الحياة طبقاً لعمرو دياب

13yy
غلاف ألبوم راجعين

في نهاية عقد التسعينيات، كان عمرو دياب حولنا في كل مكان، وعلى النواصي وفي النادي ذئاب صغيرة يلبسون ملابس تتشبه بما يرتديه عمرو دياب، ويقفون أمام أكشاك بيع شرائط الموسيقى في انتظار ظهور بوستر ألبوم عمرو دياب ليقوموا بتغيير قصة شعرهم على حسب قصة عمرو، ثم يفاجئهم عمرو في الفيديو كليب بقصة شعر جديدة، فيحتارون داخل عالم مستنسخات دياب، أي نسخة يتبعون.

كنت على طرف آخر من تلك المجموعة، والتي كانت جماعة كبيرة تحمل اسم «شباب مصر» يعبر عمرو عن أحلامهم في حياته كما أغانيه، جمل لحنية وشعرية قصيرة، تحمل تكراراً وكلمات عادية، وبتكرار بثها في الإذاعات والمحلات تتحول لإفيهات ثابتة وجزء من اللغة اليومية. كان الواحد يقابل صديقه فيسأله: «وهي عاملة إيه من تحت؟» فيرد الثاني تلقائيًا «ومين هون عليها الفحت». وسيارات المصريين تتفكك وتتداعى على الطرقات غير الممهدة والكباري المليئة بالحفر والفجوات «الزمكانية».

كان عمرو دياب يعدنا دائماً بحياة أحلى، حياة أجمل، في عينيك حبيبي شفت الأيام. وكانت أيامنا كلها تتشابه تحت وقع السأم المباركي قبل 2011، الحدث الأهم في عام تتشابه أيامه كان صدور ألبوم جديد لعمرو دياب. ليس لأننا ننتظر شيئًا جديدًا من عمرو دياب، بل لأننا ننتظر «نيولوك» جديدًا. مثلما كان البعض ينتظر من جمال مبارك ومن الإصلاح من الداخل «نيولوك» جديدًا. لكن تبين بعد ذلك أن مشاكل البواسير والصرف الصحي لا يمكن حلها بـ«نيولوك»، بل بتغيير في شكل التركيبة الحاكمة ينحي أي تمثيل مدني، ويعيد البلد مرة أخرى إلى حضن الجيش حاميها والأدرى فقط بمصلحتها.

عمرو دائمًا كان بعيدًا عن التعليق عن السياسة ومقلًا في أغانيه الوطنية المباشرة. كان المذيعون والنقاد والصحفيون يلومونه على ذلك رغم أن لديهم عشرات وربما مئات المغنين الآخرين لا يتوقفون عن الصياح والغناء للنيل والعلم والمقاتل الخطير والجو الجميل. رأوا في عمر انحرافًا عن خط الغناء الهادف أو ذي المحتوى الوطني، بينما الحقيقة لا شيء أسخف من الأغاني الوطنية غير خطب الرؤساء ونواب البرلمان. وحتى حينما كان دياب يغني ما يُصطلح عليه بأغانٍ وطنية كانت تخرج مضحكة فالحزق العاطفي الجميل والمؤثر الذي يقدمه يظل واحدًا، سواء كان يغني للقدس أو لحبيب عاش قبل منه يومًا، ثم لما جاء له عاش عمره مرة أخرى في يوم. الحزق العاطفي الذي لا يدعي الصدق كان جوهر مشروع عمرو، ورسالته لنا كيف أن المشاعر بالأساس لا تقوم إلا على الإيهام والاستهام.

لكن عمرو ظل مخلصاً لحلمه الفردي، لجسده الذي يحافظ عليه ولعائلته وللحياة الحلوة الجميلة التي يحبها. على العكس من مغنين آخرين صغار وكبار، لم يُغنِّ عمرو دياب لرؤساء أو زعماء، ولم يتزحلق للانتخابات والصراعات السياسية فيغني «مصر محتاجة ربان». لم يظهر عمرو دياب في احتفالات السيسي، ولا احتفالات مرسي، ولا احتفالات ثورة يناير. كنا كشباب منفعل نرى في مواقفه جُبنًا أو جهلًا أو تخاذلًا.

amr_dyab_2506.jpg
عمرو دياب في منزل عبد الحليم

لكن الآن حينما ننظر لأجسادنا التي تتقدم للثلاثين تتهدل الدهون من كل جانب منها، بينما عمرو تلمع جبهته ويتحول جلده للون البرتقالي. نقول ربما كانت الخيارات غير صحيحة أحياناً. ربما كان مسار الحياة الذي عبرناه ليس أفضل ما يمكن السير فيه. يصاب الناس بالإحباط يفقدون الطاقة ويسقطون في العديمة السلبية، يرمون بالذنب على مصر أو السيسي أو مرسي والإخوان والجماعات الإرهابية، بعضهم يرى أن إحباطه سببه البلد التي ودعها سعد زغلول قائلاً «مفيش فايدة». لكن عمرو دياب يخبرنا أن لا حزن حقيقي إلا حزن الفراق، ونسيان الحبايب وهجر الأشواق، أو لقاء الحبايب بعد الفراق بلا سلام ولا نظرة في العيون وكأن حباً لم يكن.

ربما كان الاندماج العاطفي خلف المُثل العليا والقيم هو خطأ جعل العاطفة تتبع القلب، بينما العواطف وكما كان دياب يكرر بلا ملل ولا كلل، لا تكون صادقة إلا بين فردين، وجميعها تتشابه في دائرة تبدأ بفرحة اللقاء والعيش سعيداً ثم العتاب والرجوع وربما الفراق ثم بداية جديدة بنظرة وفرحة والليلة دى سيبنى أعيش وأحب فيك.

لكن الحياة، كما أغاني عمرو دياب، تحتوي على مساحات فراغ كثيرة، يملؤها دياب بالذهاب إلى الجيم، نقش أسماء أبنائه على أعضاء جسده، تكوين الأسرة العائلية والزواج والطلاق، السخرية دائماً من عمرو مصطفى ثم مصالحته ثم السخرية منه مرة أخرى. وبالنسبة للبعض فلا شيء مثير في هذه الدائرة سوى السخرية من عمرو مصطفى. لكن يمكن خلق نمط حياة جديدة مزيج من الروح السعيدة المتفائلة المحبة للحياة واهتمامات آخر يغير الذهاب للجيم، كالرغبة في هدم الدولة المتعفنة، أو السخرية من هيبتها أو نظامها العبثي حيث قضاة يرتدون النظارات المعتمة لإخفاء العيون المجوفة.

يا عمرو، نحن آسفون لم نعطِك حقك، ولم نقدر فلسفتك في مواجهة البؤس، ولم نحترم ضعف قدراتك أمام الكاميرا أو في مواجهة الإعلام، سخرنا من ضعف قدراتك اللغوية والكلامية ورأينها امتدادًا للإطناب والملل المتكرر في كلمات أغانيك. سنعود للملل مرة أخرى، ونشوف الأيام.

Amr

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s