الشك باليقين -ج1 – سلسلة هزلية غير مكتملة

دخلت القاعة في الموعد المحدد لمحاكمتى بصحبة المحامى، وصديق قديم من البار، وعطيات. شدد المحامى على الحضور باكراً لأننا سنقف أمام محكمة من الدرجة الثالثة، وإذا لم نحضر فالقاضي يعتبر الأمر إهانة شخصية لسلطته القضائية ويأمر بتوقيع أقصي عقوبة لكى يجبر قوات الأمن علي إحضارك لتنفذ عقوبتك دون فرصة للدفاع عن نفسك. لكن لو حضرنا فأمامنا فرصه للرد على الاتهامات الموجهة لنا وقد ينظر بعين الرأفة لوضعنا مما يرجح امكانية حصولنا على حكم معلوم، أو حكم مع الرقابة والمراجعة، أو ربما قد يكتفي بالغرامة وهو أفضل الخيارات أمامنا والتى كان يرجحها صديق البار بميله الدائم للتفاؤل، واعتماداً على خبرته القديمة حينما عمل لسنوات موظفاً في وزارة العدل قبل إعلان الامبراطورية، حيث فصل من عمله في إطار الحملة الامبراطورية لتنقية أروقة الوزارة من فسدة وجهلة العهد الجمهوري.

شعرت بخيبة الأمل والاحباط من زيارتى الأولى لقاعة محكمة حقيقة. لا شئ في القاعة شبيه بما رأيته في وسائل الإعلام الامبراطوري، وترسخ في ذهنى حول جلال وهيبة القضاء. التراب في كل مكان، يغطى الأثاث، البشر، الجدران، السقف، الأرض، المقاعد، المنصة، وقضبان القفص الحديدى الصدئ. في الزوايا تراكم التراكم ليصنع أكوام من الطين الجاف. المقاعد الخشبية مهترئة وتبرز منها رؤوس المسامير التى دقت لتحافظ على انتصابها. في اليسار القفص الحديدي حيث تكدس المحاكمون بينما امتلأت القاعة بالمحامين والأهالي تحت إضاءة خافتة مصدرها نوافذ زجاجية متسخه يتسرب منها ضوء شحيح. وبين كل ما سبق وفوق ذلك رائحة نتانة مع ضجيج مكتوم يحتلان الفراغ.

بنيت مئات الجمل وعشرات الفقرات في ذهنى قبل المحاكمة بأيام دفاعاً عن نفسي، لكن المحامى حذرنى قبل الجلسة من الحديث حتى لو وجه القاضي لى السؤال. فأى جملة حتى لو مجاز يمكن أن تعتبراعتراف أو دليل إدانة لجريمة جديدة. والآن وأنا هنا تجلت عبثية أحلامى المسرحية بإلقاء خطبة طويلة رداً للاتهامات الموجهة لى. فأمام هذا الجمهور وفخامة ذلك القاضي والدائرة الموقرة التى تنظر أكثر من 120 قضية في ذات الجلسة، لم يكن بإمكاني إضاعة وقت الجميع بشرح ما كتبته ولماذا أكتبه، أو تفصيل جذور المسألة وكيف أنه إذا كان هناك جريمة تستحق المحاكمة فالمجرم المتسبب فيها هو كاتب مات منذ حوالي 30 عاماً بعدما سرق حياتى وجعلها سراباً. ولم أبغ وراء ما فعلت في روايتى موضع الاتهام إلا استعادة حياتي من سراب روايته، والتطهر من جريمتى في حق أمى، حتى وإن كان الثمن إنزلاق قدمي في عالم الكتابة والأدب.

صاح الحاجب برقم القضية فدفعنى المحامى نحو المنصة مخترقين الزحام، تاركاً ورائي في نهاية القاعة عطيات وصديق البار. على المنصة كان هناك ثلاث قضاة. الأيسر يلهو في تليفونه المحمول، الأوسط يجلس على كرسي مرتفع قليلاً يرتدي طيلسان بنفسجى اللون ونظارة ذات سلسلة ذهبية، عن يمينه قاضي مبتسم، وخلفهم نقشت على الجدار جملة إمبراطورية مقدسة حول مهابة وعدالة العدالة وقد نسجت العناكب شباكها بين فراغات الحروف وارتاحت فيها جثث الحشرات.

على يسار المنصة جلس كاتب المحكمة منحنياً على منضدة مهترئة مُسمرت بأرجلها قطع خشبية لتحافظ على انتصابها. تحتها تهرش أصابع قدم الكاتب اليمنى في ساقه اليسري، بينما تستقر اليسري في شبشب بلاستيك، ويده أعلى المنصة تسجل بهمة وسرعة خطبة “وكيل النيابة” ممثلاً للإدعاء والمجتمع والامبراطورية. غرقت في تفاصيل القاعة والوجوه اليائسة البائسة اليابسة. صدى كلمات وكيل النيابة كان يطفو ويخبو وسط ضجيج القاعة المزدحمة، فقدت تركيزى وقدرتى على متابعة صياحه وخطابه لكن حركة أصابع قدم الكاتب كانت أكثر جاذبية، وخيالاتى البعيدة كانت جاذبيتها أقوى.

الطلاء الأصفر لجدران القاعة متقشر. كان القاضي الأيمن والأوسط يبتسمون لى ابتسامة غامضة بينما وكيل النيابة مستمر في الخطابة، احترت هل من الصواب مبادلتهم الابتسام أم يعتبر الابتسام في هذا الموضع إستهانة بجلال وهيبة القضاء. هرباً من حيرتى نظرت إلي الأسفل حيث كوب مكسور فيه بقايا شاى يستند على المنصة الخشبية التى يجلس خلفها القضاة وأحدهم مستمر في اللهو على الموبيل.

“اتفضل يا أستاذ” قال القاضي الأوسط رئيس الدائرة مخاطباً المحامى، لينطلق في دفاعه الذي بناه على الجوانب الإجرائية لتكييف القضية، وبطلان الاجراءات، وانتفاء الضرر، والتفريق بين الصُنع والكتابة وجرائم النشر، دون أن يتطرق لجوهر الأمر ولماذا اخترت الكتابة وتلفظت بما تلفظت معترفاً بجريمتى في حق أمى التى اعتبروها خيالاً وحاسبونى على ألفاظ اعترافي، لا معانى ما ارتكبته. ألا ليت شَعري، أو شِعرتي..

حاولت الاستيقاظ من أحلام اليقظة والسرحان، نظرت في اتجاه عطيات شيطانتى الصغيرة فمنحتنى ابتسامة مطمئنة، بينما صديق البار يتفقد وجوه المساجين في القفص الحديدي. المحامى منفعلاً تكثف العرق على وجهه، انهى خطابه بشكل درامى ثم أعطى سكرتير الجلسة مذكرة الدفاع.

شكرنا القاضي بهزه من رأسه ونادى الحاجب على القضية التالية. أمسكنى “ميمون” شرطة بقوة من ساعدي متحفظاً عليا ليضعنى في القفص، لكن صديق البار قطع علينا الطريق ووضع ورقة نقدية في جيبه، فأجلسني على مقعد بجوار القفص. تبدى لى المشهد مختلفاً فبينما يقف المحامون أمام المنصة منخرطين في أحاديث جادة بصوت هامس مع بعضهم، أو مرافعات وطلبات متذللة لحضرة المنصة. أما في بقية القاعة يتحرك بأريحية بائعوا المناديل والزجاجات المعدنية، وصبية لا تتجاوز السادسة عشر تدخل بصنية عليها أكواب الشاي، وسندوتشات جبنة وتونة ملفوفة في أكياس بلاستيك شفافة.

فجأة زعق الحاجب “انتباه.. عدالة” فخفت الضجيج لثوانى. وقف القضاة خلف المنصة واتجهوا خارجين من باب خلفهم. نصفهم العلوى بدل رسمية برابطة عنق وطيلسان يغطى أكتافهم، بينما نصفهم السفلي كلوتات بيضاء فلاحي، حيث ينص قانون العدالة الامبراطورية على الراحة التامة للقاضي على المنصة مع المحافظة على الهيبة لذا يستخدمون هذا المزيج الذي يحقق الغرضيين. خرجوا من باب كان خلفهم في صف من البدل والكلوتات البيضاء وولمحت حنوكة بنية اللون في مؤخرة كلوت القاضي المبتسم الراضي.

أُغلق الباب خفهم. أخذوا المساجين من القفص، تفألنا ببقائي مع ثلاث مدنيين حضروا مثلي، ثم أتى “منمون” وطلب مني التوجه معه. دخلنا من ذات الباب الذي خرج منه القضاة حيث ممر أكثر وساخة من القاعة أوصلنا لغرفة كتب على “الحرس”. جلس فيها ضابط بوجه ضفدع وآخر يمسك بيده مسبحة. رفع وجه الضفدع رأسه من شاشة الموبيل، نظر في ورق أمامه وقال:

-كامل ر… (تهته متلعثماً) فتدخلت سريعاً

-كامل رؤبة لاظ يا أفندم

انتبه الضابط ذو المسبحة كأنما قطعنا رحلته في عالم بعيد، قال أنت من عائلة لاظ، تعرف ممدوح لاظ

-لا يا أفندم معرفوش، لاظ عائلة كبيرة.

توجهت بحديثي لوجه الضفدع وقد أدركت أنه المسئول هنا رغم أن رتبته أقل من الضابط الممسك بالمسبحة، سألته:

-هو أيه الوضع يا أفندم؟

رمى الموبيل وبصوت ينز مللاً أجاب “إدانة، وحكم يا كامل، لكن المدة غير معلومة”.

انفجرت ضحكتى لسبب غير معلوم. ربما كوسيلة دفاع نفسية أو لأنى لم استوعب ما قاله. خاطبنى الضابط ذو امسبحة، لا حول الله.. أنت عملت ايه يا ابنى للحكم دا

-كتبت رواية. “أجبته”.

-يا ساتر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s