and the mythologies that created the national identity. The third red line is sex. When you are talking about sex there is a set of words assigned for you.

But I was seeing myself as birthing another Egyptian writer generation who are trying to use different language. So [my new novel] was published in 2014 and after it was published, I was in the south of Sinai on the beach and suddenly I received a phone call from my editor-in-chief (I used to work as a journalist back in Mansoura). He called and he said, “We just received an announcement from a prosecutor and they are summoning you to come do an investigation.” So we discovered what happened: a chapter of the novel had been published in the newspaper and a guy read the chapter and he went to the police station and said, “I read this chapter and it hurt my feelings. It affected my blood pressure and made me faint and it made me throw up.”

So the case was basically this: the prosecutor was saying, “This is pornography.” And we could say, “No, this is not pornography, this is literature.” We thought the worst scenario was they will fine us or something like that. But it ended up the court sentenced me to for two years. I was sent to Tora prison.

Because there is nothing to do inside this prison everyone is reading. Even people who never opened a book before, they start to read inside the prison because it’s the only way to make the time pass. And the collection of books they have in the prison is very interesting, because of course they have a big amount of religious books, but [surprisingly] there was a large amount of books that were banned outside the prison.

But when I was searching inside the prison I found this amazing novel … That Smell. So this novel was published by Sonallah Ibrahim. When he tried to publish it in 1969 … it was banned because of the sex. So I was shocked. It was impossible to find this edition back outside of the prison but suddenly I found it inside the prison library.

It’s interesting to see that people in prison after reading will start to write. Because usually prisoners feel, I don’t know how to describe it, but it’s kind of sorrow and pain, and they use writing to document this pain. For example, when I entered the prison I found this guy who’s always writing. He had been in prison for five or six years and he had, like, several notebooks. I called him the Marcel Proust of the prison. He said, “I’m wiring my diaries because I don’t want to forget the pain and the suffering that I [felt] here.” And he showed it to me and basically what he’s writing is, “Today is Sunday. I woke up at 10. I walk toward the bathroom. I eat two eggs.” So at the end when Marcel Proust was released from prison, on his way out the guard searched the bags and found the diaries and he read them and they had details about the prison and he said, “I can’t allow you to go out with this because it has details about the prison. So I’m not gonna sign your release paper until you burn it.” So this alerted me because back then I started to write in the notebooks that he allowed me. So in my notebooks I tried to not write any details about the prison. But I wanted to document my days, to not forget the days. So I used it to write my dreams.

Dreams are very important to the prisoner because dreams are the only window you have with the outside world. So you go to sleep and each time you go to sleep you hope you see your friends or family or the places that you are missing. Sometimes after a while you will start to play with your dreams. You will think all day of someone or something so when I go to sleep maybe it will visit me in dreams.

Dreams also bring a big role into most of Muslim and Arabic prisoners because in Islam and, I believe, in Christanity, we had this story about Yusef-Joseph the Prophet. So in the story of Yusef, he was sent to the Egyptian prison and he stayed in the Egyptian prison for seven years. So Yusef is in the prison and he was in his cell with two other prisoners. The prisoners have a dream and they told him a dream. After they had the dream he started to predict what was going to happen to them. He told one of them, “Well, your dream means you are going to get out of the prison and you will become a very important guy and you will become close to the king. And when this happens please don’t forget me and tell the king about me.” And the story goes on when the king had a dream, he was puzzled by this dream and so he told his adviser and suddenly his adviser remembered Yusef, so they summon him and he comes and he told the king what his dream was about: “In seven years you will not have food or the water will be low in the Nile.”

So as a Muslim prisoner, even as a Christian or Arabic prisoner, one of the hopes you have to get out of the prison is dreams. So I started to offer a prediction, and explain for others. People would wake up in the morning and come and tell me their dreams. Everyone in the prison started to trust me. So I became a holy figure within the prison.

Until I was in prison, I wasn’t looking at myself as a writer. I used to look at myself as a journalist, as a filmmaker. I was writing but I didn’t see myself as a writer, it wasn’t the main purpose of my life–until a small accident happened in the prison. So we had this guy and we are going to name him Mr. X. He was terrible and awful guy. So one day I woke up to go to the bathroom and I found Mr. X crying, crying like a baby. So I was worried, I went to him and asked him, “What happened? Are you OK? Something with the case?” He said, “No, no, everything’s fine. I was just reading this novel. I left it on my bed because even when I look at the cover, I start to cry again.” Suddenly I started to say, “What is the hidden power behind the literature and behind the writing that could reach and affect a guy like this?”

[My next book is called] Rotten Evidence. It’s about reading and writing in an Egyptian prison. I got out of the prison in December 2016. I married my wife Yasmine and she got a scholarship in Syracuse, New York. The plan was to join her after that and then I tried to leave the country and I wasn’t allowed to leave the country. I wasn’t allowed to leave the country as a free man. I wasn’t allowed to leave the country for a year and a half. And this year and a half was harder than being in prison.

So it took me a year and a half [but] finally I was able to get a short window for one week, so I was able to join my wife and we moved to DC. Then with help from PEN America and many music friends from this sphere in the state I was able to get [a] fellowship at the Black Mountain Institute at UNLV in Vegas.

Thank you.

Edited for brevity and clarity by Olivia Salama, September 2019.

أين مقبرة الموسيقي؟ – فصل من رواية استخدام الحياة

 

 

01_02line
من رسوم أين الزرقانى ضمن رواية استخدام الحياة

 

أنا بردت” قالتها ثم تلفتت إلى الخلف. تناولت تى-شيرت أبيض مُلقى بإهمَال على نهاية السرير. ارتدت التي-شيرت، ثم أكملت لف الجوينت. سوت أطرافه ثم برمته، صنعت في نهايته طربوشاً صغيراً. تناولت الولاعة وأحرقت الطربوش. في العتمة بدا كأنه يحترق ببطء لكن بمتعة. شعرت بحكة خفيفة على طربوش زبي، وبرغم ذلك هرشت في شعر العانة. مدت الجوينت إليّ، فابتسمت وتناولته منها بينما عدلت هى من وضع الوسَادة واتكأت عليها لتتمدد نصف جَالسة في مواجهتي. حلمتا نهديها الصغيرتين بارزتان من أسفل التى-شيرت وسيقانها ذات الصوت الهادئ مفتوحة في مقابلتي. رائحة دهن عطري فواح تنبع منهما.

ربما قلت نكتة أو إفّيهاً ما، ضحكتْ، وحكتْ حكاية قصيرة حدثت مع واحدة من صديقاتها. ضحكنا ودخنّا. وقبل أن ينطفئ الجوينت كنا قد تساجلنا حول موضوع ما بالتأكيد يتصف بالتفاهة، انتهى الأمر بقمصة من الطرفين، وكالعادة فقد تراجعتُ عن موقفي وأخذتها بين ذرَاعَي في دردشة قصيرة قبل النوم. وحينما فَتحت عيني شاعراً بالعطش استيقظت فلم أجدها بجواري.

نور خفيف يتسلل من النافذة «راحت عليا نومة ولا إيه» مددت يدى باتجاه الموبيل، كانت الساعة لا تتجاوز السادسة صباحاً. بَحثت عن زُجَاجة الميَاه بجوار السرير فلم أجدها. كأن أجفاني معلق بها أثقالاً صفراء، العقل مشوش آلاته تحاول العمل لكنها تحتاج للماء. خَرجت من الغرفةِ عَارياً، فى هذه اللحظة بالتحديد لم أعرف هل أبحث عنها أم عن زُجاجة المياه. في الصالةِ وجدتها نائمة فوق الكنبة وبجوارها الكلب نَائماً في وداعة، ولكي أصل إلى الثلاجة حيث الكثير من زُجَاجات المياه كان يجب أن أعبر الصالة دون أن أوقظ الكلب على الأقل، وهو الأمر شبه المستحيل. دائما ما كنت أخشى مواجهه الكلب عارياً بل كل الحيوانات كنت أخشاها عارياً. لهذه فضلت التوجه إلى الحمام ووضعت فمي تحت الصنبور. بللت يدي ومسحت بها على وجهي. أخذت أدعك أجفانى تحديداً بالماء مُزيحاً أثقال النوم، كنتُ أريد الرؤية واضحة. حتى وإن تأخر استيقاظ باقي أعضاء جسمى فالعين يجب أن تستيقظ الآن. أن ترى الآن! وهنا حيث سيبدأ كل شيء. نظرت لوجهي في المرآة. وطرحت على نفسي السؤال بشكل جدي..

لماذا أنا هنا؟

إذا كنت أتحمل كل حذلقتها وحماقاتها وهلاوسها ومخاوف وهواجس أزمة الثلاثينات التي تمر بها، فما المقابل.. على الأقل حتى لو كنت أحبها ومازلت شغوفاً بها فلا يوجد أي معنى لوجودي هنا، حيث إنه من الواضح أن وجودي يسبب خللاً في عَالمها، بدليل أنها تركتني وخرجت لتنام وحيدة على الكنبةِ.

دخلت الغرفة وارتديت ملابسي بهدوء مُحَاذراً من أي صوت، وضعت “الموبيل” في جيب البنطلون وتأكدت من وجود المحفظة في الجيبِ الخلفي. أذكر بدقة أن نَسمة هواء عَبرت الغرفة من الشبَاكِ مُحمَّلةً برَائحة النعناع المزروع في شباكها. لم أكن غَاضباً أو مُستاءاً. لكن ما أن فتحت الباب حتي استيقظ الكلبُ ونَبح نبَاحاً قصيراً لمحته يقف على أقدَامِه الأربعة ويهم بالهرولة نحوي، فأغلقت الباب سريعاً وخرجت.

قررت ألا أدخل هذا المنزل بعد ذلك أبداً، لكن متاهات الحوادث القدرية قادتني إلي هناك مرة ثَانية، في تلك المرة التي تَكشف فيها لي جزء كبير من الحقيقة، حملت الكاميرا ووضعتها أمام ريم وهذه المرة لم يكن هناك كلب، ولا سجائر، بل ريم فقط وعلى رأسها حجاب، وفي عيونها رأيت انعكاس الظل لما هو قادم وأدركت أي كارثة  قد دفعت فيها سفينتي.

علاقتنا لم تنقطع، بقي الود وقدر من الحنين. حب مدخن كسمك الرنجة.

*       *        *

أحياناً أفكر أن كل ما حدث لي طوال حياتي كان نتيجة لضغوط أبي الذي رباني على عبارة “عايزك تطلع من الأوائل” أغرق مُتذكراً حياتي، وأشعر بضيق بالغ. لماذا لا أشعر بالسعادةِ مثل بقية الناس؟

وهل يشعر بقية الناس بالسعَادةِ، سؤال أكثر اتسَاعاً، الخاص يَعكس العام، والعَام يفشخ الخاص، والاثنان يغرقان في التعاسةِ.

لكني أحياناً أشاهد زوجين في مكان عام، أو امرأة تحتضن طفلها، أو صديقين يتأملان واجهات المحلات ويضحكان على نكتة مشتركة. أجد إن الآخرين يشعرون بالسعادة، فأنظر لحالي، لمَ أنا؟ ولمَ لا؟

من بين الآخرين هناك من ينظر لك ويسألك لماذا لا تكون سعيداً مثله. يوماً ما حينما يقرر الله مكافأة الإنسان على شقائه في هذه الدنيا، فسوف ينتزع عنه البصر والبصيرة. يرده للسعادة.. للصفاء الروحى والسكينة النورانية.. بهيمة عمياء ترعى في حدائق الجنان الخضراء.. لا تعرف من المشاعر إلا سعادة إشباع الشهوات والاحتياجات. هكذا هى الجنة.

بينما هنا في تلك الحياة. صحراء شمسها شوكية. تائهون تبحث عنا الأشياء ونظن أننا من نبحث عنها. ريم مثلاً لم يكن لدي أي مشاعر تجاهها. كنت أراها حينما تأتي إلى المُنظمةِ الحقوقية التي عملتُ فيها بعد تخرجي لتنجز بعض مهام الترجمة. شهور مَعدودة هناك ثم فقدت أى نوع من الإيمان بالعملِ المدني، بصراحة كنت أعمل في هذه المنظمة لأني لم أتمكن من الالتحاق بوزَارة الخَارجية وفضلت مثل مُعظم زُملاء الدرَاسة المهووسين بالليبراليةِ الالتحاق بتلك المنظمة. وحينما ظهرت الفرصة للعمل كمعد أفلام تسجيلية ثم كمنتج فني بأجر لم أكن لأحلم به. ودعت العمل المدني. تَركت الشقةَ التي كُنت أعيش فيه مع اثنين من رفَاق الجَامعة، لأنتقل لشقة أخرى في مدينة 6 أكتوبر وقتها[1]. وحينما احتجنا في الشركةِ لترجمةِ أحد أفلامنا إلى الانجليزية بحثت عن رقم تليفونها ليحدث أول اتصال مُبَاشر بيننا.

تبع اللقاءَ الأولَ الرسمي، والذي شمل شرح أبعاد العمل المطلوب منها رسالةٌ وصلتنى منها بعدها بأيام على الموبيل. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل وكانت دعوة لشرب البيرة فوق سطوح فندق «أوديون» بوسط البلد. ذهبت وبعدها بيومين كنا نطبع آثار أسناننا على لحم كل منا أثناء ممارسة الجنس على أريكة منزلها.

 

.*       *        *

 

 

ثاني يوم غادرت فيه بيتها نهائياً تحت غطاء الليل تلقيت اتصالاً تليفونيا منها، نشبت بيننا مَعركة كلامية حَفلت بالكثير من الألفَاظ البذيئةِ ثم أغلقت التليفون في وجهي، لم أعرف لماذا تصرخ في وجهي، وما هو الموضوع، ولا أين يقع الخطأ. لكني أيضاً كنت أرد السبة بالسبة، والصرخة بالصرخة ولم يكن يعنينى ما سوف يحدث أو ما سيكون. كانت هذه النهاية وكنت أدير المحادثة بمنطق «كس أم الفيل والمنديل”. عَاهدت نفسي ألا أرد على مُكَالماتها بعد ذلك، وإمعاناً في تَحفيز النسيان بحثت عن اسمها على الموبيل «ريم” وبدلته بـ “X3” لتصبح النمرة الثالثة التي لا أرد عليها مهما تكررت مرات الاتصَال.

ظللت طوال اليوم مَشغولاً بالبحثِ عن إجَابة لما حدث. يمكنني أن أتحمل أي غباوة من غباواتها، أن أتحمل تلك النظرة التى تحمل قدراً من أمومة تَتسرب من بين يديها وأحسها مع لمساتها على وجهي. جرس إنذَار. كارت أصفر. تذكرني أنها أكبر مني بسبع سنوات، لكن في نفس الوقت هذا هو ما يجذبني إلى تلك العلاقة. إنها خرَاء مَشوى. قطعة إستيك مُجفف. شريحة جمبري غارقة في السمن البلدي. كل هذا مقبول، لكن لن أقبل أن استيقظ من النوم ولا أجدها بجواري. خصوصاً إذا كنت في شقتها، هذا غير أخلاقي، غير عاطفي، تصرف فج ووقح وهى تعرف ذلك جيداً. أنا أعرف أنها تعرف أنني أعرف.. يا لها من جملة. لهذا كان لا بد أن أترك شقتها، منزلها، لها. وكل هذه الفجاجة تحتاج إلى وقفة، لكنها فضلت أن تكون وقفة طويلة وللأبد.

في الليلة الأخيرة وقبل أن ننام كنا نستمع إلى موسيقى تنتمي إلى روك الستينات، شيء ما لليد زبلين، ماريسون واحد من هؤلاء الخراتيت العجائز، وكالعادة جرتنا هى لمُنَاقشة موسيقية أنهتها بعبارة:

بص يا بيسو.. الموسيقى ماتت في السبعينات.

قلبت الحوار وسألتها:

طيزك قرعة.. طيب والمقبرة دى فين؟ وين مقبرة الموسيقي؟ أين محراب الموسيقى حيث يرقد جثمانها الطاهر؟ جاوبيني أيتها الآلهة القاسية.. أين مقبرة الموسيكا؟

اكتفت وهى تطفئ الجوينت برسم ابتسامة خفيفة على شفاهها كأنها سحابة على وشك التبول فوق مدينة أوروبية. رددت عبارة موجزة قالتها ببطء وبصوت أقرب للهمس «بُص للمزبلة اللى حواليك» تبعتها بتنهيدة وعبَارة أقصر «بص للشوارع».

بعد مُكَالمة الانفصال فكرت كثيراً هل سبب كل ما حدث أنني استفززتها في حديث «هرتلة حشيش» عن مكان مقبرة الموسيكا؟

كل هذا الآن يبدو سَخيفاً وتفاصيل هامشية لا أعرف لماذا بدأت بها. لكني أعرف وأثق أن اللحظة الحقيقية لكل ما حدث هى اللحظة التى تلت هذا الانفصَال بأسبوعين حينما تلقت «ريم» تلك الرسَالة القصيرة على موبايلها باسمي. سوف أعلم بعد ذلك، أن هذا الرسَالة المُزيفة كانت أول اتصال بينها وبين «المنقذين» كما ستطلق على كافة أعضاء الجمعية الذين التقت بهم أو قابلتهم. تم استغلال اسمي في تحقيق هذا الاتصَال الأمر الذي يجعلني واثقاً أنهم كانوا على درَاية وعلم بالكثير من تفَاصيل علاقتنا.

وصلتها الرسالة:

“أحتاج 400 جنيه ضروري جدا. مطعم ماجو شارع شمبليون[2]. بكره الساعة1”

 

 

 

 

 

 

[1]           لم تكن 6 أكتوبر وقتها قد أصبحت محافظة، وبالطبع كان هذا قبل انشاء الميناء وتحول أكتوبر إلى ما ستكون عليه الآن. كانت أكتوبر لا تزال طفلة وليدة ترضع ناراً ودخاناً وحيوانات منوية من ثدي القاهرة.

 

[2]           على سبيل الفضول نقبت في نسختى الخاصة من الأرشيف عن سجلات الجمعية التي نجحت في الحفاظ عليها، كان من الطريف أن أعلم أن أخ شمبليون كان أحد الآباء الفاتحين الأوائل، والداعمين بعد ذلك لأفكار السمعانى.

 

تعليق سريع على مسألة الوائل

إذا كان وائل غنيم صادقاً في البحث عن مغفرة وتسامح مع الآخر والعالم، إذا كان جاداً فيما يقول وإن كنت أظن أن الأمر لا يعدو أكثر من طلعة انفعالية من بكاءه وانفعالته العاطفية التى عودنا عليها، إذا كان فعلا يشعر بالذنب أو لا يشعر فليرد الدين إذن وينطق بالحقيقة كاملة ولو مرة واحدة:
-أين ذهب مشروع أكاديمية التحرير؟ وأين ذهبت أمواله؟
-ما الذي جري في عشرات الاجتماعات واللقاءات السرية التى حضرها وتحدث فيها بالنيابة عن الثورة، والشعب، وحق الشهداء والميدان، على ماذا تفاوض ومع من؟
-إذا كان حقاً يشعر بالمسئولية، ويرغب في التكلم والتعليق على محمد على وكيل المديح للرجل الطيب السيسي، فلماذا لا ينطق بحقيقة ما حدث؟
-جلد الذات والبكاء جميل خصوصاً ونحن في موسم عاشوراء، لكن وائل ودائرته من شباب الثورة، طوال سنوات تفاوضوا باسمنا، واتخذوا قرارات، وأجتماعات مع أطراف سياسية مصرية، وعربية، ودولية، دون أى قدر من الشفافية، وحتى الآن لم يعلنوا لنا الحقيقة أبداً… من يرغب في جلد الذات فالكرابيج السودانى موجودة والحمد لله، لكن من يرغب في تجاوز مرحلة الدروشة والعياط على الثورة المغدورة، فعلينا أن نسأل وائل وأمثاله عن الحقيقة، وعن كل ما دار في الاجتماعات المغلقة
 
ملحوظة آخيرة: تسطيح الأموور وقفل أى نقاش بحجة أنه منهار نفسيا وانظر ماذا فعل فين السيسي، حقارة بالغة الصراحة وليس انسانية، لا وائل مجنون يهزى، ولا نحن مرضي نفسياً أو انعانى من مشاكل داخلية، مشاكلنا كلها خارجية وسببها الواقع الذي نعيش فيه، والذي تسببت فيه وخلقته أطراف كثيرة من ضمنها وائل غنيم نفسه

الشك باليقين -5- سلسلة هزلية غير مكتملة

في صباح اليوم التالي، أخذونى مع ثلاثة آخرين في عربة ترحيلات جدرانها من الحديد الصفيح لا تحتوى إلا على أربع نوافذ صغيرة مغطاة بشباك معدنى، كان الجو حاراً داخل هذا الفرن المتنقل والعرق ينز من كل مسام جلدى. لا أعرف كم استغرقت الرحلة حتى وصلنا لمدينة السجن المقسمة لمجمعات سجون مُختلفة. توقفت العربة ونزل منها الثلاثة المصاحبين لى بينما بقيت وحيداً وألم خفيف يحرق أحشائي ومثانتى.

بعد نصف ساعة من التوقف تحركت العربة مرة أخري وتزايد ألم مثانتى وامتلائها. أرضية العربة كانت مغطاة بالزبالة والطين وأكياس البلاستيك وزجاجات المشروبات الغذائية الفارغة. تناولت واحدة، فتحت غطائها، انزلت البنطلون الذي أرتديه ووجهت حشفة قضيبي نحو فتحة الزجاجة، فخرجت مياة البول صفراء دافئة. ارتخت أعصابي وجسدى في راحة عظيمة وشعرت بغلالة سوداء تزاح من على عقلي وكان أول ما فكرت فيه أن حقيبتى سوف تخضع للتفتيش لدى دخولى السجن. ولم أكن لأتحمل المغامرة بفقدان أو مصادرة أوراقي. فتحت الحقيبة/الشنطة وأخرجت الأوراق منها، كذلك كريم الشعر مستعيداً ومتذكراً كل نصائح كسح.

توقفت العربة مرة آخري. هذ المرة حينما فُتح الباب لم يكن هناك غيري في العربة سحبنى الميمون وأدخلنى من بوابة السجن حقيبتى في يدى وفي اليد الآخري القيود الحديدية التى يسحبنى منها. أغلق باب السجن خلفنا ما أن عبرنا لم أعرف الضابط من العسكري من الميمون منهم. كان هناك اثنان من المساجين أوقفونى بجوارهم. صاح أحد الحراس فينا “اقلع أنت وهو كل هدومك” بينما الآخر يفتش حقائبنا.

على اليمين تراصت مجموعة من المكاتب الإدارية وعلى يساري غرفة كتب على بابها غرفة الزيارة. والساحة الصغيرة التى نقف فيها بين كتلتى المبانى تنتهى بباب حديدى آخر. وخلفنا باب السجن الرئيسي الذي دخلنا منه. الشمس تغرق السجن بأشعتها التى تحرق أجسادنا العارية إلا من كلوتات تكسو عورتنا بينما عيون الحرس تفحص الظاهر منا. مد الحارس ذو العيون الملونة والأصابع الخشنة -سأعرف بعد ذلك أن اسمه مدنى- يده اليمنى نحو أحد المساجين ممسكاً بكتفه فاحصاً الوشم الأخضر على كتفه ثم سأله بصوت أجش “أنت دخلت سجن أيه قبل كدا؟” أجاب المسجون بصوت خافت لم نسمعه فدفعه مدنى نحو زاوية يفترض أن تكون حمام بلا باب مشيراً لزجاجة بلاستيكة بجوار مدخل الحمام تفور منها رغاوى الصابون “طيب خش ارفع المياة والصابون وشخ ورجع”. حبست أنفاسي متخوفاً من التجربة المهينة متذكراً ما حكاه كسح وكيف يجبرون المساجين على شرب المياة بالصابون وأكل الحلاوة الطحينة واحتجازهم حتى يتبولوا ويتقيئوا ليتأكدوا من فراغ أمعائهم.

لكن انقذنى صوت “مدنى” من قلقي وهو يسلمنى بنطلون وقميص بلا أزرار أزرق اللون ومن قماش خشن. “وأنتم البسوا دا، أى هدوم ألوان معاكم ستحفظ في الأمانات، ولأول وآخر مرة بقول لكم، أى حد معاه موبيل، شريحة تليفون، أداة حادة، أى أدوية، مخدرات، أو حاجة كدا أو كدا يطلعها دلوقتى عشان بعد كدا لو حاجة ظهرت النتتيجة مش هتكون كويسه”. من حقيبتى أخرج عسكري التفتيش كتاب إيزيس، ناوله لمدنى الذي قلب الكتاب كجثة أرنب مسلوخ، ثم نظر باتجاهى وخاطبنى “الكتب ستراجع في المباحث وإذا سمحوا بها سوف تعاد لك، إذا لم يسمحوا سنضعها في الأمانات لتستلمها عند خروج أو أهلك إذا جاءوا لزيارتك”.

 

11.4.jpg
صورة من داخل احد ممرات سجن طرة

 

قادنا مدنى نحو الباب الحديدى في نهاية الساحة ونحن نحمل حقائبنا التى أصبحت أخف بعدما صادروا منها ما اعجبهم. عبرنا الباب إلى ساحة واسعة تتوسطها حديقة مهملة ومبنى من طابقين مطلي بالأرزق. دخلنا المبنى وصعدنا السلالم نحو الدور الثانى. كان هناك صدى خافت لأغنية قديمة لأم كلثوم تنبع من أحد الزنازين ويتردد في ارجاء السجن. توقفنا أمام باب حديد علقت بجواره لافتة مكتوب عليها 2/4. فتح حارس آخر يرتدى ملابس صفراء الباب مستعينا بمفتاح حديد ضخم. قادنى مدنى إلى الداخل، كانت غرفة/عنبر مطلية بالأصفر تقريباً تبلغ مساحتها 6 أمتار عرض في 20 متر طول على الجانبيين بنيت من الخرسانة مراقد النوم من مستويين. أشار الحارس ذو الزى الرسمى الأصفر لمرقد علوى وقال “أنت هنا يا كامل” وضعت حقيبتى بينما وقف جيرانى في المرقدين السفليين وابتسامة ترحيب على وجههما. خرج الحارس وأغلق الباب وبدأت حواسي في استيعاب اضاءة المكان ورائحته المكتومة. أجلسنى حمادة الذي ينام أسفل منى بجواره وعزم مختار الذي ينام مقابلاً له بكوب شاى علي.

كان هناك الكثير من عبارات الترحيب والابتسامات التى كنت أرد عليها بابتسامة حظرة وشعرت أن خجلى القديم يعود لى والدم يندفع خجلاً إلى وجنتى، تطوع أحدهم بتهيئة فراشي حيث علق حقيبتى في مسمار أعلى المرقد الذي فرد عليه بطانتين بعدما طبقهم ليصبحوا كأنهم مرتبة. اقترح حمادة عليّ الاستحمام ولم أكن قد استحممت منذ يوم المحاكمة. أخرجت غيار داخلى ومنشفة واتجهت لنهاية العنبر حيث خمس حمامات على اليسار وعلى اليمين سخان كهربائي لطهو الطعام بجوارة ثلاث أحواض لغسل الوجه، دخلت الحمام الأول وأغلقت الستارة البلاستيكة القذرة خلفي.

دشٌ معدنى في الأعلى. وفي الأسفل مبولة بلدى تطفو داخل عينها قطعة خراء بنية الون. خلعت ملابسي ثم قرفصت جالساً في وضع التبول لكن بعيداً عن حفرة الخراء. أغمضت عينى في تركيز وكتمت أنفاسي لثوانى لأركز قوتى في عضلاتى التى تحزق، شعرت بأثر الضغط في أمعائي لكن بلا نتيجة. أخذت نفس أخر وكررت الأمر ثانية بلطف أولاً ثم أقوى قليلاً وقد شعرت بعضلات دبري تستجيب هذه المرة. نظرت لأسفل ما بين فخذى لم يخرج شئ بعد. حزقت أكثر فظهر طرف الكيس البلاستيكى خارجاً من صرم طيزى. كان الألم موجعاً في أمعائى لكن مع كل حزقه وكل دفع كنت أشعر بالراحة كأن الألم يولد منها منفصلا بوجعه. مددت يدى بين ردفي، وأمسكت بأصابعى أطراف الكيس، وبالتزامن مع الحزق أخدت اسحب الكيس خارج صرم طيزى وبفضل كريم الشعر الذي دهنته كانت الولادة/ الاخراج انسايبية، حتى خرج الكيس كاملاً وبداخله الأوراق مطوية على شكل أسطوانة وقد علقت بعض قطع الخراء بالكيس الذي يغلفها. فتحت المياة، وتحت القطرات المنسابة من الدش غسلت الكيس مزيلاً آثار الخراء وكريم الشعر قدر المستطاع. فردت الكيس فاستويت الأوراق التى يحتويها.

منذ سنوات بعيدة وفي يوم واحد عرفت أن حب حياتى وزوجتى قد ماتت أثناء قيامها بعملية إجهاض على يد ذات الطبيب الذي كانت تخوننى معه وحملت منه دون أن أعرف. في ذات اليوم ماتت أمى أمام عينى بالسكتة القلبية بعدما انفجرت فيها معنفاً ومهيناً كل ما بذلته من أجلى. قتلت أمى الحبيبة ذات القلب الضعيف بكلماتى الخارجة القاسية لكنهم قالوا أن وفاتها طبيعية وقضاء قدر، وكان عقابي الوحدة واليتم والألم حينها اكتشفت الكتابة لأول مرة، لكن ظهرت عطيات والكأس والبار وانتزعونى من الأوراق. وتطلب الأمر سنوات لأنسي ثم لأتذكر حتى أعود للكتابة، واكتب قصتى في شكل رواية، وبسببها تم التنكيل بي ودُفعت للمحاكم ومعدة العدالة الامبراطورية لهضمى وإعادة تشكيلي وتوجيهى. وها أنا مرة أخري وقد فقدت كل شئ، عطيات والبار، وحريتى لكنى ما خشرت السبيل، لدى الكتابة وأوراق وثلثي روايتى الثانية التى أعمل عليها، وعلى الورقة الأمامية اسمى. أنا كامل رؤوبة لاظ وهذه ليست حكايتى فقد حكيت قصتى سابقاً.

 

 

 

 

 

 

الملك سليمان

ما أن طلبتُ الاسبريسو بالحليب والكريمة البيضاء، حتى اقترحت أن ننهي مشروباتنا ونذهب للمنزل، لكنها بزهق قالت: «أحمد، نحن لا نفعل أي شيء مؤخرًا  إلا السكس.. هل هذا ما تريده لعلاقتنا؟ اليوم أريد أن أتكلم، لماذا لا تصنع شيئًا؟ متى يتغيّر وضعنا هذا».

تنهدتُ وأرجعتُ ظهري لمسند الأريكة البرتقالية، مددتُ يدي لعلبة السجائر، وهيّأتُ نفسي للعتاب، لليأس، للزهق، والزعيق، فأي كلام خارج الفراش لا يأتي من ورائه إلا كل ما سبق. كنا جالسين في مدخل باب الكافيه وقبل أن أخرج سيجارتي، دخل رجل يرتدي جلباب أبيض وعقال، يمشي مُتكئًا على عصا أنيقة. حركته بطيئة، عيون زائغة، وملامح مألوفة في غلظتها. اقترب نحو طاولتنا ونطق كلمات مضطربة بلهجة قحطانية، لم أفهم ما يقول، لكن خمنت فورًا مَنْ يكون.

انتصبتُ وقلت لها: «حان وقت التغيير، يا حُبي». مددتُ يدي ليتّكئ عليها الملك سليمان، وهمستُ في أذنه الكبيرة التي يخرج منها الشعر: «سيدنا رايح على فين؟».

لم يجب على سؤالي، لكن همس بمزيج من كلمات الشكر والبركات.

قالت: «إلى أين أنت ذاهب؟». قلتُ لها: «إنما النصر صبر ساعة، خلينا نشوف أي مصلحة من الملك سلمان».

دعوته للجلوس، لكنه اعتذر وقال إنه يبحث عن قهوة السواقين، مازحته وقلت: «بل هذا كافيه الشباب المحرومين»، ضحكتُ لكنه لم يضحك ولم يدرك الإفيه. خفتُ أن ينتبه الجالسون والعاملون في الكافيه لنا فتطير المصلحة، أخذتُه للخارج صانعًا من البحر طحينة، متمايلًا أمامه شبيك لبيك.. لك ما تريد.

بلا ريب كان هذا هو الملك سليمان، توسم في الخير قال، وأنه غافل الحراس وخرج من مقر الإقامة الملكي، لأن معظم الحرس ما هم إلا جواسيس يعملون لصالح ابنه ولي العهد، فكل ما يريده أن يذهب بشكل سري دون أن يدري أحد من خاصته.

-لكن إلي أين تريد أن تذهب يا مولانا؟

أخرج من جيب جلبابه رزمة ريالات، كبش منها وكرمشها في يدي، تلفتَ حوله وهمس في أذني: «كفر الشيخ، أبغي سيارة توديني كفر الشيخ الحبيبة».

«حبًا وكرامة» قلتُ له، ومشينا من ميدان التحرير حتى طلعت حرب.

كنتُ قد تركتُ سيارتي في أحد الجراجات هناك منذ يومين، وأعطيتُ المفتاح للسايس حتى يغيّر الزيت والفلتر. وقفنا على باب الجراج، شاهدتُ السيارة الفيات الخضراء القديمة، لكن لم ألمح حمادة السايس، سألتُ عنه فقالوا: «إجازة، اطلع السطوح يمكن يكون نايم».

قلتُ للملك سليمان: «انتظرني هنا»، وصعدتُ سلالم عمارة الشرق للتأمين، كان الأسانسير مُعطلًا، توقفتُ في الدور الثالث وأنا أنهج، ثم في الدور الخامس كان العرق يخرج من كل مسام جسدي، كنّا في شهر مايو ودائمًا ما تفائلتُ بالصيف. وصلتُ السطح فوجدتُ طفلة في السابعة تحمل رضيعًا عاري الطيز على كتفها. سألتها: «يا شاطرة فين غرفة حمادة السايس؟».

أشارت للسطح الممتلئ بالحيوانات وغرف الغسيل التى تحولت إلى غرف إيجار مكدسة بالعائلات والشقيانين، قالت: «المتلفت لا يصل، في آخر الردهة أمام بابه سبعة أحجار».

اتبعتُ نصيحتها لكني لم أصل. تلفتُ حولي وسألتُ آخرين صادفتهم فدلوني على الغرفة، لكن حمادة لم يكن فيها. دفعتُ الباب، دخلتُ، فوجدتُ كنبة هي في ذات الوقت سرير، وطبلية عليها صنية فيها ثلاث قلل. عطشانًا رفعت أول واحدة، لكن كانت خالية، ثاني واحدة هززتُها قبل رفعها لشفتي كانت خالية، ثالث واحدة وأصغرهم أمسكتها خالية كذلك.

نزلتُ مسرعًا وقد خفتُ أن يقودني البحث عن حمادة إلى ما يعطلني، خصوصًا مع كل هذه العلامات المتعاقبة للقلل الخالية. بينما أهبط سلالم العمارة، أخرجتُ ريالًا من كبشة الريالات التي كرمشها لي الملك، على الريال صورته كما الهيئة التي تركته عليها في الأسفل على باب الجراج، وإن كانت الهالات السوداء أسفل عينيه أكثر سودًا وامتلاءً بالضَغن والغِلّ.

عدتُ للجراج، فوجدتُ الملك سليمان واقفًا في الظل، متكئًا على عصاه، وقد أرتدى نظارته السوداء ذات الإطار الذهبي. فتحتُ موبايلي وقلتُ أمري لله، طلبت «أوبر» ووضعت الوجهة «كفر الشيخ».

ما أن لمحني الملك سليمان قادمًا حتى صاح معاتبًا: «يا أخي حرام عليك، لابد أكون في كفر الشيخ قبل صلاة المغرب، وإلا ينتبهون عليا ولغيابي، ويضيع كل الترتيب».

رفعتُ السبابة للسماء وقلت: «واللي خلق الخلق وفطر السماء وشق الفول نصين، قبل المغرب نكون راجعين وتكون مخلص مشوارك ولا الجنُّ الأخضر يعرف طريقنا، ثوانٍ والسواق الخصوصي بتاعي يكون هنا بالسيارة».

سألتُه إلي أين سنذهب في كفر الشيخ، قال إنه تزوج من فترة ببنت صغيرة، سحرته من أول لمسة. وصفها لى برقة: «والله النسيم يعدى من بين شعرها، أسمعه يقول آهات».

شغفه بالصبية أفقده اتزانه. قلبه لم يتحمل الهوى ونعيمه في سن المائة وعشرين، تعرّض لوعكة صحية وسافر للعلاج في الخارج حيث أحضروا له قلب شاب طازج، رموا قلبه القديم ووضعوا له قلب شاب صالح للعمل لثمانين عامًا على الأقل. عاد لمملكته فوجد الصبية لم تعد موجودة في القصر. نسى الأمر، وانشغل بمشاكل الحكم، لكنه الآن وقد أحس بدنو الأجل منه للمرة الخامسة فكر أنه في حياته لم يظلم سوى هذه الصبية، فلقد أحبها بصدق ومنحته حبها بكل إخلاص، لكنه رضخ لضغوط ولي العهد ومؤامرات الملكة الأم. والآن يأمَل في طلب الصفح، ومَنْ يدري لعل بئر الحب لا يزال فيه رشفة أخيرة.

ركبنا السيارة، وما أن تحركت وشغل السائق التكييف حتى نام جلالة الملك على نفسه، راقبته متأمّلًا وقد لعبت بي الظنون. تطبيق «أوبر» قال إن المشوار سيكلفني حوالى ألف وثمانمائة جنيه، طلبتُ من السائق أن يتوقف أمام ماكينة صرف آلي في طريقنا، سحبتُ الفلوس ولم يعد في رصيدي إلا خمسمائة جنيه. في طريق عودتي للسيارة أخرجتُ كبشة الريالات وأخذتُ أعدها لأجدها سبعة عشر ريالًا.

«أحييه» خاطبتني نفسي وهي أصلًا من الإسكندرية، «ملك وحينما يعطي يعطي سبعتاشر ريال؟». قلتُ لها: «ما هو ملك برضه هيعرف منين الريال بكام ولا يجيب إيه».

عدتُ للسيارة وكان لا يزال نائمًا، فردت الريال في يدي تأمّلتُ صورته على الريال يبدو فيها أصغر قليلًا وبلا ذقن.

جسد الحقيقة بجواري على الأريكة نائمًا على روحه. تهتز السيارة على المطبات، فيسيل من فمه خيط من اللعاب يلوث ذقنه، استعرتُ منديل كلينيكس من السائق، ومسحتُ اللعاب المُنساب، لكن الذقن خرجت في يدى، اندهشت ولم أعرف كيف اتصرف.

هل أعيد الذقن المستعارة لمكانها؟

هل أتركها؟

هل هذا هو الملك؟

هل الأمر مصلحة أم اشتغالة؟

إلي أين سنذهب في كفر الشيخ؟

هل سيكافئني على خدماتي؟

هل يكون لصًا ويقودنا إلى عصابة تستولي على ما نملك أنا وسائق الأوبر، وتغتصبنا؟

شخرت نفسي السكندريّة من هواجسي هازئة، الفأس وقعت في الرأس. لا داعٍ للقلق والأسئلة، فالمياه ستكذب الغَطّاس، ساعات وسنعلم أي منقلب منقلبين.

DsaKLCkXoAA1FNk.jpg