الحب والكلمات الخطرة

تكتسب الكلمة قداسة غير عادية في خطابيين أساسيين: الخطاب الدينى، والخطاب العاطفي. تتحول الكلمة إلي وعود والتزامات ومواثيق حينما يتعلق الأمر بالحب. يردد الحبيب في كل مرة كلمات مثل “وحشتنى”، “بحبك”. كتعويذة سحرية أبدية. بلا ملل، بلا كلل، ولا تفقد تأثيرها إلا بانتهاء أجل العلاقة، وإذا حدث وفقدت تأثيرها فيكون رد الطرف الأخر: “لا أنت لا تحبني”. في جملة لا تنفي تأثير الكلمة وإنما تنفي دلالتها وصدقها.

الحب شيء خطير يا سادة. هناك قتلى وصرعى ومصابون بسبب الحب. يحدث هذا قديماً ولا يزال مستمراً في الحدوث. صفحات الحوادث في الجرائد تشهد حتي الآن كيف يكون الحب بكل الدراما المحيطة به عنصراً غالباً في كل الجرائم التي تًُرتكب، إن كان بفعل الغيرة أو الشك، أو حتى العنف الناجم عن رفض الحب.

احتياج غريب وجنوني

يحتاج الحب إلي إلى الكلمة: احتياج غريب وجنونى. لنتخيل هذا السيناريو على سبيل المثال؛ يلتقي اثنان في بيئة عمل أو دراسة أو عبر أصدقاء مشتركين، يستحسن كل طرف الآخر، يتبادلان النظرات، الكلمات. يكتشفان اهتمامات مشتركة وتبدأ عملية تأويل كل الإشارات البسيطة والتافهة بشكل قدري. يصرخ طرف مندهشاً “يا إلهى أنت برج القوس، وأنا برج الدلو. أجمل برجين معاً”.

يمكن أن تستمر فترة الأحاديث الودية هذه طويلاً. وفي حلقات اجتماعية آخري يمكن أن تتحول لنزهات لاحتساء المشروبات الكحولية أو تناول العشاء، بل ويمكن أن يتورط الطرفان في إقامة علاقة حميمية. لكن مادام كلا الطرفين خلال هذه المسيرة لم ينطق أحدهما بالكلمة المقدسة فلا التزامات ولا قواعد. أعني يمكن أن يلوم أحد الطرفين الطرف الآخر على تصرف ما، فيرد الملام “لكني لم أفعل شيئاً، لم أعدك بشيء”.

428486_10151692135325931_1167294480_n
حديقة خضراء صغيرة. تصوير: أحمد

بعد الجنس، قد يجلس الطرفان عاريين في السرير، أو بعد نوبة من الضحكات في المطعم قد يصمت الاثنان وينظران في عينيّ بعضهما البعض. ثم يقول أحدهما “وبعدين؟” يشعر الطرف الآخر بحاجة للرد وتقديم وعود واقتراحات. ثم يتغير كل شيء ما أن ينطق أحدهما بالكلمة المنتظرة “أحبك”. تأتي الكلمة كتأكيد لما يحدث بالفعل بأن الحب موجود، وكاعتراف بالاستسلام لهذا الشعور، بالخضوع لقوة وأثر هذا الحب. حتى الآن كل شيء بديع، لكنه ليس كافٍ.

البحث عن بر الأمان 

يبحث العاشق عن ضمانات. الكل يرغب في الحب لكن يريده حباً آمناً. بالتالي، فكلمة “أحبك” ليست اعترافاً، بل وعداً يليها تأكيدات وبراهين. من الطرائف المرتبطة بهذه العملية أنه حينما يعترف طرفان لبعضهما البعض بالحب، لا يقولان للأصدقاء أنهما عشاق أو أحباب، بل يقول “أنا وفلان مع بعض” أو “في علاقة” أو “صاحبتي”. وليس الأمر مجرد خجل من التصريح بالحب بل بحثاً عن نمط مقبول اجتماعياً للعلاقة.

غرقت في بحر صغير من الحب ذات مرة، لكن لأسباب يطول شرحها لم نكن نرغب في تحويلها لعلاقة، ولا حتى وضع هذه التصنيف السخيف الذي يمنحه الفيسبوك “Open relationship”.

في المقابل، وحينما كنا نسأل ما الذي نفعله معاً كان الجواب “عشاق”. وكان الرد الذي نتلقاه: “يعنى أنتم مع بعض”. بدت الضغوط الخارجية علينا أقوى حتى من اختياراتنا لنمط العلاقة. في الحفلات لم نكن نفضّل أن نلتصق ببعضنا البعض رغم أننا نذهب معاً، ولم يكن لدينا إلتزام حصري اتجاه بعضنا البعض بل لكل طرف الحرية في ممارسة أي شيء مع أي شخص، سواء أكان هذا الشيء ممارسة الجنس أو الوقوع في الحب.

تعليقاً على النقطة الآخرى لم أفهم أبداً كيف يجري تأطير الحب ضمن معنى واحد بدرجة واحدة بشكل حصري، ولماذا يتم انكار تعدد إمكانية الوقوع في الحب أكثر من مرة، بل وفي ذات التوقيت، لكن هذا موضوع لتدوينة أخري.

أقول أن البحث عن ضمانات للحب، والضغوط الاجتماعية على العاشقين تدفعهما لتغطيس هذا الحب تحت السطح. والقفز فوق الكثير من الاعتبارات وتحويله لعلاقة. تتطلب العلاقة قدراً من الحب، لكن الحب لا يحتاج إلى علاقة بل يحتاج إلي الإيهام والاستهام وأحياناً وجود الآخر. ثم تأتى القفزة الأخطر كأن يري العاشقان أن الحب مؤهل لتأسيس أسرة.

تحت الضغط الاجتماعى للنظام المعاصر يندفعان لتحويل هذه الطاقة الكبرى “الحب” إلي صيغة إنتاجية في هيئة بيت وأسرة، دون أن يكون هناك ما يمكن أن يضيفه الطرفان لبعضهما البعض، ودون أن تتوافر لديهما أحياناً مهارات العيش المشترك التي تتطلب نوعاً من الحب يختلف عن الغرام أو نشوة الحب الحر. ربما لهذه الأسباب ولأسباب آخرى انتهت قصص حب عظيمة بعلاقات زوجية بائسة، وأحياناً نهايات حزينة.

بقدر قوة الحب وكثافته تكون خيبة الأمل حينما تفشل تجربة العيش المشترك أو بناء الفعل المشترك الناتج عن الزواج. كل هذا بسبب الاندفاع في نطق الكلمات دون إعطاء الفرصة للصمت ولمتعة استحلاب المشاعر أو نموها لتقود الطرفين نحو آفاق أخرى، ما بعد نشوة الحب الأولى، الأبواب المتعددة لاستكشاف الحياة خارج الحواجز التي يضعها النظام والضوابط الاجتماعية التي وجدت لحصار الحب بالكلمات والتعريفات والوعود.

— ———-

نشرت أولاً في الحب ثقافة:

https://lmarabic.com/news/blog-love-a…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s