ضد الجمال، ضد السلطة التنفيذية

 

7_henein
جورج حنين الشاب على رمال مصر في انتظار عبور القطار

 

في إطار مشروع بدأته منذ سنوات “بدأت في تجميع كل النصوص التى اتهمت يوماً، ونصوص تلك الاتهامات حتى لو كانت إدعاءات بخدش الحياء والذوق العام. أحلم يوماً بمتحف مخصوص للمواد الخادشة للذوق العامة. يمنع من دخوله ضعاف القلوب، من يعانون من أمراض الضغط، أو العاملين في قطاع أمن النفاق، وفضيلة الإدعاء.

من بين عشرات القصاصات التى جمعتها وجدت هذه القصاصة المرحة والتى تعود إلي ما يقرب قرن من الزمن. في عام 1935 كان جورج حنين مع ثلة من الشعراء والكتاب الشباب يصدرون مجلة باسم “أنيفور”. نشر حنين في تلك المجلة نصاً بعنوان “قاموس لاستخدام العالم البرجوازى” جاء النص مصحوباً برسوم كاريكاتيرية لكامل الديب. ووما جاء في ذلك القاموس المرح:

فوضى: انتصار الروح على اليقين.

جمال: سلطة تنفيذية.

كرامة: افتراض جاهز لأيام الاستقبال.

امرأة شريفة: احتكار جنسي.

فكرة: لعبة لا تنكسر، مجانية وأحياناً قاتلة.

شرعية: لجام الشعوب.

الأنا: الشئ الأكثر أهمية في العالم.

متحف: أكبر مزبلة معترف بها رسمياً.

عمل: كل شيء لا ترغب في فعله”

يخبرنى سمير غريب في كتابه عن السيرالية أن هذا القاموس أثار استياء عدد من القراء، بل أن كاتبة علقت على هذا القاموس المختصر في جريدة “البورص اجبسيان” بأنه كلام شباب مسكين بقلب ميت وروح جامدة. فرد جورج حنين بتهكم عليها قائلاً: “تأكدى من فضلك، أن نداءك المهزوز أثر بلا شك في الكتاب اللغويين الذين أوحت لك أخلاقهم بمثل هذه الاحتجاجات العنيفة. لقد كان هؤلاء المتوحشون الدمويون بالتحديد في طريق الغرق في الوحل، عندما وصلت رسالتك الثأرية لتنقذهم من ممارسة مهامهم”

طرق لتجنب عذاب الجحيم

في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.

أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.

ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.

في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.

قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».

على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.

في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.

يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».

اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.

من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»

في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».

في رحاب أعلَم السحَرة العرب

يخبرك الفلكي (المنجم) الساحر، بكل شيء ترغب في معرفته، لكنه أبداً لا يخبرك كيف يعرف هو، أو كيف يقوم بصنعته. قد يقول لك أن لديه فتوحات أو أنه “مخاوي” عفريتاً من الجن، أو، كما صرح الفلكي الشهير محمد فرعون مؤخراً مع وائل الابراشي، بأنه متزوج من جنيّة، وبالتالي فهي من تساعده في تنفيذ أعماله السحرية أو معرفة الحاضر والمستقبل من خلال الفلك والأبراج.

dav

خلال السنوات الأخيرة، انتشر طراز خاص من النساء، تقريباً يقصدن الكوافير ذاته، معظمهن بشَعر أصفر، شفاه مكتنزة، وجه فخور بالعمليات الجراحية والخيوط الفرنسية التي تشده، ونظرة تحدق في الفراغ. يصاحب اسمها لقب “خبيرة الأبراج” أو “خبيرة الفلك”. والسؤال هنا كيف كونت هذه الخبرة؟ كيف حصّلتها وراكمتها حتى أصبحت خبيرة؟ السؤال الأكثر تعقيداً هو كيف يمكن تعلُّم السحر؟

الانترنت، وتحديداً “غوغل” وفيديوهات “يوتيوب”، تحتوي على شرح وتفصيل لعمل كل شيء. إذا أردت معرفة كيف تصنع سيارة مفخخة ستجد إجابتك. كيف تصنع قنبلة بدائية الصنع ستجد. كيف تطبخ الحشيش؟ كيف تزرع الماريجوانا؟ كيف تتعلم عزف الغيتار؟

كل الأفعال والمهارات، الشرعية وغير الشرعية، القانونية وغير القانونية، لها دليل استخدام في الانترنت، وعشرات الفيديوهات.. إلا السحر. من أين إذن يأتي كل هؤلاء السّحَرَة؟

الإجابة الكسولة التي يقدمها البعض هي أن تلك فتوحات أشبه بـ”الفتوحات المكية” لابن عربي أو “التجليات الصوفية”. وفي قبولك لهذه الإجابة ما يعني أن السحر موهبة. لكن حتى الموهبة تحتاج تنمية، والسحر مسألة مارسَتها الإنسانية عبر آلاف السنوات من تاريخها. فأين تراث الإنسانية من كتب السحر وتاريخه وتطوره؟

dav
غلاف كتاب السحر العظيم

من المؤسف أن المكتبات العامة تخلو من تصنيف لكتب السحر، كذلك الأمر في دار الوثائق ودار الكتب. وإذا دخلت أي مكتبة تجارية الآن، وسألته عن كتب السحر، فسيخرج لك مجموعة من الكتب، معظمها لمشايخ سعوديين أو سلفيين. هي كتب تَدعي أنها تُحَارب السحر غير الشرعي، وتقدم الرقية والوسائل الشرعية للتعامل مع عَالمِ السحر، لكن كتب السحر نفسه، صوت السحرة الملعونين طوال التاريخ، دائماً غائب.

لم يتعرض تصنيف كامل من الكتب للمحو والحرق والإبادة، مثلما حدث مع كتب السحر، والنتيجة أن واحدة من أقدم ممارسات الإنسانية، وكتبت وسجلت فيها عشرات الكتب والمراجع، كلها الآن أصبحت هباء. سراب ضائع في تحالف يجمع بين الرقابة السلفية، ورقابة الحداثة التنويرية، التي ترفض نشر كتب الدجل والشعوذة، لكنها تحتفي بكتب التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية، وألغاز النصوص الصوفية.

كتب مثل “الصارم البتار في مواجهة السحرة والأشرار“، أو غيره من أعمال وحيد بالى، وكتب واسعة الانتشار تباع في مكتبات السلفيين، إضافة إلى الكتب الدينية، تطرح نفسها كوسيلة للوقاية والحماية من الوقوع في حبائل الدجالين والمشعوذين، حيث يعتمد المؤلف على عدد من التفسيرات للقرآن والسنّة، ويستخدم الآيات والأدعية النبوية وتكرارها كوسيلة للقضاء على الأعمال الشريرة وإخراج الجن من أجساد النساء البائسات اللواتي سكبن ماءً ساخناً في الحمام من دون أن يتعوذن من الشيطان. لكن هذه الكتب لا تدلّنا كيف يمكن تسخير الجان، أو كيف يمكن قراءة الأفلاك.

يدافع الفلكيون، خبراء الأبراج، عن شرعية عملهم. لديهم تفسيرات خاصة من القرآن والسنّة. يستشهدون بالآيات التي أقسم فيها الله بمواقع النجوم، وأن في السماء بروجاً لتهتدوا بها. ولهذا، فما يمارسونه شرعي ورسمي من الكتاب والسنّة. لكن بينما يقدم لنا وحيد بالىخلاصة تجاربه وكيف يمكن استخدام القرآن والسنّة لعمل السحر المضاد والرقية الشرعية، فالفلكيون المدنيون لا يكشفون أبداً سر الصنعة. لأنه مهما بلغ علمهم ومعرفتهم، فلن تصل أبداً إلى معرفة وأعمال وكتب الأستاذ عبد الفتاح السيد الطوخي، مدير “معهد الفتوح الفلكي لمصر والأقطار الشرقية”.

للطوخي عشرات الكتب والعناوين في كل تصنيفات السحر وأنواعه، بداية من مؤلفه القصير “نهاية العمل في علم الرمل”، حتى تخصصه الذي كتب فيه مؤلفات واسعة وهو علم الحروف وقدرات كل حرف وسره، وجمعها في كتابه “البداية والنهاية في علوم الحرف والأوفاق والأرصاد والروحاني”. تنتشر عناوين مؤلفات الطوخي في الانترنت. وفي الشبكات الاجتماعية ينتحل اسمه وشخصيته الكثيرون. فاسم الطوخي هو عَلَم لكل المهتمين بالسحر والعلوم الميتافيزيقية في مصر والعالم العربي. لكن رغم ذلك، لا نعثر على أي معلومات موثقة عن سيرته الذاتية، سوى الشذرات التي تركها هو في مقدمة كتبه، حيث يعرف نفسه بصفته مدير عام “معهد الفتوح الفلكي لمصر والأقطار الشرقية”.

خلال سنوات طويلة، حاولت العثور على كتب عبد الفتاح الطوخي، وحينما كنت أسأل أصحاب المكتبات القديمة، بعضهم لا يعرفه، والآخرون يهزون رؤوسهم ويجيبون بازدراء “مش بنبيع الكتب دي”. أما في النت، فالنسخ المرفوعة من بعض كتبه لا يُعرف أبداً مدى صحتها. أضف إلى هذا أن كتب الطوخي تحتوي في العادة، رسوماً وطلاسم ومنادل مرسومة ومكتوبة بخط يده شخصياً، وهو ما لا يتوافر مع النسخ الموجودة في الانترنت إن وجدناها.

موقع “النيل والفرات” يبيع نسخاً نادرة من كتبه سعرها يبدأ من ألف جنيه مصري (50 دولار أميركي) وحتى أربعة آلاف جنيه (200 دولار). لكن بفضل الصديق والمترجم والباحث في الأدب والتراث العربي، بن كوربر، خرجت من السجن لأجد هدية منه هي الجزء الثالث من كتاب السحر العظيم مع ورقة في ضرورة استكمال بحثنا عن الجزأين المفقودين.

الكتاب صادر عن مكتبة القاهرة في شارع الصنادقية (ميدان الأزهر)، لا يحمل تاريخ الطبع، لكن الأرجح أنه طُبع في الستينات أو بعدها. مثل معظم مؤلفات الطوخي، الصفحة الأولى تحتوى على صورته وتحتها بيتان من الشعر الذي دائما ما يضعهما:

 “المرء ضيف في الحياة وإنني/ ضيف كذلك تنقضي الأعمار

فإذا أقمت فإن شخصي بينكم/ وإذا رحلت فصورتي تذكار”.

يحتوى الكتاب على عدد من التمائم والطلاسم والأعمال، التي يمكن استخدامها في أغراض مختلفة، فهناك فصل لجلب وتهييج المحبة، عمل سورة يس الشريفة وطلسمها لمعرفة السارق، للصلح بين الزوجين، لعلاج الرمد، لزيادة البهجة والألفة، ولخلاص المسجون. ولتوضيح طريقة عمل كتاب الطوخي، نستعرض مثلاً طلسم “خلاص المسجون”، وهو يقع في باب حرف الـ(ب) حيث يوضح الطوخي أن للحرف شكلَين للكتابة، واحد عربي والآخر هندي. ويكفي نقش الشكل الهندي لحرف الباء، خمس مرات يوم السبت، على صحيفة من الرصاص ثم وضعها في باب السجن، ليخلص كل من فيه بإذن الله. لكن بعض الأعمال والطقوس أكثر تعقيداً وتستلزم ما يسميه الطوخي الرياضة أو الخلوة. حيث على القائم بالعمل اعتزال الناس والاستغراق في الطقوس التي يصفها الطوخي بالتفصيل. فمثلاً، لأجل التغلب على أعدائك فعليك أولاً، كما يقول، “الصلاة والصوم تنال الخير وتستريح من اللوم لأن كل شيء أصله العمل ومجاهدة النفس عن الشهوات ومخالفتها، فكن فطيناً ولا تكن عجيباً”. فمن دون الرياضة لا يمكن للأعمال أن تعمل، أما العمل نفسه فتكتبه في قعر إناء مدهون بالأخضر، ثم تصب الماء وتقرأ عليه سورة “قل أوحى إلى” وآخر سورة الحشر، وتشرب الماء على الريق فلا يقوى عليك أحد من الأعوان.

dav
طلسم في هيئة ختم سلمانى

أعمال وطلاسم الطوخي السحرية ليست دائماً مُسخرة للخير. فهناك باب مُخصص للأختام السليمانية وكيفية استخدامها لتسخير الجان، هناك فصول في الأعمال التي يمكن استخدامها لإهلاك الظالم، ولمنع النوم، لقتل الفسقة، ولهلاك المتمردين وللاحتراق في المحبة.

الجدل بشأن علم الطوخى لا ينتهي، بالنسبة إلى المؤمنين بعالم السحر والماورائيات هو أستاذ وشيخ كبير، وبالنسبة إلى غير المؤمنين فالكتاب مثل بقية كتب الطوخي، تظل كتابة فريدة وسحرها الأدبي لا يقاوم، لغة تغرف من التراث العربي، لكنه تراث مطمور، ليس التراث الأدبي أو النصوص الدينية القديمة، بل النصوص المتهمة بالهرطقة والدجل والشعوذة.

الكتاب كله كأنه درس يلقيه الطوخي على طالب شاب في علم الفلك والسحر، وبين ثنايا الطلاسم والتعاويذ يعطيه نصائح مختلفة في الحياة، مَن يصادق ومن لا يصادق، وكيف يجاهد شهوات النفس. وفي أحيان أخرى، يتحدث الطوخي عن نفسه. فتحت عنوان “وأما بنعمة ربك فحدث”، يكتب الطوخي “إنني كتبر مستتر في ثرى أرض، وأهل تلك الأرض في فاقة شديدة وكثير ما يمرون على الأرض، وينظرون لمعان بعض ذرات التبر، ولكن لا يفكرون ولا يبحثون. فإذا جاء أجنبي (يضع هامش هنا قائلاً: أن الأجنبي هو الموت) وبحث في تلك الأرض وأخذ تبرها، وعلمت بذلك أهلها ولا بد أن يعلموا لأن الأجنبي، سيزيع (هكذا كتبها في الأصل) ما عثر عليه من ثراء ونفع (يضع هامش هنا قائلاً: لأن العبقري لا يظهر إلا بعد الموت، كالمخترعين والفنانين والفلاسفة) فهنالك تندم المواطنون وهيهات أن ينفع الندم”.

هيهات أن ينفع الندم حقاً يا عم طوخي. ربما في وسط العتمة والصفعات المتتالية التي يتلقاها مشروع التنوير والحداثة العربي، يكون هذا اليأس فرصة لكي ننقب في هذا التراث أو بألفاظ الطوخي الفلكي “التبر”.. علنا نعثر على الذهب، أو وسيلة لإهلاك الطاغية.

dav
طلاسم هندسية مختلفة

 

الوطن هو الخنزيرة التى تأكل أبنائها

“وبدأ مد يفور تحت سطح ود ستيفن الهادئ وقال:

-إننى نتاج هذا العصر وهذه البلدة وهذه الحياة. سأعبر عن نفسي كما أنا عليه في الواقع.

فكرر دافن: حاول أن تكون واحداً منا. إنك ايرلندى في فؤادك ولكن كبرياءك أقوى من اللازم.

فقال ستيفن: لقد ألقي أجدادى لغتهم واستبدلوا بها لغة أخري. لقد سمحوا لحفنة من أن يستبعدوهم. هل تتصور أننى سوف أدفع من حياتى ومن شخصي ديوانا ارتكبوها هم؟ لماذا؟

فقال دافن: من أجل حريتنا.

فقال ستيفن: لم يمنحكم إنسان محترم ومخلص نفسه وشبابه أبداً منذ أيام “فون” إلي أيام “بارنل” إلا وبعتموه إلي الأعداء أو خذلتموه في وقت الحاجة أو لعنتموه وتركتموه إلي غيره. ثم تدعونى إلي أن أكون واحداً منكم. وإنى سأراك ملعوناً قبل ذلك.

فقال دافن: لقد ضحوا من أجل مثاليتهم، ولسوف يأتى يومنا، صدقنى.

وظل ستيفن صامتاً برهه شارداً مع أفكاره. ثم قال في غموض:

-إن الروح تولد البداية في مثل هذه اللحظات التى أخبرتك بها. إن مولدها بطئ وغامض، أكثر غموضاً من مولد الجسد. وحين تولد روح إنسان في هذا البلد فإنهم يلقون عليها الشباك ليمنعوها من التحليق. إنك تحدثنى عن الوطنية واللغة والدين. إننى سأحاول أن أفر من هذا الشباك.

ونفض دافن الرماد من غليونه.

قال: إنك عميق حتى لتستعصي على. ولكن بلد المرء يأتى أولاً. أيرلندا أولاً يا ستيفي. ويمكنك أن تصبح شاعراً أو صوفياً بعد ذلك.

فقال ستيفن في برود: هل تعرف ما هى أيرلندا؟ أيرلندا هى الخنزير الذي يأكل أبناءه.”

جيمس جويس

-صورة الفنان في شبابه

-“ماهر البطوطى

الشعوذة المصرية: تمييز طبقي

اندلعت الحرب بشكل علني الأسبوع الماضى. المعارك التي كانت مَطمورة وتدور في العالم السفلي، تصعد للسطح الآن. الشيخ محمد المغربي، وهو أردنى يمتلك قناة “الطب النبوي” الفضائية، ظهر الأسبوع الماضي في قناة “القاهرة والناس”، وهاجم بالأسماء من يصفهم بالدجل والشعوذة من أصحاب القنوات الأخرى الذين يدّعون القدرة على شفاء الأمراض وحلّ جميع المشاكل الصحية والنفسية بالأعمال السفلية والرقية والأدعية. المغربي أعلن أنه بات يتنقل مع حرّاس مسلّحين، لأن الحرب التي يشنها على شيوخ المغرب ومصر جلبت له عشرات التهديدات وتعرض بالفعل لمحاولات اغتيال وقتل. 

تحارب قناة المغربي الفضائية، الجدل والشعوذة، لكنها تقدم نصائح وخدمات واستشارات للعلاج… بالقرآن. يدافع الرجل عن نفسه بأن ما يقدمه هو العلاج الروحانى الصحيح، وأن الآخرين دجالون. أما قناة “القاهرة والناس”، التي تحارب الجدل كذلك، فهى تروّج لعلم الفلك وتفسير الأحلام والأبراج، وكلها فقرات ثَابتة في خريطةِ برَامج القناة التي تهاجم، في الوقت ذاته، الدجالين الذين يدّعون القدرة على مُسَاعدتك في اتخاذ القرارات المصيرية وتحديد مُستقبلك.

أما في التلفزيونات المصرية الرسمية، وكذلك معظم القنوات العربية، فخبراء الطاقة الروحانية والبرمجة العصبية، واليوغا، وطاقة الأحجار، والعلاج بالعناصر الطبيعية.. هم أصحاب فقرات ثابتة، يتم تقديمهم بلقب دكتور قبل أسمائهم أو لقب الخبير في السلام النفسي.

لطالما كان اقتصاد وتجارة الميتافيزيقيا، من أكبر الاقتصادات في المنطقة العربية والعالم. ونقصد به بيع وتسليع كل الممارسات ذات الطابع ما وراء الطبيعي، والتى تعتمد على نظريات غير مثبتة علمياً، ورغم أن بعضها مجرب لكن تغيب دائماً العلاقة بين السبب والعلّة. وهي تشمل تجارة الأبراج والتنبؤ بالمستقبل، العلاج الروحانى، العلاج بالقرآن، العلاج بالطاقة، اليوغا، وكل أساليب التحكم بالطاقة غير المرئية والتي لا برهان علمياً على وجودها.

تُشكل الميتافيزيقا عُنصراً أساسياً في ثقَافات شعوب الأرض. وخلال العقود الأخيرة، مع ترسيخ سياسات العولمة وتسليع الثقافة، تحولت الميتافيزيقا إلى وسيلة من وسائل الدخل للأفراد والشعوب. 

في الصين والهند، حيث لم تؤدّ الحداثة القائمة على الحقائق الفيزيائية إلى دفن التجَارب الميتافيزيقية، استمر الطب الحديث مع الطب الشعبي. وممارسات مثل التداوي بالأعشاب أو التأمل أو الإرشاد الروحي عبر معلم اليوغا، هي ممارسات علنية تنظمها الدولة وتستفيد منها. وقبل عامين، ضغط رئيس وزراء الهند على الأمم المتحدة، من أجل تخصيص يوم عالمى لليوغا والتأمل الروحانى على الطريقة الهندوسية، وتبنت الحكومة الهندية مَجموعة من السياسات للترويج لكل أشكال الميتافيزيقيا الهندوسية، من اليوغا والتأمل، إلى العلاج بالأعشاب والتداوى ببول البقر المقدس. ليس الغرض من هذه السياسية دعم القوى الناعمة للهند فقط، بل دعم الاقتصاد الهندي كذلك، إذ يُقدّر إجمالي عائدات سوق اليوغا ومنتجاتها، على الاقتصاد الهندي، بحوالى 5.7 مليار دولار أميركي.

دخل الطب الحديث مصر، في عشرينات القرن التاسع عشر، على يد كلوت بك، تطبيقاً لسياسات محمد علي باشا، لرفع عدد سكان القطر المصري ولاستخدامهم في تكوين جيش الباشا، ولزيادة طاقة الأيدي العاملة في أراضيه الزراعية. منذ القرن التاسع عشر، وحتى الآن، تشن مؤسسة الطب التشريحي الحديث، الحرب على الطب البديل، وعلى كل أنواع العلاج الميتافيزيقي الذي لا تنتجه المؤسسة الطبية الغربية الحديثة. ومع ذلك، تنمو مؤسسة العلاج الميتافيزيقي في مصر والعالم العربي، وتعيد خلق نفسها تحت مسميات وأشكال جديدة تناسب كل طبقة إجتماعية. 

في أحد المولات التجارية الكبرى، ترتفع لافتة بالانجليزية تشير إلى أن المحل هو مركز بيع منتجات المركز الفلاني المتخصص في العلاج بالطاقة. داخل المحل تُبَاع مَجموعة من الأحجَار والعقود والتمائم بأسعار مُبالغ فيها. قطعة حجر أشبه بأي “زلطة” تجدها في الشارع، تباع بحوالى 750 جنيه (35 دولار أميركي)، ولها استخدامات مُتعددة. فإذا وضعتها أسفل وسادتك قبل النوم، ستقضي على الصداع المزمن والقلق وتمنع الأفكار والطاقة السلبية من الاقتراب منك أثناء نومك. أما تلك الحظاظة غريبة الشكل، والتى يقترب ثمنها من 1500 جنيه (75 دولار أميركى تقريباً)، فهى ستغير من هالة الطاقة المحيطة بك، فتجعلك وسيماً وتجذب الآخرين لك ولشخصيتك. ينظم المركز أيضاً عدداً من الأنشطة لسكان التجمعات السكنية في “6 أكتوبر” و”التجمع الخامس”، ومنها حلقات ذكر صوفي خاصة بعليِّة القوم تقام في فيلا خاصة، وتقدم خلالها الولائم، فتمنحك الفرصة لمعايشة جو حلقات الذكر والتصوف الجميل من دون الحاجة للاختلاط بزحام الأحياء الشعبية أو حضور الموالد والاختلاط بالعامّة.

ينمو اقتصاد الميتافيزيقيا ويزدهر لدى الطبقات الاجتماعية العليا المصرية، ويزداد الإنفاق عليه. في المجال الرياضي، الحديث عن استخدام السحر أصبح شيئاً علنياً. رؤساء الأندية الرياضية يستعينون بسحَرة معروفين بالاسم. وأحد رؤساء الأندية الكبري في مصر، لا يخفي علاقته بساحر يصحبه معه دائماً، ولا يتخذ أي قرار يخص الفريق من دون الرجوع إلى هذا الساحر، حتى أن العاملين في النادي حينما توجد مشكلة مع المدير يلجأون إلى هذا الساحر للتوسط لديه.

في المجال السياسي، ومنذ اللحظة الأولى لظهور السيسي، كانت الأحلام والنبؤات هي وسيلته لتقديم نفسه للصحافيين. والآن مع ازدياد الرقابة على المجال العام، لم يعد أمام المعارضين سوى استخدام الميتافيزيقيا والسحر ضد السيسي. لينقلب السحر على الساحر ويختلط الخيال بالواقع، والروحاني بالجسدي، والسفلي بالعلوي، حينما ظهرت صفحة “فايسبوك” المعروفة بـ”تحت الأرض” واتهمتها الداخلية بالتنبؤ بتفجيرات الكنائس الأخيرة، بل وأعلنت في بيان رسمي ترصدها للقائمين على الصفحة ومراقبتهم والقبض عليهم بسبب استخدامهم السحر السفلي في الإرهاب!

لكن رغم الاعتراف الرسمي والديني بوجود السحر، فكالعادة يدفع الفقراء الثمن. وبينما ينمو ويزدهر اقتصاد السحر والميتافيزيقيا في التلفزيونات الرسمية، وتتعامل معه مؤسسات الدولة كواقع، فإن سحر الفقراء يتم وصمه بالدجل والشعوذة وتتم ملاحقته جنائياً والتعامل معه كسلوك إجرامي. هكذا، أصبح معتاداً أن نشاهد خبيرة الطاقة الروحانية تدلي بحديث صحافي في إحدى الصحف، وفي الصفحة المقابِلة القبض على دجال في حي السيدة زينب يقنع الفقراء بحل مشاكلهم الأُسرية.

ليست الطبقية هي العنصر الوحيد الذي يتحكم في مدى “شرعية” العمل الميتافيزيقي، بحيث يصبح ساحر السيدة زينب دجالاً ومجرماً ومشعوذاً، وخبيرة الطاقة الروحانية في حي المعادي نجمة مجتمع راقية وشخصية عامة في التلفزيون ووسائل الإعلام. فإلى جانب الطبقية، يسيطر شيوخ السلفية على قطاع كبير من الاقتصاد الميتافيزيقي، وسلطتهم عابرة للطبقات الاجتماعية. فمع نمو السلفية الدينية في المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، ظهر فرع العلاج بالقرآن والطب النبوي. السلفي يعترف بالسحر والميتافيزيقيا، لكنه يستخدم سلاح الحرام والحلال. فقواعد الفقه والشريعة لا تنظم العلاقات في العالم الفيزيائي الطبيعي فحسب، بل كذلك في العالم ما وراء الطبيعي. هناك أعمال ميتافيزيقية مُحرّمة وهناك أعمال ميتافيزيقية مُحللة. وخلال السنوات الأخيرة، تم وصم الكثير من الممارسات الميتافيزيقية والسحرية الشعبية بأنها حرام، بداية من ضرب الودع إلى قراءة الفنجان. وحتى تلك التي وصفها الفقه بأنها حلال، فرض السلفيون نماذج استخدام محددة لها، وفرضوا أنفسهم حصريين كقائمين بالرقية الشرعية والعلاج بالقرآن والعسل وبول الإبل.

أمام هذا العالم والاقتصاد، بل والسياسية الميتافيزيقية الآخذة في النمو والتوحش، حيث السيد ترامب الذي لا يؤمن بالتغيير المناخي، يقف المثقف العلماني المدني، متحصناً بتراث الفيزياء الحديثة، من نيوتن إلى أحمد زويل، مستعيناً بكتب ودراسات علم النفس الحديث كمفتاح وحيد للتواصل مع العالم الميتافيزيقي. ورغم أن علم النفس الحديث يتحرك ويؤسس لنظريته بلا معاينة تشريحية كباقي العلوم الحديثة، لكن سلطان نظرياته يقف في مواجهة السحر والروحانيات والعالم الميتافيزيقي مدعياً أنه العِلم والآخر دجل.

إن أي نقاش علمي في مواجهة الدجل والميتافيزيقيا المحيطة بنا، محكوم عليه بالفشل التام. يكافح العلماني والعربي المستنير، الخرافة والدجل، بكتابة المقالات والظهور في التلفزيون مهاجماً الخرافة. لكن الخرافة لا يمكن أبداً أن تتبدد بالنقاش العقلاني. والطبيعة بقوانينها لا يمكنها هزيمة ما وراء الطبيعة، خصوصاً إذا كان خلف سحابة الخرافات والروحانيات التي تغطى الكوكب، كل هذا الدعم والتمويل والاقتصاد، فتتبدد صيحات المنطق في الفراغ.

 

نشرت في موقع المدن في المرة الأولى

جِلدُ السيوي الذي يكسو حيواناته

نشرت في المدن في مايو 2017

لحيوان دائماً عارٍ، ونحن نتدثر بالملابس والأقمشة، نتخذ منها ستراً وملبساً. أن تكون عارياً في مواجهة الحيوان، هذا تغيير كفيل بقلب موازين القوة. كأنكما تصبحان في المستوى ذاته. بعض المشايخ يرى أن التعري أمام الحيوان مكروه. وفي الجانب الآخر، فإن وسيلة الاستنكار لدى جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان هي التعري احتجاجاً ضد ممارسات الصيد الجائر للحيوانات طمعاً في استخدام جلدها وفرائها في صناعة الملابس.

 

إنه النسيج، والملمس، واللون، ما يحدد شكل الحيوان، واختلافه داخل فصيلته واختلاف فصيلته عن باقي الحيوانات. من النسيج والملمس واللون يصنع عادل السيوي لوحاته. يمزج العناصر الثلاثة لينتج حيوانات مركبة يختلط فيه البشري بالحيواني، أو ليخرج ببورتريه للحيوان وهو يلتقط “سيلفي” مع الإنسان. في كل لوحة تختلف وتتعدد الحيوانات من كل فصيلة ونوع، لكنها دائماً لا ترتدي جلدها بل جلداً خاصاً يفصّله عادل السيوي. فما نراه ليس بورتريهات للحيوانات، بل بورتريهات لجلد السيوي وهو يتشكل في حيوانات مختلفة، وذلك عبر أكثر من 200 لوحة معروضة في معرض عادل السيوي الجديد “في حضرة الحيوان”، والمقام حالياً في غاليري مشربية.

يتوزع المعرض في ثلاث قاعات في وسط البلد. تخرج من القاعة الأولى حيث الحيوانات في لوحات ضخمة، لتمشي في شوارع وسط البلد إلى القاعة الثانية، ومن حيوانات السيوي إلى حيوانات الشارع حيث القاعة الثالثة وهي مرسم الفنان. هذه الجولة الفنية بين أكثر من مكان في مثلث وسط البلد في القاهرة هي بالتأكيد جزء من تجربة زيارة معرض السيوي. فالسيوي يرغب دائماً في توسيع معنى الحياة وحدود إدراكنا لها، المجتمع لدى السيوي ليس البشر فقط، بل هو الحياة كلها بما فيها الحيوانات، وهكذا بالخروج من هذه الدائرة الإنسانية الضيقة يحاول السيوي إتاحة المجال لنرى جانباً آخر من الوجود.

IMG_20170430_204643.jpg
داخل معرض عادل السيوى، وأمام لوحة بطوط وعم دهب

من حيوانات السيوي إلى شوارع وسط البلد وحيواناتها، يتنقل زائر المعرض. هي الشوارع ذاتها التي شهدت في السنوات الأخيرة، التظاهرات والصراع والهتاف والاحتقان.

مساء 25 يناير، قابلت عادل السيوي في ميدان التحرير. كان مندهشاً من المشهد. أخبرني أنه أبداً لم يرَ “التحرير” في هذه الهيئة إلا في الستينات، بعد النكسة، أثناء التظاهرات الطلابية للمطالبة بمحاكمة قادة الطيران الذين تسببوا في النكسة. لكن التظاهرات التي شهدناها لم تكن عابرة، بل دوامة من الأحداث والتفاصيل، انفتحت وجرتنا جميعاً في ضجيج تفاصيلها. كم أضعنا وقتاً، خلال السنوات الماضية، في متابعة تصريحات وأحاديث ناس يبدو وصفهم بالتفاهة مديحاً لهم، وجميعهم الآن ذهبوا في الهباء المنثور. لكن، وقتها، كانت قوة سحب دوامة لا تقاوم ويومياً تتابع تفاصيل المشاهد والانفعالات والحماس وخيبة الأمل المتكررة.

هرباً من تلك الدوامة، اختار السيوي العودة إلى أحد موضوعاته الأثيرة، والغرق في تأمله، وهو الحيوان. بعض لوحات المعرض يعود تاريخها للعام 1998، فطوال الوقت كانت الحيوانات حاضرة في أعمال السيوي تختفي وتظهر. في حوار له مع أسامة فاروق عن المعرض، قال السيوي أنه أبداً لم يفكر في رسم أي لوحة عن أحداث الثورة إلا لوحة واحدة رسم فيها بيكاسو وفان غوخ في ميدان عبد المنعم رياض، لكنه لم ينتج أكثر من هذه اللوحة، ويتخيل في الحوار أنه لو كان رسم الثورة كان عمله سيكون خليطاً من الواقع ووضع شخصيات أو تفاصيل من واقع آخر، كأن تحدث الثورة في منطقة يسقط فيها الثلج أو أن تقف حيوانات ضخمة وسط المتظاهرين.

السيوي في صراع دائم ضد كل فكرة كبيرة أو ضخمة تُحَاصره. لذلك كان طبيعياً ألا تجذبه الثورة على المستوى الفني، بل أن تكون دافعاً لينقب، لا عن مهرب، بل عن أثر كل هذه الأحداث الكبيرة في داخله، وأن يسعى لينتج هذا الحوار الداخلي مع الحيوان.

IMG_20170503_192305.jpg
مع لوحة بورتريه إبراهيم أصلان لعادل السيوى

يحضر الحيوان في التراث الأدبي والفني الإنساني لكنه غالباً ما يأتي كرمز، دائماً الحيوان وعاء للأفكار أو التصورات التي لا نريد التعبير عنها بصراحة، وفي كل اللوحات حاول السيوي الهروب من ثقل الرمز لكل حيوان. كل محاولة لقراءة لوحات السيوي من خلال الاستعانة بقاموس فك الشفرات والرموز، لن تودي بصاحبها إلى أي مكان، يدرك السيوى دلالات ورموز كل حيوان وعامداً متعمداً يطمسها ويخلطها ليضلل أي مشاهد يبحث عن رسالة مشفرة. كل لوحة لدى السيوي هي انطباع لحالة شعورية مضافة إليها بهارات السخرية المبطنة. فالمرح والخفة دائماً جزء أساسي من أعمال السيوي، وهذه الخفة ولمسة الكوميديا واللهو هي بصمة السيوي الخاصة في كل أعماله.

الحمامة البيضاء مثلاً، أعرق رمز للسلام ومحملة دائماً بالدلالات الروحانية. لكن، حين، يرسمها السيوي، تظهر الحمامة البيضاء في وضع غريب، ظهرها للمتفرج وبجوارها بورتريه لمحمود سعيد والبحر خلف الاثنين. يضحك السيوي وهو يخبرني كيف لاحظ، في عدد من لوحات محمود سعيد، وجود هذه الحمامة الغريبة بوضعها الغريب، وكأنها أقرب لأن تكون تمثالاً أو لعبة أطفال، لا حمامة من لحم وريش. يفسر السيوي وجودها: “كان سعيد يضعها في أماكن غريبة في معظم لوحاته، لكنه دائماً يرسمها بشكل غير احترافي، على الأرجح كانت لعبة ذات قيمة معنوية في طفولته”. وحينما يرسم السيوي، سعيد، وهو رائد فن التصوير المصري، يرسمه مع البحر ولعبة طفولته، لتكون النتيجة بورتريه لمحمود سعيد بلا أي تيمات قومية أو تاريخية، مثل تلك التي تعكسها أعماله دوماً، بل نقف أمام مزيج من طفولة الفنان والبحر، جوهر الشغف الفني، لا الرغبة في التعبير السياسي والاجتماعى.

لدى السيوي شغف طويل بالوجوه والبورتريه. فحيوانات معرضه، خصوصاً الثدية منها، يضعنا السيوي في مواجهة وجوهها. تلك النظرات الملغزة لوجه الحيوان. اكتفى الانسان بالحكم الشهير بأن الحيوانات لا تضحك، لكن ما الذي نعرفه عن تعبيرات وجوهها الأخرى؟ وما الذي تعنيه تلك النظرات التي يضعنا السيوي في مواجهتها؟ هذا الحنان في عين الحمار، أو لفتة الظبي ولمعه عينه المفتوحة باتساع؟

يلهو السيوي في معرضه مع فنانيه المفضلين، وليس مع الحيوانات فحسب. يعيد رسم بعض اللوحات الشهيرة التي دائماً ما فتنته وتحتوي على حيوانات أخرى، مثل ثيران بيكاسو، وحيوانات خوان ميرو. حتى الآدب الذي دائماً ما كان السيوي قريباً منه، من خلال عمله كمترجم وكاتب، يحضر بقوة في المعرض، من خلال نص لمحمد المخزنجي – أحد أكثر الكتّاب المعاصرين شغفاً بالحيوان، حيث يأتي النص في مقدمة كاتالوغ المعرض كتقديم لعالم حيوان السيوي، لا سيما البورتريه البديع لطائر مالك الحزين، واقفاً على أصبع الكاتب المصري الراحل إبراهيم أصلان، صاحب رواية “مالك الحزين”.

التداوى بالماء والملح

SAM_0718.JPG
تصوير: أحمد ناجى

في الطريق إلى المسرح الوطنى مساء أمس بدأت أشعر أن هناك أمر ليس على ما يرام، أعرف هذا الاحتقان في الحلق، ونحن في شهر نوفمبر المخيف.

وصلت متأخراً إلى مسرح الوطنى بعد أن أخذت أكثر من 20 دقيقة، أبحث فيها عن الباب الصحيح. في النهاية أنقذتنى واحدة من طاقم المهرجان، قادتنى عبر دهاليز طويلة. عبرنا من قاعات صغيرة إلى قاعات كبيرة، مع كل ممر كنا نعبره كان صوت موسيقي مختلفة يرتطم بأذنى.

بدا كأن المكان غابة متشابكة معقدة ممتلأة بالبشر، لم أكن لأصل أبداً بمفردى، لكن بمساعدة السيدة مجهولة الاسم وصلت في الموعد المناسب إلى “قاعة النصر” حيث كان يجب أن اقرأ مع الكتاب والمترجمين الآخرين.

بعد انتهاء جلستنا في “قاعة النصر” خرجت بدون خريطة ولا أعرف إلى أين. كنت أحاول الخروج من المسرح، لكن في الوقت ذاته بدأت أشعر بإرهاق الانفلونزا، وارتفاع درجة الحرارة. فتحت باب ضخم وجدته أمامى فوجدت نفسي في الدور الثانى من المسرح الكبير، جلست على أحد الكراسي لاستريح ثم دخل مغنى كبير السن بصحبة عازف بيانو، كان يغنى بصوت حزين كأنه “سيلين ديون” تغرق فوق سفينة على مقربة من شاطيء لاهاى. درجة حرارتى بدأت ترتفع. الآن كنت متيقناً أنا أصبت بالانفلونزا، وسأقضي ليلية بين الفراش والحمام دون أدويتى، وسط الحمى وهلوساته.

لكن بدأت أشك في أن كل هذا حقيقياً. خرجت من القاعة بحثاً عن باب الخروج، لكن وجدت نفسي في قاعة آخري ترتفع منه إيقاعات موسيقية كأنها عازفين روك يحاولون أن يلعبوا موسيقي البلوز.

في زاوية ما كان هناك طاولة رصت عليها أسطوانات متعددة معظمها كان لفرق وموسيقيين هولنديين، لم استطيع قراءة الأسماء، لكنى أعتقد أن ظللت لأكثر من نصف ساعة أتأمل اللوحات والبوسترات، ثم انتبهت أن جميع جدران المسرح مغطاة بلوحات بعضها فوتوغرافيا وبعضها رسومات زيتية.

تضاعف احتقان الحلق، وبدأت اشعر وكأن هناك نهر صغير يخرج من أنفي. كل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى الفندق. أخذت أبحث عن مخرج، لكن كلما دخلت من باب وجدت نفسي في ممر يفضى إلى قاعة جديدة، أو مسرح صغير.

إذا هذا ما يبدو عليه الأمر بعد عبور الحدود، تختلط الحقائق بالخيال، تتوه معانى اللغات لكن تتبقي الصور التى تخلقها.

أخيراً، وجدت باب الخروج، لكن مع أول خطوة للخارج عطست بقوة. قضي الأمر. كان الجو بارداً لكنى وصلت إلى الفندق. استيقظت في الصباح كأن هناك حجر في حلقي، ذهبت إلى قاعة الافطار حيث قابلت وئام علمت منها أننى لست الوحيد في المجموعة الذي يعانى من أعراض البرد. لكن المشكلة أن أدويتى ليست معى. بعد ترددها المعتاد نصحتنى وئام بالغرغرة بماء دافيء مع ملح.

أشعر بحزن بالغ كنت أخطط اليوم للذهاب إلى البحر، لكن أقسي أمنياتى الآن استعادة صوتى الطبيعى استعداداً للقراءة مساءاً.