مصر والتاج الصفيح

كَرِه حسني مبارك الشعارات القومية والجمل الانشائية. عبّر دائماً عن سخريته من الكلام الكبير الذي كان يطلقه من سبقوه في الحكم. احتقر فكرة المشروعات القومية، حينما كانوا يسألونه أسئلة من نوع: أين هوية مصر؟ الشباب ضائع؛ نريد مشروعاً قومياً لكي نجمع ونحمّس خلفه الشباب، كان يرد: لديكم مشروع الصرف الصحي وكباري القاهرة. ولما ملّ من الضغط بخصوص المشاريع القومية، رضخ في النهاية، وحوّل صفقة بيع أراض للوليد بن طلال ومستثمرين عرب، إلى مشروع قومي بعنوان مشروع توشكي.

وفيما كان مبارك يفتتح أضخم مشاريع الصرف الصحي في الثمانينات، كان الثنائي الشاب  السيناريست ماهر عواد  والمخرج  شريف عرفة  يقدمان  سلسلة من الأفلام التى تنكل بكل السرديات الكبري للخطاب الوطني المصري الحديث. بداية من “الدرجة الثالثة” وحتى “سمع هس”. كان لديهما حسٌّ ساخر وعدمي استخدماه في تهزيق التيمات الرئيسة لمشروع الدولة القومية، من الأناشيد الوطنية ومؤسسة العدالة في سمع هس“، وحتى مشروع الاستقلال الوطني في “يا مهلبية يا“.

يعجب الكثيرون من النقاد بتلك الفترة من تجربة شريف عرفة، ويرون أنه كان فناناً ثورياً متمرداً على خطاب السلطة. لكن، إذا استعدنا، للدقة، خطاب وهوية تلك السلطة في الثمانينات، سنجد تطابقاً واضحاً بين ما قدمه شريف عرفة، وما كانت تروج له السلطة السياسية في مصر وقتها. وحتى إذا اعتبرنا أن شريف عرفة وماهر عواد في تلك الفترة، كانا شابين متمردين، فالسماح لهما بإنتاج وعرض مثل تلك الأفلام، بل والترويج لتجارب مشابهة كتجارب سعيد حامد ورأفت الميهي، يعكس رضا السلطة عن هذا الخطاب التهزيقي لشعارات الدول الناصرية وقيمها.

لهذا نُحب شريف عرفة. إنه المخرج ابن الناس الكويسين، المصري المحترم الذي يعارض بأدب من أجل المعارضة البناءة، والذي يقدم الضحكة بلا بذاءة، والاستعراض والرقصة بحشمة. إنه مخرج العائلة المصرية الذي نثق في توقيعه على أي فيلم بحيث يتوافر فيه الحد الأدنى من الاتقان وتماسك السرد، وبالطبع دائماً النهايات السعيدة حيث يتعانق ضابط الشرطة الشريف مع رجل الشعب وينتصر الخير وتعم الفرحة على الجميع. لكنه المخرج القادر على التقاط حساسية السوق واتجاه الريح. فقط شريف عرفه، يمكنه أن يصور ما يشبه الفيلم التسجيلي عن مبارك، ثم بعده بشهور يصور فيلماً قصيراً عن الثورة التي خلعت مبارك، وفي الحالتين يلتقط حساسية السوق وموجة السلطة ويركب فوقها.

يأتي فيلم “الكنز” المعروض حالياً في السينما، بعد شهور قليلة من عرض فيلم مروان حامد “الأصليين“. يشترك الفيلمان في استخدام الفانتازيا التاريخية، تقديس رجال الأمن والسلطة، والبحث عن هوية خفية، سر مكنون، كنز مدفون يحتوي على القلب النابض لمصر.

يردد الرئيس ومن خلفه جوقة السلطة أن مصر ستصبح أم الدنيا، بل هي أم الدنيا. يتحدث عن وجوب أن نكون يداً واحدة في حين تتعارك أصابع تلك اليد، وتُبتر الأصابع التي لا تعجبه. هناك مؤامرات ودسائس، حروب الجيل الرابع، أشرار مرسلون لخراب مصر كما “صلاح الكلبي” في فيلم “الكنز”. ووسط كل هذا، ليساً مهماً من يحكم أو من في السلطة، بل المهم أن نثق في رجل الأمن الذي يعرف كل شيء ويساعد الفقراء ويُحسن إليهم، لكنه جاهز لمعاقبتهم إذا ما اختلفوا معه، لأن هذا الاختلاف يضرّ بمصر، وبعقابهم فإننا نحميهم من شرور أنفسهم، كما خالد الصاوي في فيلم “الأصليين”.

في الفيلمين، يتجلى مفهوم مصر كرؤيا هيولية مُمتدة عبر الزمن وعبر آلاف السنين. هناك مصر واحدة وهي أبدية وخَالدة، ولها جوهر ثابت، هذا الجوهر قد يكون مدفوناً في صورة كنز أو رمز كبير، مثل بهية وعيون بهية في “الأصليين”. وفي الفيلمين، مثل خطاب السلطة، لا يخبرنا أحد ما هو جوهر هذه الـميصر” –بصوت الشيخ الشعراوى؟ وما علاقة هذا الجوهر بواقعنا الآن؟ ولماذا يريدون إجبارنا على تصديق خرافة أن هذا الجوهر خالد وأبدي؟ وكيف يكون ثابتاً وهذا البلد، حتى 150 عاماً خلت، كان أهلها لا يفهمون لماذا بنوا هذه المعابد وهذه الأهرامات؟

إن تاريخ هذا البلد هو سلسلة من الانقطاعات والنسيان، ثم إعادة تذكر ما نريد، ودفن ما لا نريد، وهي استراتيجية نافعة للبقاء. فجّرت السنوات الأخيرة، وما صاحبها من صراع سياسي، مناقشات وأسئلة عميقة لدى سكان هذا الوادي، حول هويتهم وتصوراتهم عن ذواتهم والحياة التي يرغبون فيها. هذه الأسئلة كلها كُتمت بفوهة البندقية، ودُفنت تحت جنازير الدبابة. وبدلاً من السؤال والنقاش في اضطراب الهوية لجماعتنا المتخيلة كمصريين، تتبنى السلطة الجديدة خطاباً تعكسه هذه الأفلام، وسنشاهد في السنوات المقبلة المزيد من الأفلام والمسلسلات التي تعكس تصور الهوية الجديدة التي يجري بناؤها. ويمكن وضع عنوان فرعي لها: “إطفح وانت ساكت”. فالمهم ليس “جوهر مصر”، بل أن تثق في حارس هوية مصر وكنزها المدفون، أن تُسلم له، وأن تعاونه وتنصره لأنه يضحّي بكل شيء من أجل مهمة سامية، مثل محمد سعد رئيس القلم السياسي في فيلم “الكنز”، والذي يسجن أخاه ويعتقل المعارضين لكنه يحب الفن ويطارد الحب المستحيل ويحرس الكنز.

لكن الواقع أن تلك السلطة لا تحمي أي كنز، بل هي تبيع وتبيع وتتنازل. منطقها في الحكم والإدارة هو منطق إدارة السوبرماركت: كله على الرف بالسعر المناسب، أو كما قال رئيس السلطة ذات مرة اللي يقدر على مصاريف مصر يشيل. وبالتالي، فالغرض من أفلام مثل “الكنز” و”الأصلين” هو إضفاء زخرفة رديئة تُشبع أسئلة المراهقين عن هويتهم، وتقدم للسلطة كوكتيل مصر الجميل، حيث حتشبسوت ترتدي تاجاً، وحيث سر عبقرية المصريين يكمن في تناولهم المخدرات وزهرة اللوتس الأزرق كما في “الأصليين”.

أما إذا كنت أذكى من ذلك، واكتشفت خواء السلطة، وأن بهية التى تحرس عيونها ليست إلا راقصة وعاهرة كانت تابعة لياسين قاطع الطرق، فالحل الذي يقترحه مروان حامد وأحمد مراد أن نذهب جميعاً للصحراء لنؤسس فندقاً بيئياً ونبحث عن السلام والخلاص النفسي في اليوغا والتأمل، ونترك المهام الكبرى وحراسة الكنز لرجال السلطة والأمن، حراس عيون بهية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s