بعد فترةٍ من استيلاءِ قوّات الفصائلِ المتحالفة على دمشق، وإعلانِ أحمد الشرع نفسَه فاتحًا ورئيسًا، صرّح بأنّه لا يريد إحياء صراعات مرَّ عليها أكثر من ألف وأربعمائة عام، في إشارة إلى سلسلة الحروب التي دارتْ في المنطقة آنذاك، وخلقت الانقسام الشيعيَّ– السنّيَّ. بعدها بشهور حين تولى دونالد ترامب مسؤولية إدارة الإمبراطورية الامريكية، ظهر في أكثر من لقاء مستخدمًا كلمات وتعبيرات -عند حديثه عن جغرافيا المنطقة- تعودُ إلى نهايةِ العصرِ البرونزيِّ (حوالى 2600 عامًا مضت). لكن رغم أمنيات الهروب من الماضى لدى الشرع، أو تمنى الماضى لدى ترامب سريعاً ما تورط الاثنان في مجازر تجدد حروب الماضى.
يعود الماضي يعود. لأنَّ شروطَ الماضي تتكرّر. فموجة التغيّرِ المناخيِّ التي عصفتْ بالمنطقةِ في نهايةِ العصرِ البرونزيِّ، تعود اليوم بشكل أعنف، حيث تشحُّ الموارد، وترتفع حرارة الكوكب، كلُّ ذلك خدمةً لبضع عائلات مالكة وحاكمة، لا ينضب جشعُها ولا حبُّها للبترول.
وفي سبيل ذلك ينطلقُ أبناء الساميينَ القُدامى في رحلة تشبهُ تلكَ التي قامَ بها “الأبُ”، ليُدمّروا كلَّ أشكال الاتفاق والهويات السياسيّة والمعرفيّة التي انتجتها شعوب المنطقة، ضمنَ تحالف كان من سخرية القدرِ أُطلقَ عليهِ اسم “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
لكن، لربما هناك مسعى آخر. لربما، إن تجرّأنا على تجاوز الأب الإبراهيمي، وهجران إرثه، تكلّلت جهودنا بالنجاح. إن أدركنا ما يختبئ خلف عودة البلاغة الإبراهيمية القديمة، على ألسنة الشرع الجولاني ودونالد الترامبي، لربما يمكننا أن نتخيل غدًا أفضل، غدًا لا يقود إلى الأمس.
رسم: علي السيد
حكاية قديمة
من منظور عصرنا سواء نظرت عبر نافذة الصوابية السياسية أو المسلسلات التلفزيونية يمكن توصيف الحكاية المتداولة بأنها سيرة شخصية مستبدة، لأبٍ لا يكتفي بإيذاء أبنائه وتفريقهم وحرمانهم من الميراث، بل يغرس جرائمه وعُقده في نفوسهم، حتى يستمر النزاع بين نسل الولدين، أيهما الذبيح وأيهما وريث النبوة؟
كيف تكون هذه صفات نبي، بل وأب للأنبياء؟ وكيف ولماذا تبنت شعوب وجماعات تلك السيرة ونسبت نفسها له؟ وعبر آلاف السنين كيف أعادت الحكاية خلق نفسها ليتحول رجل غاضب ناقم على الحياة، رمزاً للحكمة والسلام؟
هذا بلا شك درس روائي يستحق التأمل، عرض مدهش لقدرة الحكايات والأساطير على تحويل الأمنيات الواهية إلى جنات وارفة، والجريمة إلى بطولة، والدم إلى تضحية مقدسة.
المشهد الافتتاحي يفترض أن يكون في مدينة “أور” المدينة الأولى أو الأقدم التي حفظتها لنا السجلات ولا تزال شواهدها قائمة. أورو من أوائل التجمعات الحضارية التي عرفتها الإنسانية كمدينة. تشتهر كذلك بالزقورة أو أبراج المعبد التي بناها الملك أور نمو، مؤسس سلالة أور الثالثة، حوالي 2100 قبل الميلاد. هي واحدة من المعابد المخصصة لإله القمر ضمن مجموعة من المعابد لآلهة أخرى، حيث كانت المدينة مركزًا تجاريًا على خطوط التجارة الدولية التي تربط بين أقصى الشرق حيث الصين وبين أفغانستان، حيث يأتي القصدير ليتم خلطه مع النحاس المستخرج من الغرب حيث مصر وتركيا لصناعة البرونز. المعدن الذي قامت عليه الحضارة الإنسانية في العصر البرونزي (3300 ق.م – 1200 ق.م).
لو أنّ المراهق خرج إلى أهل أور وقال لهم: “لقد وجدت إلهًا جديدًا”، لربما تبسموا في وجهه، بل ولربما ساعده والده في نحت تماثيل أو أيقونات لهذا الإله الجديد. لكن أبو التوحيد لم يأت بقول بسيط كهذا، بل جاء بفكرة ثورية جدا في هذا العصر: “إلهي هو الإله الوحيد”
نعرف أنّ الحياة الاجتماعية في المدينة تشكلت من فلاحين وخدم وعبيد يقومون بالفلاحة والعمل الزراعي في الحقول التي تحيط للمدينة، وهناك طبقة من كبار التجار والإقطاعيين، تجاورهم طبقة من رجال الدين، ثم طبقة من أصحاب الحرف وجامعي الضرائب والقائمين على إدارة الدولة والمدينة. ولد إبراهيم لأحد هؤلاء الحرفيين.
لا ذكر للأم. إنّه اليتيم المثالي، له أخ واحد على الأقل وفي أغلب الروايات التوراتية أخين. أب فنان يعمل على نحت التماثيل وخدمة المعبد. هل بسبب وضعه الاجتماعي تضاعف شعور المراهق بالاغتراب عن واقعه؟ هل شعر اليتيم بالغبن من انشغال أبيه عنه؟ هل عانى من التمييز الذي فرضه الأغنياء وتجار المدينة وأبناؤهم؟ هل نبذه مجتمع الفلاحين والرعاة لأنّه ينتمي إلى عائلة حرفية؟ وما الذي قد يدفع مراهقاً إلى الغرق في تأملات وجودية طويلة، رافضًا آلهة آبائه ومجتمعه.
لو أنّ المراهق خرج إلى أهل أور وقال لهم: “لقد وجدت إلهًا جديدًا”، لربما تبسموا في وجهه، بل ولربما ساعده والده في نحت تماثيل أو أيقونات لهذا الإله الجديد. لكن أبو التوحيد لم يأت بقول بسيط كهذا، بل جاء بفكرة ثورية جدا في هذا العصر: “إلهي هو الإله الوحيد”.
هو لم يطمح في تمثال لإله جديد بجوار الآلهة المتعددة في مدينة التعدد، بل طرح فكرته فتحولت لأفعى تلتهم كل عصيانهم، وتهدم معابدهم، وتمحو حكمتهم القديمة من جذورها، وتطمح إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمكان.
قبل ظهور الأديان الرعوية التي صارت تعرف بالتوحيدية، كانت التعددية هي شرط قيام الحضارة، وضمانة التعايش داخل أسوار المدينة الواحدة، واستمرار التواصل التجاري والتعاون المعرفي بين أبناء الأديان والمعتقدات المختلفة. لكن المراهق لم يجد لنفسه مكانًا في هذا العالم
في ذلك العصر، كان من الطبيعي أن يعبد الإنسان أكثر من إله، وأن يعتنق أكثر من دين، بل وحتى أن يغير دينه كلما انتقل من مكان إلى آخر. كانت الأديان مرتبطة بالحيز الجغرافي الذي تولد وتستمر فيه، ولم تكن الآلهة تطمح إلى الانتشار خارج حدودها. فلم نسمع أبدًا عن حروب في العصر البرونزي أو قبله لفرض عبادة “رع”، ولم يخرج الحيثيون من تركيا لنشر عبادة الإله “تارهونت”. بل على العكس، كان من الطبيعي أن يدخل الملك الغازي معبد المدينة المغلوبة، ويرتدي ملابس ملوكها، ويؤدي طقوسها الدينية ليحصل على الشرعية السياسية. حدث هذا مع الاسكندر المقدونى الذي حين دخل مصر لبس رداء ملوكها وسجد لآلهاتها، وقبله مع ملوك فارس الذين حكموا مصر كمستعمرة لقرون.
قبل ظهور الأديان الرعوية التي صارت تعرف بالتوحيدية، كانت التعددية هي شرط قيام الحضارة، وضمانة التعايش داخل أسوار المدينة الواحدة، واستمرار التواصل التجاري والتعاون المعرفي بين أبناء الأديان والمعتقدات المختلفة. لكن المراهق لم يجد لنفسه مكانًا في هذا العالم، مدفوعًا بهلاوس وأصوات تهمس وتخربش داخل عقله، يحمل فأسًا ويدخل المعبد ويتقدم لهدم كل الإلهة، تاركًا إلهًا واحدًا.
المفسرون من الأديان التوحيدية، يرون الأمر لعبة وتسلية أن تهدم معابد الأخرين، وتترك الفأس معلقاًفي صدر كبيرهم، حتى تواجه المؤمنين (الوثنيين كما يصفونهم) بتناقض إيمانهم. كيف لم تحمِ الآلهة أصنامها؟
القصة تتكرر في الأديان الثلاثة بصيغ متفاوتة التفاصيل لتعكس منطق معطوب، لا يميز بين الفكرة وصورتها/أيقونتها. المراهق سيشير إلى الفأس في رأس كبير الآلهة، لكي يضع قومه في مواجهة سؤال كيف لم تحمى الآلهة نفسها. ثم حين يصير أبًا سيزور ابنه الذي هجره في الصحراء ويبنى بيتًا للإله هدية للابن المهجور مع أمه في الصحراء، ومع ذلك سيتم هدم بيت إله إبراهيم أكثر من مرة، وقصفه بالمنجنيق والرصاص والقنابل آخرها سنة 1979 حينما اجتاحت فرقة عمليات خاصة فرنسية الكعبة وأطلقت الغاز المسيل للدموع والرصاص داخل بيت الله الذي بناه إبراهيم، فلماذا لم يحم الإله الإبراهيمي بيته إذن؟! وإن لم يفعل، فما الفارق بينه وبين إله معبد مدينة “أورو”؟
لم يكن قرار إحراق المراهق حيًا عقابًا لاكتشافه لـ”الإله الحقيقي”، بل نتيجة تجاوزه للأعراف السائدة في مجتمعه، حيث تعدّى على ممتلكات الآخرين وحطم أصنامهم، معتبرًا أنها لا تستحق العبادة. لذلك، جاء الحكم بحرقه بالنار، والتي، وفقًا للسردية الإبراهيمية، لم تؤذه، في واحدة من أولى معجزاته. ومع ذلك، لم يكن لهذه المعجزة تأثير مباشر على إيمان أهل المدينة، فلم يتبع أحد إبراهيم أو إلهه، حتى حين رأوه خارجاً من النار في أمان وسلام.
بقية المقال يمكن قراءته علي : إبراهيم والفأس الحديدي | خطــــــــــــ٣٠

Leave a Reply