الوطن هو الخنزيرة التى تأكل أبنائها

“وبدأ مد يفور تحت سطح ود ستيفن الهادئ وقال:

-إننى نتاج هذا العصر وهذه البلدة وهذه الحياة. سأعبر عن نفسي كما أنا عليه في الواقع.

فكرر دافن: حاول أن تكون واحداً منا. إنك ايرلندى في فؤادك ولكن كبرياءك أقوى من اللازم.

فقال ستيفن: لقد ألقي أجدادى لغتهم واستبدلوا بها لغة أخري. لقد سمحوا لحفنة من أن يستبعدوهم. هل تتصور أننى سوف أدفع من حياتى ومن شخصي ديوانا ارتكبوها هم؟ لماذا؟

فقال دافن: من أجل حريتنا.

فقال ستيفن: لم يمنحكم إنسان محترم ومخلص نفسه وشبابه أبداً منذ أيام “فون” إلي أيام “بارنل” إلا وبعتموه إلي الأعداء أو خذلتموه في وقت الحاجة أو لعنتموه وتركتموه إلي غيره. ثم تدعونى إلي أن أكون واحداً منكم. وإنى سأراك ملعوناً قبل ذلك.

فقال دافن: لقد ضحوا من أجل مثاليتهم، ولسوف يأتى يومنا، صدقنى.

وظل ستيفن صامتاً برهه شارداً مع أفكاره. ثم قال في غموض:

-إن الروح تولد البداية في مثل هذه اللحظات التى أخبرتك بها. إن مولدها بطئ وغامض، أكثر غموضاً من مولد الجسد. وحين تولد روح إنسان في هذا البلد فإنهم يلقون عليها الشباك ليمنعوها من التحليق. إنك تحدثنى عن الوطنية واللغة والدين. إننى سأحاول أن أفر من هذا الشباك.

ونفض دافن الرماد من غليونه.

قال: إنك عميق حتى لتستعصي على. ولكن بلد المرء يأتى أولاً. أيرلندا أولاً يا ستيفي. ويمكنك أن تصبح شاعراً أو صوفياً بعد ذلك.

فقال ستيفن في برود: هل تعرف ما هى أيرلندا؟ أيرلندا هى الخنزير الذي يأكل أبناءه.”

جيمس جويس

-صورة الفنان في شبابه

-“ماهر البطوطى

الشعوذة المصرية: تمييز طبقي

اندلعت الحرب بشكل علني الأسبوع الماضى. المعارك التي كانت مَطمورة وتدور في العالم السفلي، تصعد للسطح الآن. الشيخ محمد المغربي، وهو أردنى يمتلك قناة “الطب النبوي” الفضائية، ظهر الأسبوع الماضي في قناة “القاهرة والناس”، وهاجم بالأسماء من يصفهم بالدجل والشعوذة من أصحاب القنوات الأخرى الذين يدّعون القدرة على شفاء الأمراض وحلّ جميع المشاكل الصحية والنفسية بالأعمال السفلية والرقية والأدعية. المغربي أعلن أنه بات يتنقل مع حرّاس مسلّحين، لأن الحرب التي يشنها على شيوخ المغرب ومصر جلبت له عشرات التهديدات وتعرض بالفعل لمحاولات اغتيال وقتل. 

تحارب قناة المغربي الفضائية، الجدل والشعوذة، لكنها تقدم نصائح وخدمات واستشارات للعلاج… بالقرآن. يدافع الرجل عن نفسه بأن ما يقدمه هو العلاج الروحانى الصحيح، وأن الآخرين دجالون. أما قناة “القاهرة والناس”، التي تحارب الجدل كذلك، فهى تروّج لعلم الفلك وتفسير الأحلام والأبراج، وكلها فقرات ثَابتة في خريطةِ برَامج القناة التي تهاجم، في الوقت ذاته، الدجالين الذين يدّعون القدرة على مُسَاعدتك في اتخاذ القرارات المصيرية وتحديد مُستقبلك.

أما في التلفزيونات المصرية الرسمية، وكذلك معظم القنوات العربية، فخبراء الطاقة الروحانية والبرمجة العصبية، واليوغا، وطاقة الأحجار، والعلاج بالعناصر الطبيعية.. هم أصحاب فقرات ثابتة، يتم تقديمهم بلقب دكتور قبل أسمائهم أو لقب الخبير في السلام النفسي.

لطالما كان اقتصاد وتجارة الميتافيزيقيا، من أكبر الاقتصادات في المنطقة العربية والعالم. ونقصد به بيع وتسليع كل الممارسات ذات الطابع ما وراء الطبيعي، والتى تعتمد على نظريات غير مثبتة علمياً، ورغم أن بعضها مجرب لكن تغيب دائماً العلاقة بين السبب والعلّة. وهي تشمل تجارة الأبراج والتنبؤ بالمستقبل، العلاج الروحانى، العلاج بالقرآن، العلاج بالطاقة، اليوغا، وكل أساليب التحكم بالطاقة غير المرئية والتي لا برهان علمياً على وجودها.

تُشكل الميتافيزيقا عُنصراً أساسياً في ثقَافات شعوب الأرض. وخلال العقود الأخيرة، مع ترسيخ سياسات العولمة وتسليع الثقافة، تحولت الميتافيزيقا إلى وسيلة من وسائل الدخل للأفراد والشعوب. 

في الصين والهند، حيث لم تؤدّ الحداثة القائمة على الحقائق الفيزيائية إلى دفن التجَارب الميتافيزيقية، استمر الطب الحديث مع الطب الشعبي. وممارسات مثل التداوي بالأعشاب أو التأمل أو الإرشاد الروحي عبر معلم اليوغا، هي ممارسات علنية تنظمها الدولة وتستفيد منها. وقبل عامين، ضغط رئيس وزراء الهند على الأمم المتحدة، من أجل تخصيص يوم عالمى لليوغا والتأمل الروحانى على الطريقة الهندوسية، وتبنت الحكومة الهندية مَجموعة من السياسات للترويج لكل أشكال الميتافيزيقيا الهندوسية، من اليوغا والتأمل، إلى العلاج بالأعشاب والتداوى ببول البقر المقدس. ليس الغرض من هذه السياسية دعم القوى الناعمة للهند فقط، بل دعم الاقتصاد الهندي كذلك، إذ يُقدّر إجمالي عائدات سوق اليوغا ومنتجاتها، على الاقتصاد الهندي، بحوالى 5.7 مليار دولار أميركي.

دخل الطب الحديث مصر، في عشرينات القرن التاسع عشر، على يد كلوت بك، تطبيقاً لسياسات محمد علي باشا، لرفع عدد سكان القطر المصري ولاستخدامهم في تكوين جيش الباشا، ولزيادة طاقة الأيدي العاملة في أراضيه الزراعية. منذ القرن التاسع عشر، وحتى الآن، تشن مؤسسة الطب التشريحي الحديث، الحرب على الطب البديل، وعلى كل أنواع العلاج الميتافيزيقي الذي لا تنتجه المؤسسة الطبية الغربية الحديثة. ومع ذلك، تنمو مؤسسة العلاج الميتافيزيقي في مصر والعالم العربي، وتعيد خلق نفسها تحت مسميات وأشكال جديدة تناسب كل طبقة إجتماعية. 

في أحد المولات التجارية الكبرى، ترتفع لافتة بالانجليزية تشير إلى أن المحل هو مركز بيع منتجات المركز الفلاني المتخصص في العلاج بالطاقة. داخل المحل تُبَاع مَجموعة من الأحجَار والعقود والتمائم بأسعار مُبالغ فيها. قطعة حجر أشبه بأي “زلطة” تجدها في الشارع، تباع بحوالى 750 جنيه (35 دولار أميركي)، ولها استخدامات مُتعددة. فإذا وضعتها أسفل وسادتك قبل النوم، ستقضي على الصداع المزمن والقلق وتمنع الأفكار والطاقة السلبية من الاقتراب منك أثناء نومك. أما تلك الحظاظة غريبة الشكل، والتى يقترب ثمنها من 1500 جنيه (75 دولار أميركى تقريباً)، فهى ستغير من هالة الطاقة المحيطة بك، فتجعلك وسيماً وتجذب الآخرين لك ولشخصيتك. ينظم المركز أيضاً عدداً من الأنشطة لسكان التجمعات السكنية في “6 أكتوبر” و”التجمع الخامس”، ومنها حلقات ذكر صوفي خاصة بعليِّة القوم تقام في فيلا خاصة، وتقدم خلالها الولائم، فتمنحك الفرصة لمعايشة جو حلقات الذكر والتصوف الجميل من دون الحاجة للاختلاط بزحام الأحياء الشعبية أو حضور الموالد والاختلاط بالعامّة.

ينمو اقتصاد الميتافيزيقيا ويزدهر لدى الطبقات الاجتماعية العليا المصرية، ويزداد الإنفاق عليه. في المجال الرياضي، الحديث عن استخدام السحر أصبح شيئاً علنياً. رؤساء الأندية الرياضية يستعينون بسحَرة معروفين بالاسم. وأحد رؤساء الأندية الكبري في مصر، لا يخفي علاقته بساحر يصحبه معه دائماً، ولا يتخذ أي قرار يخص الفريق من دون الرجوع إلى هذا الساحر، حتى أن العاملين في النادي حينما توجد مشكلة مع المدير يلجأون إلى هذا الساحر للتوسط لديه.

في المجال السياسي، ومنذ اللحظة الأولى لظهور السيسي، كانت الأحلام والنبؤات هي وسيلته لتقديم نفسه للصحافيين. والآن مع ازدياد الرقابة على المجال العام، لم يعد أمام المعارضين سوى استخدام الميتافيزيقيا والسحر ضد السيسي. لينقلب السحر على الساحر ويختلط الخيال بالواقع، والروحاني بالجسدي، والسفلي بالعلوي، حينما ظهرت صفحة “فايسبوك” المعروفة بـ”تحت الأرض” واتهمتها الداخلية بالتنبؤ بتفجيرات الكنائس الأخيرة، بل وأعلنت في بيان رسمي ترصدها للقائمين على الصفحة ومراقبتهم والقبض عليهم بسبب استخدامهم السحر السفلي في الإرهاب!

لكن رغم الاعتراف الرسمي والديني بوجود السحر، فكالعادة يدفع الفقراء الثمن. وبينما ينمو ويزدهر اقتصاد السحر والميتافيزيقيا في التلفزيونات الرسمية، وتتعامل معه مؤسسات الدولة كواقع، فإن سحر الفقراء يتم وصمه بالدجل والشعوذة وتتم ملاحقته جنائياً والتعامل معه كسلوك إجرامي. هكذا، أصبح معتاداً أن نشاهد خبيرة الطاقة الروحانية تدلي بحديث صحافي في إحدى الصحف، وفي الصفحة المقابِلة القبض على دجال في حي السيدة زينب يقنع الفقراء بحل مشاكلهم الأُسرية.

ليست الطبقية هي العنصر الوحيد الذي يتحكم في مدى “شرعية” العمل الميتافيزيقي، بحيث يصبح ساحر السيدة زينب دجالاً ومجرماً ومشعوذاً، وخبيرة الطاقة الروحانية في حي المعادي نجمة مجتمع راقية وشخصية عامة في التلفزيون ووسائل الإعلام. فإلى جانب الطبقية، يسيطر شيوخ السلفية على قطاع كبير من الاقتصاد الميتافيزيقي، وسلطتهم عابرة للطبقات الاجتماعية. فمع نمو السلفية الدينية في المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، ظهر فرع العلاج بالقرآن والطب النبوي. السلفي يعترف بالسحر والميتافيزيقيا، لكنه يستخدم سلاح الحرام والحلال. فقواعد الفقه والشريعة لا تنظم العلاقات في العالم الفيزيائي الطبيعي فحسب، بل كذلك في العالم ما وراء الطبيعي. هناك أعمال ميتافيزيقية مُحرّمة وهناك أعمال ميتافيزيقية مُحللة. وخلال السنوات الأخيرة، تم وصم الكثير من الممارسات الميتافيزيقية والسحرية الشعبية بأنها حرام، بداية من ضرب الودع إلى قراءة الفنجان. وحتى تلك التي وصفها الفقه بأنها حلال، فرض السلفيون نماذج استخدام محددة لها، وفرضوا أنفسهم حصريين كقائمين بالرقية الشرعية والعلاج بالقرآن والعسل وبول الإبل.

أمام هذا العالم والاقتصاد، بل والسياسية الميتافيزيقية الآخذة في النمو والتوحش، حيث السيد ترامب الذي لا يؤمن بالتغيير المناخي، يقف المثقف العلماني المدني، متحصناً بتراث الفيزياء الحديثة، من نيوتن إلى أحمد زويل، مستعيناً بكتب ودراسات علم النفس الحديث كمفتاح وحيد للتواصل مع العالم الميتافيزيقي. ورغم أن علم النفس الحديث يتحرك ويؤسس لنظريته بلا معاينة تشريحية كباقي العلوم الحديثة، لكن سلطان نظرياته يقف في مواجهة السحر والروحانيات والعالم الميتافيزيقي مدعياً أنه العِلم والآخر دجل.

إن أي نقاش علمي في مواجهة الدجل والميتافيزيقيا المحيطة بنا، محكوم عليه بالفشل التام. يكافح العلماني والعربي المستنير، الخرافة والدجل، بكتابة المقالات والظهور في التلفزيون مهاجماً الخرافة. لكن الخرافة لا يمكن أبداً أن تتبدد بالنقاش العقلاني. والطبيعة بقوانينها لا يمكنها هزيمة ما وراء الطبيعة، خصوصاً إذا كان خلف سحابة الخرافات والروحانيات التي تغطى الكوكب، كل هذا الدعم والتمويل والاقتصاد، فتتبدد صيحات المنطق في الفراغ.

 

نشرت في موقع المدن في المرة الأولى

جِلدُ السيوي الذي يكسو حيواناته

نشرت في المدن في مايو 2017

لحيوان دائماً عارٍ، ونحن نتدثر بالملابس والأقمشة، نتخذ منها ستراً وملبساً. أن تكون عارياً في مواجهة الحيوان، هذا تغيير كفيل بقلب موازين القوة. كأنكما تصبحان في المستوى ذاته. بعض المشايخ يرى أن التعري أمام الحيوان مكروه. وفي الجانب الآخر، فإن وسيلة الاستنكار لدى جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان هي التعري احتجاجاً ضد ممارسات الصيد الجائر للحيوانات طمعاً في استخدام جلدها وفرائها في صناعة الملابس.

 

إنه النسيج، والملمس، واللون، ما يحدد شكل الحيوان، واختلافه داخل فصيلته واختلاف فصيلته عن باقي الحيوانات. من النسيج والملمس واللون يصنع عادل السيوي لوحاته. يمزج العناصر الثلاثة لينتج حيوانات مركبة يختلط فيه البشري بالحيواني، أو ليخرج ببورتريه للحيوان وهو يلتقط “سيلفي” مع الإنسان. في كل لوحة تختلف وتتعدد الحيوانات من كل فصيلة ونوع، لكنها دائماً لا ترتدي جلدها بل جلداً خاصاً يفصّله عادل السيوي. فما نراه ليس بورتريهات للحيوانات، بل بورتريهات لجلد السيوي وهو يتشكل في حيوانات مختلفة، وذلك عبر أكثر من 200 لوحة معروضة في معرض عادل السيوي الجديد “في حضرة الحيوان”، والمقام حالياً في غاليري مشربية.

يتوزع المعرض في ثلاث قاعات في وسط البلد. تخرج من القاعة الأولى حيث الحيوانات في لوحات ضخمة، لتمشي في شوارع وسط البلد إلى القاعة الثانية، ومن حيوانات السيوي إلى حيوانات الشارع حيث القاعة الثالثة وهي مرسم الفنان. هذه الجولة الفنية بين أكثر من مكان في مثلث وسط البلد في القاهرة هي بالتأكيد جزء من تجربة زيارة معرض السيوي. فالسيوي يرغب دائماً في توسيع معنى الحياة وحدود إدراكنا لها، المجتمع لدى السيوي ليس البشر فقط، بل هو الحياة كلها بما فيها الحيوانات، وهكذا بالخروج من هذه الدائرة الإنسانية الضيقة يحاول السيوي إتاحة المجال لنرى جانباً آخر من الوجود.

IMG_20170430_204643.jpg
داخل معرض عادل السيوى، وأمام لوحة بطوط وعم دهب

من حيوانات السيوي إلى شوارع وسط البلد وحيواناتها، يتنقل زائر المعرض. هي الشوارع ذاتها التي شهدت في السنوات الأخيرة، التظاهرات والصراع والهتاف والاحتقان.

مساء 25 يناير، قابلت عادل السيوي في ميدان التحرير. كان مندهشاً من المشهد. أخبرني أنه أبداً لم يرَ “التحرير” في هذه الهيئة إلا في الستينات، بعد النكسة، أثناء التظاهرات الطلابية للمطالبة بمحاكمة قادة الطيران الذين تسببوا في النكسة. لكن التظاهرات التي شهدناها لم تكن عابرة، بل دوامة من الأحداث والتفاصيل، انفتحت وجرتنا جميعاً في ضجيج تفاصيلها. كم أضعنا وقتاً، خلال السنوات الماضية، في متابعة تصريحات وأحاديث ناس يبدو وصفهم بالتفاهة مديحاً لهم، وجميعهم الآن ذهبوا في الهباء المنثور. لكن، وقتها، كانت قوة سحب دوامة لا تقاوم ويومياً تتابع تفاصيل المشاهد والانفعالات والحماس وخيبة الأمل المتكررة.

هرباً من تلك الدوامة، اختار السيوي العودة إلى أحد موضوعاته الأثيرة، والغرق في تأمله، وهو الحيوان. بعض لوحات المعرض يعود تاريخها للعام 1998، فطوال الوقت كانت الحيوانات حاضرة في أعمال السيوي تختفي وتظهر. في حوار له مع أسامة فاروق عن المعرض، قال السيوي أنه أبداً لم يفكر في رسم أي لوحة عن أحداث الثورة إلا لوحة واحدة رسم فيها بيكاسو وفان غوخ في ميدان عبد المنعم رياض، لكنه لم ينتج أكثر من هذه اللوحة، ويتخيل في الحوار أنه لو كان رسم الثورة كان عمله سيكون خليطاً من الواقع ووضع شخصيات أو تفاصيل من واقع آخر، كأن تحدث الثورة في منطقة يسقط فيها الثلج أو أن تقف حيوانات ضخمة وسط المتظاهرين.

السيوي في صراع دائم ضد كل فكرة كبيرة أو ضخمة تُحَاصره. لذلك كان طبيعياً ألا تجذبه الثورة على المستوى الفني، بل أن تكون دافعاً لينقب، لا عن مهرب، بل عن أثر كل هذه الأحداث الكبيرة في داخله، وأن يسعى لينتج هذا الحوار الداخلي مع الحيوان.

IMG_20170503_192305.jpg
مع لوحة بورتريه إبراهيم أصلان لعادل السيوى

يحضر الحيوان في التراث الأدبي والفني الإنساني لكنه غالباً ما يأتي كرمز، دائماً الحيوان وعاء للأفكار أو التصورات التي لا نريد التعبير عنها بصراحة، وفي كل اللوحات حاول السيوي الهروب من ثقل الرمز لكل حيوان. كل محاولة لقراءة لوحات السيوي من خلال الاستعانة بقاموس فك الشفرات والرموز، لن تودي بصاحبها إلى أي مكان، يدرك السيوى دلالات ورموز كل حيوان وعامداً متعمداً يطمسها ويخلطها ليضلل أي مشاهد يبحث عن رسالة مشفرة. كل لوحة لدى السيوي هي انطباع لحالة شعورية مضافة إليها بهارات السخرية المبطنة. فالمرح والخفة دائماً جزء أساسي من أعمال السيوي، وهذه الخفة ولمسة الكوميديا واللهو هي بصمة السيوي الخاصة في كل أعماله.

الحمامة البيضاء مثلاً، أعرق رمز للسلام ومحملة دائماً بالدلالات الروحانية. لكن، حين، يرسمها السيوي، تظهر الحمامة البيضاء في وضع غريب، ظهرها للمتفرج وبجوارها بورتريه لمحمود سعيد والبحر خلف الاثنين. يضحك السيوي وهو يخبرني كيف لاحظ، في عدد من لوحات محمود سعيد، وجود هذه الحمامة الغريبة بوضعها الغريب، وكأنها أقرب لأن تكون تمثالاً أو لعبة أطفال، لا حمامة من لحم وريش. يفسر السيوي وجودها: “كان سعيد يضعها في أماكن غريبة في معظم لوحاته، لكنه دائماً يرسمها بشكل غير احترافي، على الأرجح كانت لعبة ذات قيمة معنوية في طفولته”. وحينما يرسم السيوي، سعيد، وهو رائد فن التصوير المصري، يرسمه مع البحر ولعبة طفولته، لتكون النتيجة بورتريه لمحمود سعيد بلا أي تيمات قومية أو تاريخية، مثل تلك التي تعكسها أعماله دوماً، بل نقف أمام مزيج من طفولة الفنان والبحر، جوهر الشغف الفني، لا الرغبة في التعبير السياسي والاجتماعى.

لدى السيوي شغف طويل بالوجوه والبورتريه. فحيوانات معرضه، خصوصاً الثدية منها، يضعنا السيوي في مواجهة وجوهها. تلك النظرات الملغزة لوجه الحيوان. اكتفى الانسان بالحكم الشهير بأن الحيوانات لا تضحك، لكن ما الذي نعرفه عن تعبيرات وجوهها الأخرى؟ وما الذي تعنيه تلك النظرات التي يضعنا السيوي في مواجهتها؟ هذا الحنان في عين الحمار، أو لفتة الظبي ولمعه عينه المفتوحة باتساع؟

يلهو السيوي في معرضه مع فنانيه المفضلين، وليس مع الحيوانات فحسب. يعيد رسم بعض اللوحات الشهيرة التي دائماً ما فتنته وتحتوي على حيوانات أخرى، مثل ثيران بيكاسو، وحيوانات خوان ميرو. حتى الآدب الذي دائماً ما كان السيوي قريباً منه، من خلال عمله كمترجم وكاتب، يحضر بقوة في المعرض، من خلال نص لمحمد المخزنجي – أحد أكثر الكتّاب المعاصرين شغفاً بالحيوان، حيث يأتي النص في مقدمة كاتالوغ المعرض كتقديم لعالم حيوان السيوي، لا سيما البورتريه البديع لطائر مالك الحزين، واقفاً على أصبع الكاتب المصري الراحل إبراهيم أصلان، صاحب رواية “مالك الحزين”.

التداوى بالماء والملح

SAM_0718.JPG
تصوير: أحمد ناجى

في الطريق إلى المسرح الوطنى مساء أمس بدأت أشعر أن هناك أمر ليس على ما يرام، أعرف هذا الاحتقان في الحلق، ونحن في شهر نوفمبر المخيف.

وصلت متأخراً إلى مسرح الوطنى بعد أن أخذت أكثر من 20 دقيقة، أبحث فيها عن الباب الصحيح. في النهاية أنقذتنى واحدة من طاقم المهرجان، قادتنى عبر دهاليز طويلة. عبرنا من قاعات صغيرة إلى قاعات كبيرة، مع كل ممر كنا نعبره كان صوت موسيقي مختلفة يرتطم بأذنى.

بدا كأن المكان غابة متشابكة معقدة ممتلأة بالبشر، لم أكن لأصل أبداً بمفردى، لكن بمساعدة السيدة مجهولة الاسم وصلت في الموعد المناسب إلى “قاعة النصر” حيث كان يجب أن اقرأ مع الكتاب والمترجمين الآخرين.

بعد انتهاء جلستنا في “قاعة النصر” خرجت بدون خريطة ولا أعرف إلى أين. كنت أحاول الخروج من المسرح، لكن في الوقت ذاته بدأت أشعر بإرهاق الانفلونزا، وارتفاع درجة الحرارة. فتحت باب ضخم وجدته أمامى فوجدت نفسي في الدور الثانى من المسرح الكبير، جلست على أحد الكراسي لاستريح ثم دخل مغنى كبير السن بصحبة عازف بيانو، كان يغنى بصوت حزين كأنه “سيلين ديون” تغرق فوق سفينة على مقربة من شاطيء لاهاى. درجة حرارتى بدأت ترتفع. الآن كنت متيقناً أنا أصبت بالانفلونزا، وسأقضي ليلية بين الفراش والحمام دون أدويتى، وسط الحمى وهلوساته.

لكن بدأت أشك في أن كل هذا حقيقياً. خرجت من القاعة بحثاً عن باب الخروج، لكن وجدت نفسي في قاعة آخري ترتفع منه إيقاعات موسيقية كأنها عازفين روك يحاولون أن يلعبوا موسيقي البلوز.

في زاوية ما كان هناك طاولة رصت عليها أسطوانات متعددة معظمها كان لفرق وموسيقيين هولنديين، لم استطيع قراءة الأسماء، لكنى أعتقد أن ظللت لأكثر من نصف ساعة أتأمل اللوحات والبوسترات، ثم انتبهت أن جميع جدران المسرح مغطاة بلوحات بعضها فوتوغرافيا وبعضها رسومات زيتية.

تضاعف احتقان الحلق، وبدأت اشعر وكأن هناك نهر صغير يخرج من أنفي. كل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى الفندق. أخذت أبحث عن مخرج، لكن كلما دخلت من باب وجدت نفسي في ممر يفضى إلى قاعة جديدة، أو مسرح صغير.

إذا هذا ما يبدو عليه الأمر بعد عبور الحدود، تختلط الحقائق بالخيال، تتوه معانى اللغات لكن تتبقي الصور التى تخلقها.

أخيراً، وجدت باب الخروج، لكن مع أول خطوة للخارج عطست بقوة. قضي الأمر. كان الجو بارداً لكنى وصلت إلى الفندق. استيقظت في الصباح كأن هناك حجر في حلقي، ذهبت إلى قاعة الافطار حيث قابلت وئام علمت منها أننى لست الوحيد في المجموعة الذي يعانى من أعراض البرد. لكن المشكلة أن أدويتى ليست معى. بعد ترددها المعتاد نصحتنى وئام بالغرغرة بماء دافيء مع ملح.

أشعر بحزن بالغ كنت أخطط اليوم للذهاب إلى البحر، لكن أقسي أمنياتى الآن استعادة صوتى الطبيعى استعداداً للقراءة مساءاً.

هراء الإصلاح والكتابة الدهنية

مثابرة ودأب يستمر عز الدين شكري فشير في الكتابة ليقدم لنا روايته السابعة. 

مسيرة بدأها العام 1995 بروايته “مقتل فخر الدين” وآخر محطاتها روايته التي صدرت مؤخراً عن دار الكرمة “كل هذا الهراء”.

 

سبع روايات كل رواية هي ركن في عالم واحد يضيف له فشير، لكنه لا يغادره.

موضوع العالم الروائي لدى فشير هو السلطة والنميمة السياسية. وهو لا يكتفي بوحدة الموضوع في كل أعماله، بل إن الشخصيات تتكاثر وتتناسل من رواية إلى أخرى، وفخر الدين الذي يرد ذكره في أول رواية لفشير، يكون ابنه عمر هو بطل روايته الأخير، التي كان يريد منحها عنوان “أمل وعمر في الفراش”، لكنه تراجع ليعنونها بالهراء، ليستمر تناسل شخصيات فشير من رواية إلى أخرى في عودة مُختلفة لأدب السلاسل الروائية الذي احتكره نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق في العقود الأخيرة.

والحق أن عالم فشير الروائي يتحدر من سلالة أخرى، لا سيما من رواد الأعمال السياسية ذات الطابع البوليسي، مثل فتحي غانم وصالح مرسي. لكنه، على العكس من الاثنين اللذين طمحا ليصبحا صوت السلطة وصائغي روايتها، يسير فشير في رحلة عكسية. فهو ابن مؤسسات السلطة المصرية، إذ عمل لسنوات طويلة في وزارة الخارجية. ورواياته غالباً عن ضحايا تلك المؤسسات (الجيش، الداخلية، الرئاسة، القضاء)، أو عن حالمين يريدون إصلاحها، وحينما يفشلون يتحولون الى إرهابيين. إيمان فشير بالإصلاح من الداخل، وتمحور الحياة وأي فرصة للتقدم حول تلك المؤسسات وأطرها القانونية والحقوقيةن لا يتزعزع، وحتى حينما غادر عمله في الخارجية وقامت ثورة يناير، كان الموقع الذي اختاره لنفسه يشكل استمراراً للمنهج الإصلاحي، إذ ظهر مباشرة بعد الثورة كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة، واستمر مشاركاً بحماس في مسيرة حماية المسار الديموقراطي من دون أن يندمج في أي حزب أو مشروع ما، لم يكن مؤسسة من مؤسسات الدولة، حتى وقع أخيراً في هوة الإحباط واليأس وهو يرى المؤسسات التي كانت منتهى أمله تنهار، ويأكل بعضها البعض أمام عينيه، فقرر كتابة رواية عن إحباطه ويأسه والهراء الذي ضيع وقته، فكانت روايته الأخيرة.

عز الدين شكري كاتب واقعي بقدر ما هو كاتب بوليسي، وفي روايته الأخيرة يتخلى عن عناصر التشويق والحبكات المعتادة في أعماله السابقة، مغادراً الأدب البوليسي، ليقدم عملًا روائيًا يدّعي الواقعية ويُلبس شخصياته أقنعة هزائمه الشخصية.

لكن، وفي كل مرة يخرج فيها على العوالم التي يتقنها، ويقدم شخوصاً ليست إرهابية أو ضباط جيش أو أمن دولة، تتبدى هشاشة القناع الذي يفقد واقعيته ووفائه للبحث الدقيق المخلص الذي اعتاد علاء الأسواني، مثلاً، تقديمه في أعماله الأولى. ففي روايته “كل هذا الهراء”، حينما يحكي شكري قصة الأصدقاء الثلاثة أعضاء “الألتراس”، يأتي البناء مفككاً خالياً من أي بحث عن تاريخ الحركة أو نشأتها وكيفية عمل روابطها، ناهيك عن أنك لن تقرأ سطراً واحداً عن علاقة هؤلاء الشباب بالنادي وما تمثله لهم هذه العلاقة، بل يصورهم كخلية عمل سياسي مثلما تراهم السلطة ومؤسساتها. والغياب ذاته نصطدم به في تفاصيل العالم الواقعي، إذ يتكرر الاضطراب مثلاً حينما يحكي حكاية الصحافي، صديق هند، الذي يبرر غربته عن زملائه بأنه متفوق عليهم ويريد الإلتزام بمعايير العمل الصحافي العالمي التي قرأ عنها في الجرائد الأميركية!

غياب الواقع بتفاصيله وحساسيته، يعوضه فشير بالكثير من زيوت ودهون الميلودراما، ورثاء الذات. فالرواية التي بدأت بلقاء في الفراش بين أمل وعمر، تحولت إلى حفلة لطم، حيث يتبادل الإثنان رثاء الذات وجَلْدَها.

لكن تراكم الكتابة يكسب الكاتب المعرفة، ورغم إدراكه الثغرات، لا يحاول الكاتب المخلص تغطيتها. بل يترك الثغرات مكشوفة ويتبرأ منها، مدعياً أنها ليست حكايته، بل وصلته الحكايات كملف صوتي لحديث أمل وعمر وقرر هو كتابتها، وهو تكنيك يظهر بأشكال متعددة في روايات شكري حيث يتخذ من الإيهام الروائي جداراً يستتر خلفه.

ورواية شكري هي حوار مسرحي طويل بين أمل وعمر. أمل خارجة من السجن وهي على عكس كل الخارجين من السجن، تقول إنها تعودت على صمت السجن وتريد البقاء مع شخص واحد، رغم أن الصمت آخر ما يمكن أن تجده في السجن، لكن ربما تكون هذه تجربتي أنا التي يحولها الكاتب إلى “أفيه” ثقيل ومكرر طوال الرواية. تختار أمل شاباً أصغر منها لتقضي معه ليلتين قبل سفرها، يتقلبان في الفراش بينما يتبادلان الأدوار في الحكي. حكايات مُتناثرة مثل تقارير الأفلام التسجيلية التي اعتادت برامج التلفزيون انتاجها عن شهداء الثورة. هو لا يحكي حكاية الثورة، بل وكما تقول أمل في الصفحة 130 “أنت من تحكي الحكاية: تنظر إلى وقائع كثيرة تنتقي من بينها مجموعة تنظر إليها – وتغفل جوانب بأخرى- وتدفع بنظرتنا نحو الجوانب التي تريد منا رؤيتها. بهذا المعنى حكايتك منشئة للحكاية؟”.

يبدأ فشير روايته بصفحات طويلة من الشكر والإهداء، بل ومقدمة أيضاً، ولا نصل إلى الرواية إلا بعد 15 صفحة. يحذرنا في مقدمة الرواية، أنها خادشة للحياء، وأنه لذلك يحظر أصحاب القلوب الضعيفة من قراءتها، خصوصاً وقد ترافقت كتابتها مع سجني بتهمة خدش الحياء العام. هكذا، تتوقع أن تأتي اللغة غير نمطية على الأقل، لكنك بعدما تجاوز المقدمة التحذيرية الساخنة، لا تجد إلا الهراء والجنس العقيم واللغة المخصية. وفي كل مشهد يحمل قدراً من الانفتاح، يرضخ الكاتب ليغطي كل الجمل الخادشة بجملة “الجزء الذي يسجن القضاة مَن يذكر اسمه”. في البداية يبدو الأمر كسخرية لطيفة، لكن تكرار الجملة “الأفيه” على طول الرواية يصيبك بالحموضة، وتتساءل لماذا إذن وضع المقدمة التحذيرية الخطيرة؟

أما الحكاية التي ينشئها فشير في روايته، فهي مجموعة من الأدراج، في كل درج صور نمطية للنماذج التلفزيونية لشباب الثورة. ورغم العناوين المرحة التي يضعها للفصول، يمكن أن نضع عناوين أخرى مثل، قصة شابة نسوية، قصة مثليَين جنسياً. وهكذا تتوالى الأنماط التي شاهدناها في كل المسلسلات والأفلام الجماهيرية التي قدمت الثورة خلال السنوات الأخيرة.

رواية فشير، مريحة وممتعة للقارئ، تقدم له معرفة مزيفة معلبة تحوّل البشر إلى مجموعة من البيانات، والقارئ يسترجع تجربته ويعيد تسكين الأشخاص الذين عرفهم أو تسكين نفسه في الأدراج التي أنشأها الكاتب.

تنعكس هذه الرؤية على لغة الرواية وسردها. فحينما يقدم فشير شخصية جديدة، فإنه يفعل ذلك على طريقة الملفات الحكومية والتقارير الأمنية عن الأفراد. الاسم، السن الطبقة الاجتماعية الموقف من الدين.. لأن كل شخصية هي انعكاس لفكرة إصلاحية مجهضة داخل الكاتب، كل شخصية هي رمز لنظرية سياسية، فشلت في معمل النجاح والفشل لدى الكاتب.

لا مجال في هذا العمل، مثل معظم أعمال فشير السابقة، لاضطراب العواطف أو تناقضها. فكل شيء مفسر ومبرر، حتى حينما يقدم شخصية شاب مثلي جنسياً، فإنه يفسر لنا السبب بالشكل النمطي المعتاد في الأدب العربي لأنه تعرض لتحرش جنسي من زميل له عندما كان صغيراً!

الشخصية الروائية لدى فشير أحادية، تطورها محتوم كبرامج الكومبيوتر، هكذا يستحلب القارئ العمل تحت لسانه، مهما كان موقفه السياسي، لتغيب -للحظات- الفوضى المحيطة به وينام آمناً داخل درج من أدراج فشير.

Interview with Ben & arablit: ‘I Wanted to Write Something More Fantastical’

Ahmed Naji — winner of the PEN/Barbey Freedom to Write Award — remains on trial for his novel Using Life, for its alleged violation of “public morals.” The novel recently appeared in English, and Naji and translator Ben Koerber talk about the book, the legal case, and what Naji’s working on next:

Ben Koerber: To start off, could you give us a brief update on your case and the legal (and extralegal) sanctions against you and the novel?

Editor’s update: The North Cairo Appeals Court has ruled it has no jurisdiction over Naji’s case and has referred it to a criminal court. PEN America has called the situation “half free.

Ahmed Naji: In the meantime, I remain banned from leaving the country.  As for the novel, no ruling has been issued against it, but due to the increasing censorship of the book market in Egypt, we’re having difficulties publishing a new edition (in Arabic).  The owners of some presses have refused to print it, since the National Security Investigations Service have obligated them to report any book before printing.  At the same time, we’re worried about printing it outside Egypt, since this means it will have to pass through the office of censorship for artistic works at the Customs Administration.  This office has banned several books from entering Egypt as of late.

14500684_1311148565570278_561372908382560162_o
Pages from using life in exhibition for Aymen

BK: Some commentators have tried to link the case against you to the rise of fascism in Egypt, or to the police state.  Yet it seems that Using Life — and indeed some of your other works — conceptualizes politics and repression in somewhat different terms.  Do you agree?  How might the novel itself be used to reflect on your case, or politics in Egypt more generally?

AN: I finished the novel’s first draft at the end of 2010 [i.e. before the Egyptian uprising of January-February 2011].  The novel itself does not specify its political context, but provides the general contours of two worlds.  The first world is governed by a nameless general, while the second world – after the “Tsunami of the Desert” – is ruled by a conglomeration of multinational construction firms.  At the time I was writing the novel, I had been preoccupied with the idea of the nation state – which began to take shape in the late nineteenth-century – and its potential demise.  Politically, the novel is about this imminent moment of change.

Now, it seems this moment has come to pass.  In the western world, for example, we see the rise of far-right movements, who view the nation state as a unified racial entity, and at the same time as a lucrative commercial enterprise that bestows its benefits on a racial elite.  Perhaps Trump in America is the best embodiment of this state of affairs. We see it too in the Third World and the Arab countries, where a new generation of dictators present themselves as CEOs capable of making profits through brokering deals and selling their real estate assets.

In Egypt, 6th of October City hasn’t yet become the fantastical, futuristic city of the novel.  But to the east of Cairo, the state is siphoning its entire economic resources into building what they’re calling the “New Administrative Capital.”  It’s supposed to be a “city of the future” where the president and government will be relocated, far from the present Cairo.  I don’t like the image of the writer as a predictor of events, but I can only be amazed that the end I wished for Cairo in the novel is presently taking place in reality.  The plan announced by the government is to let the city choke and die while they flee along with their presidential palaces, administrative buildings, and security apparatuses to a new city that’s completely fortified.

BK: Who or what are the “Animals of Cairo”? Can we live with them?  Can we live without them?

AN: They’re portraits of characters and personality types that grow and reproduce in Cairo.  The reason they took this shape – Ayman’s drawings together with some abstract prose poems – is because I didn’t want to write about the city as it’s typically been portrayed in the Arabic realist novel, where you choose a well-defined geographic location – a working-class neighborhood, a residential building, a city street – and follow the fates of a group of characters and their class struggle.  Instead, I wanted to write something more fantastical, based on the city’s most widespread characters.

BK: Bassam has a complicated relationship with “ass-kissing” (ta’ris) and “cocksuckery” (khawlana).  I’m not sure the translation is able to communicate the cultural baggage of these terms.  Could you explain?

AN: I really like Ben’s translation of both expressions, and I think the reader can grasp their cultural connotations from the context of the novel as well.  I find the topic of “ass-kissing” in Arab culture really quite fascinating.  In one sense, it’s a way of surviving and making do in a culture dominated by an ethos of control and subjugation, as is the case with Arab political culture.  It’s a topic that’s garnered considerable attention in the Arabic novel, as for example in the works of Muhammad Mustagab, or with some of Naguib Mafhouz’s famous characters – Mahgoub Abd al-Dayim in Cairo 30, or Anis Effendi in Adrift on the Nile.  There’s also, of course, the works of Albert Cossery.

BK: What role do the footnotes play in the novel?

AN: The novel is the art of polyphony, of voices in the plural.  The footnotes were a way of experimenting with this idea.  Sometimes they provide clarification or explanation of the main text, and sometime they conflict with it by raising doubt about its accuracy or presenting a different narrative of the same event.

BK: The novel is a very “open” text, with gestures toward reader participation at many levels.   What did you hope to achieve with these gestures, and how have readers responded?

AN: I strive to let writing become an open dialogue.  I like for the text to contain many spaces and secrets, so that the reader can fill in the gaps and become more immersed.  The readers responded to this in different ways.  The responses I always get for these types of experiments gives me a sense of personal fulfillment, as well as the opportunity to form new friendships.  With Using Life, some readers colored in the novel’s illustrations, and others send me their ideas and images of other “animals of Cairo.”

The text’s openness to interpretation helps achieve another artistic goal that I strive for, which is that writing induce others to exercise doubt and ask questions about the work, its subject, and their own lives.

BK: Your thoughts on seeing the novel in English?  What do you think American readers will make of it?

AN: I’m really excited about it.  I remember, years ago, when my first novel [Rogers, 2007] was translated into Italian [Rogers, et la Via del Drago divorato dal Sol, 2009], and I expressed my concerns to the translator, Barbara Benini, that it wouldn’t find an audience in Italian culture.  But I was surprised to find myself invited to Italy for the book tour, and to hear from Italian readers their reactions and the connections they made between the novel and their own personal experiences.  I don’t know how it will be with American readers, but I’m eager to know how they respond.

BK:  Can you share any details about your upcoming projects?

AN: Currently I’m trying to finish a nonfiction book on my trial and time in prison.  Starting with my own experience, it looks at the broader issue of literary language vs. the language of the law, and asks why literature goes to the courtroom.  I review various cases brought against literary works in Egypt and France, since that’s where the charge of “obscenity” or “offending public morals” has been brought against literature, beginning with Voltaire.  I also look at the case brought against James Joyce’s Ulysses in New York, and the case against Allen Ginsberg’s poem “Howl”.

published first at : https://arablit.org/2018/01/16/ahmed-naji-i-wanted-to-write-something-more-fantastical/

تأمين الحب

 

كتبت الكثير من الأعمال العظيمة والخفيفة حول الحب. شرارته الأولى، شبقه، استحالته، إخفاقاته، الفراق، الحنين، التراجيديا، الدموع والبعاد، الهجران والذبول ثم النسيان. الأخير اعتبره بورخيس الشيء الوحيد الذي لا وجود له.

 المدهش نُدرة الأعمَال العظيمة التي تتحدث عن استمرار الحب. ما بعد اللقاء. الفراغ الذي يملئ الصفحة بعد جملة وعاشوا في هناء وسعادة. يسكن الشوق باللقاء لكن لا دليل موثق لدينا أن الحب ينمو أو يسكن أو يتوقف عن بعث الآلام باللقاء. مهلوسي الميتافيزيقيا تحت دعوى التصوف قالوا يوماً “كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه”. لكن لا نعنى بالحب هنا ذلك الشوق لغائب لا يمكن تجسيده، بل لجسدين، لشوق وحب ينمو بين بشريين محصورين بعوامل الزمن وضغوط الحياة وتآكل الجسد تحت وقع ضربات الحياة والزمن. وإذا استمر الحب بين الاثنين، فلا تأمين أو ضمان للمدى الزمنى لتلك الاستمرارية. وما نقصده هنا لا يتعلق بضمان الولاء الذي يتبع اللقاء، بل بضمان استمرار تلك الرجفة والنشوة التي يبعثها تسكين الأشواق. هذا الأمر خطر يا أصدقائي، هناك صرعى، أناس تنتحر وأناس تموت بسبب الحب، وأحياء تسلب منهم نشوة الحياة، والإنسانية طورت نظم رعاية وتأمين على كل شيء من الأرداف وحتى ناقلات البترول، لكن لم يكلف أحدهم نفسه بوضع كتيب إرشادي لكيفية التعامل مع هذا الأمر الخطير، أو بناء شبكة ضمان وتأمين ورعاية للحب.