لماذا يكره المصريون الفراعنة ويحبون صورهم؟

كلما قرأت أو سمعت عن خبر كشف أثري جديد تقوم أو تشرف عليه الدولة، مُتمثلة في وزارة الآثار، يَقفز مرتطمًا في سقف مخي السؤال الذي يحيرني منذ سنوات طويلة:

لماذا تنفق الدولة المصرية كل هذه الأموال على «الفحت» والحفر وإخراج التماثيل من جوف الأرض وتصويرها وأرشفتها أحيانًا وأحيانًا أخرى لا، ثم تقوم بدفنها مرة أخرى داخل مخازن وزارة الثقافة والآثار؟

قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس.jpg
قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس

مخازن الآثار لمن لا يعرف هي عبارة عن مساحات شاسعة من الخرابات يتم تكويم التماثيل والقطع الأثرية فيها وتعيين حارس برتبة غفير لحراسة كل هذا، لا يسمح للجمهور العادى بزيارة تلك المخازن ولا يعرف الباحثون عنها شيئاً ولا توجد قاعدة بيانات موحدة عن طبيعة محتوياتها. تترك فيها الآثار حتى يطمرها النسيان أو حتى تجد ابن الحرام المناسب لسرقتها وتهريبها.

الإجابة التي توصلت إليها أن الأمر يتعلق برغبة وطموح المؤسسات العلمية والأكاديمية الغربية واليابانية التي تحتوي على كليات للدراسات المصرية، وبالتالي ترسل البعثات العلمية إلى هنا وبالتالي تجدها الوزارة فرصة للركوبِ في المصلحةِ والظهور أمام الإعلام المحلي في صورة «أنديانا جونز»وفاتح مغارة على بابا. وبعدما تخفت أضواء الكاميرات تساق الآثار لمخازن وزارة الثقافة. فالبلد الذي يتفاخر بأنه يمتلك ثلث آثار العالم لا يمتلك التمويل الكافي لرعَاية وصيَانة وعرض رُبع هذه الآثار.

جميع المشاريع التي تتعلق بالآثار المصرية الفرعونية من المتحف الكبير المزمع افتتاحه قريبًا و حتى   الاكتشاف  الأخير في المطرية جميعها تعتمد على التمويل الأجنبي، لذا فطبيعي أن تكون نظرة السلطة العامة في مصر للآثار الفرعونية أنها ليست إلا وسيلة للحصول على العملة المجانية، وهو موقف يشترك فيه قطاع كبير من المواطنين مع السلطة، وإن اختلفوا أحيانًا حول تقاسم الأرباح.

من أجل كل ما سبق، لم أفهم حتى الآن سر الجدل حول الصور المتعلقة بالكشف الأثري الأخير في منطقة المطرية. الوزارة من جهة فخورة بالاكتشَاف حيث يعلم كل تُجار الآثار أن المطرية تعوم على مدن قديمة كاملة، لكن الوزارة سعيدة بأن الخواجة الألمانى أكد هذه المعلومة. حتى الآن كل شيء جيد، لكن فجأة عبر جمهور الإنترنت عن صدمته من الصور، بل وصل الأمر إلى استجواب الوزير في البرلمان.

ما هو الصادم؟

لم أفهم حتى الآن.

قرأت تعليقات أن «اللودر» وبعض الآلات التي استخدمت في الحفر وظهرت في الصور كان وضعها مشينًا أو مهينًا أو خادشًا، وكأن عمليات الحفر والتنقيب والانتشال من المفترض أن تتم بمكعبات «اللوجو»، لأن شكلها سيكون أجمل على «إنستجرام». تعليقات أخرى أشارت إلى الفوضى وانعدام النظام في موقع التنقيب والاستهانة بالآثار وأهمية الاكتشاف.

لكن إذا كانت بضع معدات وفوضى في موقع تنقيب تمثل إهانة، فماذا عن الإهانة في قلب المتحف المصري بالتحرير حيث تُعرَض جثث رمسيس الثاني وحتشبسوت والرموز الذين بنوا هذه الدولة القديمة وصنعوا أبرز الآثار الباقية لهذا التاريخ. جثثهم عارية معروضة بلا أي قيمة علمية. فقط إهانة وتحقير مُتعمد لجثثِ الملوك بحشرهم في تلك الغرفة التي تحمل لافتة «غرفة المومياوات».

ورغم أن التصوير ممنوع في تلك الغرفة، لكن ورقة بخمسين جنيهًا للحارس الجالس في الغرفة سيسمح لك بأخذ سيلفي مع جثة رمسيس الثاني باعتباره فرعون موسى وسيؤكد معلوماته «انظر إلى عظامه ستجدها بيضاء من أثر المياه بالملح، لأنه مات غريقًا»، أيضًا سيسمح لك بأخذ السيلفي مع جثة الملكة حتشبسوت باعتبارها «زليخة التي أغوت سيدنا يوسف». وفجأة وسط الهذيان والسياح العرب الذين يبحثون عن تأكيدات للخرافات الإسرائيلية عن الحضارة المصرية ستسأل نفسك، هل حقاً أنت وهذا الحارس والقائمون على هذا المكان وهذه الوزارة وهذا البلد لديهم أي علاقة بهؤلاء الملوك المعروضة جثثهم؟

هل حقًّا هم أجدادهم؟ وهل حقًّا يؤمن المصريون بأنهم فراعنة؟ وأن هناك رابطًا بينهم وبين هؤلاء المساخيط والكفار؟

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يقبل المصري المعاصر أن يعرض جثث أجداده خارج توابيتهم ومقابرهم؟ من أجل ورقة بخمسين جنيهًا؟ هل هوعيشالضباع فقط كما وصفه شادى عبد السلام في فيلم المومياء أم هناك جذر لمشكلة أعمق؟

ليس الأمر نتيجة للجهل أو الحاجة المادية، بل نمط وأسلوب خاص في التعامل مع الآثار الفرعونية لا يمكن أن نجده مثلاً مع الآثار الإسلامية. تخيل مثلاً أن تدخل متحف الفن الإسلامى لتجد غرفة بعنوان «غرفة الأولياء» تُعرض فيها جثث لعدد من الأولياء وحكام مصر في العصر الإسلامي وقد انتزعوا من مقابرهم ووضعوا في صناديق زجاجية للعرض العام. بالطبع يستحيل أن يحدث هذا لكن يكون هذا هو الطبيعي مع الآثار المصرية القديمة الفرعونية.

رع حر آختي يبارك مرنبتاح، الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني من مقبرته بوادي الملوك KV8.

جوهر المسألة هو انعكاس للأزمة الأزلية لدى الإنسان المصري المعاصر في هويته ونظرته لذاته.

من جهة هناك أمثال الشيخ السلفي الذي يرى في كل ما هو مصري فرعوني حضَارة نجسة وأصنامًا وحجارة، ومن الطرف الآخر هناك أمثال أستاذ الآثار المصرية الذي لا يقدم في كتابته إلا الفخر بالريادة والمنجزات القديمة دون أي جهد لربط حياة المصري المعاصر بهذا التراث. بل إن السياسة العامة للدولة تعزز هذا الانفصال المعرفي مع الحضارة والتاريخ الفرعونى. فحينما يتم التعامل مع منطقة كشارع المعز والقاهرة الفاطمية تتم تهيئة المكان بحيث يظل سكانه في مكان إقامتهم وعملهم حتى يصبح المكان حيًا يزوره الشباب ويصنعون مع المكان ذكريات وتاريخًا خاصًا امتدادًا لتاريخه العام، لكن حينما يتم ترميم طريق الكباش في الأقصر يتم تدمير منازل الناس وإبعادهم، وذات الأمر مع سكان منطقة نزلة السمان، حيث تم فصلهم عن الهرم بجدار عازل وبناء الأسوار حول الهرم لتترسخ عزلته.

هكذا يجب أن تكون علاقتك كمصري معاصر مع التاريخ الذي يفترض أن تنتسب له، تشاهده من بعيد وسور عالٍ يفصل بينك وبينه، تكرهه في سريرتك لأنهم كفار ولأنك تجهلهم، لكنك لا تعلن هذه الكراهية لأنهم يمكن أن يشكلوا مصدرًا للرزق والعملة الأجنبية. هم أيضًا يكملون كوكتيل الهوية الذي تلوّن به وجهك حينما تقابل الآخرين. مقابل الخراب وخواء الحاضر هم أيضًا هؤلاء الكفار الذين تتكسب من وراء عرض جثثهم وبيع أعضائهم مصدر فخرك الوحيد بين الأمم المتحضرة.

فأي ضبع أنت أيها المصري المعاصر، وأي واقع تتوقع أن تكون عليه حياتك، إذا كانت هذه نظرتك للماضي، وإذا استمررت في إصرارك على عدم النظر في المرآة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s