البحر المحيط- هامش

ماذا يعنى القول إن الحقيقة لا تنقاد إلا للخوف، وإنه لكي نصل إليها، كان علينا أن نمر من هذا الجحيم، ولكى نراها، كان علينا أن يُهلك بعضنا بعضاَ، ولكى نملكها، كان علينا أن ننقلب وحوشاً مفترسة، ولكي نخرجها من وكرها، كان علينا أن نتمزق من الألم. لكي نكون حقيقيين، كان علينا أن نموت. لماذا؟ لماذا تصبح الأشياء حقيقية فقط بين أنياب اليأس؟
من شكل العالم بهذه الطريقة، أن الحقيقة يجب أن تكون في الجانب المعتم، وأن المستنقع المخزي لبشرية منبوذة هو الأرض الوحيدة الكريهة التي ينمو فيها ذلك الذي ليس، في حد ذاته ، أكذوبة؟
وفي النهاية: أي حقيقة هى هذه التى تفوح منها رائحة الجثث وتنمو في الدم، وتتغذي بالألم، وتعيض حيث الإنسان يهان، وتنتصر حيث الإنسان يتعفن؟
حقيقة من تكون؟
حقيقة لأجلنا نحن؟

—–

أليساندرو باريكو

البحر المحيط

ترجمة: آمارجي

أشهر خمسة «إفيهات» عن الإحباط

 

1- مفيش فايدة.. مفيش أمل

لدي صديقة على فيس بوك تعمل منذ سنوات في مجال التنمية الثقافية، ما يفترض أنه أمر وثيق الصلة بحرية الرأي والتعبير. وفي تعليق مؤخراً صرحت بأنها ضد الشعارات الدينية حتى لو خارج الانتخابات، فالشعارات العرقية أو الدينية في رأيها تؤدي للتميز والتفرقة ولا يجوز لأحد أن يرفع شعارا يفرق المصريين.

لا أريد الرد على الزميلة هنا، ولا تخيل هذا العالم الكابوسي حيث لا أحد يرفع شعار إلا «تحيا مصر». تخيل مثلا لو أنك نوبي ورفعت شعارا خاصا فأنت خارج العالم الجميل والتصورات المثالية لتلك الصديقة. لكن الصدمة أن هذه السيدة الفاضلة لسبب ما أو آخر تعتقد أنني وهي في جبهة واحدة. مثلما يعتقد مؤيدو حمدين أن رفض مسار صناعة الفرعون الإله «سسي-نعخ» فأنت معهم في ذات الصف. وحينما يفشل أنصار كل تيار من هؤلاء ينسحب منه قطاع ينظر لك بحزن ويقول «مفيش أمل».

الحمد لله يا أخى أن «مفيش أمل» وأن صديقتي الليبرالية اللي بتحب مصر لكل المصريين وتكره التمييز لا تحكم وليس لديها سلطة لتقرر للناس نوع الشعارات التي يرفعونها، فمثل هذه الظواهر تجعلك تحمد لله على محمد إبراهيم وزيراً للداخلية.

لذا فكلما شاهدت شخصاً يردد بإحباط «مفيش أمل» تذكر أن مصائب قوم عن قوم فوائد. والحياة ميدان. والصراع دينامو التقدم. وأن يفقد أحدهم الأمل معناه ارتفاع فرصة تحقيقك لأملك أنت.

2- شعب ليس جديراً بالحرية

مع كل جملة أسمعها أو أقرؤها تحتوى على كلمة الشعب أشعر بأن هناك كارثة في الطريق. من يملك القدرة على التحدث باسم الشعب؟ ولماذا؟

الاثنان حالات خطرة، من يتحدث باسم الشعب لكى يصبغ على حديثه رأي الجماعة والتأييد الشعبي أو شرعية الصندوق. ومن يتحدث باسم الشعب بأن الإحباط وأخلاق العبيد قدر ومسألة جينية. وإذا كان الشعب لا يريد الحرية فما علاقة ذلك بأني أريدها. وأصلاً أليست المعركة بالأساس مع هذا الشعب وتحطيم أساطيره، بداية من أسطورة الإسلام هو الحل، وحتى أسطورة الدولة العبيطة الذي يصر في مازوشية على التمرغ في ترابها، بعد أن فاته القطار.

أنت فرد. أهميتك من فرديتك. والأحلام دائماً خاصة، لا تقبل أن يقايض أحدهم حلمك الخاص بحلمه يصفه بأنه حلم الشعب، ثم يحوله إلى مقورة كوسة تحملها في يدك بلا كوسة لتقورها، وتقول ها هو الإحباط تحت الباط.

ثق في نفسك، ولا تثق في الجماهير والجموع مادمت لا تعمل في المجال الفني أو التليفزيوني. شاهدت على مدى ثلاث سنوات فقط كيف يتقلب مزاجها، وكيف في يوم تهتف باسم حسن شحاتة وفي اليوم التالى تلعنه.

3- البلد محتاجة خمسين سنة على ما تتصلح

صياغة هذه العبارة وتكوينها يجعلان المسألة في مصر مشكلة ميتافيزيقية غيبية، وكأن آلام الناس وبؤس حياتهم لا يرتبطان بمنظومة تشريعية استبدادية سائدة ولا بسلطة غاشمة، غشيمة، فاشلة. تنزعك هذه العبارة من همك الفردى وأزماتك الأساسية مع هذا النظام لتحولها إلى أزمة ضخمة لا يمكن حلها إلا في المستقبل البعيد.

تحكى ماهينور المصري في شهادتها من داخل السجن كيف أن معظم السجينات معها نساء تم سجنهن بسبب ايصالات أمانة ومبالغ لا تتجاوز الآلاف اقترضنها لتزويج بناتهن، وكيف يعشن بطموح انتظار العفو الرئاسي من الرئيس القادم.

نحن نواجه سلطة منحطة، ومجتمعا قيمة الشرف فيه ترتبط بالوضع الاجتماعى والطبقي قبل أي شيء. ليس من أهدافي شخصياً جعل مصر قد الدنيا، ولا أعتقد أن أم أحمد المحبوسة لمدة 6 سنوات بسبب شيكات لا تتجاوز الخمسين ألفا لديها أي اهتمام بهذا الأمر. ما نرغب فيه هو أن نحيا العشرين سنة المتبقية من عمرنا دون قنبلة تنفجر فجأة، وأن تمضي أيامنا دون التعرض لسخافات الكمين كل يوم.

4- الثورة خلصت ولازم نسلم نفسنا

بغض النظر عن «الكيد» المتبادل بين شباب 25 يناير الطاهر النقي، ومؤيدي ثورة 30 يونيو. وموقف السيسي في المنتصف بين الاثنين. فقد دخلت ثورة 25 يناير في التاريخ الرسمي للسلطة بصفتها ثورة طاهرة نقية، مثلما دخلت حركة 30 يونيو.

لا تعش في الماضي، ولا تترك الحنين يلتهمك. نقد ثورة 25 يناير يجب أن يكون إحدى المهمات العاجلة، محاربة التسطيح الذي يمارسه الإعلام لثورة 25 يناير أهم كثيرًا من الاستسلام للعبة «شطة وفلفل» مع الفلول المحروقين. التحليل وإعادة التدبير يعنى أيضًا التحرك خارج تلك اللحظة الآن وفوراً، والتموضع في مكان وموقف جديد غير تعريف «شباب الثورة».

5- الناس تعبت

ومتى كانت الناس طوال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ والشقاء وعصر الشهداء والمجاعات وسنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية، طوال هذه الرحلة العظمى التي يتفاخرون بها كل يوم، ومع كل أغنية، متى كان ناس مصر مش تعبانة.

لكن منير ليس مسؤولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

 

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

لكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

أين مقبرة الموسيقي؟ – فصل من رواية استخدام الحياة

 

 

01_02line
من رسوم أين الزرقانى ضمن رواية استخدام الحياة

 

أنا بردت” قالتها ثم تلفتت إلى الخلف. تناولت تى-شيرت أبيض مُلقى بإهمَال على نهاية السرير. ارتدت التي-شيرت، ثم أكملت لف الجوينت. سوت أطرافه ثم برمته، صنعت في نهايته طربوشاً صغيراً. تناولت الولاعة وأحرقت الطربوش. في العتمة بدا كأنه يحترق ببطء لكن بمتعة. شعرت بحكة خفيفة على طربوش زبي، وبرغم ذلك هرشت في شعر العانة. مدت الجوينت إليّ، فابتسمت وتناولته منها بينما عدلت هى من وضع الوسَادة واتكأت عليها لتتمدد نصف جَالسة في مواجهتي. حلمتا نهديها الصغيرتين بارزتان من أسفل التى-شيرت وسيقانها ذات الصوت الهادئ مفتوحة في مقابلتي. رائحة دهن عطري فواح تنبع منهما.

ربما قلت نكتة أو إفّيهاً ما، ضحكتْ، وحكتْ حكاية قصيرة حدثت مع واحدة من صديقاتها. ضحكنا ودخنّا. وقبل أن ينطفئ الجوينت كنا قد تساجلنا حول موضوع ما بالتأكيد يتصف بالتفاهة، انتهى الأمر بقمصة من الطرفين، وكالعادة فقد تراجعتُ عن موقفي وأخذتها بين ذرَاعَي في دردشة قصيرة قبل النوم. وحينما فَتحت عيني شاعراً بالعطش استيقظت فلم أجدها بجواري.

نور خفيف يتسلل من النافذة «راحت عليا نومة ولا إيه» مددت يدى باتجاه الموبيل، كانت الساعة لا تتجاوز السادسة صباحاً. بَحثت عن زُجَاجة الميَاه بجوار السرير فلم أجدها. كأن أجفاني معلق بها أثقالاً صفراء، العقل مشوش آلاته تحاول العمل لكنها تحتاج للماء. خَرجت من الغرفةِ عَارياً، فى هذه اللحظة بالتحديد لم أعرف هل أبحث عنها أم عن زُجاجة المياه. في الصالةِ وجدتها نائمة فوق الكنبة وبجوارها الكلب نَائماً في وداعة، ولكي أصل إلى الثلاجة حيث الكثير من زُجَاجات المياه كان يجب أن أعبر الصالة دون أن أوقظ الكلب على الأقل، وهو الأمر شبه المستحيل. دائما ما كنت أخشى مواجهه الكلب عارياً بل كل الحيوانات كنت أخشاها عارياً. لهذه فضلت التوجه إلى الحمام ووضعت فمي تحت الصنبور. بللت يدي ومسحت بها على وجهي. أخذت أدعك أجفانى تحديداً بالماء مُزيحاً أثقال النوم، كنتُ أريد الرؤية واضحة. حتى وإن تأخر استيقاظ باقي أعضاء جسمى فالعين يجب أن تستيقظ الآن. أن ترى الآن! وهنا حيث سيبدأ كل شيء. نظرت لوجهي في المرآة. وطرحت على نفسي السؤال بشكل جدي..

لماذا أنا هنا؟

إذا كنت أتحمل كل حذلقتها وحماقاتها وهلاوسها ومخاوف وهواجس أزمة الثلاثينات التي تمر بها، فما المقابل.. على الأقل حتى لو كنت أحبها ومازلت شغوفاً بها فلا يوجد أي معنى لوجودي هنا، حيث إنه من الواضح أن وجودي يسبب خللاً في عَالمها، بدليل أنها تركتني وخرجت لتنام وحيدة على الكنبةِ.

دخلت الغرفة وارتديت ملابسي بهدوء مُحَاذراً من أي صوت، وضعت “الموبيل” في جيب البنطلون وتأكدت من وجود المحفظة في الجيبِ الخلفي. أذكر بدقة أن نَسمة هواء عَبرت الغرفة من الشبَاكِ مُحمَّلةً برَائحة النعناع المزروع في شباكها. لم أكن غَاضباً أو مُستاءاً. لكن ما أن فتحت الباب حتي استيقظ الكلبُ ونَبح نبَاحاً قصيراً لمحته يقف على أقدَامِه الأربعة ويهم بالهرولة نحوي، فأغلقت الباب سريعاً وخرجت.

قررت ألا أدخل هذا المنزل بعد ذلك أبداً، لكن متاهات الحوادث القدرية قادتني إلي هناك مرة ثَانية، في تلك المرة التي تَكشف فيها لي جزء كبير من الحقيقة، حملت الكاميرا ووضعتها أمام ريم وهذه المرة لم يكن هناك كلب، ولا سجائر، بل ريم فقط وعلى رأسها حجاب، وفي عيونها رأيت انعكاس الظل لما هو قادم وأدركت أي كارثة  قد دفعت فيها سفينتي.

علاقتنا لم تنقطع، بقي الود وقدر من الحنين. حب مدخن كسمك الرنجة.

*       *        *

أحياناً أفكر أن كل ما حدث لي طوال حياتي كان نتيجة لضغوط أبي الذي رباني على عبارة “عايزك تطلع من الأوائل” أغرق مُتذكراً حياتي، وأشعر بضيق بالغ. لماذا لا أشعر بالسعادةِ مثل بقية الناس؟

وهل يشعر بقية الناس بالسعَادةِ، سؤال أكثر اتسَاعاً، الخاص يَعكس العام، والعَام يفشخ الخاص، والاثنان يغرقان في التعاسةِ.

لكني أحياناً أشاهد زوجين في مكان عام، أو امرأة تحتضن طفلها، أو صديقين يتأملان واجهات المحلات ويضحكان على نكتة مشتركة. أجد إن الآخرين يشعرون بالسعادة، فأنظر لحالي، لمَ أنا؟ ولمَ لا؟

من بين الآخرين هناك من ينظر لك ويسألك لماذا لا تكون سعيداً مثله. يوماً ما حينما يقرر الله مكافأة الإنسان على شقائه في هذه الدنيا، فسوف ينتزع عنه البصر والبصيرة. يرده للسعادة.. للصفاء الروحى والسكينة النورانية.. بهيمة عمياء ترعى في حدائق الجنان الخضراء.. لا تعرف من المشاعر إلا سعادة إشباع الشهوات والاحتياجات. هكذا هى الجنة.

بينما هنا في تلك الحياة. صحراء شمسها شوكية. تائهون تبحث عنا الأشياء ونظن أننا من نبحث عنها. ريم مثلاً لم يكن لدي أي مشاعر تجاهها. كنت أراها حينما تأتي إلى المُنظمةِ الحقوقية التي عملتُ فيها بعد تخرجي لتنجز بعض مهام الترجمة. شهور مَعدودة هناك ثم فقدت أى نوع من الإيمان بالعملِ المدني، بصراحة كنت أعمل في هذه المنظمة لأني لم أتمكن من الالتحاق بوزَارة الخَارجية وفضلت مثل مُعظم زُملاء الدرَاسة المهووسين بالليبراليةِ الالتحاق بتلك المنظمة. وحينما ظهرت الفرصة للعمل كمعد أفلام تسجيلية ثم كمنتج فني بأجر لم أكن لأحلم به. ودعت العمل المدني. تَركت الشقةَ التي كُنت أعيش فيه مع اثنين من رفَاق الجَامعة، لأنتقل لشقة أخرى في مدينة 6 أكتوبر وقتها[1]. وحينما احتجنا في الشركةِ لترجمةِ أحد أفلامنا إلى الانجليزية بحثت عن رقم تليفونها ليحدث أول اتصال مُبَاشر بيننا.

تبع اللقاءَ الأولَ الرسمي، والذي شمل شرح أبعاد العمل المطلوب منها رسالةٌ وصلتنى منها بعدها بأيام على الموبيل. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل وكانت دعوة لشرب البيرة فوق سطوح فندق «أوديون» بوسط البلد. ذهبت وبعدها بيومين كنا نطبع آثار أسناننا على لحم كل منا أثناء ممارسة الجنس على أريكة منزلها.

 

.*       *        *

 

 

ثاني يوم غادرت فيه بيتها نهائياً تحت غطاء الليل تلقيت اتصالاً تليفونيا منها، نشبت بيننا مَعركة كلامية حَفلت بالكثير من الألفَاظ البذيئةِ ثم أغلقت التليفون في وجهي، لم أعرف لماذا تصرخ في وجهي، وما هو الموضوع، ولا أين يقع الخطأ. لكني أيضاً كنت أرد السبة بالسبة، والصرخة بالصرخة ولم يكن يعنينى ما سوف يحدث أو ما سيكون. كانت هذه النهاية وكنت أدير المحادثة بمنطق «كس أم الفيل والمنديل”. عَاهدت نفسي ألا أرد على مُكَالماتها بعد ذلك، وإمعاناً في تَحفيز النسيان بحثت عن اسمها على الموبيل «ريم” وبدلته بـ “X3” لتصبح النمرة الثالثة التي لا أرد عليها مهما تكررت مرات الاتصَال.

ظللت طوال اليوم مَشغولاً بالبحثِ عن إجَابة لما حدث. يمكنني أن أتحمل أي غباوة من غباواتها، أن أتحمل تلك النظرة التى تحمل قدراً من أمومة تَتسرب من بين يديها وأحسها مع لمساتها على وجهي. جرس إنذَار. كارت أصفر. تذكرني أنها أكبر مني بسبع سنوات، لكن في نفس الوقت هذا هو ما يجذبني إلى تلك العلاقة. إنها خرَاء مَشوى. قطعة إستيك مُجفف. شريحة جمبري غارقة في السمن البلدي. كل هذا مقبول، لكن لن أقبل أن استيقظ من النوم ولا أجدها بجواري. خصوصاً إذا كنت في شقتها، هذا غير أخلاقي، غير عاطفي، تصرف فج ووقح وهى تعرف ذلك جيداً. أنا أعرف أنها تعرف أنني أعرف.. يا لها من جملة. لهذا كان لا بد أن أترك شقتها، منزلها، لها. وكل هذه الفجاجة تحتاج إلى وقفة، لكنها فضلت أن تكون وقفة طويلة وللأبد.

في الليلة الأخيرة وقبل أن ننام كنا نستمع إلى موسيقى تنتمي إلى روك الستينات، شيء ما لليد زبلين، ماريسون واحد من هؤلاء الخراتيت العجائز، وكالعادة جرتنا هى لمُنَاقشة موسيقية أنهتها بعبارة:

بص يا بيسو.. الموسيقى ماتت في السبعينات.

قلبت الحوار وسألتها:

طيزك قرعة.. طيب والمقبرة دى فين؟ وين مقبرة الموسيقي؟ أين محراب الموسيقى حيث يرقد جثمانها الطاهر؟ جاوبيني أيتها الآلهة القاسية.. أين مقبرة الموسيكا؟

اكتفت وهى تطفئ الجوينت برسم ابتسامة خفيفة على شفاهها كأنها سحابة على وشك التبول فوق مدينة أوروبية. رددت عبارة موجزة قالتها ببطء وبصوت أقرب للهمس «بُص للمزبلة اللى حواليك» تبعتها بتنهيدة وعبَارة أقصر «بص للشوارع».

بعد مُكَالمة الانفصال فكرت كثيراً هل سبب كل ما حدث أنني استفززتها في حديث «هرتلة حشيش» عن مكان مقبرة الموسيكا؟

كل هذا الآن يبدو سَخيفاً وتفاصيل هامشية لا أعرف لماذا بدأت بها. لكني أعرف وأثق أن اللحظة الحقيقية لكل ما حدث هى اللحظة التى تلت هذا الانفصَال بأسبوعين حينما تلقت «ريم» تلك الرسَالة القصيرة على موبايلها باسمي. سوف أعلم بعد ذلك، أن هذا الرسَالة المُزيفة كانت أول اتصال بينها وبين «المنقذين» كما ستطلق على كافة أعضاء الجمعية الذين التقت بهم أو قابلتهم. تم استغلال اسمي في تحقيق هذا الاتصَال الأمر الذي يجعلني واثقاً أنهم كانوا على درَاية وعلم بالكثير من تفَاصيل علاقتنا.

وصلتها الرسالة:

“أحتاج 400 جنيه ضروري جدا. مطعم ماجو شارع شمبليون[2]. بكره الساعة1”

 

 

 

 

 

 

[1]           لم تكن 6 أكتوبر وقتها قد أصبحت محافظة، وبالطبع كان هذا قبل انشاء الميناء وتحول أكتوبر إلى ما ستكون عليه الآن. كانت أكتوبر لا تزال طفلة وليدة ترضع ناراً ودخاناً وحيوانات منوية من ثدي القاهرة.

 

[2]           على سبيل الفضول نقبت في نسختى الخاصة من الأرشيف عن سجلات الجمعية التي نجحت في الحفاظ عليها، كان من الطريف أن أعلم أن أخ شمبليون كان أحد الآباء الفاتحين الأوائل، والداعمين بعد ذلك لأفكار السمعانى.

 

تعليق سريع على مسألة الوائل

إذا كان وائل غنيم صادقاً في البحث عن مغفرة وتسامح مع الآخر والعالم، إذا كان جاداً فيما يقول وإن كنت أظن أن الأمر لا يعدو أكثر من طلعة انفعالية من بكاءه وانفعالته العاطفية التى عودنا عليها، إذا كان فعلا يشعر بالذنب أو لا يشعر فليرد الدين إذن وينطق بالحقيقة كاملة ولو مرة واحدة:
-أين ذهب مشروع أكاديمية التحرير؟ وأين ذهبت أمواله؟
-ما الذي جري في عشرات الاجتماعات واللقاءات السرية التى حضرها وتحدث فيها بالنيابة عن الثورة، والشعب، وحق الشهداء والميدان، على ماذا تفاوض ومع من؟
-إذا كان حقاً يشعر بالمسئولية، ويرغب في التكلم والتعليق على محمد على وكيل المديح للرجل الطيب السيسي، فلماذا لا ينطق بحقيقة ما حدث؟
-جلد الذات والبكاء جميل خصوصاً ونحن في موسم عاشوراء، لكن وائل ودائرته من شباب الثورة، طوال سنوات تفاوضوا باسمنا، واتخذوا قرارات، وأجتماعات مع أطراف سياسية مصرية، وعربية، ودولية، دون أى قدر من الشفافية، وحتى الآن لم يعلنوا لنا الحقيقة أبداً… من يرغب في جلد الذات فالكرابيج السودانى موجودة والحمد لله، لكن من يرغب في تجاوز مرحلة الدروشة والعياط على الثورة المغدورة، فعلينا أن نسأل وائل وأمثاله عن الحقيقة، وعن كل ما دار في الاجتماعات المغلقة
 
ملحوظة آخيرة: تسطيح الأموور وقفل أى نقاش بحجة أنه منهار نفسيا وانظر ماذا فعل فين السيسي، حقارة بالغة الصراحة وليس انسانية، لا وائل مجنون يهزى، ولا نحن مرضي نفسياً أو انعانى من مشاكل داخلية، مشاكلنا كلها خارجية وسببها الواقع الذي نعيش فيه، والذي تسببت فيه وخلقته أطراف كثيرة من ضمنها وائل غنيم نفسه

الشك باليقين -5- سلسلة هزلية غير مكتملة

في صباح اليوم التالي، أخذونى مع ثلاثة آخرين في عربة ترحيلات جدرانها من الحديد الصفيح لا تحتوى إلا على أربع نوافذ صغيرة مغطاة بشباك معدنى، كان الجو حاراً داخل هذا الفرن المتنقل والعرق ينز من كل مسام جلدى. لا أعرف كم استغرقت الرحلة حتى وصلنا لمدينة السجن المقسمة لمجمعات سجون مُختلفة. توقفت العربة ونزل منها الثلاثة المصاحبين لى بينما بقيت وحيداً وألم خفيف يحرق أحشائي ومثانتى.

بعد نصف ساعة من التوقف تحركت العربة مرة أخري وتزايد ألم مثانتى وامتلائها. أرضية العربة كانت مغطاة بالزبالة والطين وأكياس البلاستيك وزجاجات المشروبات الغذائية الفارغة. تناولت واحدة، فتحت غطائها، انزلت البنطلون الذي أرتديه ووجهت حشفة قضيبي نحو فتحة الزجاجة، فخرجت مياة البول صفراء دافئة. ارتخت أعصابي وجسدى في راحة عظيمة وشعرت بغلالة سوداء تزاح من على عقلي وكان أول ما فكرت فيه أن حقيبتى سوف تخضع للتفتيش لدى دخولى السجن. ولم أكن لأتحمل المغامرة بفقدان أو مصادرة أوراقي. فتحت الحقيبة/الشنطة وأخرجت الأوراق منها، كذلك كريم الشعر مستعيداً ومتذكراً كل نصائح كسح.

توقفت العربة مرة آخري. هذ المرة حينما فُتح الباب لم يكن هناك غيري في العربة سحبنى الميمون وأدخلنى من بوابة السجن حقيبتى في يدى وفي اليد الآخري القيود الحديدية التى يسحبنى منها. أغلق باب السجن خلفنا ما أن عبرنا لم أعرف الضابط من العسكري من الميمون منهم. كان هناك اثنان من المساجين أوقفونى بجوارهم. صاح أحد الحراس فينا “اقلع أنت وهو كل هدومك” بينما الآخر يفتش حقائبنا.

على اليمين تراصت مجموعة من المكاتب الإدارية وعلى يساري غرفة كتب على بابها غرفة الزيارة. والساحة الصغيرة التى نقف فيها بين كتلتى المبانى تنتهى بباب حديدى آخر. وخلفنا باب السجن الرئيسي الذي دخلنا منه. الشمس تغرق السجن بأشعتها التى تحرق أجسادنا العارية إلا من كلوتات تكسو عورتنا بينما عيون الحرس تفحص الظاهر منا. مد الحارس ذو العيون الملونة والأصابع الخشنة -سأعرف بعد ذلك أن اسمه مدنى- يده اليمنى نحو أحد المساجين ممسكاً بكتفه فاحصاً الوشم الأخضر على كتفه ثم سأله بصوت أجش “أنت دخلت سجن أيه قبل كدا؟” أجاب المسجون بصوت خافت لم نسمعه فدفعه مدنى نحو زاوية يفترض أن تكون حمام بلا باب مشيراً لزجاجة بلاستيكة بجوار مدخل الحمام تفور منها رغاوى الصابون “طيب خش ارفع المياة والصابون وشخ ورجع”. حبست أنفاسي متخوفاً من التجربة المهينة متذكراً ما حكاه كسح وكيف يجبرون المساجين على شرب المياة بالصابون وأكل الحلاوة الطحينة واحتجازهم حتى يتبولوا ويتقيئوا ليتأكدوا من فراغ أمعائهم.

لكن انقذنى صوت “مدنى” من قلقي وهو يسلمنى بنطلون وقميص بلا أزرار أزرق اللون ومن قماش خشن. “وأنتم البسوا دا، أى هدوم ألوان معاكم ستحفظ في الأمانات، ولأول وآخر مرة بقول لكم، أى حد معاه موبيل، شريحة تليفون، أداة حادة، أى أدوية، مخدرات، أو حاجة كدا أو كدا يطلعها دلوقتى عشان بعد كدا لو حاجة ظهرت النتتيجة مش هتكون كويسه”. من حقيبتى أخرج عسكري التفتيش كتاب إيزيس، ناوله لمدنى الذي قلب الكتاب كجثة أرنب مسلوخ، ثم نظر باتجاهى وخاطبنى “الكتب ستراجع في المباحث وإذا سمحوا بها سوف تعاد لك، إذا لم يسمحوا سنضعها في الأمانات لتستلمها عند خروج أو أهلك إذا جاءوا لزيارتك”.

 

11.4.jpg
صورة من داخل احد ممرات سجن طرة

 

قادنا مدنى نحو الباب الحديدى في نهاية الساحة ونحن نحمل حقائبنا التى أصبحت أخف بعدما صادروا منها ما اعجبهم. عبرنا الباب إلى ساحة واسعة تتوسطها حديقة مهملة ومبنى من طابقين مطلي بالأرزق. دخلنا المبنى وصعدنا السلالم نحو الدور الثانى. كان هناك صدى خافت لأغنية قديمة لأم كلثوم تنبع من أحد الزنازين ويتردد في ارجاء السجن. توقفنا أمام باب حديد علقت بجواره لافتة مكتوب عليها 2/4. فتح حارس آخر يرتدى ملابس صفراء الباب مستعينا بمفتاح حديد ضخم. قادنى مدنى إلى الداخل، كانت غرفة/عنبر مطلية بالأصفر تقريباً تبلغ مساحتها 6 أمتار عرض في 20 متر طول على الجانبيين بنيت من الخرسانة مراقد النوم من مستويين. أشار الحارس ذو الزى الرسمى الأصفر لمرقد علوى وقال “أنت هنا يا كامل” وضعت حقيبتى بينما وقف جيرانى في المرقدين السفليين وابتسامة ترحيب على وجههما. خرج الحارس وأغلق الباب وبدأت حواسي في استيعاب اضاءة المكان ورائحته المكتومة. أجلسنى حمادة الذي ينام أسفل منى بجواره وعزم مختار الذي ينام مقابلاً له بكوب شاى علي.

كان هناك الكثير من عبارات الترحيب والابتسامات التى كنت أرد عليها بابتسامة حظرة وشعرت أن خجلى القديم يعود لى والدم يندفع خجلاً إلى وجنتى، تطوع أحدهم بتهيئة فراشي حيث علق حقيبتى في مسمار أعلى المرقد الذي فرد عليه بطانتين بعدما طبقهم ليصبحوا كأنهم مرتبة. اقترح حمادة عليّ الاستحمام ولم أكن قد استحممت منذ يوم المحاكمة. أخرجت غيار داخلى ومنشفة واتجهت لنهاية العنبر حيث خمس حمامات على اليسار وعلى اليمين سخان كهربائي لطهو الطعام بجوارة ثلاث أحواض لغسل الوجه، دخلت الحمام الأول وأغلقت الستارة البلاستيكة القذرة خلفي.

دشٌ معدنى في الأعلى. وفي الأسفل مبولة بلدى تطفو داخل عينها قطعة خراء بنية الون. خلعت ملابسي ثم قرفصت جالساً في وضع التبول لكن بعيداً عن حفرة الخراء. أغمضت عينى في تركيز وكتمت أنفاسي لثوانى لأركز قوتى في عضلاتى التى تحزق، شعرت بأثر الضغط في أمعائي لكن بلا نتيجة. أخذت نفس أخر وكررت الأمر ثانية بلطف أولاً ثم أقوى قليلاً وقد شعرت بعضلات دبري تستجيب هذه المرة. نظرت لأسفل ما بين فخذى لم يخرج شئ بعد. حزقت أكثر فظهر طرف الكيس البلاستيكى خارجاً من صرم طيزى. كان الألم موجعاً في أمعائى لكن مع كل حزقه وكل دفع كنت أشعر بالراحة كأن الألم يولد منها منفصلا بوجعه. مددت يدى بين ردفي، وأمسكت بأصابعى أطراف الكيس، وبالتزامن مع الحزق أخدت اسحب الكيس خارج صرم طيزى وبفضل كريم الشعر الذي دهنته كانت الولادة/ الاخراج انسايبية، حتى خرج الكيس كاملاً وبداخله الأوراق مطوية على شكل أسطوانة وقد علقت بعض قطع الخراء بالكيس الذي يغلفها. فتحت المياة، وتحت القطرات المنسابة من الدش غسلت الكيس مزيلاً آثار الخراء وكريم الشعر قدر المستطاع. فردت الكيس فاستويت الأوراق التى يحتويها.

منذ سنوات بعيدة وفي يوم واحد عرفت أن حب حياتى وزوجتى قد ماتت أثناء قيامها بعملية إجهاض على يد ذات الطبيب الذي كانت تخوننى معه وحملت منه دون أن أعرف. في ذات اليوم ماتت أمى أمام عينى بالسكتة القلبية بعدما انفجرت فيها معنفاً ومهيناً كل ما بذلته من أجلى. قتلت أمى الحبيبة ذات القلب الضعيف بكلماتى الخارجة القاسية لكنهم قالوا أن وفاتها طبيعية وقضاء قدر، وكان عقابي الوحدة واليتم والألم حينها اكتشفت الكتابة لأول مرة، لكن ظهرت عطيات والكأس والبار وانتزعونى من الأوراق. وتطلب الأمر سنوات لأنسي ثم لأتذكر حتى أعود للكتابة، واكتب قصتى في شكل رواية، وبسببها تم التنكيل بي ودُفعت للمحاكم ومعدة العدالة الامبراطورية لهضمى وإعادة تشكيلي وتوجيهى. وها أنا مرة أخري وقد فقدت كل شئ، عطيات والبار، وحريتى لكنى ما خشرت السبيل، لدى الكتابة وأوراق وثلثي روايتى الثانية التى أعمل عليها، وعلى الورقة الأمامية اسمى. أنا كامل رؤوبة لاظ وهذه ليست حكايتى فقد حكيت قصتى سابقاً.

 

 

 

 

 

 

الملك سليمان

ما أن طلبتُ الاسبريسو بالحليب والكريمة البيضاء، حتى اقترحت أن ننهي مشروباتنا ونذهب للمنزل، لكنها بزهق قالت: «أحمد، نحن لا نفعل أي شيء مؤخرًا  إلا السكس.. هل هذا ما تريده لعلاقتنا؟ اليوم أريد أن أتكلم، لماذا لا تصنع شيئًا؟ متى يتغيّر وضعنا هذا».

تنهدتُ وأرجعتُ ظهري لمسند الأريكة البرتقالية، مددتُ يدي لعلبة السجائر، وهيّأتُ نفسي للعتاب، لليأس، للزهق، والزعيق، فأي كلام خارج الفراش لا يأتي من ورائه إلا كل ما سبق. كنا جالسين في مدخل باب الكافيه وقبل أن أخرج سيجارتي، دخل رجل يرتدي جلباب أبيض وعقال، يمشي مُتكئًا على عصا أنيقة. حركته بطيئة، عيون زائغة، وملامح مألوفة في غلظتها. اقترب نحو طاولتنا ونطق كلمات مضطربة بلهجة قحطانية، لم أفهم ما يقول، لكن خمنت فورًا مَنْ يكون.

انتصبتُ وقلت لها: «حان وقت التغيير، يا حُبي». مددتُ يدي ليتّكئ عليها الملك سليمان، وهمستُ في أذنه الكبيرة التي يخرج منها الشعر: «سيدنا رايح على فين؟».

لم يجب على سؤالي، لكن همس بمزيج من كلمات الشكر والبركات.

قالت: «إلى أين أنت ذاهب؟». قلتُ لها: «إنما النصر صبر ساعة، خلينا نشوف أي مصلحة من الملك سلمان».

دعوته للجلوس، لكنه اعتذر وقال إنه يبحث عن قهوة السواقين، مازحته وقلت: «بل هذا كافيه الشباب المحرومين»، ضحكتُ لكنه لم يضحك ولم يدرك الإفيه. خفتُ أن ينتبه الجالسون والعاملون في الكافيه لنا فتطير المصلحة، أخذتُه للخارج صانعًا من البحر طحينة، متمايلًا أمامه شبيك لبيك.. لك ما تريد.

بلا ريب كان هذا هو الملك سليمان، توسم في الخير قال، وأنه غافل الحراس وخرج من مقر الإقامة الملكي، لأن معظم الحرس ما هم إلا جواسيس يعملون لصالح ابنه ولي العهد، فكل ما يريده أن يذهب بشكل سري دون أن يدري أحد من خاصته.

-لكن إلي أين تريد أن تذهب يا مولانا؟

أخرج من جيب جلبابه رزمة ريالات، كبش منها وكرمشها في يدي، تلفتَ حوله وهمس في أذني: «كفر الشيخ، أبغي سيارة توديني كفر الشيخ الحبيبة».

«حبًا وكرامة» قلتُ له، ومشينا من ميدان التحرير حتى طلعت حرب.

كنتُ قد تركتُ سيارتي في أحد الجراجات هناك منذ يومين، وأعطيتُ المفتاح للسايس حتى يغيّر الزيت والفلتر. وقفنا على باب الجراج، شاهدتُ السيارة الفيات الخضراء القديمة، لكن لم ألمح حمادة السايس، سألتُ عنه فقالوا: «إجازة، اطلع السطوح يمكن يكون نايم».

قلتُ للملك سليمان: «انتظرني هنا»، وصعدتُ سلالم عمارة الشرق للتأمين، كان الأسانسير مُعطلًا، توقفتُ في الدور الثالث وأنا أنهج، ثم في الدور الخامس كان العرق يخرج من كل مسام جسدي، كنّا في شهر مايو ودائمًا ما تفائلتُ بالصيف. وصلتُ السطح فوجدتُ طفلة في السابعة تحمل رضيعًا عاري الطيز على كتفها. سألتها: «يا شاطرة فين غرفة حمادة السايس؟».

أشارت للسطح الممتلئ بالحيوانات وغرف الغسيل التى تحولت إلى غرف إيجار مكدسة بالعائلات والشقيانين، قالت: «المتلفت لا يصل، في آخر الردهة أمام بابه سبعة أحجار».

اتبعتُ نصيحتها لكني لم أصل. تلفتُ حولي وسألتُ آخرين صادفتهم فدلوني على الغرفة، لكن حمادة لم يكن فيها. دفعتُ الباب، دخلتُ، فوجدتُ كنبة هي في ذات الوقت سرير، وطبلية عليها صنية فيها ثلاث قلل. عطشانًا رفعت أول واحدة، لكن كانت خالية، ثاني واحدة هززتُها قبل رفعها لشفتي كانت خالية، ثالث واحدة وأصغرهم أمسكتها خالية كذلك.

نزلتُ مسرعًا وقد خفتُ أن يقودني البحث عن حمادة إلى ما يعطلني، خصوصًا مع كل هذه العلامات المتعاقبة للقلل الخالية. بينما أهبط سلالم العمارة، أخرجتُ ريالًا من كبشة الريالات التي كرمشها لي الملك، على الريال صورته كما الهيئة التي تركته عليها في الأسفل على باب الجراج، وإن كانت الهالات السوداء أسفل عينيه أكثر سودًا وامتلاءً بالضَغن والغِلّ.

عدتُ للجراج، فوجدتُ الملك سليمان واقفًا في الظل، متكئًا على عصاه، وقد أرتدى نظارته السوداء ذات الإطار الذهبي. فتحتُ موبايلي وقلتُ أمري لله، طلبت «أوبر» ووضعت الوجهة «كفر الشيخ».

ما أن لمحني الملك سليمان قادمًا حتى صاح معاتبًا: «يا أخي حرام عليك، لابد أكون في كفر الشيخ قبل صلاة المغرب، وإلا ينتبهون عليا ولغيابي، ويضيع كل الترتيب».

رفعتُ السبابة للسماء وقلت: «واللي خلق الخلق وفطر السماء وشق الفول نصين، قبل المغرب نكون راجعين وتكون مخلص مشوارك ولا الجنُّ الأخضر يعرف طريقنا، ثوانٍ والسواق الخصوصي بتاعي يكون هنا بالسيارة».

سألتُه إلي أين سنذهب في كفر الشيخ، قال إنه تزوج من فترة ببنت صغيرة، سحرته من أول لمسة. وصفها لى برقة: «والله النسيم يعدى من بين شعرها، أسمعه يقول آهات».

شغفه بالصبية أفقده اتزانه. قلبه لم يتحمل الهوى ونعيمه في سن المائة وعشرين، تعرّض لوعكة صحية وسافر للعلاج في الخارج حيث أحضروا له قلب شاب طازج، رموا قلبه القديم ووضعوا له قلب شاب صالح للعمل لثمانين عامًا على الأقل. عاد لمملكته فوجد الصبية لم تعد موجودة في القصر. نسى الأمر، وانشغل بمشاكل الحكم، لكنه الآن وقد أحس بدنو الأجل منه للمرة الخامسة فكر أنه في حياته لم يظلم سوى هذه الصبية، فلقد أحبها بصدق ومنحته حبها بكل إخلاص، لكنه رضخ لضغوط ولي العهد ومؤامرات الملكة الأم. والآن يأمَل في طلب الصفح، ومَنْ يدري لعل بئر الحب لا يزال فيه رشفة أخيرة.

ركبنا السيارة، وما أن تحركت وشغل السائق التكييف حتى نام جلالة الملك على نفسه، راقبته متأمّلًا وقد لعبت بي الظنون. تطبيق «أوبر» قال إن المشوار سيكلفني حوالى ألف وثمانمائة جنيه، طلبتُ من السائق أن يتوقف أمام ماكينة صرف آلي في طريقنا، سحبتُ الفلوس ولم يعد في رصيدي إلا خمسمائة جنيه. في طريق عودتي للسيارة أخرجتُ كبشة الريالات وأخذتُ أعدها لأجدها سبعة عشر ريالًا.

«أحييه» خاطبتني نفسي وهي أصلًا من الإسكندرية، «ملك وحينما يعطي يعطي سبعتاشر ريال؟». قلتُ لها: «ما هو ملك برضه هيعرف منين الريال بكام ولا يجيب إيه».

عدتُ للسيارة وكان لا يزال نائمًا، فردت الريال في يدي تأمّلتُ صورته على الريال يبدو فيها أصغر قليلًا وبلا ذقن.

جسد الحقيقة بجواري على الأريكة نائمًا على روحه. تهتز السيارة على المطبات، فيسيل من فمه خيط من اللعاب يلوث ذقنه، استعرتُ منديل كلينيكس من السائق، ومسحتُ اللعاب المُنساب، لكن الذقن خرجت في يدى، اندهشت ولم أعرف كيف اتصرف.

هل أعيد الذقن المستعارة لمكانها؟

هل أتركها؟

هل هذا هو الملك؟

هل الأمر مصلحة أم اشتغالة؟

إلي أين سنذهب في كفر الشيخ؟

هل سيكافئني على خدماتي؟

هل يكون لصًا ويقودنا إلى عصابة تستولي على ما نملك أنا وسائق الأوبر، وتغتصبنا؟

شخرت نفسي السكندريّة من هواجسي هازئة، الفأس وقعت في الرأس. لا داعٍ للقلق والأسئلة، فالمياه ستكذب الغَطّاس، ساعات وسنعلم أي منقلب منقلبين.

DsaKLCkXoAA1FNk.jpg

عصر الزرائبية أو معنى حميدتى

 

155517365558800900

في واحدة من الفيديوهات التي وثقت لعميلة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم على يد قوات الدعم السريع. يظهر مجموعة من جنود الجيش السودانى الفخيم خلف القضبان الحديدة لسور صديء، كأسري حرب في معسكر اعتقال، بلا أسلحة، وأحدهم بلا حذاء. بينما ضباع الدعم السريع تطلق النار، تضرب المتظاهرين، تحرق الخيام، تغتصب الرجال والنساء، تحاصر المستشفيات، ترمى الجثث في النيل، و… غيرها من باقة الموبقات والجرائم العريقة المشهورة بها قوات الدعم السريع (الجنجويد) والتي مكنتهم من تخليد أسمائهم في محكمة العدل الدولية كواحدة من أقذر وأشرس الميليشيات المتخصصة في ارتكاب المجازر الجماعية وكافة الجرائم الجنونية الدموية.

تصلح تلك الصورة أن تكون أيقونة جديدة للحظة الراهنة وذلك المنعطف للثورة السودانية، وفي المستقبل سيتذكر الجميع أن مذبحة اعتصام القيادة العامة هى بداية النهاية لهذا الجيش قبل أن تكون الفصل الختامى للثورة السودانية.

تأسست الجيوش الحديثة كما نعرفها كجزء من لوازم إنشاء الدول القومية، يأتي الجيش مع العلم، والمتحف، والمدرسة، والنظام الصحي. يحتكر الجيش حق حمل السلاح، ويخلق في معسكراته وثكناته بوتقة لصهر أبناء الشعب من كافة الطبقات والتوجهات ليصبغهم بزى موحد وبأخوية السلاح وتقديس العلم.

وفي دولنا المقززة، فالجيش هو الرأس الكبيرة، والحاجب الذي لا يجوز للعين أن تعلوا عليه. سواء كانت تلك العين حزب سياسي، أو برلمان منتخب، أو رئيس منقلب. الجيش في الدول العربية هو مصدر السلطات ومنبع الشرعية، ببساطة لأنه ما من شرعية في الدول العربية إلا شرعية السلاح والاعتراف الدولى، وغير ذلك تدريبات ذهنية.

لكن في السودان انتج الوضع الذي خلفه عمر البشير، والتلاعب السعودى بالمشهد حالة مغايرة، فالجيش لم يعد “نمبر وان. بل أصبح حميدتى وعصابات الجنجويد هم “النمبر وان”. في حالة فريدة، يمكن تسميتها بالمرحلة الزرائبية.

الزرائبية من الزرائب، هو عنوان المرحلة القادمة في السودان، وهى حالة قابلة للتعميم والانتشار طالما استمر الدعم من امبراطوريات الرمال والنفط لكل الأنظمة المتخلفة في المنطقة العربية.

ولد محمد حمدان الشهير بحميدتى لأبوان عربيان من تشاد، حيث نشأ في إقليم دارفور. لم يكمل تعليمه الابتدائي حتي ثم تفرغ لتجارة المواشي والعمل في الزرائب. ومن الزريبة لبى نداء الوطن وقائده عمر البشير. فالبداية كانت بتشكيلة عصابة صغيرة من البلطجية لحماية زرائبه، ثم تطوع لحماية زرائب الآخرين. وحيث أن تجارة المواشي هي أنشط السلع التجارية بين تشاد، ومالى والسودان. فقد بدأ في تقديم خدماته لقوافل تجارة المواشي لحمايتهم من السرقة. طبعاً من لم يكن يدفع للحماية تتم سرقته.

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في دارفور، تم الاستعانة بالقبائل والعصابات التي يقودها حميدتى لقمع الانتفاضات الشعبية. في حالة بهيمية متكاملة الأركان لم يكن أحد قادر على انتاجها إلا البشير، حيث دفع مثل أى تاجر مواشي لحميدتى فتوة الزرائب لكي يحمى ملكه ويقمع انتفاضة دارفور. منح البشير حميدتى امتيازات حصرية لمناجم الذهب وأصبغ عليه الرتب العسكرية دون أن يدخل أى مدرسة عسكرية، ومنح عصابته اللقب الكرتونى قوات الدعم السريع والمعروفة شعبياً بـ”الجنجويد”. وهى الكلمة المستخدمة لوصف راكبي الخيل الذين يعيشون على السرقة والنهب، السلوك الذي ميز ميليشيات الجنجويد مضاف إليه التعذيب والاغتصاب وتجارة الأعضاء وغيرها من الجرائم المسجلة باسمها في أرقي المؤسسات الدولية والحقوقية في مختلف أنحاء العالم.

ولتميز حميدتى وخبرته في مجال الزرائب والمواشي، فقد ترقي سريعاً وحاز على ثقة البشير الذي كثيراً ما داعبه بلقب (حمايتى)، قبل أن يقلبه ويضعه في الحجز في مكان غير معلوم.

لكن طموح حميدتى ليس طموح عكسري، هو ليس جنرال يرضي بتركيب النياشين والترقي وتلقي الأوامر ممن هم أعلى منه رتبة. حميدتى تاجر مواشي، وليس جندى نظامى. ثقافته هي ثقافة الزريبة لا التربية العسكرية. لذا مع ترقيه انتقل من الأدوار المحلية إلى الأدوار العالمية ليقدم خدماته “الزرائبية” للأنظمة الخليجية، ويساهم في تصدير المقاتلين من تشاد والسودان إلى اليمن ليحاربوا فيما تخوضه السعودية وتسميه في مفارقة ساخرة “حرب دعم الشرعية”.

في سنوات قليلة، خلق حميدتى امتداد إقليمي له موازى لامتداد البشير والمؤسسة العسكرية السودانية. أصبح قائداً لأول ميلشيا معترف بها دوليا، وجنوده في اليمن يحملون الأسلحة الأمريكية الممنوعه حتى على الجيش السوداني.

ليس هذا فقط تعاون حميدتى مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وعملت قواته في السنوات الأخيرة علي إيقاف خطوط الهجرة من أثيوبيا وجنوب السودان التي تنقل المهاجرين لسواحل المتوسط في ليبيا. ومؤخراً حينما تزايدت الضغوط الدولية عليه هدد الاتحاد الأوروبي بايقاف التعاون وإطلاق جحافل المهاجرين عليهم.

لذا حينما تنحى  البشير وأعلن أحمد عوض بن عوف توليه زمام الأمور، صرح حمدتى  بعدم رضاه عن خطة عوف الانتقالية، وفي أقل من 24 ساعة تنحى عوف ليتولى حميدتى مقاليد الأمور واضعاً بجواره دمية على شكل جنرال يدعى برهان.

لأول مرة إذن نشاهد حالة لا يكون فيه الجيش رأس السلطات، بل ركع حميدتى الجيش وركبه، ويحكم فعليا بقوة السلاح في يد عصابته، وهى ميليشا غير مدربة عسكريا، ولا متعلمة، وليست نظامية، بل والعديد من أفرادها ليسوا إلا أطفال حروب يتاجر فيهم حميدتى، ويقودها  مجموعة من مربي المواشي والبهائم انتقلوا من سلخ الحيوانات لسلخ البشر.

ثقب الأمل لا يزال مفتوحاً، والمفاوضات والشد والجذب مستمر. وإن كنا كما نعرف “جميع الثورات تهزم”. لكن إن حدث واكتملت هزيمة الموجة الثورية السودانية الحالية، فستكون مؤشر لظهور نظام جديد نموذجى تسعي الدول الخليجية الداعمة لنشره، ويمكننا تسميته بالنظام الزرائبي.

وفي هذا النظام تتحول الدول بشعوبها وجيوشها ومؤسساتها الامنية والاقتصادية إلى زريبة كبيرة، يشرف عليها تاجر مواشي معين من قبل القوي الفاعلة في النظام الدولي ووظيفته السيطرة على قطعان الماشية في زريبته بما يتفق وأجندة الأنظمة الدولية، فهذا النظام لا يريد مهاجرين فيحرص تاجر المواشي على منع المهاجرين، وهذا النظام يرغب في رؤوس ماشية بشرية للقتل نيابة عنه في حروبه الفاشلة فيورد تاجر المواشي الرؤوس والأيدي المقاتلة.

في تصريح كاشف منذ أسابيع قال حميدتى بأن قوى الحرية والتغيير خدعتهم في المفاوضات ولا تريد سوى حكم مدني وإرسالهم لثكناتهم. لكي أين هي ثكنات حميدتى؟

لا ثكنات لحميدتى ليعود إليه، وفي سبيل بقاءه فهو مستعد لحرق ثكنات الجيش ومساكن المدنيين

حميدتى ليس عودة للحكم العسكري، حميدتى هو عودة لما قبل الحداثة، لما قبل الدولة والشرعية، لما قبل الاقتصاد الحديث، لعصر المقايضة والرعي والصيد والالتقاط. حميدتى ردة حضارية أثرها لن يقف عند السودان، بل قادر على إغراء أنظمة آخري مجاورة على تسريع خطوات التحول من شبه دولة إلى زريبة.

الشك باليقين -4- سلسلة هزلية غير مكتملة

تعالت أصوات الضجيج من الزنزانة المجاورة؛ آهات مكتومة وآخري مطلقة، وثالثة تحولت لصريخ، سباب، زئير، توسلات، صليل معدنى، صرخات ذكورية ثم صوت ضابط يسب الدين للجميع. حوار غير مفهوم التفاصيل بينه وبين أحدهم لكن على عكس المتوقع يبدو كأنما الضابط هو من يسعى لاحتوائه. ينفتح باب زنزانتنا ويقذفوا بشاب يحمل وجهه وسامة بعيدة. كفه الأيسر مربوط بشاش أبيض ملوث بالدماء وشورت وشبشب فلينى بصباع، أوساخ سوداء متراكمة تحت أظاهر القدمين الطويلة. ذقن نابته. وكف أيمن لوح بالسلام ثم ارتمى جالساً بجوار العجوزين.

عزم عليه العجوز المدخن بسيجارة وبدا كأنه يعرفه حيث خاطبه باسمه وكما سمعته كان “كسح”. انطلق في وصلة من السباب واللعن عن خناقة مع نزيل في الغرفة المجاورة، بينما العجوز الآخر غير منتبهاً لحديثه ومندمج أكثر في قرض أظافر يده بأسنانه. أخرجت سندوتشات عطية وتقاسمتها معهم كمحاولة لكسر الحاجز الجليدى وتوثيق المعرفة بالعيش والملح، سألنى أحدهم عن سبب وجودى هنا فحكيت باختصار بدو متأثرين. حسدنى كسح على النعمة حيث لن تطول إقامتى هنا حتى ينقلونى على السجن، أما هو فله هنا شهر ونصف في “قسم ابن وسخة، ومساجين أوطى من الموس على الأرض”. ثم مشيراً لحقيبة طعامى وملابسي نصحنى أهم وأول نصيحة لأيامى القادمة. “أنت جاى هنا، مش عارف هتخرج امتى، وكلمة لك يا زميل احسبها بالورقة والقلم، متعرفش ظروف اللى برا وإذا جت لك زيارة النهارده، متعرفش امتى ممكن تيجى لك حاجة ثاني.”

نصيحة رمتنى في حيرة التفكير في المستقبل في مجدى بيه وصاحب البار وعطيات التى وإن كان مد حنانها بحر فالجذر يضربه سريعاً. كما عرفتها ما أن تجد الباب مغلق أو الطريق شاقاً حتى تيأس وتلجأ لصرف الهم والغم عن نفسها بتسريحة شعر جديدة ونزهة في سيارى سريعة وقد تتذكر قصة حزينة –في هذه الحالة ستكون أنا- بشجن وثلج مشروبها يذوب وقدمها تهتز مع إيقاع أغنية قديمة.

ما الذي انتظره؟ وهل في الحياة غير ذلك؟

لم أعد ذلك الساذج الذي يثق بالإخلاص الزوجي مثلما خدعت لأول مرة منذ سنين، بالتالي لا يجب أن أعول الكثير على عشيقة وشيطانة كعطيات.

قام كسح متجهاً لزاوية الحمام. انزل الشورت الذي يرتديه، ثم قرفص عارياً وأخذ يحزق بلا مباله، حركت رأسي بعيداً لكنى انتبهت للعجوزان يراقبان بشغف حزق “كسح” ويده اللتى امتدت لمؤخرته تسحب طرف كيس بلاستيكى أسود خرج من صرمه. سحب الكيس كساحر يخرج منديل من قبعة خاوية. اتجه لصنبور الماء وغسل الكيس من قطع الخراء البنية التى علقت به ثم فتحه مخرجاً كيس آخر يحتوى على حبوب حمراء، وقبل أن يخرج حبة حمراء من الكيس انتبه لعيون العجائز التى كانت تدمع جشعاً وشهوة لا دموع، فأخرج حبة واحدة رماها باتجاههم “كل واحد نص”. ثم مد كفه الذي كان في صرمه نحوى قائلاً “تضرب يا زميل”. اعتذرت له بأنى ليس لى في أى نوع من المخدرات، وحينما بان التعجب في عينيه “ملكش في أى حاجة كدا”. خجلاً أجبت بصوت خافت “بيرة فقط”. مط شفتيه ورفع الحباية لفمه قائلاً “والله أنت جيت هنا غلط، حكومة بنت كلب ظالمة”.

* * *

فتحت الحقيبة، أخرجت لفافة وجبة المشويات. بلا اعتبار لنصيحة كسح بسطت الطعام وعزمت عليه هو والزملاء. هجم كسح وتبعه العجوزان بينما دسست يدى إلى قاع الحقيبة مخرجاً الأوراق المجموعة في غلاف بلاستيكى شفاف. تناول العجوز الصامت صباع كفتح، وهو يهمس مرحباً: حمد لله على السلامة زيارة سعيدة.

هل كانت زيارة سعيدة؟ كنت سعيداً لأنها أحضرت الأوراق وسيلة مقاومتى ونجاتى من ظلمات الجُب الذي رميت فيه. لكنى أحسست أنها قد تكون المرة الأخيرة التى أري فيها عطيات على الأقل حتى خروجى من هنا ..إن خرجت في يوماً غير معلوم.

حضرت عطيات الزيارة المسائية لوحدها وبعد أول عشر دقائق لم نجد ما نقوله. في مواقف سابقة صامتة مثل هذه كنت أعد لنا مشروب بارد يحتوى على البراندى أو تجذبنى نحوها وهى تخلع ملابسي عنى. لكن الآن خرجت من صمتها باقتراح متلجلج تلقته من مجدى بيه بأن تسافر معه إلى الساحل لتغيير الجو والخروج من ضغوط الأزمة. ثم أضافت “أحتاج إلى رأيك أولاً، هل اسافر معه؟ لا أريد أن اتركك لوحدك لكنى أشعر بالعجز.” لم أقاوم ظهور شبح الابتسامة على شفتي كانت عطيات عاجزة حتى عن تمثيل العجز أو الحيرة وحتى الحزن وهى تحدثنى. عملياً لا شئ يمكن عمله إلا انتظار تعاقب متسلسله الاجراءات البيروقراطية والقانونية. ربّت على كفها وكان بارداً وأخبرتها “أنا في السجن ولا فائدة ترجى من حبسك لنفسك” غيرت الموضوع وقالت:

-أحضرت لك أوراق روايتك الجديدة التى كنت تكتبها.

وضعت حزمة الأوراق أسفل منى. جلست عليها وتناولت الكباب والكفتة مع كسح ورفيقي السجن. وصدى صوت أغنية قديمة يتردد داخلى “ودع هواك وانسانى”.

ما أن انهينا الطعام وجمعنا البقايا في كيس بلاستيكى حتى فُتح باب الزنزانة ودخل اثنان من العساكر وميمون يحملان رجل مكبل اليدين والساقين في هيئة شنطة. ألقوه على ظهره ولم يفكوا حتى القيود. ساقاه مكبلان ويديه كذلك بقيود حديدية، وكلبش ثالث يغلق طرفه على الحديد الواصل بين الساقين والطرف الآخر على الحديد المقيد للذراعين. مرمياً على أرض الزنزانة عاجزاً عن الوقوف أو الجلوس وكدمات متفرقة في أنحاء جسده. لسانه خارج فمه والزبد يسيل منها مشكلاً بركة لعاب صغيرة على الأرض. بهيمة تفرفر في طلوع الروح.

أغلقوا الباب بينما اطلق كسح وصلة سباب فيمن أحضروا الذبيحة وفي المباحث والحكومة والظلمة والكفرة. انحنى هو والعجوز الصامت على البهيمة التى كانت انسان مقيد في هيئة شنطة. كان واضحاً أنه أتى من السلخانة لدى إدارة المباحث الجنائية لكن في الغالب لم يفلحوا في انتزاع أى شئ منه حيث لا يزال رغم كل العذاب الذي ترك آثاره على جسده غارقاً في غيبوبة داخل عالم آخر نتيجة ابتلاعه لكمية من حبوب المخدرات والصراصير. نثر كسح على وجهة قطرات مياة لكنه هز رأسه دليلاً على حياته وإن كان تائها في عالم آخر بعيد عنا.

لزم كلاً منا مكانه بحذاء جدران الزنزانة، في حين ظل الرجل الشنطة/الحقيبة مقيداً نائماً على جانبه الأيمن في منتصف الغرفة. بحركة غير ملحوظة -أو هكذا أوهمت نفسي- وضعت النقود التى أعطتها لى عطيات في جيب سري بالشنطة القماش التى تحتوى على ملابسي والصابون ومزيل العرق. تبقي الورق في المغلف البلاستيكى الشفاف، أخرجته وتصفحت الأورواق حتى وصلت لآخر صفحة كتبتها. قرأتها فعاودتنى كل تفاصيل العالم الذي وضعت أساسه وجدرانه وأنفاس أرواحه. أعدت الورق إلى المغلف. أثري وأهم ما أملك، لم أعده للحقيبة بل وضعته أسفل الفرشة التى تمددت فوقها مستلقياً. أخرجت كتاب إيزيس وحاولت القراءة لكن اضوء كان شحيحاً فأعدت الكتاب إلى الحقيبة، واستلقيت نائماً.

في سباتى غرقت في حلم كنت أطوف فيه حول منزل أبى فلا أجد الباب للدخول، لكن أشعر بسعادة لأن هذا يعنى أن الأب المتعنت السكير لم يعد له وجود، ثم أتذكر أنه مات منذ زمن بعيد وفجأة تلطمنى موجة من باطن الأرض ترفعنى لأعلى. انتبهت مستيقظاً من الحلم لأجد “كسح” يدق الباب الحديدى براحتى يديه وهو يصرخ “واحد بيموت يا حرس”. أحد العجوزين يشهق بصعوبه وصدره يرتفع للأعلى وظهره يتقوس مصارعاً جبال وهمية ليأخذ نفسه، بينما العجوز الآخر تناول منشفة وصنع منها مروحة ليهوى بها على الآخر. أما الرجل الشنطة فكان جسده ينتفض كأنما تيار كهربائي يعبر من خلاله.

جاوب أحد الحراس نداء كسح “في أيه؟”. فصرخ كسح “عم محمد العجوز مش عارف يأخذ نفسه.. واحد بيموت يا حرس”. أتى الرد ساخراً “وأنا أعمل أيه”.

“تعمل أيه” زعق كسح بالعبارة شاخراً وأخذ يخبط حديد الباب بكلتا يديه وقدميه. لثانية تساءلت وماذا عن الرجل الشنطة. لكن تبدد السؤال تحت حقيقة اكتشاف أن هذا الوضع الهيستيري حيث الموت واللا موت والعقاب ورائحة الروث والعرق وكوابيس النوم وأحلام الصحو هو لمحة من أيامى القادمة.

تجمدت في مكانى عاجزاً عن التفكير في شئ وكسح مستمر في الصراخ والسب والخبط بكف يده على الباب. همد كسح للحظة ثم مد يده لداخل فمه وأخرج شفرة من تجويف حلقه، وصرخ مخاطباً الحرس “هموت لك نفسي يا حرس، هموت نفسي عليك يا ناصر” ثم ضرب شفرة الموس في فخذه الأيسر فانبجس الدم من لحمه وتوالت ضرباته لتفجر الدماء وترسم خريطة للجروح على جسده وهو يضرب رأسه في باب الزنزانة. العجوز الذي كان يقوم بدور محرك المروحة بيده التى تمسك المنشفة توقف عن التهوية وأخذ يشارك كسح الصراخ والخبط على الباب.

أغمضت عينى وتكورت على جسدى متوقعاً الأسوء. لكن عكس ما توقعت استجاب الحرس وهرعوا تحت قيادة المدعو ناصر لفتح الباب. اخرجوا العجوز للخارج بينما قيدو كسح بعدما نزعوا الشفرة من يده. استدعوا سيارة الاسعاف وأخذوا الاثنان خارج الزنزانة وتركونى مع الرجل الشنطة والعجوز الذي كان مروحة. لاحظ الأخير الحيرة على وجهى ولأنه كان يعرف أنها تجربتى الأولى في السجن فلقد تطوع لشرح كل ما حدث بادئاً بوصله مديح لجدعنه ورجولة كسح، فعم محمد نزيه -العجوز الأخر- يعانى من الربو وأزمات تنفس ولأنهم يعرفون ذلك فكثيراً ما يتجاهلون أى شكوى تخصه لأن الأزمات أحياناً تنتهى ما أن يخرج للهواء الطلق أو من تلقاء نفسها. لكن قوات الشرطة في النهاية مسئولة عن المساجين وأجسادهم لهذا قام كسح بما قام به فاتحاً باب المشاكل والدوشة لهم. فالآن يجب على الضابط النبطشي أن يستدعى سيارة إسعاف في كل الأحوال لمعالجة جروح كسح، ولكى يمنحه الممرض تقرير طبي عن تلك الجروح لكى يضعه في محضر إثبات الحالة الذي يجب تحريره، ويجب أن يقوم الضابط ناصر باحتواء كسح حتى لا يقوم الأخير بتوجيه أى اتهامات لضباط القسم حينما يتم عرضه غداً على النيابة.فوتوغرافيا: Alvin Booths

لكن ماذا عن الرجل الشنطة الذي هدأت الآن انتفاضات جسده بينما استمرت آهاته خافتة.

كان هذا شنطة/حقيبة وليس انسان. فهو تابع لقوة جهاز المباحث والأرجح ليس مسجلاً على قوة القسم، بل المباحث في الدور الثانى هى من أحضرته وهؤلاء هم قوة الحقيقة ومن أجل الحقيقة لا نحتاج لأوراق أو تسجيلات إلا في المرحلة الأخيرة ما بعد انتزاع الاعترافات حيث تحضر الأوراق لتوثيق الحقيقة ودفترتها وإحالتها لسلطة القضاء الامبراطوري، وحتى الوصول لهذه المرحلة -إن نال شرف الوصول- فهذا ليس إلا شنطة/حقيبة.