ألبير قصيري يحيا الآن

     تملكتني لذة مدنّسة، وأنا أعبث واقلب في أوراق وصُور ألبير قصيري التى وصلتنا من باريس من خلال ناشرته. رغم عدم قدرتي على القراءة بالفرنسية، فإن إحساس التلصص وانتهاك خصوصية واحد من كُتّابي المفضلين منحني مذاق الملذات المحرمة. كنتُ جالسًا مع لوسيان وديانا، في مكتبهما بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرةِ، أثناء إعدادنا لاحتفالية عشر سنوات على رحيل قصيري التي أقيمت ليومين في القاهرة. على بُعد خطوات منّا، تقع مكتبة جورج حنين الخاصة، والآن أمامنا ما تركه ألبير قُصيري بالغرفة الفندقية التي عاش فيها مجمل حياته. حقبة كاملة من الشِّعر والسرد والسخرية تحيط بنا، وشبح الفن والحرية يحلق فوقنا.

   المُقتنيات كانت دفَاتر يكتبُ فيها ملاحظاته. رسائل من ألبير، وأخرى موجهة إليه. دفتر يحتوي على ما يبدو وكأنه بداية لرواية جديدة. ومن بين المقتنيات، ظرف يحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية، غالبيتها مَطبوعة بأحجَام كبيرة. استعرضت مع لوسيان تلك الصور، بحثًا عن شخصيات نعرفها. غاب قصيري عن معظم تلك الصور، وإن حضر أصدقاؤه وأشخاص قرر لسبب ما الاحتفاظ بصورهم. بعض الصور ألصقت فوقها ورقة شفافة، وعلى تلك الورقة كان قُصيري بالقلمِ الرصَاص يُعيد رسم صور أصحابه، للدقة كان “يشف” هذه الصور، ثم يضيف للصورة أبعادًا أُخرى ويحذف ويضيف إليها. كأن تكون الصور لشخص يقف في فضاء منزلي، فيرسمه حتى وسطه، ثم يضيف للنصف السفلي تكوينًا آخر، ليخلق من الصور الجادة لأصدقائه ما يبدو كصورة أخرى غير مفهومة لنا. لكن فيها من الحميمية ما يجعلها أشبه بنكتة خاصة بين صديقين.

15726755_10154698645841405_3054464048610566890_n
قصيري في غرفته وسط كل متعلقاته

نكتة يائسة مثل كل نكتة، ذلك اليأس الذي يجعلك محتارًا بين البكاء أو الضحك على حالك. نكتة مريرة عمرها يقترب من القرن، ومحل إقامتها هو المدينة المصرية، التي تحمل أسماء مُتعددة، لكن جوهر علاقات القوة فيها ثابت. وروايات ألبير قصيري موضوعها بالأساس هو ذلك اليأس المثير للضحك والبكاء معًا، اليأس الذي ينذر دائمًا بثورة لا تأتي، وإن أتت فيسهل قهرها أو خداعها. وفي هذه المعركة الأبدية بين المتن والهامش، في المدينة المصرية التي تدعي التمدن والمعاصرة، يحيا أبطال روايات قصيري، يبحثون عن خلاصهم، أو وسائل تمكنهم أن يطفوا على أشلاء المعارك.

    يقدم لنا ألبير وصفًا لهذه المدينة في قصته “قتل الحلاق امرأته”، المنشورة لأول مرة بالعربية في العدد الأول من مجلة “التطور” -فبراير1940 بترجمةِ عن الفرنسيةِ لعلي كامل. كالعادة تعيش شخصيات قصيري في بيئات مُظلمة، يزدهر فيها الفقر وتسبح في محيط شَاسع من اليأس؛ ثورة مُحبطة لمجموعةِ من الكناسين، وشاويش يستعرض قوته على سكان الحي الشعبي الفقير، وطفل حافي القدمين لا يملك سوى جلباب خفيف في برد الشتاء ويحمل حزمة برسيم تحت إبطه ويحلم بخروف العيد.

    لكن الشر الحقيقي، وسبب كل هذا البؤس لدى قصيري –الثوري الشاب في ذلك الوقت- هو المدينة الأوروبية، التي يصفها بكلماته “أصبحت المدينة مرعبة على الأخص على امتداد شارعي فؤاد الأول وعماد الدين، فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تملكه مدينة متمدنة لإرهاق الناس ومضايقتهم، كانت هناك أماكن للتسلية لا طعم لها، وحانات يكلف المشروب فيها كثيرًا، وكابريهات ذوات راقصات تافهات وحوانيت وأماكن لبيع المصوغات وإعلانات كهربائية أيضًا. كان لا ينقص شيء من مظاهر الأعياد السعيدة، كان كل شيء يدفع إلى الضيق والملل“.

   تتغير الوجوه وأسماء الشوارع، شارع فؤاد يصبح شارع 26يوليو، لكن بلاهة تصنيع التمدن كما وصفها قصيري، نجدها تقطر من أسقف المولات الكونية، حيث أماكن التسلية التى لا طعم لها في ضاحية القاهرة الجديدة بتجمعاتها الخمس، ومدينة 6 أكتوبر، وامتدادات المدن الجديدة التي تُصنّع في الصحراء، بينما يغرق تعساء المدينة في الزحام الأبدي لشوارع وكباري القاهرة.

     قاهرة قصيري العام 1940، كانت تهرب من الفقر الناتج عن الفساد والاستغلال الطبقي، من الشقاء في أحيائها الشعبية، نحو مدينتها المتمدنة المشيدة على الطراز الأوروبي التي صارت وسط البلد. والآن حينما استنفذتها واستهلكتها السلطات المختلفة المتنوعة، ترحل بعاصمتها نحو مدينة متمدنة جديدة مُخلّفة المزيد من البؤساء، وطلاء جديد للمبانى التاريخية يجعلها أكثر إثارة للشفقة مثل مكياج رخيص.

قُصيري حي الآن. مُرشد أمين للمصري الملول، أو الحزين، وربما المهموم. قصيري جرس الإنذار على خطورة العنف وعلى تبريره كذلك.

13592699_10154198337031405_6436954291175889991_n

في العدد الثانى من مجلة “التطور”، سينشر ألبير قصيري، وبترجمة بديعة لعبد الحميد الحديدي، قصته “اضطرابات في مدرسة الشحاذين“. ينشأ خلاف فكري ويتحول إلى صراع ايدلوجى محتدم بين المعلم “أبو شوالي” الأستاذ بمدرسة تعليم الشحاذة، والأديب جاد، وأفكاره الحديثة القائمة على علم النفس حول فن الشحاذة. المعلم “أبو شوالى” سفير العنف وسؤال ضرورته، مبدأه الواقعية المجردة، ويعتمد على قيام الشحاذ بالامساك بخناق الزبائن والتشبث بملابسهم الثمينة والالتصاق بنوافذ سياراتهم المتوقفة عند إشارة المرور. ويتصف الشحاذون لدى “أبو شوالي” بأنهم “مخلوقات تتجمع فيها أفظع العاهات الجسمانية، غارقة في آلاف الأمراض المعدية التى لا تقبل الشفاء، مخلوقات بشرية تستطيع أن تبعث الرحمة في القلوب المتحجرة والضمائر الميتة، لا تبعث الرحمة فقط، بل تخيف أيضًا”.

أما الأديب جاد، الذي عبّر عن نظريته الجديدة في الشحاذة بينما كان جالسًا في “قعدة تحشيش”، فيرى أن سُكّان المدينة الجديدة لا يمكن الاعتماد على استدرار شفقتهم لأن هذه العاطفة قد اندثرت منذ زمن طويل، وحان الوقت لأن “يكف الفقراء عن التعلق بالوسائل التي تستدر الرحمة والشفقة، وليعتمدوا على الاستظراف الذي لم يستغله المتسولون بعد”.

أتذكر الآن هؤلاء الشباب الذي كانوا يقفون فوق الكباري بفرشاة طلاء ويطلبون من كل سيارة جنيهًا من أجل أن ننظف مصر، وهو ما طالب به الأديب جاد منذ ما يقرب القرن بأن تظهر “طبقة أخرى من الشحاذين، صغيرة السن تلبس الثوب النظيف وتظهر كدمى العيد الجميلة. فبهذا الهندام وبحركتهم اللطيفة يكتسب الغلمان حب الزبائن، الذين يجودون حينئذ بسخاء، إذ لا يعجب الإنسان الراضي أكثر من المنظر البهيج، ومما لا شك فيه أن من رقت قلوبهم من بلهاء الأحياء الأوروبية سيعجبون بهذه المناظر الحديثة إعجابًا شديدًا”.

سينشر قُصيري تلك القصص في مجموعة واحدة العام 1942 تحت عنوان “بَشَر نسيهم الله”. في هذه الفترة كان ابن حى الفجالة بالقاهرة، المولود العام 1913، يعج بالسخط الثورى لشباب جيل الحرب العالمية الثانية، ويقضي معظم الوقت في صحبة “جماعة الفن والحرية” وقائدها السياسي جورج حنين. يروى مجدى وهبة -أستاذ الأدب الانجليزى بعد ذلك- عن لقاء في العام 1942، عندما زار جورج حنين وكان يقيم في منزل والديه، حيث وجد عنده ألبير قصيري، رمسيس يونان، لطف الله سليمان وسلامة موسى. كان النقاش محتدماً. سلامة موسى يتحدث عن التنوير والسلام والحضارة المصرية واللغة العربية، بينما جورج حنين وجماعته يتحدثون عن الثورة المستمرة، وخيانة الاتجاه الثوري في الاتحاد السوفياتي، ونكوص أراجون عن السريالية ببقائه في الحزب الشيوعي الفرنسي، كما أبدى حنين اشمئزازه من كلام ستالين عن الموضوع القومى. ومبكرًا، سينسحب ألبير من هذه النقاشات لينتقل للعيش في فرنسا، لكنه سيستمر في الكتابة عن شخصيات يدفعها البؤس نحو مزيد من السخط على المجتمع، ينتظرون ثورة غير محددة الموعد. وحينما تأتى الثورة العام 1952، ستكون جماعة ألبير قصيري من أشد المتفائلين، حتى أن جورج حنين كتب في رسالة لهنرى كاليه أثناء أزمة مارس 1954: “نعم، صديقي العزيز، نحن لا نرفض شيئاً. الضوضاء والهيجان، الضجة والعاصفة، كلها هنا.. الأعصاب لم تستسلم بعد.. بالنسبة للمستقبل، فجَسور جداً من يعطيه اسمًا”.

    ألبير قصيري سيمنح مستقبل ثورة يوليو، اسمًا مناسبًا، بعد نصف قرن، في روايته “ألوان العار”، حينما يصفها بـ”طريق العمى وتوهم الكرامة”. والد أسامة، بطل الرواية، عامل مصنع فقد بصره في إضراب عمالي قبل الثورة، ومرّت السنون، ولا شيء تغيّر، فعاش أعمى في عزلة لا تقطعها إلا زيارات ولده التى يملأها بتخيل جنازة كريمة: “سيكون هناك رفقاء المصنع القدامى. أنا على يقين أنهم لم ينسوا أنني تلقيت ضربة الهراوة التي أفقدتني بصري أثناء كفاحنا المشترك. ولربما أيضًا أوفدت الحكومة الثورية واحدًا من وزرائها، أترى؟ لقد أعددتُ كل شيء حتى يتمّ دفني في لياقة وكرامة”.

Foucault_Bachelard.png
قصيري أثناء زيارته للقاهرة عام 1989

   سيصرح قصيري بعد ذلك، في حوار له، باشمئزازه من الطغاة، كما سيعترف بأنهم موجودون دومًا، وبالتالى من العبث محاربتهم. والأهم أن هذا لا يعني ألا نحب الحياة. “الحياة رائعة” سيقول لميشال ميتراني، وهو في التسعين من عمره، وللاستمتاع بروعة الحياة “يجب أن يكون الإنسان ذكيًا لكى يلاحظ بفرح هذا الاحتيال الذي يحيا به الطغاة، لكى يتناوله بسخرية بعدها“.

      يمنحنا أدب قُصيري الآن وجهة نظر قد تخفف من قسوة الواقع كما تفعل “الميمز” السياسية في “فايسبوك”، أو التعليقات الهزلية لرؤساء بعض الدول في “تويتر”. يمنح أدب قُصيري القارئ رؤية عدمية عن العالم، وهذا التعالي الذي يطرحه قصيري كوسيلة للتعامل مع العالم قد يبدو كما يحلو للبعض وصفه: كسلاً أو خمولاً. لكن، لنحذر، فالسخرية أو كما وصفها جورج حنين في مقال له: “الفكاهة السوداء” ليست “افيه” سريع الزوال، ولا نكتة غرضها التسلية.

      الفكاهة السوداء لدى قُصيري تنهض على سؤال رئيسي وهو الوجهة الفعلية لأي شيء. هل يتواجد هذا الشيء في مكانه الصحيح؟ وإذا كان مكانه، فبأي شرعية خُصص له هذا المكان؟

     السخرية عند قصيري لا تحترم التصنيفات المتفق عليها مُجتمعيًا. فهي، والنزعة المحافظة، لا يجتمعان. ولنحترس حتى لا تجرنا الفكاهة السوداء إلى المناطق العدمية الأكثر مجانية، بل يجب أن تدفعنا إلى عتبة واقع تغيّره جذريًا قضية لا تنازل عنها.

     الوصفة البسيطة لدى قُصيري: إذا نجحنا في السخرية من طغيان الأوغاد، بالشكل والقدر الكافي، فلن يخيفوا أحدًا، وبالتالي سيزولون. أما إذا لم ننجح في بلوغ هذا الأهداف، فعلى الأقل يمكن أن تتخيل شاطئًا ملغومًا، حيث سابحات خالبات الألباب، قد تعرض وجودهن دون أي اكتراث بالنتائج، وأن تحيا في غرفة مليئة بالأصدقاء، تعيد رسمهم من صورهم الفوتوغرافية.

Photo rare - Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery - Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart
Photo rare – Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery – Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s