وائل العشري يكتب عن ذباب القانون وذباب الأدب

“يبدو أن القانون كقانون ليس له أبداً أن تصدر عنه أي قصة.”

جاك ديريدا، أمام القانون

يدخل أحمد ناجي أحمد حجازي، الذات القانونية، بصحبة أحمد ناجي، الكاتب، وبسام، الراوي الرئيسي لـ “استخدام الحياة”، والرواية أيضاً (تحديداً فصل واحد منها)، إلى متاهة القانون. لقد خدش، أو خدشوا جميعاً، “الحياء العام”، هكذا يخبرنا من يمثّل القانون.

“سخر . . . أنامله،” تقول النيابة في قرار إحالته إلى المحاكمة “لنشر مادة كتابية نفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة وأجر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكاً لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والأغراء بالعهر خروجاً على عاطفة الحياء وهدماً للمثل المصطلح عليها فولدت [مَن؟ المادة الكتابية؟] سفاحاً مشاهد صورت اجتماع الجنسين جهرة وما لبث ينشر سموم قلمه برواية أو مقال في صفراء باليه حتى وقعت تحت يد القاصى قبل الدانى والقاصر قبل البالغ فأضحى كالذباب لا يرى إلا القاذورات والنجاسات فيسلط عليها الأضواء والكاميرات حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم وجاءت تحريات جهة البحث كخرزات نظم ينحدرن توافقاً على قيام المتهم بكتابة المقال وأحتوائه على الفاظ خادشة للحياء”

3
من رسومات أيمن الزرقانى في رواية استخدام الحياة لأحمد ناجى

لا يخبرنا قرار الإحالة بما فعل أحمد ناجي أحمد حجازي على وجه التحديد. إنه يشير فقط وعلينا أن نفهم. علينا أن نقطع طريقنا من مجاز إلى آخر، من محسن بديعي إلى آخر، من خطأ لغوي لآخر (كاتب هذا المقال ليس ضد الأخطاء بشكل خاص، لكن ربما من المهم أن نلاحظها حين تأتي من القانون وبيروقراطيته) حتى النهاية. علينا، ربما، أن يملأنا الإعجاب أيضاً بهذه اللغة “الجميلة” التي تُدين شخصاً تحول إلى ذبابة.

يبدو قرار الإحالة مثل تدريب مدرسي متحمس على كتابة مقال. وكما يحدث في الحالات الشبيهة، يجد الكاتب لذة لا تفنى، وسعادة لا تزول من مخزون لا نهائي، معدّ سلفاً، من قائمة مجازات يُعاد تدويرها باستمرار، مرة بعد مرة بعد مرة، من موضوع تعبير إلى آخر، ولهذا فهي مضمونة التأثير. عليها خاتم ما، ربما للدولة، أو لمؤسساتها التعليمية، أو ربما هو ختم المجازات العامة. أجازته سلطة ما، وضمنت تأثيراً مُحدَّداً على متلقيها، تأثيراً يمكن أن يكون مادة لسؤال مدرسي عن مواطن الجمال، عن صورتين ممتدتين متضادتين: شخص تحول إلى ذبابة تنشر الفوضى وتشعل النار في مقابل خرزات نظم ينحدرن توافقاً على إعلان حقيقة قانونية مطلقة. هكذا يعكس نص الإحالة إحساساً عمومياً منضبطاً بالجمال (لا يرى أخطائه بكل تأكيد) وبلاغة عمومية لا تأتي بالضرورة من معرفة عن قرب بكتب أو تراث كتابة معين، بل هو “الحس السليم” للغة كما يُدرَّس، كما يُلقَّن في مدارس الدولة، حيث مجازات تعكس خيالاً محدوداً، ومفرغة من المعنى (هل أثار الفصل الروائي الفوضى فعلاً؟ هل رأها أي قاص أو دان؟ هل تدنى مؤشر الحياء في المجتمع المصري بعد أن نشر ناجي فصله؟) يُلقى بها في أذن من عليه أن يقدّر جمالها، من تدرب جيداً على ذلك.

“الذبابة” في قرار الإحالة، وهو المجاز الذي يمكننا أن نفترض أنه يلخص رؤية النيابة، محددة تماماً، واضحة المعنى مسبقاً. لا يحتاج المرء إلى التفكير كثيراً في معناها. هذا هو الحس السليم على أي حال. الذبابة مصدر ضيق. تثير القرف. تحمل المرض وتنشره. الحضارة، هكذا يبدو الأمر، تعتمد على نفي الذبابة، وهو ما قد يعني أيضاً نفي القاذورات والنجاسات والخراء (بالمناسبة، هل يحاسب القانون على استخدام كلمة الخراء؟ ما هي الكلمة الأكثر صداقةً للقانون، الكلمة التي يجيزها، ولا يراها تخدش؟ الهراء؟ ) بكلمات أخرى، إن قبلنا أراء بنيامين وكونديرا، في هذا الشأن، فنفي الذبابة هو لحظة ميلاد الكيتش.

أسلوبياً، نص قرار الإحالة بأكمله نموذج مثالي لكتابة الكيتش، إن أخذنا في اعتبارنا تعريف فالتر بنيامين للكيتش بأنه “لا شيء سوى فن متوفر للاستهلاك بدرجة مائة في المائة، مطلقاً ولحظياً، تحديداً داخل الأشكال المكرسة للتعبير [التي يعرفها ويقدرها “القاصي قبل الداني،” على سبيل المثال،] ولهذا، يقف الكيتش والفن في تضاد لا يقبل التوفيق” (مشروع البواكي، ٣٥٩) أما عن التصورات المسبقة التي تجعل لغة هذا القرار على ما هي عليه، والتي تمنحه مفاهيمه المسبقة عن الحياة، والسلوك القويم، والحياء العام، والسعادة المعقمة الطاهرة الخالية من “القاذورات والنجاسات” فينطبق عليها تعريف ميلان كونديرا للكيتش على أنه المثال الجمالي (وقد نضيف الحياتي) “الذي يُنكر فيه الخراء ويتصرف الجميع كما لو كان لا يوجد.” (كائن لا تُحتمل خفته) يستخدم كونديرا “الخراء” كمجاز بطبيعة الحال، للإشارة إلى كل ما قد يثير وجوده، في طباع بعض البشر، في أجسادهم، كعضو بين أعضائهم، في رغباتهم، وفي طرق حياتهم قلق البعض الآخر، كل ما قد يؤدي إلى قلق حاد يصل لنفي وجود مصدر القلق من الأساس، ويؤدي أما إلى تجاهل وجوده (لا يجب تسمية الأعضاء الخاصة! ) أو إلى معاملته كشذوذ عن قاعدة أو عادة يجب عقابه.

من المهم أن نلاحظ هنا أنه لا توجد مشكلة جوهرية في وجود الكيتش في ذاته، كنظرة للفن أو للحياة، ذلك أنه توجد على أي حال أنواع مختلفة، وأحياناً متضادة، من الكيتش. فكما هو الحال في كل مجاز، لا يعني “الخراء” شيئاً واحداً لكل الناس. تظهر المشكلة حين نضطر إلى التعامل مع ما يطلق عليه كونديرا “الكيتش الشمولي” ويعرّفه كما يلي:

حين أقول “شمولياً،” ما أعنيه هو أن كل شيء يهدد الكيتش يتعين نفيه من الحياة: كل تبدي للفردية (إذ الانحراف عن المجموع هي بصقة في عين الأخوة المبتسمة)؛ كل شك (لأن كل من يبدأ في الشك في التفاصيل سوف ينتهي به الحال إلى الشك في الحياة ذاتها)؛ كل سخرية (لأنه في عالم الكيتش كل شيء يجب أخذه بجدية تامة).

2007439
ما خدشه ناجي هو هذا التصور المدرسي عن اللغة والجمال والسعادة، وذلك الكيتش الشمولي المسلح بسطوة القانون، مثلما خدش تصوراً معيناً للحياء العام في قلب ذلك الكيتش الشمولي. لكن ما هو ذلك الحياء العام الذي يرفع من شأنه الأب والقانون وكل من ينوب عنهما؟ ما معناه؟ من يقرّر معناه؟ هل يحاول القانون حتى أن يُسمِّي أفعال خدش الحياء؟ هل يقارب الدقة ويعدّدها؟ وهل يكمن عدم الحياء في التسمية، في اللغة؟ هل يرتبط الأمر بالفعل ذاته أم باللغة المستخدمة في وصف الفعل؟ هل الأمر أنه في الفصل (أو المقال!) الذي يُحاكَّم يُعطِي بسام (الشخص الخيالي، الراوي غير القانوني، الذي لا يعرفه القانون) أكثر مما ينبغي من التفاصيل، أنه أكثر دقة مما يجب أن يكون، أم أنه يأتي أفعالاً تثير القلق لأنها تفسد هناء الحياة في كيتش الصفاء، أفعالاً لا تتصف بالحياء، وبالتالي يشجع آخرين على إتيانها؟ ما الجاذبية المفترضة لأفعال يفترض القانون ذاته أنها تسبب ألماً للقارئ، تخدش شيئاً جوهرياً في تكوينه السليم النقي؟ ألا يجب أن يكون تأثيرها هو النفور؟ ألا يجب أن تثير تلك الأفعال غثيان كل قارئ؟ ألا يجب أن يتألم أنفه وتصله رائحة سيئة، فيرفضها؟ أليست السعادة على أي حال هي تجنب الألم؟ أم هل يفترض القانون أن كل من يأتي تحت سيطرته يميل، بالطبيعة البشرية، نحو الانحراف؟ وما هو “الانحراف” إن كان القانون يفترض تحديداً أن كل ذات تخضع له منحرفة مسبقاً وتحتاج إلى حماية، تستوجب أن يضعها القانون تحت نظرته؟ هل يحمي القانون ذواته من أنفسهم؟

في ذلك الفصل الذي نشر الفوضى وأشعل النار في الهشيم، ينزل بسام على المرأة التي يقابلها في شقتها. يقترب بأنفه من أعضاءها الخاصة، من تلك الأجزاء التي يهتم بها القانون كثيراً. يقترب بشفتيه ولسانه منها، وبأنفه أيضاً، من أجزاء تصدر عنها مخلفات الجسد، مما يجب أن نبتعد جميعاً عنه، وننكره. يشم منها ما يهدّد الحضارة، ما يتعين أن يكون مكروهاً. يأخذ هيئة الحيوان الجاثي، على أربع ربما، ويبتعد عن القانون. هل ما يجده القانون إشكالياً هو أن بسام فعل ذلك أم وصفه، تحديداً أنه وصفه بألفاظ صريحة؟ هل كان الأمر ليختلف إن استخدم لغة أخرى، إن استخدم مجازات مدرسية، تقترح ولا تصرح؟ ماذا عن: “وتحركت نفسي بالشهوة فأعطيتها الجنس الفموي؟” أم هل سيروق للمحقق أكثر إن قال: “ثم استولى الشر على نفسي، فارتشفت رحيقها الأنثوي، فتحركت داخلي شهوة فانية، وأسكرتني لذة زائلة، فصرنا حيوانين أو أدنى، ومت، في نهاية المطاف، لأن هذا الرحيق، عزيزي القارئ، ليس سوى سماً؟” هل سيخدش مثل هذا القول حياء شخص ما، هل سيتحول بسام، لا إلى ذبابة، بل لنحلة مخلفاتها عسل؟ (بالمناسبة، أحد المجازات الكيتشية الساحرة حقاً تصف ما اقترب منه بسام، وحدد اسمه، بـ”الوردة” أو “الزهرة”).

كيف نواجه مثل هذه المتاهة التي تُدخلنا فيها بيروقراطية القانون؟ أو كيف نحاول أن نخرج منها؟

في مواجهة القانون وتجاوزاته ومحاكماته المتكررة لأعمال إبداعية، ثمة إغراء براجماتي في أن نضع الأمر بأكمله في زاوية “محاكمة الخيال”، الافتراض المبدئي هنا هو أن القانون، على عكس الأدب، يخلو من الخيال ولا يفهمه، ولهذا لا يستطيع أو ليس من حقه أن يفرض قواعده على ما يأتي عن نشاط بشري (يوصف، إعلاءً لقدره، بـ”الإبداعي”) ليس بمقدور القانون، بسبب طبيعته، أن يتفهمه.

لكن هل يخلو القانون من خيال حقاً؟ من أين يأتي إذن إن كان كذلك؟ وكيف له أن يعبّر عن نفسه؟ هل له قصة أو تاريخ يمكن أن يُحكى؟ وماذا عن لغته، بل وماذا عن المجازات التي يستخدمها لوضع أوامره ونواهيه، “خدش الحياء العام” على سبيل المثال في مادة القانون التي يُحاكم بمقتضاها أحمد ناجي أحمد حجازي؟ ما معنى الخدش هنا، في القانون وفي الأدب؟ وما الذي يمكن أن يُخدش؟ الجلد، الزجاج، القانون، الحياء، المرآة مجاز الفن؟ أي مجازات يمكن أن تُخدش؟ وهل يمكن أن يفكّر القانون في لذة الخدش، في ارتباط ما محتمل، قد يحدث، بين اللذة والخدش؟ أي فكرة يحملها القانون عن اللذة وتاريخيتها والقانون الأخلاقي كما يتحدث عنه فرويد على سبيل المثال؟ وما هو “الحياء” سوى إن كان خيالاً، مفهوماً تاريخياً يتكون في سياق معين وتاريخ محدَّد. نفس الأسئلة من الممكن طرحها بخصوص مفهوم العام/العمومية. ما الذي يمكن أن يوصف بالعمومية؟ من يقرر ذلك؟ من يقيس النسبة؟ أي جماعة متخيلة، طبقية أو مهنية أو عمرية، تنطبق على معاييرها مفهوم “العام”؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s