جعلونى مجرم بيتكوين

تشرفت أثناء سجني العام 2016، بالتعرف على أهم وأكبر ثلاثة تجار عملة في مصر. سُجن الثلاثة كإجراء احترازي العام 2016، مع تجار عملة آخرين، في إطار حملة استباقية فرضتها الحكومة قبل قراراها تعويم الجنية. مع ذلك، كل مساء، كانوا يخبرونني بالسعر الرسمي والسعر في السوق السوداء غداً، وكنا ننتظر وصول الجرائد للسجن صباح اليوم التالي، وفي كل مرة يصدق توقعهم، حتى عرفت أنه لم يكن توقعاً، بل كانوا يحددون سعر الدولار وهم في السجن.

قضيت فترة طويلة من مدة سجني مع السادة تجار العملة، وبعض المتهمين في قضايا مالية متنوعة من تجار العملات، إلى المضاربة في سوق الفوركس، وحتى قضايا النصب وتوظيف الأموال. كان الحد الأدنى لدخول ذلك العنبر في السجن، ألا تقل القضية المتهم فيها المسجون عن مبلغ عشرة ملايين جنيه، أى ما يوازي مليون دولار بأسعار ذلك الوقت. والحقيقة أنني استفدت وتعلمت من هؤلاء الزملاء، عن بنية الاقتصاد العالمي والمحلي، أكثر مما قرأته في حياتي، حتى أني أصبحت أهتم وأقرأ الصفحة الاقتصادية في الجرائد، والآن ابدأ يومي بالاستماع إلى نشرة اقتصادية مُكثفة، بينما اغتسل وأُعد الفطور صباحاً.

بعد خروجي من السجن، كان قراري الأول هو التخلص من كل الأصول الثابتة، وجمع مدخراتي القليلة، وتحويلها إلي عملات افتراضية، تحديداً البيتكوين والايثاريم. لكن، على ما يبدو كنت قد تأخرت، فمنذ العام 2017، فرضت السلطات المالية المصرية، متمثلة في مدير البنك المركزي طارق عامر، حظراً على التعامل بالعملات المشفرة في السوق المصرية. نتيجة لذلك، توقفت المواقع الموثوقة في الانترنت، عن بيع أي عملات افتراضية للمواطنين المصريين.

تهدمت كل طموحاتي في إنقاذ مدخراتي التي كان يأكلها التضخم، كانت لدي محفظة إلكترونية تحتوي على عدد من العملات اشتريتها منذ سنوات على سبيل التجريب. كان بإمكاني الوصول إلى تلك المحفظة، لكن ليس في استطاعتي الشراء.

بدأت أسأل الأصدقاء والمعارف، انتقلت الكلمة من أذن على أذن، حتى حصلت على ثقة زملاء من السوق السوداء لعالم العملات الافتراضية، فتم ضمي إلى مجموعات سرية مغلقة متنوعة في فايسبوك. في العادة، تحمل المجموعة أسماء مستعارة، تمويهاً عن الغرض منها، مثل “رابطة محبي تربية الخراف الكشميري”، أو “جروب هواة تربية أسماك الزينة الذهبية”. يتحدث أعضاء الجروب عن عمليات نصب كثيرة تحدث، وعن مطاردات أحياناً من قبل مباحث الأموال العامة، لذا لا يتم فتح هذه المجموعات للأعضاء الجدد، إلا بناء على ترشيح أعضاء موثوق فيهم في المجموعة.

تمثل هذه الجروبات أسواقاً سرية لمحبي وتجار العملات الافتراضية، لكنها سوق سوداء، لا ترتبط إطلاقاً بالسوق العالمية للعملات الافتراضية، وذلك نتيجة لالحظر المفروض من قبل طارق عامر. فمثلاً، إذا فرضنا أنك مواطن مصري ترغب في شراء العملة “س” وسعرها العالمي يساوي 10 دولارات، فسترفض كل المواقع وبورصات تجارة العملات البيع لك، حيث أن معظمها يحتاج إلى التحقق من شخصيتك ويطلب اثبات هوية واثبات محل الاقامة، وتستغرق العملية أياماً حتى يتم التأكد من كل هذه المعلومات. ولأنك مصري فسترفض الموافقة على حسابك. طبعاً يبقى امامك مواقع البيع غير الرسمية، لكن عامل المخاطرة كبير.

أما في صفحات “فايسبوك”، فستجد تجار السوق السوداء يبيعونك العملة “س” بسعر العشرة دولارات، لكن بينما يبلغ سعر الدولار حوالى 18 جنيهاً، سيبيع لك تاجر السوق السوداء عبر صفحات “فايسبوك” على اعتبار أن سعر الدولار هو 21 جنيهاً.

لكن السوق الأنشط هو سوق التعدين، فجميع العملات الافتراضية تحتاج للتخديم على شبكتها إلى “المعدنين”، وهم أشخاص يستغلون أجهزة حواسيبهم لمراقبة وإجراء سلسلة من العمليات الحسابية والبرامجية التي تضمن صحة السجلات والتحويلات بين المَحافظ المختلفة. ولرفع كفاءة الحواسيب، يحتاج العاملون في التعدين إلى شراء “كروت الشاشة” وتركيبها في أجهزة الكومبيوتر. وبينما يبلغ سعر كارت الشاشة الواحد حوالى 500 دولار، يباع هنا في السوق المصري بما يوازي 800 وأحياناً ألف دولار.

لذا، فالغرض الأساس من كل الجروبات والصفحات السرية، هو أن يتبادل العاملون في التعدين، المعلومات والأسعار حول قطع الغيار اللازمة لتشغيل أجهزة الكومبيوتر في عملية التعدين، لكن مع ارتفاع أسعار الكهرباء مؤخراً أصبحت عملية التعدين غير مجدية. فمثلاً، لتشغيل ثلاثة كروت في التعدين، ستصل فاتورة الكهرباء الشهرية إلى حوالى 400 جنيه، وهذا استهلاك الكروت وحده، من دون احتساب كهرباء التكييف. مع العلم أن العائد من وراء تلك الكروت قد يتراوح من 20 إلى 60 دولارا شهرياً، بحسب العملة التي تُعدن فيها، وبحسب تقلبات سوق العملات الافتراضية.

بعض العاملين في التعدين يلجأون إلى حِيل أخرى، كتصميم تطبيقات ألعاب بسيطة أو برمجيات سهلة الانتشار بين المستخدمين، لتسيطر على أجهزتهم، واستخدامها في التعدين لصالح المبرمج الأصلي. ببساطة، تخيل فيروساً مصمماً على هيئة دعاء، إذا قلته، بنيتَ لك قصراً في الجنة، أرسل الرسالة إلى عشرة آخرين. كل شخص يفتح الرسالة، يستخدم موبايله او حاسوبه الآلي للتعدين في عملة معينة لصالح مصمم برنامج “قصر في الجنة”.

العام الماضي، كان حديث مجتمع العملات الافتراضية المصرية، مجموعة من التلامذة في المرحلة الثانوية في واحدة من أرقى مدارس اللغات في مصر، حولوا أجهزة الكومبيوتر في معمل المدرسة، إلى مناجم لتعدين الايثاريم والبيتكوين والعملات الأخرى، وكانوا يجنون حوالى 500 دولار شهرياً.

في يناير الماضي، اكتشف صديق آخر وخبير تعدين، أن موقع جريدة “اليوم السابع”، يستخدم برمجيات تسطو على أجهزة القراء وتستخدمها في تعدين عملة افتراضية مجهولة تحوم حولها الشبهات. وسارعت “اليوم السابع” إلى الاعتراف بوجود مثل هذه البرمجيات لكنها انكرت مسؤوليتها واتهمت شركة الاعلانات، بالرغم من أني شخصياً شاهدت الكود المستخدم وكان في قلب بناء الموقع وليس إعلاناً.

شباب التعدين الشرفاء يرفضون مثل هذه الأمور. وفي صفحات وجروبات العملات الافتراضية، كثُر الحديث مؤخراً عن الألواح الشمسية. أحد الشباب، من واحدة من محافظات الدلتا، فرش بامتداد نصف فدان من أراضيهم بالألواح الشمسية، التي تمد غرفة تحتوي على 8 أجهزة كمبيوتر بالطاقة اللازمة تعمل جميعها في التعدين، أما كابوس هذا الصديق فهو أن يبلغ أحدهم الشرطة عنه.

أفضل ما تصنعه مصر دائماً هو تحويل أفضل عقولها إلى مجرمين، من خلال الاستمرار في التجريم الشفوي للعملات الافتراضية، من دون تشريع واضح لها، بل قرارات من طارق عامر لا نعرف سببها.

قمت بأول صفقة لي منذ بضعة أسابيع، كانت لدى محفظة صلبة للعملات الافتراضية، أو ما يعرف بـ”Hardware Wallet” اشتريتها بحوالى 90 دولاراً من الخارج، ولم استخدمها لأسباب يطول شرحها. عرضتها للبيع وبعتها بحوالى 150 دولاراً. بعد مفاوضات وأسئلة تأمينية، التقيت بالمشتري في مقهى بمنطقة مهجورة على أطراف مدينة نصر. فوجئت أني أمام رجل أشيب الشعر في منتصف الاربعينات، لكنه بهيئة رجل في الستين. بدا الشاري مضطرباً وكأني أبيع له الهيروين، تضايقت من اضطرابه وشرحت له أن الأمر ليس أكثر من فلاشة، وأن مثل هذه الأجهزة غير مجرَّمة في مصر، فلماذا هذا الاضطراب؟ ارتاح الرجل وفجأة تحول اللقاء القصير إلى ساعتين من الحوار الطويل، مثل أي اثنين اجتمعا في حب الايمان بالعملات الافتراضية. لم أمنحه معلومات شخصية عن حياتي، لكني ذكرت رغبتي في السفر. حينها ابتسم، وأخرج ثلاث ورقات بيضاء، فردها أمامي.

“ما هذا؟”، سألته.

“عقد عمل”، أجاب.

كان العقد مكتوبا باللغة الروسية، وبالطبع لم أفهم منه شيئاً. شرح لي أن الحكومة الروسية تدعم مزارع التعدين وتتوسع فيها، وتبحث عن مبرمجين للعمل فيها، ولديه قريب يعمل هناك. إذا أردت، يمكنني السفر والعمل براتب يصل إلى 2000 دولار شهرياً، شاملة الاقامة والطعام عليهم. اعتذرت بلباقة للشاري، ولسبب ما جرحه اعتذاري وتحول حديثة لكلام عدائي يتهمنا بأننا جيل فاشل، وكسول ولا نرغب في العمل. أخذ يحرك ذراعيه في الهواء وهو يشير إلى الصحراء الخربة الممتدة أمامنا، ويقول لي: “هتقعد هنا تعمل ايه يعني؟ المستقبل هو البيتكوين، والبلد دي ضد المستقبل والبيتكوين”.

أمعنتُ في تمويه شخصيتي الحقيقية، وقلت له: معاك حق، لكني لا أقدر على ترك مصر، سأظل هنا حتى ابني مصر وأجعلها خرابة أفضل.

ألبير قصيري يحيا الآن

     تملكتني لذة مدنّسة، وأنا أعبث واقلب في أوراق وصُور ألبير قصيري التى وصلتنا من باريس من خلال ناشرته. رغم عدم قدرتي على القراءة بالفرنسية، فإن إحساس التلصص وانتهاك خصوصية واحد من كُتّابي المفضلين منحني مذاق الملذات المحرمة. كنتُ جالسًا مع لوسيان وديانا، في مكتبهما بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرةِ، أثناء إعدادنا لاحتفالية عشر سنوات على رحيل قصيري التي أقيمت ليومين في القاهرة. على بُعد خطوات منّا، تقع مكتبة جورج حنين الخاصة، والآن أمامنا ما تركه ألبير قُصيري بالغرفة الفندقية التي عاش فيها مجمل حياته. حقبة كاملة من الشِّعر والسرد والسخرية تحيط بنا، وشبح الفن والحرية يحلق فوقنا.

   المُقتنيات كانت دفَاتر يكتبُ فيها ملاحظاته. رسائل من ألبير، وأخرى موجهة إليه. دفتر يحتوي على ما يبدو وكأنه بداية لرواية جديدة. ومن بين المقتنيات، ظرف يحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية، غالبيتها مَطبوعة بأحجَام كبيرة. استعرضت مع لوسيان تلك الصور، بحثًا عن شخصيات نعرفها. غاب قصيري عن معظم تلك الصور، وإن حضر أصدقاؤه وأشخاص قرر لسبب ما الاحتفاظ بصورهم. بعض الصور ألصقت فوقها ورقة شفافة، وعلى تلك الورقة كان قُصيري بالقلمِ الرصَاص يُعيد رسم صور أصحابه، للدقة كان “يشف” هذه الصور، ثم يضيف للصورة أبعادًا أُخرى ويحذف ويضيف إليها. كأن تكون الصور لشخص يقف في فضاء منزلي، فيرسمه حتى وسطه، ثم يضيف للنصف السفلي تكوينًا آخر، ليخلق من الصور الجادة لأصدقائه ما يبدو كصورة أخرى غير مفهومة لنا. لكن فيها من الحميمية ما يجعلها أشبه بنكتة خاصة بين صديقين.

15726755_10154698645841405_3054464048610566890_n
قصيري في غرفته وسط كل متعلقاته

نكتة يائسة مثل كل نكتة، ذلك اليأس الذي يجعلك محتارًا بين البكاء أو الضحك على حالك. نكتة مريرة عمرها يقترب من القرن، ومحل إقامتها هو المدينة المصرية، التي تحمل أسماء مُتعددة، لكن جوهر علاقات القوة فيها ثابت. وروايات ألبير قصيري موضوعها بالأساس هو ذلك اليأس المثير للضحك والبكاء معًا، اليأس الذي ينذر دائمًا بثورة لا تأتي، وإن أتت فيسهل قهرها أو خداعها. وفي هذه المعركة الأبدية بين المتن والهامش، في المدينة المصرية التي تدعي التمدن والمعاصرة، يحيا أبطال روايات قصيري، يبحثون عن خلاصهم، أو وسائل تمكنهم أن يطفوا على أشلاء المعارك.

    يقدم لنا ألبير وصفًا لهذه المدينة في قصته “قتل الحلاق امرأته”، المنشورة لأول مرة بالعربية في العدد الأول من مجلة “التطور” -فبراير1940 بترجمةِ عن الفرنسيةِ لعلي كامل. كالعادة تعيش شخصيات قصيري في بيئات مُظلمة، يزدهر فيها الفقر وتسبح في محيط شَاسع من اليأس؛ ثورة مُحبطة لمجموعةِ من الكناسين، وشاويش يستعرض قوته على سكان الحي الشعبي الفقير، وطفل حافي القدمين لا يملك سوى جلباب خفيف في برد الشتاء ويحمل حزمة برسيم تحت إبطه ويحلم بخروف العيد.

    لكن الشر الحقيقي، وسبب كل هذا البؤس لدى قصيري –الثوري الشاب في ذلك الوقت- هو المدينة الأوروبية، التي يصفها بكلماته “أصبحت المدينة مرعبة على الأخص على امتداد شارعي فؤاد الأول وعماد الدين، فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تملكه مدينة متمدنة لإرهاق الناس ومضايقتهم، كانت هناك أماكن للتسلية لا طعم لها، وحانات يكلف المشروب فيها كثيرًا، وكابريهات ذوات راقصات تافهات وحوانيت وأماكن لبيع المصوغات وإعلانات كهربائية أيضًا. كان لا ينقص شيء من مظاهر الأعياد السعيدة، كان كل شيء يدفع إلى الضيق والملل“.

   تتغير الوجوه وأسماء الشوارع، شارع فؤاد يصبح شارع 26يوليو، لكن بلاهة تصنيع التمدن كما وصفها قصيري، نجدها تقطر من أسقف المولات الكونية، حيث أماكن التسلية التى لا طعم لها في ضاحية القاهرة الجديدة بتجمعاتها الخمس، ومدينة 6 أكتوبر، وامتدادات المدن الجديدة التي تُصنّع في الصحراء، بينما يغرق تعساء المدينة في الزحام الأبدي لشوارع وكباري القاهرة.

     قاهرة قصيري العام 1940، كانت تهرب من الفقر الناتج عن الفساد والاستغلال الطبقي، من الشقاء في أحيائها الشعبية، نحو مدينتها المتمدنة المشيدة على الطراز الأوروبي التي صارت وسط البلد. والآن حينما استنفذتها واستهلكتها السلطات المختلفة المتنوعة، ترحل بعاصمتها نحو مدينة متمدنة جديدة مُخلّفة المزيد من البؤساء، وطلاء جديد للمبانى التاريخية يجعلها أكثر إثارة للشفقة مثل مكياج رخيص.

قُصيري حي الآن. مُرشد أمين للمصري الملول، أو الحزين، وربما المهموم. قصيري جرس الإنذار على خطورة العنف وعلى تبريره كذلك.

13592699_10154198337031405_6436954291175889991_n

في العدد الثانى من مجلة “التطور”، سينشر ألبير قصيري، وبترجمة بديعة لعبد الحميد الحديدي، قصته “اضطرابات في مدرسة الشحاذين“. ينشأ خلاف فكري ويتحول إلى صراع ايدلوجى محتدم بين المعلم “أبو شوالي” الأستاذ بمدرسة تعليم الشحاذة، والأديب جاد، وأفكاره الحديثة القائمة على علم النفس حول فن الشحاذة. المعلم “أبو شوالى” سفير العنف وسؤال ضرورته، مبدأه الواقعية المجردة، ويعتمد على قيام الشحاذ بالامساك بخناق الزبائن والتشبث بملابسهم الثمينة والالتصاق بنوافذ سياراتهم المتوقفة عند إشارة المرور. ويتصف الشحاذون لدى “أبو شوالي” بأنهم “مخلوقات تتجمع فيها أفظع العاهات الجسمانية، غارقة في آلاف الأمراض المعدية التى لا تقبل الشفاء، مخلوقات بشرية تستطيع أن تبعث الرحمة في القلوب المتحجرة والضمائر الميتة، لا تبعث الرحمة فقط، بل تخيف أيضًا”.

أما الأديب جاد، الذي عبّر عن نظريته الجديدة في الشحاذة بينما كان جالسًا في “قعدة تحشيش”، فيرى أن سُكّان المدينة الجديدة لا يمكن الاعتماد على استدرار شفقتهم لأن هذه العاطفة قد اندثرت منذ زمن طويل، وحان الوقت لأن “يكف الفقراء عن التعلق بالوسائل التي تستدر الرحمة والشفقة، وليعتمدوا على الاستظراف الذي لم يستغله المتسولون بعد”.

أتذكر الآن هؤلاء الشباب الذي كانوا يقفون فوق الكباري بفرشاة طلاء ويطلبون من كل سيارة جنيهًا من أجل أن ننظف مصر، وهو ما طالب به الأديب جاد منذ ما يقرب القرن بأن تظهر “طبقة أخرى من الشحاذين، صغيرة السن تلبس الثوب النظيف وتظهر كدمى العيد الجميلة. فبهذا الهندام وبحركتهم اللطيفة يكتسب الغلمان حب الزبائن، الذين يجودون حينئذ بسخاء، إذ لا يعجب الإنسان الراضي أكثر من المنظر البهيج، ومما لا شك فيه أن من رقت قلوبهم من بلهاء الأحياء الأوروبية سيعجبون بهذه المناظر الحديثة إعجابًا شديدًا”.

سينشر قُصيري تلك القصص في مجموعة واحدة العام 1942 تحت عنوان “بَشَر نسيهم الله”. في هذه الفترة كان ابن حى الفجالة بالقاهرة، المولود العام 1913، يعج بالسخط الثورى لشباب جيل الحرب العالمية الثانية، ويقضي معظم الوقت في صحبة “جماعة الفن والحرية” وقائدها السياسي جورج حنين. يروى مجدى وهبة -أستاذ الأدب الانجليزى بعد ذلك- عن لقاء في العام 1942، عندما زار جورج حنين وكان يقيم في منزل والديه، حيث وجد عنده ألبير قصيري، رمسيس يونان، لطف الله سليمان وسلامة موسى. كان النقاش محتدماً. سلامة موسى يتحدث عن التنوير والسلام والحضارة المصرية واللغة العربية، بينما جورج حنين وجماعته يتحدثون عن الثورة المستمرة، وخيانة الاتجاه الثوري في الاتحاد السوفياتي، ونكوص أراجون عن السريالية ببقائه في الحزب الشيوعي الفرنسي، كما أبدى حنين اشمئزازه من كلام ستالين عن الموضوع القومى. ومبكرًا، سينسحب ألبير من هذه النقاشات لينتقل للعيش في فرنسا، لكنه سيستمر في الكتابة عن شخصيات يدفعها البؤس نحو مزيد من السخط على المجتمع، ينتظرون ثورة غير محددة الموعد. وحينما تأتى الثورة العام 1952، ستكون جماعة ألبير قصيري من أشد المتفائلين، حتى أن جورج حنين كتب في رسالة لهنرى كاليه أثناء أزمة مارس 1954: “نعم، صديقي العزيز، نحن لا نرفض شيئاً. الضوضاء والهيجان، الضجة والعاصفة، كلها هنا.. الأعصاب لم تستسلم بعد.. بالنسبة للمستقبل، فجَسور جداً من يعطيه اسمًا”.

    ألبير قصيري سيمنح مستقبل ثورة يوليو، اسمًا مناسبًا، بعد نصف قرن، في روايته “ألوان العار”، حينما يصفها بـ”طريق العمى وتوهم الكرامة”. والد أسامة، بطل الرواية، عامل مصنع فقد بصره في إضراب عمالي قبل الثورة، ومرّت السنون، ولا شيء تغيّر، فعاش أعمى في عزلة لا تقطعها إلا زيارات ولده التى يملأها بتخيل جنازة كريمة: “سيكون هناك رفقاء المصنع القدامى. أنا على يقين أنهم لم ينسوا أنني تلقيت ضربة الهراوة التي أفقدتني بصري أثناء كفاحنا المشترك. ولربما أيضًا أوفدت الحكومة الثورية واحدًا من وزرائها، أترى؟ لقد أعددتُ كل شيء حتى يتمّ دفني في لياقة وكرامة”.

Foucault_Bachelard.png
قصيري أثناء زيارته للقاهرة عام 1989

   سيصرح قصيري بعد ذلك، في حوار له، باشمئزازه من الطغاة، كما سيعترف بأنهم موجودون دومًا، وبالتالى من العبث محاربتهم. والأهم أن هذا لا يعني ألا نحب الحياة. “الحياة رائعة” سيقول لميشال ميتراني، وهو في التسعين من عمره، وللاستمتاع بروعة الحياة “يجب أن يكون الإنسان ذكيًا لكى يلاحظ بفرح هذا الاحتيال الذي يحيا به الطغاة، لكى يتناوله بسخرية بعدها“.

      يمنحنا أدب قُصيري الآن وجهة نظر قد تخفف من قسوة الواقع كما تفعل “الميمز” السياسية في “فايسبوك”، أو التعليقات الهزلية لرؤساء بعض الدول في “تويتر”. يمنح أدب قُصيري القارئ رؤية عدمية عن العالم، وهذا التعالي الذي يطرحه قصيري كوسيلة للتعامل مع العالم قد يبدو كما يحلو للبعض وصفه: كسلاً أو خمولاً. لكن، لنحذر، فالسخرية أو كما وصفها جورج حنين في مقال له: “الفكاهة السوداء” ليست “افيه” سريع الزوال، ولا نكتة غرضها التسلية.

      الفكاهة السوداء لدى قُصيري تنهض على سؤال رئيسي وهو الوجهة الفعلية لأي شيء. هل يتواجد هذا الشيء في مكانه الصحيح؟ وإذا كان مكانه، فبأي شرعية خُصص له هذا المكان؟

     السخرية عند قصيري لا تحترم التصنيفات المتفق عليها مُجتمعيًا. فهي، والنزعة المحافظة، لا يجتمعان. ولنحترس حتى لا تجرنا الفكاهة السوداء إلى المناطق العدمية الأكثر مجانية، بل يجب أن تدفعنا إلى عتبة واقع تغيّره جذريًا قضية لا تنازل عنها.

     الوصفة البسيطة لدى قُصيري: إذا نجحنا في السخرية من طغيان الأوغاد، بالشكل والقدر الكافي، فلن يخيفوا أحدًا، وبالتالي سيزولون. أما إذا لم ننجح في بلوغ هذا الأهداف، فعلى الأقل يمكن أن تتخيل شاطئًا ملغومًا، حيث سابحات خالبات الألباب، قد تعرض وجودهن دون أي اكتراث بالنتائج، وأن تحيا في غرفة مليئة بالأصدقاء، تعيد رسمهم من صورهم الفوتوغرافية.

Photo rare - Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery - Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart
Photo rare – Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery – Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart

لغز المهرجان المشطور- قصة طويلة

1

عرفتُ الخبر من خلال “التايم لاين”. تقريبًا كل الحسابات الرسمية لمغنّيي المهرجانات وبعض العاملين في القطاع الفني تنعي الفقيد، النجم، الأخ، الصديق..إلخ إلخ.

مات “دادي”.

عمر قصير من الصداقة. فكرتُ وأنا استوعب الخبر، لكنني انتبهتُ أنني عرفتُ دادي منذ سبع سنوات، وليست هذه بالفترة القصيرة.

أحببتُ صوته وعشقتُ طاقته على المسرح وفي حفلات الشارع وأفراح الفنادق والأندية النقابية. مفجوعًا بالزمن حينما يداهمنا في صيغة أرقام  وأخبار قررتُ الذهاب إلي الجنازة، ربما لتوديع الزمن. لا أعلم هذه الأفكار الوجودية وظلالها العاطفية تصيبني بالتوهم وفقدان القدرة على التركيز.

أروي كل هذا لأقول كيف عرفتُ بشأن الجثة المشطورة والكبد المفقود، ظنًا منى أن هذه هي العناصر المثيرة، التي بذكرها تزدهر حكاية حياتي، وأنجح في جعلها طاووس متباهيًا بالأعضاء البيولوجية المبتورة والضائعة.

الأفكار الذهنية حتى في صيغة الخيالات العابرة مُهمة، لأنها تجعلنا نفهم القليل عن الدوافع البشرية كقرار الذهاب إلي الجنازة، ثم الاتصال بأي من رفاقه في المنطقة لمعرفة موقع الجامع ودار المناسبات، التي ستستضيف الجنازة.

رد عليّ “خمسينة” في المرة الثانية، وأخبرني أنه كان محتجزًا للتحقيق وخرج الآن فقط من القسم، وسيحاول حضور صلاة الجنازة.

الدنيا مقلوبة والمباحث مطلوقة.

 

16707287_1839752759645906_5683561314198454254_o

 

 

2

كنتُ مُراسلاً فنيًا لمجلة عربية، أنجز لهم قصة أو قصتين في الشهر. وبعد مُحَاولات وإصرار على الطلب وافقت مديرة المكتب على إنجاز قصة عما اسميته وقتها موسيقى الشارع.

صارحتني بعد ذلك حينما قدمتُ لها الموضوع مع عدد من الصور المشوشة سيئة الإضاءة التقطتها بكاميرا هاتفي البسيطة، التي لم تتعد جودتها 2 ميجا: “لا.. لا يا أحمد، مش دا الشغل اللي توقعته، أنا مقدرش انشر الكلام والصور دي، دا في صور لهم وهما بيشربوا مخدرات”.

لم أكن مصورًا جيدًا. لذا لم أفكر يومًا في امتلاك آلة تصوير.

انتظرتْ مديرة التحرير موضوعًا عن الفرق الشبابية من طلبة الجامعة، التي تغني في المراكز الثقافية الأجنبية وتقدم نفسها بصفتها غناء الشارع، بينما كنتُ أقدم لها مجموعة صور مشوشة لمراهقين من مدينة السلام يرتدون ملابسًا بألوان صاخبة ويتخذون وضعية العصابات عند التصوير وخلفهم تظهر برك المجاري الطافحة على طول الشارع والظلال المشوهة للمساكن الشعبية، التي بنيت على عجل بعد زلزال التسعينات.

بالنسبة للمخدرات فقط، كانت صورتان لـ “دادي” وهو يمسك جوينت حشيش مفلطحًا من نهايته تشتعل جمرته شمسًا صغيرة في الصورة. كان في الخامسة عشر من عمره، نحيفًا ولم يبدأ في حلق شعره رأسه، كما سيذكره الجمهور في فترة مجده الذهبي قبل الرحيل المفاجئ.

قيلت تأويلات فنية بعضها قرأته في مقالات كتبها زملاء أن “دادي” حمل لقبه الفني بعدما بدأ في المواظبة على حلق شعر رأسه بالموس، حيث اكتسب مظهر الأكبر سنًا بين جيله، الذي شكل الموجة التأسيسية الأولى من موسيقى المهرجانات. لكن في أول لقاء لنا لإنجاز هذا الموضوع الذي لم ينشر أبدًا، وداخل محل “فيجو” ضيق المساحة، ظللت أخاطبه مستخدمًا اسمه الرسمي “محمد عبد السلام”، بينما كان الجالسون ينادون عليه بدادي، وكان يربي شعره خشنًا مجعدًا، يفرده بكريمات الفرد، ثم يصففه باستخدام الجيل اللامع الدهني. تصورت أن اللقب يحمله كاختصار لاسم “عبده”، لكن كصحفي يتصنع التواضع لم أغامر في تخميني وسألته في هذا اللقاء. “لماذا ينادون عليك بدادي”. أخذ يلحن مقطعًا سأسمعه يغنيه بأشكال مختلفة في حفلاته: “انتي مع دادي/ ولا في النادي”، قطع جملته الغنائية ليقول: “طبعًا لازم تكون مع دادي”.

في هذا اللقاء سمعتُ أطيافًا أيضًا عن مغامراتهم مع الفتيات، عَرَضًا أشار دادي لمرة ضاجع فيها مع فيجو ذات الفتاة. لم يبد متباهيًا بمغامراته. لكن الحديث كله كان عن الصحاب، الموسيقي، الحريم، والغلابة في المنطقة. خرجتُ من اللقاء وأنا في حسد ودهشة من الحياة العاطفية الخفيفة والمليئة بالخيارات التي يحيون فيها. لم أشر لحياتهم الجنسية والعاطفية المنفتحة في التقرير وإن أشرت عرضًا للحشيش بصفته موضوعًا يظهر في بعض الأغاني. لم يُنشر التقرير. ولم يسألني “دادي” عنه بعد ذلك وإن شعرت أحيانًا بقدر من الخبث في عينيه حينما كنا نجلس بعد ذلك في جلسات استديو فيجو، ثم حاحا بعد ذلك، ليغني مقطعه: “صحوبية جت بندامة/ خلوا لي في قلبي علامة / نسوني الابتسامة”.

بعد سنتين من لقائنا الأول سأكون السبب في ظهور “دادي” على التلفزيون للمرة الأولى. سيفرح كثيرًا بهذا اللقاء، كل أهالي المنطقة سيشاهدون البرنامج ويزغردون مع ظهور “دادي”. سيرتفع أيضًا سعره في الأفراح، وياه على الدنيا والنفوس.

3

لم يكن “خمسينة” يبالغ. هناك حكومة حتى في العزاء.

لم ألتق بـ”خمسينة” يوم الجنازة لأنه لم تكن هناك جنازة في اليوم الذي تواعدت فيه مع “خمسينة” على اللقاء، حيث جمع الطب الشرعي الجثة وفحصها وأصدر تقريره بعد ذلك بيومين، ثم سلم الجثة لأهله لدفنها. وأقيم العزاء في مساء اليوم الذي دفن فيه الأهالي الجثة المشطورة.

حضر المأمور، الذي كان صديقاً لدادي، لكن هذا لا يبرر انتشارهم الملحوظ بهذا الشكل. ظننت أن خمسينة يبالغ حينما تحدث عن جثة مشطورة وكبد مفقود. لكن إشارته للعنف، الذي تمت به الجريمة جعلني أظن أن “دادي”، الذي غنى للبلطجة والخناقات والعنف والأصول والسلاح وكيف تزفر سكينك وكيف تطهره، قد قضى نحبه في خناقة. لكن الأحاديث، التي سمعتها في العزاء كانت متطابقة في حقائقها الأساسية. عُثرَ على “دادي” ميتًا في شقته الصغيرة في الدور الأرضي. جسده مشطور لنصفين، وكبده مفقود. انهارت أمه حينما عرفت الخبر ولا تزال في غيبوبة إلى الآن.

تأكدتُ أكثر من تلك الحقائق في ذات اليوم حينما وجدتُ أحد المواقع الإسلامية الداعمة لمرسي وضد الانقلاب وقد نشرت الخبر تحت عنوان “نفوق مغني المهرجانات المؤيد للانقلاب”. كان الكثيرون قد تشاركوا الخبر على “التايم لاين” برفقة تعليقات تسب الإسلاميين وحقارتهم، وحمل الخبر تفاصيل عن عملية التمثيل، التي تعرضت لها جثة دادي. تضايقتُ أنا الآخر، لكن لم أكن لأتوقع ما هو أقل من ذلك منهم، في أكثر من أغنية خصص “دادي” فقرات كاملة للسخرية من الخرفان، والشيخ الفتان، والإخوان.

4

ظلت الفكرة تداعب ذهني لأيام وأنا أتابع تكشف المزيد من الأخبار عن الحادثة. ثم أخيرًا هاتفتُ “خمسينة” وطلبتُ لقاءه، قال إنه مرهق من التحقيقات ويستدعونه كل فترة. ليس لديه وقت. ولم أضغط عليه في موضوع المقابلة. اهتممتُ أكثر بمعرفة الدائرة واسم وكيل النيابة الذي يباشر التحقيقات.

استعنتُ بزملاء صحفيين من القسم القضائي والحوادث لمعرفة تفاصيل أكثر، لكن قالوا إن القضية يحطيها تكتم كبير وإن كانت الإشارات تضئ بأنهم اقتربوا من معرفة القاتل والقبض عليه.

5

التقيتُ “علي البطة” في وسط البلد، حيث كنتُ في طريقي إلي مدينة السلام لزيارة منزل “دادي” بنفسي. البطة كان مدخلي منذ سنوات لهذا العالم لمغنيي وموسيقيي المهرجانات.

عالمي كان بعيدًا كل البعد عن مدينة السلام والمطرية. أنا ابن للطبقة الوسطى بلا طموح كبير لتغيير العالم، وبالكثير من الأحكام المسبقة عن كل ما لا يعرفه مما يجعله بلا فضول تجاه ما هو خارج طبقته الاجتماعية.

البطة، كان شابًا نحيفًا أسمر ذا جاذبية إيروتيكية تفوح حتى من رائحة عرقه أثناء الرقص على الأقل في ذلك الوقت حينما التقينا منذ أكثر من عشر سنوات. تعرفتُ عليه في مسرح روابط كراقص حديث. لا أعرف كيف وصل من مدينة السلام لوسط البلد، ولا كيف اكتشف عالم الرقص الحديث وتعرف عليه، لكنه كان عضًوا في فرقة تكونت في جراج قديم تم تحويله إلى مسرح. المكان والفرقة يتلقيان تمويلًا كريمًا من الاتحاد الأوروبي، لتدعيم حوار الحضارات والمركزية الأوروبية الفنية كراعية للفنون الحديثة مثل الرقص المعاصر.

أثبت البطة تفوقه، والآن، بعد كل هذه السنوات حينما التقيت به في وسط البلد، كان قد سمن قليلاً، يرتدى نظارة ذات إطار لونه أصفر وملابس بألوان زاهية، وشعره ينسدل على أكتافه، كان أقرب لشاب طري من الزمالك. سافر البطة ورقص مع عدد من الفرق المحلية والعالمية، وشارك في الكثير من الفعاليات والمهرجانات، حصل على منحة للرقص في فرنسا، استغلها لتعلم اللغة وأتقن الحديث بها، وإن كان ضعيفًا تمامًا في كتابتها أو القراءة بها، لكنه عرّف نفسه بعد عودته كمصمم رقصات، ونشر إشاعة عن حصوله علي دبلومة في تصميم الرقص. على كل حال، كان ينام مع مسئول العلاقات الثقافية الفرنسي، وكون فرقته الصغيرة للرقص التي كانت باستمرار تتلقى تمويلاً فرانكفونيًا كريمًا.

تصافحنا أمام تقاطع شارع محمد بسيونى مع شارع شامبليون. تبادلنا السؤال عن الأخبار ثم أخبرته أنني في طريقي لمدينة السلام لزيارة أهل عبد السلام حيث لم تسنح لي الفرصة لتعزية والدته، والتي غابت عن الجنازة حيث كانت منهارة في المستشفى. لم أخبره كذلك أنني كنت آمل في معرفة تفاصيل أكثر عن الحادث ومجرى التحقيقات. قال إنه سيأتي معي، وإنه سمع أن المباحث قد عثروا على القاتل. لكنه على الأرجح مجرد ضحية يتم تقديمها لإنهاء الجدل الإعلامي حول الموضوع.

قررنا القيام بالرحلة معًا، ركبنا أتوبيسًا مكيفًا نحو عين شمس، جلست أنا وهو متجاورين، أمامنا كانت تجلس سيدة ضخمة نموذج محاكاة لأم مصرية، غير أن أذنيها كانتا على شكل أذني أتان يخترقان الحجاب ويظهران بأريحية خارجه، لكن على العكس من أذني الحمار لا يحتويان على شعر يغطيهما، بل جلد بلون مماثل لبشرتها السمراء. فساد الأغذية والمبيدات المسرطنة التى تغلغلت في معظم التراب المصري، وارتفاع معدلات التلوث التى تضاعفت بعد التسرب الإشعاعي واستخدام الفحم في توليد الطاقة، أدوا لظهور خرائط جديدة من الأمراض والتحولات الجينية، وكامتداد لآلاف السنين من التكيف مع الطبيعة والسلطة تمكن المصريون من الحياة بأريحية مع كل ذلك.

علمت من البطة، أنه آخر مرة التقي بدادي في مارسيليا منذ حوالي عام حينما كان يشارك بالغناء في مهرجان ثقافي تحت شعار الربيع العربي والثورات التي تصنع المعجزات. رغم مظهره المهذب وقشرة الحداثة، كان أثناء حديثه  يتوقف ليشخر، ثم يجمع البصاق في فمه ويبصق على أرضية الباص المكيف. تصنعت عدم الانتباه وركزت على الهراء الذي كان يتلفظ به حول مشروعه لتصميم عرض راقص مبني على أغاني المهرجانات، والموضوع، الذي كان اختاره كتيمة لعرضه هو قصة صعود وحياة دادي، كمغني مهرجانات شعبي وصل للعالمية.

كان يأمل في الحصول على موافقة “دادي” لاستغلال أغانيه في العرض، لكن الآن وقد توفى فعلى الأرجح يسعى لتوطيد علاقته بالعائلة للحصول على اذن منها.

تذكرت بعد أول نصف ساعة معًا لماذا توقفتُ عن لقاء على البطة، كان مخوخًا ومع تقادم العمر فقد حسه الفكاهى وخفة دمه خلف نظَارة تصنع الوقار والعمق الفني الفرانكفوني. حينما التقيته كان لا يزال مُحتفظًا بالابتسامة على وجهه كمن يرتدي عدسات لاصقة، ويستعين بالفهلوة وخفة الدم لردم الهوة الطبقية بينه وبين عالم وسط البلد والراقصين الذين يتبادلون التحية والسؤال على بعضهم البعض بالانجليزية. كنّا نجلس على المقهى آخر الليل ندخن على الشيشة قطع حشيش صغيرة. ومن ثلاث مرات معدودة زرته في منزله في مدينة السلام، التقيت في واحدة منها للمرة الأولي بدادي، الذي كان وقتها مراهقًا في الرابعة عشر. يرقص مُقلدًا حركات مايكل جاكسون، مع مزيج من حركات الهيب هوب، يعمل أحيانًا في فرقة رقص وظيفته تسخين الأفراح، يذهب مع أصدقاءه إلي الأفراح، يصعدون المسرح خلف المُغنّى، يبدأون بالرقص وحمل العريس ورفعه لأعلى، ويتقاضى حوالي 50 جنيها عن الفقرة، إلي جانب وجبة عشاء.

ولعه بمايكل جاكسون ورقص الهيب هوب، قاده إلي الشغف بموسيقى وغناء الراب. أفكر الآن ربما كان لقب “دادي” الذي حمله بعد ذلك نسبة إلي مغنى الهيب هوب “باف دادى”. بعد أكثر من فرح تقدم “دادي” ليمسك الحديدة. كان يقود فرق الرقص أو يذيع التحيات يمينًا وشمالًا، وشمالًا ويمينًا. دادي أصبح نبطشي أفراح، لكن الطموح كان أكبر.

6

وصلتُ مع على البطة لمنزل عائلة دادي، شقة صغيرة وسط البنايات التي بنتها الدولة على عجل لإيواء منكوبي الزلزال في التسعينات. استقبلتنا والدته، التي عانقتْ البطة وصافحتني وهي تتمتم بكلمات العزاء. كان وجهها أصفر اللون بعيون ذات لون أحمر، لكن متماسكة ظاهريًا، لديها بنتان ودادي كان أصغر أولادها ورجلها الوحيد. في الصالة علقت صورة لدادي، يبدو في الصور بشعر قصير وبشرة نضرة لم تنمو فيها الذقن مبتسمًا بأسنان بيضاء. الصورة قديمة كإنما تنتمي للابن، الذي عرفته ماما قبل أن يصبح “دادي”. وشريطة سوداء في زاوية الصورة. صوت مشاري راشد يتلو القرآن يخرج من سماعات مكبر الصوت في غرفة دادي، التي دخلتها منذ سنوات وكانت مقرًا للقاء الرجال والتسجيل والعمل والبهجة والسعادة، قبل أن يتمكن من استئجار محل صغير في دور أرضي ويفتحه بعد ذلك على شقة من غرفة وصالة لتصبح مقرًا لإقامته الفنية مغطى برسومات الجرافيتي والألوان والأسلاك والسماعات وأجهزة التسجيل والهاردات والاسطوانات المدمجة.

جلسنا برؤوس منكسة ومشاري راشد يتلو القرآن سريعًا ملتزمًا بكل تقاليد التجويد مبتعدًا عن اللحن والشبهات، فتنطلق القراءة سريعة مُتعجلة لا تترك لنا ولو ثواني من الصمت لتأمل الآية أو الاندماج في لحظة المواساة. ومع ذلك جلسنا صامتين، وقبل أن ينطق البطة أو أنا انفجرت أم دادي بالبكاء. أخذ رجل بجلباب رمادي بجوارها في تهدئتها وهو يتمتم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله يا أختي. قدرتُ أنه خال دادي. ارتفع نحيب الأم وبدا الخال المُثكل كأنما يفقد السيطرة على الموقف، هرول طفل في الثانية عشرة على الأرجح نحوه بزجاجة ماء، ثم أشار الخال لنا بالدخول لغرفة دادي، وخرجت امرأة أخرى من الحمام وهي تفرد العباية السوداء المحبوكة على دهونها وتتقدم لتحتضن أم الدادي وتحيطها كحوت أسود يبتلعها قبل أن نلج نحن لغرفة الدادي بمصاحبة الفتى، الذي توجه نحو الكومبيوتر ليخفض صوت مشاري قليلاً.

7

تتكون غرفة نوم اليتيم نجم المهرجانات من سرير يتسع لشخصين، بمرتبة من القطن مهترئة وقاسية، كنبة خشبية مغطاة بوسائد قطنية صلبة وقمَاش مُزين بورود كبيرة، دولاب ببابين، والحائط الثالث من الغرفة تحتله طاولة الكمبيوتر ومعدات الصوت والتسجيل. كانت هذه المعدات، التي بدأ الدادي بالغناء والتسجيل عليها قبل التعرف على الدكتور، وقبل أن يجري القرش ويفتح المحل كمقر للعصابة ثم “التيم” بعد ذلك.

8

حينما جلستُ في الغرفة تذكرت أن آخر مرة دخل فيها علي البطة هذه الغرفة كان معي، بصحبه تلك الصحفية الفرنسية التي تعرفْ عليها، وتقاضى منها 50 دولارا، لكي يقودها في رحلة إلي مدينة السلام، لتقابل الدادي، الذي كان نجمه قد أخذ في الصعود. أخبرها أيضًا أنه يستطيع القيام بعملية الترجمة، وبدلاً من ذلك صحبني معه، ثم ورطني في القيام بعملية ترجمة أسئلتها لدادي وإجابات دادي لها. ولم اكتشف أنه تقاضى منها مالاً إلا بعدما أخبرنى “خمسينة” بذلك.

جلسنا في هذه الغرفة وخمسينة حاضر وشاهد. لا يقاطع الحوار، لكنه لا يتوقف عن إخراج ذيله الطويل من الشورت واللعب به أمامها.

خمسينة مستذئب. عضته سلعوة حينما كان صغيرًا، حاولوا في المستشفى إنقاذه وإعطاؤه حقنة “تيتانوس”، لكن المادة الفعالة كانت مغشوشة، فحدث له نصف تحوّل، حيث يمتلك أقدام وذيل ذئب وشعر كثيف وناعم يغطى ظهره، أيضاً يقال أن بإمكانه شم الخيانة. وحينما شمها أمسكني من يدي وأصر على المكوث بينما علي البطة يذهب بصحبة الفرنسية، وحينما أغلق دادي الباب خلفهما. قال له خمسينة “الواد دا مش تمام”. ورد دادي عليه وقد قرأه من عينيه: “عارف، قاريك يا صاحبي، محتاجين له برده، بس ابقى عيل نجس لو دخلته بيتي تاني”.

9

نزلنا من منزل دادي بعد عدة دقائق صامتة مع الخال، لم أعز حتى الأم إلا بجملة واحدة حينما دخلت، ولم أجرؤ على سؤال الخال وسط صوت مشاري راشد ونحيب الأم عن أحوال التحقيقات، عزمني البطة لتمضية السهرة معه في غية حمام أخيه فوق السطوح. لكن قدرتي على تحمل الملل والتقزز من صحبته خرقت حجر البنطلون. استأذنتُ منه ومشيتُ في شوارع  مدينة السلام، التي تحتل المساحة الأكبر منها برك من مياه الصرف نمت عليها طحالب وأعشاب طويلة لتشكل جزرًا خضراء تُغطي مياه الصرف لتتحول إلي مسطحات طحلبية في قلب المنطقة تعمل على تنقية الهواء والحفاظ على المساحات الخضراء في مدينة السلام.

مشيتُ باتجاه المحل، مكان اللقاء مع دادي في السنوات الأخيرة، ومسرح الجريمة. حينما وصلتُ وجدتُ الباب نصف مغلق وضوء أحمر قادم من الداخل. دفعتُ الباب بيدي فظهر”خمسينة”. كان المحل مقلوبًا وقد وصل خرطوم بصنبور المياه في الحمام، والماء يسيل متدفقًا على الأرضية ذات السيراميك الأسود. وخمسينة مشمرًا بنطلونه تندح المياه المخلوطة بلون أحمر إلي خارج المحل. لم نتصافح، لم نحتضن بعضنا البعض، سحب كرسيًا من فوق المكتب وعدله فجلستُ. فقد الكثير من وزنه. أخرجتُ قطعة حشيش من محفظتي، وبدأتُ في فرك الحشيش مع التبغ في كف يدي.

قال خمسينة إن الحكومة قبضت على القاتل،  واد اسمه حديدة، اتخانق هو ودادي في فرح من كام يوم. بعد الحادثة بعشرة أيام سلم نفسه وقال إنه هو اللي قتل دادي، لكن ملقوش الكبد. والواد نفسه بيقول إنه رمى الكبد.

بسبب موضوع الكبد، شكت الحكومة في خمسينة، بل الحقيقة شكوا في كل المستذئبين وأبناء الثعالب وأبناء أوى في المنطقة. هؤلاء هم الثلاث فئات المشهورة بحبها للكبد البشري. لكنهم وجدوا أخر مكالمة على تليفون دادي مع حديدة. وبالرجوع للسجلات تبين الكثير من السباب المتبادل والتوعد بنكح الأمهات والأخوات من الجانبين. مسكوا الواد ونزلوا فيه عجن. قاطعتُ خمسينة فجأة:

–        وانت كنت فين وقتها؟

10

“ربي أرحم أرواحًا اشتاقت أعيننا لرؤيتهم $$ يا رب آنس وحشتهم$$ ويسر حسابهم $$ يا رب قهم عذاب القبر واجعل قبرهم روضة من رياض الجنة”

وجدت العبارة السابقة كتحديث على الحساب الشخصي لدادي تظهر أمامي. بتلقائية أرسلتُ له على “الماسنجر”:  سلام يا صاحبي؟

أتاني الجواب في أقل من دقيقة، البقاء لله في محمد عبد السلام توفى. أنا ابن أخته، وفاتحين الحساب للأدعية والقرآن رحمة ونور على روحه.

اعتدلتُ في جلستي أمام الحاسوب وخاطبتُ حساب الرحمة والنور، لأسأله أي ابن اخت هو لدادي. كنتُ أعرف خالد المقرب أكثر لدادي، والذي كان كثيرًا ما يشركه في جلساتنا، لكن من يدير الحساب كان “حمزة” الذي قابلته حينما زرتُ المنزل لتقديم واجب العزاء مع علي البطة، ولم يسمح الظرف بالتعرف عليه أكثر.

هاتفتُ خالد، سألته عن أخباره وأحواله فقال إنه لا يزال حزينًا على خاله، لكنه بدأ يفكر في الغناء ويرغب في النزول إلي الأفراح، فاخترعت حديثًا مرسلًا، أنني أعد قصة عن عائلة دادي، وأنني أرغب في لقائه هو وحمزة في غرفة خالهما لتصويره والحديث معه. تحمس خالد وكان خاله الراحل كثيرًا ما يحينيي أمامه بأنني الصحافة والإعلام ودخلته للتلفزيون.

الباقي لم يكن صعبًا، كان حمزة يدير حساب دادي على الفيسبوك من خلال جهاز التابلت الخاص بدادي، حصلتُ على كلمة السر للدخول لحساب الفيسبوك، ولإيميله. في الحقيقة ولجتُ من التابلت على الحسابات وغيرتُ كلمة السر لكلمة أخرى. قلبتُ كذلك في بقية متعلقات دادي، التي كانت في الغرفة وأنا أدردش مع الفتيان، ثم انصرفت متقمصًا روح المفتش كرومبو.

11

لم أستطع استكشاف أرشيف مراسلات “دادي” حينما عدتُ للمنزل، صديقتي كانت في حالة نفسية سيئة وقررتْ زيارتي للحصول على حضن وحنان. ضاع المساء في صحبة حلوة وفي ضحكات وآهات.

في صباح اليوم التالي بعد انصرافها، كان أول ما فعلته إدخال كلمات السر الجديدة لحسابات دادي والاستغراق في قراءة مراسلاته وأرشيفه، وأنا أرتشف الشاي الأخضر الصباحي، في محاولة، تتجدد كل صباح للبدء في نظام الحمية الغذائية، تتبدد في المساء. من صندوق المراسلات اخترتُ أولًا محادثته مع خمسينة، وكان آخرها تقريبًا يومين قبل مقتل دادي. وبثقة أستطيع أن أقول أن أركان دوافع الجريمة كانت مكتملة، دون دلائل فعلية على تورط خمسينة في قتل صاحبه الشقيق ورفيق عمره.

لكن قلة فقط قد تفهم ما تعنيه المحادثات الأخيرة، ومن الصدف أنني كنتُ واحدا من هذه القلة حيث عشت تفاصيل الكثير مما ذكر في المحادثات الأخيرة.

12

جرت عملية إنتاج وتسويق أغاني المهرجانات في إطار إنتاجي مضاد لكل قيم السوق الإنتاجية. أولاً لم يعترف مغنو المهرجانات بحقوق الملكية الفكرية، وكثيرًا ما كان يستعيرون من بعضهم البعض الجمل، بل والأغاني كَاملة. لم يسجلوا كذلك أغانيهم، بل كانت مشاعًا إبداعيًا متاحًا للجميع يرفعونه على الإنترنت مجاناً ويتركونه مُتاحا للتنزيل لأي شخص فتنتشر الأغاني من التوك توك إلي أجهزة الموبايل، وأجهزة الكمبيوتر في نوادي الإنترنت والبلياردو.

مع تزايد الاهتمام الغربي والفرانكفوني بموسيقى المهرجانات، ظهر إسماعيل كرنب، خريج المدرسة الألماني، والمتمرد الفاشل على طبقته الاجتماعية، حاول لسنوات شق طريقه في عالم الموسيقى، لكنه أمضى سنوات في عزف أغاني الميتال باللغة الإنجليزية في حفلات ضيقة  وخاصة ومُتبَاعدة، ثم حينما تقدم في السن توفى والده فورث عنه مبلغًا من المال أسس به استديو صغير، حوله إلي شركة إنتاج “دواير”.

حمل إسماعيل لقب كرنب من سنوات لعبه موسيقي الميتال ولم أعرف ما أصل الاسم، لكن دادي كان يسخر منه في السر ويقول إنه بسبب حبه لتناول محشى ورق الكرنب، ورفضه تناول ورق العنب.

هبط إسماعيل كالباراشوت على على دادي وعلى شباب المهرجان، بحكم إجادته لأكثر من لغة أوروبية. عمل على تسويقهم في الخارج، ووفر لهم معدات تسجيل مُتقدمة، ووقع العقود مع يوتيوب وغيرها من المواقع، التي كان يبيع لها أغاني الشباب، وفي المقابل يمنحهم بضعة آلاف. نظرتُ للوضع دائمًا كاستغلال واضح وبيّن، ولم أرتح لرائحة كرنب أبدًا، لكن دادي كان ينظر إلي الأمر باعتباره أفضل ما يمكن الحصول أو الوصول إليه.

لا عقود في عالم المهرجانات بل كلمة لكلمة. وكلمة كرنب كانت أكاذيب متسلسلة. بعد عامين اكتشفوا أن كرنب كان يقدم نفسه بصفته مدير أعمالهم، ويتقاضى نسبًا من كل الحفلات والأعمال التي ينجزونها دون أن يخبرهم. وقتها كان فريق دادي قد توسع ليضم الدكتور حاحا، خمسينة، عفريت، وجماعات متعددة من الأصدقاء والمحبيين والتابعين.

أوقف دادي التعامل مع كرنب. ثم بعد أقل من عام ظهرت شركة صوت مصر، التي سعت لاحتكار كل الأصوات على الساحة بالفضة أو الرصاص. عارض دادي الانضمام لصوت مصر، وفضل العودة لجذور التسجيل الحر ورفع الأغاني على يوتيوب والاعتماد على عروض الحفلات والأفراح. لكن أمامي الآن توضح المراسلات أن خمسينة لم يرض بهذا القرار، وتشير المراسلات أن خمسينة قد وقع بالفعل مع صوت مصر، لكن “خمسينة” لوحده هو ظل “دادي”. هو الصدى لصوته، والقائم بأعمال “المردات” عليه حينما يغني. كما أن المراسلات بين الاثنين تشير لخلاف حاد وصل إلي التهديد، حيث أرادت شركة صوت مصر شراء كل حقوق أغاني الثنائي دادي وخمسينة، لكن دادي رفض التوقيع. كيف رأى خمسينة الأمر؟

رد عليه في أحد حواراتهما: “انت كدا شوكة في زوري يا شقيق،  وخاطف معاك كل شغل وسنين تعبي”.

لستُ محققًا جنائيًا، لكن اكتشفت كل تلك المراسلات والتهديدات من جانب خمسينة، والتي كان يرد عليها دادي بمحاولات الاحتواء، ورفضه التوقيع أو العمل مع صوت مصر. “لأنهم شركة عسكر ولو سلمت لهم إيدي النهاردا بكرة رجلهم هتبقي فوق رقبتي”، لذا بتلقائية شديدة رفعتُ التليفون واتصلتُ بخمسينة، الذي فاجأني بترحيب كبير وبدعوة لحضور حفل خطوبته.

13

العيشة ارتاحت. وصلت إلي مدخل الكمبوند، ذكرتُ اسم “خمسينة”، لم يعرفه أحد من رجال الأمن، أحدهم سأل: “حضرتك جاي الحفلة”. هززتُ رأسي بالإيجاب فوصف لي الطريق بعد الاطلاع على رخصتي وتسجيل بياناتها.

وصلتُ إلي الفيلا وأنا أحاول استيعاب أن كل هذا من المفترض أن يكون حفل خطوبة خمسينة، نجم المهرجانات وذئب الحديدة. لا شارع، لا مسرح، لا ورق بانجو، لا أضواء، بل “دي.جي” في زاوية من حديقة الفيلا، وحمام سباحة حوله ينتشر الحضور والضيوف. مبنى الفيلا نفسه بلون أبيض من ثلاثة أدوار على جدرانه حفرت أجنحة لطيور جارحة، وفي أعلى المبنى انتصبت على زاوية تماثيل بيضاء، كل واحد منها بطول متر يمثل النسر المصري الهزيل في وضع محير بين محاولة تصنع الشموخ ومظاهر الاكتئاب. في مقابل المبنى الأبيض ذي النوافذ والأبواب الخضراء يوجد مبنى آخر حديث، لكنه أصغر، من ثلاث غرف ودور واحد أقرب إلي أن يكون بيت حمام السباحة، لكنه مبنيٌ بطراز معاصر، حيث تتداخل جدران الأسمنت المصبوب مع الزجاج المعتم.

لم أشاهد أحدًا أعرفه بشكل شخصي، وإن كانوا جميعًا نجومًا من السينما والتلفزيون، وعاملين في قطاع الترفيه والإعلانات والصناعات الغذائية. ولا شئ من رائحة مجاري مدينة السلام.

لمحتُ الدكتور حاحا في زاوية. كان واقفًا وفي يده “جوب” يدخنه بهدوء في عزلة كما العادة. توجهتُ نحوه، لكن في منتصف الطريق، شعرتُ بحبل من الفرو يلتف حول ساعدي الأيمن ويمسكني، كان هذا ذيل خمسينة.

– صاحبي..

ابتسامته مفشوخة على وجهه من أقصي اليمين لأقصي اليسار. صافحته مهنئًا. لكنه حضنني في مبالغة عاطفية لم أفهمها. وقبل أن نبدأ فاصل السلامات والتحيات. سمعتُ صوت نهيق غريب تبعه نداء على خمسينة. ضحك معتذرًا: “الجماعة، تعالى لما أعرفك”، جرني من يدي فوجدت أن خطيبته، التي أصبح يناديها بالجماعة هى فاطمة الفقمة. الممثلة الكوميدية والمغنية.

ظهرتْ فاطمة منذ سنوات كممثلة كوميديا. كانت ذات جسد نحيل وعظام بارزة ومعظم أدوارها تعتمد على السخرية من جسدها، ثم قررت تغيير كل هذا والقيام بسلسلة من عمليات التجميل. أحدث الصرعات وقتها كانت استخدام دهن حيواني مستخرج من الفقمة بدلاً من السيلكون، لكن لسبب ما تسببت العملية بعد فترة في تحورات جينية لفاطنة، التى غيرت اسمها ليصبح فاطمة وبعد التحولات الجينية منحها الجمهور لقب فاطمة الفقمة، حيث نمت أعضاؤها الأنثوية، وظهر لها لغد تحت ذقنها، كما تغير صوتها ليصبح ذا إمكانيات غنائية وموسيقية حققت نقلة جديدة لها في مشوارها الفني، حيث احترفت إلي جانب التمثيل الغناء الأوبرالي والخليجي، والآن ها هي على الطريق للزواج بخمسينة، نجم المهرجانات الصاعد والذي يصغرها بأكثر من عشرة أعوام.

14

في سلسلة أفلام الأب الروحي كانت الاحتفالات الدينية والعائلية كما في تقاليد المسرح الشكسبيري هي الفضاء المكاني والزماني، الذي تقدم من خلاله الشخصيات وتظهر البذور الأولى لطبيعة علاقاتها. وقد بدت حفلة خطوبة “خمسينة” بداية لفصل في عالم جديد، ربما كان موجودًا من قبل وجودي حتى، لكن سمح لي بدخوله لأول مرة في تلك الليلة.

ارتفعت الموسيقى بعد مُنتصف الليل، لكن من دَاخل البيت الصغير الملحق بحمامِ السباحةِ يمكنك مُشَاهدة كل شيء في الحديقة دون أن يصلك أي صوت بسبب العوازل الصوتية والزجاج المضاعف على الأرجح. بدا المنظر جذابًا أن تشاهد كل هذه الجموع وبعضها يتحرك منفعلاً مع الموسيقى والأغاني دون أن يصلك أي صوت، فقط خرير المياه من الصنبور في الحمام الملحق بالغرفة الواسعة.

صمت صوت الخرير، وسمعتُ صوت كعب عال على السيراميك، ثم صوتها قاطعني من السرحان مع مشهد الرقص الصامت :

–  مضاد للرصاص وعازل للصوت والحرارة كمان.

في الغرفة كان هناك سرير واسع، كرسيان من تلك التي يمكنها أن تتصل بتطبيق على جهازك المحمول لتتحول لوضع تدليك عضلات ساقيك وظهرك ومؤخرتك كذلك، أمامهما طاولة زجاجية وأريكة وثيرة يجلس عليها الدكتور حاحا. على الطاولة كانت هناك سطور من مسحوق أبيض، لكن الدكتور كان يفضل الجوينت مشتعلاً في يده وصفيحة البيرة المعدينة في اليد الأخرى. في الزاوية المقابلة يوجد مكتب بسيط الطراز، خلفه جلس الأستاذ بركات في بدلة واسعة عليه، كما سيظل منذ أول لقاء، وإلي أن يدفنوه على الأرجح.

تقدمت د. فايزة نحوي وهى تمد يدها بالسلام، أحسست بالرطوبة في كفها وكنت لا أعلم لماذا أنا هنا، ومن هى د.فايزة سوى أن اسمها يظهر كعضو منتدب في تكتل شبكات وقنوات الحياة والتحرير والتنوير. كما أعرف أنها شريكة في أكبر شركة إعلانات في السوق، التي تحتكر صناعة الإعلانات الإلكترونية ورعاية المواقع الإخبارية. لا أعرف أيضاً ما الذي كانت تقصده بالمقدمة الطويلة التي تحدثت فيها عن التكنولوجيا وانترنت والعالم الجديد والسوق المليء بالفرص، وموقع يوتيوب، الذي يريد أن يسرق عَرَقَنا وشقانا ويمتص الطاقة من أرواحنا ثم يرمي لنا بالملاليم. أخذت تتحدث وأنا أهز رأسي أو ابتسم، وحينما توقفت لثوان لالتقاط أنفاسها بين جمليتن، نظرتُ لدكتور حاحا بمعنى، “إيه يا صاحبي مفيش حاجة علينا”.

ناولني الدكتور نصف الجوينت مشتعلاً، ويبدو كأن د. فايزة فهمت الأمر كإشارة على تململي. فانتقلت إلي كرسي المساج وجلست عليه، وقد أخرجت هاتفها ايفون وهي تخاطبني:

–        شوف يا أحمد باختصار، أنا عايزة منك خطة مكتوبة ومنظمة لطريقة عمل. إزاي نقدر ننقذ صناعة المزيكا في مصر ونحتوي الشباب اللي على الإنترنت.

هبط صمت على الغرفة. رفعتُ هي الهاتف وهي تكتب شيئا ما على شاشته، ثم أدارات رأسها نحو حاحا قائلة :

–   يعني مثلا تقدر تفهمني إزاي مفيش ولا أغنية مهرجانات وطنية، ولا حاجة لجيش مصر.. ينفع كدا، عايزين الناس تحبكم وأغانيكم تظهر في التلفزيون وتكسبوا فلوس إزاي طيب؟

هدأت أعصابي وارتخت عضلاتي بعد ثالث نفس من الجوينت، وقلتُ هذا حسن.

15

لم يتجاوز حسابي في البنك طوال حياتي الـ12 ألف جنيهًا، لكن بعد شهر واحد من العمل الخفيف القائم على الاجتماعات والتخطيط مع د. فايزة، كان سجل البيانات في الحساب يظهر كيف تجاوز الرصيد الخمسين ألف جنيهًا، كل هذا في شهر واحد فقط. تذكرتُ صيحة شاعر الغية في مهرجان نسيتُ اسمه “نسرق يعنى ولا نبيع بودرة”، في الحالتين لم يكن بامكان أن تجني خمسين ألف جنيهًا في الشهر، وكنتُ أعرف أن هذه هي البداية، لأنه ما أن يبدأ العمل الحقيقي وترتفع المبيعات وتنهمر أموال الأرباح سأحصل على نسبة من الأرباح، لا على أجر شهري فقط.

لم أدر ماذا أفعل بخمسين ألف جنيهًا. أوقفتُ تاكسي، وطلبتُ منه التوجه إلي فندق المواسم الأربعة، قررت منح نفسي جلسة مساج وحمام مغربي وتنظيف وتدليك وباديكير.

16

اعتمدتْ خطة التسويق على عدة مسارات. كنتُ أعلم أن مسار عوالم الليل والأفراح وليالي الحظ في جيبنا، تبقى لديّ مسار كيفية الوصول إلي الطبقة الوسطى وإشعارها بالانتماء وأن موسيقي المهرجان لا تظهرها بمظهر أقل من مكانتها الاجتماعية، إلي جانب الوصول إلى سياق يمَكّن السلطة السياسية وآلات إنتاج الخطاب الوطني من مسار يمَكُنها من التعامل مع هذا الفيض، وهذه الطاقة “الفرتكة” الكامنة في إيقاع المهرجان.

استلهمت مسيرة مغنّيي الراب الأمريكان، وكان المسار هو خلق أيقونة غامضة مليئة بالإشاعات من وفاة دادي، والتي فشل الأمن في تلفيقها لأي شخص وتم قيدها ضد مجهول. وزعت في محطات الميكروباص وأمام المدارس الثانوية والإعدادية بوسترات تضم “بوب مارلي، تو باك، ودادي”. ثم بوسترات متعددة لدادي.

قبل كل هذا بالطبع أقنعتُ الأم الثكلى لدادي والخال، الذي هبط على الأسرة مُقيمًا لدور الذكر الحامي في البرية، بالتوقيع معنا بمقابل مقدم مادي كبير، وحصلنا بذلك على حق انتفاع واستغلال لكل أعمال دادي، التي لم تكن مُسجلة. تولت د. فايزة والأستاذ بركات عمليات شرعنة موسيقى المهرجان ومنتجاتها، تمّ ترسيخ قوانين الملكية الفكرية، رفعا أكثر من قضية على محمود مطبعة، وطاردت مباحث المصنفات “الدي جي”، الذين يشغلون أغاني المهرجانات دون الحصول على تصريح.

في العالم الجديد لم تكن هناك مساحة للمنتجين المغامرين الصغار، كمطبعة أو استديو كانكا. في العالم الجديد منتجات موسيقي المهرجانات تشمل الموسيقى والأغاني، وخطوطًا لإنتاج الملابس والسلاسل والإكسسوارات، إلي جانب البوسترات وإكسسورات السيارات والتوك توك، بل وصل الأمر إلي تصنيع برفانات شعبية بأسماء الأغاني الشهيرة ومغنّيي المهرجانات نجوم العالم الجديد، ثم دون قصد مباشر، غرق الإنترنت بصور وأغاني دادي. كان الصغار يحبونه، وتحوّل بسبب وفاته شابًا، وأغانيه التي امتلأت بالعنف وسرد أحداث العراك والخناقات، إلي جانب الروح الواثقة من نفسها وبأن “المزيكا من راسي لكعبي/ تسمع راب أو تسمع شعبي / أجيب المضمون في الكون بكعبي” أصبح ارتداء التي- شيرت، الذي يحمل صورة لدادي وهو يفتح مطواة وجوينت في زاوية فمه من أيقونات الملابس التي يقبل الجميع على ارتدائها، وعادت الموسيقي القديمة للحياة، لكن هذه المرة لم تكن متاحة للجميع مجانًا على انترنت، بل يمكنك تحميلها بـنصف جنيه من على انترنت. وفي الأعياد والمواسم هناك عروض خاصة يمكنك فيها تحميل الأغنية بعشرة قروش.

خلقنا كذلك خطوط إنتاج جديدة شملت إعادة بعث للمغنين القدامى. خمسينة مثلا أنتجنا له ألبومًا مع عدد من نجوم الغناء العرب. قام بتوزيعه الدكتور حاحا وتحول الألبوم إلي قدس الأقداس في ليالي الأفراح والرقص. شمل الألبوم أغاني حققت تزاوجًا بين المهرجانات والغناء الخليجي وأقبل عبد الله بالخير، حسين الجسمي، وعد، وغيرهم من مغنّيي الخليج على موسيقى المهرجان. كذلك ظهرت أغان كسرّت الدنيا وولعت في سقف المكان، شملت تزاوجًا بين الموسيقى البدوية الشامية وموسيقى المهرجانات. كان المال يتدفق والسيادة تترسخ، وحافظنا في الوقت ذاته على وجود المعترضين والمهاجمين حتى يظل موضوع موسيقى المهرجانات حاضرًا كموضوع للنقاش في برامج التوك شو، والنقاشات الإخبارية، وفي كل برنامج يستضيف موسيقيًا أو مغنيًا من مغنّيي شركتنا، كنتُ أصر على ضرورة الاتصال بحلمي بكر، لكي يقدم مداخلة يهاجم فيها مغنّيي المهرجانات.

مثل هذا الاعتراضات تقوي من شخصية الموسيقى وترسخ انتماء الأجيال الشابة لها، وتجعلها وسيلة للإعلان عن الهوية والاستقلالية في مقابل أمثال حلمي، تمهيدًا للغد الجديد، الذي لا يكون فيه مكان لحلمي سوى في مقبرته بينما يصعد نجوم السعادة.

أنا كذلك كنتُ أودع العالم القديم لحياتي، أبتعد عن الصحافة والكتابة، ويومي يضيع في اجتماعات وترتيبات لحملات إعلانية وحفلات وهلك واستهلاك للوقت والسجائر وآلام في الظهر من قلة المشي والحركة، ونصيحة من أستاذ بركات بضرورة المشي نصف ساعة على الأقل يوميًا، وتحذير من د.فايزة بضرورة المحافظة على لياقتي والتخلص من هذا الكرش، فذهبت إلي الجيم وتناولت البروتين والمكملات الغذائية، غيرت جسدي وازداد معدل استهلاكي للويسكي والكونياك، وكلما شعشعت الرأس ذَكَرتُكَ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِني وبِيضُ الهِندِ تَقطرُ من دَمي، قلتُ ألف رحمة ونور عليك دادي.

لكن مع كل ما صار عرفتُ في قرارة نفسي أن مهمتي لم تنته بعد، كأي فن وكأي نوع موسيقى، لترسيخه في التاريخ الرسمي والوجدان المصري يجب أن يحوز رضا السلطة ويتداخل مع نسيجها الوطني، ودعامته الأساسية هي الخطاب الوطني القائم على الانتصارات العسكرية، كانت هذه هي النقلة الأكثر تعقيدًا.

17

لا يمكن أن ترث الأرض وما عليها ولا أن تحصل على الأربع وعشرين قيراطًا. علاقتي العاطفية كانت تنهار تحت ضغط المشاغل واحتضار الشغف. جلسنا معًا في جلسة للبحث عن مخرج أو إيجاد أي نبض في هذا الحب المتسرب من أصابعنا. لكن رن الهاتف في منتصف الحديث فظهر رقم أستاذ بركات، ولأنني كنت أنتظر هذه المكالمة فقد أجبت، وأنا أقول لها دقيقة واحدة.

أعطيتها ظهري وأنا أجيب على الهاتف. كان بركات يخبرني بأنهم تمكنوا من عقد الاتفاق مع الهيئة لتنظيم احتفالية انتصارات أكتوبر الثورات المجيدة. سألته عن التفاصيل ونبضي يرتفع مع انهمار الأخبار التي كنتُ انتظرها، وحينما أنهيتُ المكالمة والتفتُ لأبحث عنها، لم أجدها في المكان.

18

شملت احتفالات النصر العظيم وثورات أكتوبر مشاركة قوات رمزية من كل الأسلحة، لصنع استعراضات ،مبهرة في ساحة الاستاد. قام الدكتور حاحا بتأليف وتوزيع كل الموسيقى في الاحتفال، من الألحان الشرقية التي صاحبت اللوحات التي صنعتها التشكيلات في الساحة مع تقاطعات أضواء الليزر.

حكت اللوحات قصة كفاح الأمة المصرية شعبًا وجيشًا من فجر التاريخ حتى أثمرت شجرة الوطنية، التي روتها دماء الشهداء. وعلى الشاشة الكبيرة، التي تحتل خلفية المسرح. مع سقوط آخر شهيد في اللوحة، التي تنفذها التشكيلات. ظهرت صورة دادي وهو يقف منتصب القامة مشدود الصدر، مؤديًا التحية العسكرية وعلم مصر يرفرف خلفه، والموسيقي تعزف النشيد الوطني، ثم فجأة تتداخل موسيقى النشيد الوطني مع صوت “البيز” وإيقاعات الطبول الإلكترونية، ويظهر خمسينة على المسرح وهو يصرخ بصوت أجش خشن: “أنا أوزع أنت ترزع / أنا أغني أنت تسمع / مصر بلدي فيك هتوجع”، إلي آخر مهرجان بلادي وبطلي كايد الأعادي، وأكدتُ عليه في هذه الحفلة بالذات أن ينظر ويشير بيده باتجاه الرئيس مع كل مرة يقول فيها بطلي. وفي منتصف الأغنية اقتربت الكاميرا من وجه الرئيس، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة بسيطة، ثم لقطة واسعة للصف الأول حيث يجلس بجواره كبار رجال ونساء الدولة، وبعيني لاحظتُ رِجْل الرئيس اليسرى تهتز مع الإيقاعات. كانت هذه اللقطة أهم عندي من المصافحة التي حظيت بها معه.

19

قررتُ قضاء يومين في المنزل بعد إرهاق تنظيم الحفل الذي استمر لشهور. استيقظتُ بعد نوم عميق. اتجهتُ للحمام وغسلتُ يدي ووجهي، فرّشت أسناني، وقررتُ حلق ذقني، التي لاحظتُ فيها بعض الشعيرات البيضاء.

لكن أولاً قررتُ طهو قطعة استيك مع مكرونة بالصوص الأبيض. خرجتُ من الحمام واتجهتُ للثلاجة لإخراج اللحمة حتى تفك أثناء حلقي لذقني وأخذ الدوش. فتحتُ “الفريزر” فوجدتُ كيس حفظ مغلق بإحكام وفيه ورقة كتب عليها “أنت مع دادي”، فتحتُ الكيس، كانت هناك شريحة لحم بنصف حجم كف اليد، لمستُها بطرف إصبعي. كانت حمراء قانية تقترب من اللون الأسود في بعض أجزائها. وضعتُ طرف إصبعي على أنفي، كانت عليه بقعة حمراء من أثر ملامسة اللحم، ما أن تذوقتها واضعًا إصبعي في فمي، حتى عرفت أنها جزء من كبد دادي.

Nurturing Love in Prison ‎

When thrown into prison, you realize that the hustle and bustle, the friends, all the pomp and fanfare, everything that has ever surrounded you all disappear into thin air. Nothing remains. The beloveds, the mothers, and the wives are the only ones who continue to linger, persistent. Diligently visiting, preparing food, bringing clothes and socks, and snatching a quick hug at the end of every visit as they bid you farewell.

In 2016, I was sentenced to a two year prison sentence because I simply wrote a novel. A civilian had filed the case against me, and the prosecutor had gladly found me guilty of “violating public morals”, an affront to Egyptian families’ sense of propriety, dangerously poisoning children’s minds. The court concurred, found me guilty and sentenced me to two years in prison, locking me up, ridding society of my imminent corrupting influence. I was reeling from a deep shock. It had never for a moment crossed my mind that I could be imprisoned for writing a novel. It was a precedent in the whole history of the Egyptian legal system. And here I am, trapped in the dark heart of the system.

IMG_1639

In the prison visiting areas, I have witnessed the strongest and most ferocious of men break down in front of their mothers and wives. Luckily, our visiting area was a little more humane in comparison to other prisons, as there was no wall separating the prisoners from the visitors. We would all sit in one room on marble benches protruding from the walls, harboring scurrying ants and cockroaches, their thirst quenched by the prisoners’ and families’ tears.

When I was first sent to prison, I wasn’t allowed any visitors for thirty days. As the first visit edged closer, one of my more seasoned cellmates explained to me the necessity of shaving my beard and properly combing my hair. One of the inmates lent me some hair cream to give my hair a less unkempt appearance, while another allowed me a few sprays from cologne that he kept in a plastic bottle. When your loved ones see you, you have to look shipshape, in tip-top condition according to most of the other prisoners. You don’t want to give your family reason to be alarmed, to increase their misery or anxiety, especially since in coming all the way out there to visit you, they too have endured hardship and have been waiting since the crack of dawn for hours at the gates in the scorching sun until they are allowed to enter.

With the nearing approach of every visit, rituals had been established: the “ironing” of my navy[1] prisoner’s uniform by placing it under the mattress, getting my hair cut by the prisoner’s barber in return for a pack of cigarettes, waking up early to shave my beard and take a shower: the preparations for a romantic date. These were the only moments of love available to us. Through perseverance and a focused attention on all the preparations leading up to the visit, you guard that love, water it and nourish it.

After the second visit, the investigations officer called me into his office. He told me that my fiancée had asked about the procedures and paperwork required to marry an inmate on prison grounds. With a smirk on his face, he said he wanted to make sure that I approved and wanted to marry her, and that he wasn’t putting the squeeze on me.

This particular officer, along with a bunch of others, seemed to admire my love for Yasmine, so they temporarily looked the other way regarding the rules that state only first-degree relatives are allowed visiting rights. Although no official legal status bound us, they let her see me, pretending she was my relative.

Yasmine and I weren’t even engaged back then. We had met a few months earlier in the desert of south Sinai, close to the area where the children of Israel had wandered for forty years. Until then our budding relationship had witnessed no disagreements or tribulations; we would look at each other, incredulous, astounded by how all this time had passed with no problems or misunderstandings to speak of. When the time came to go to court, Yasmine accompanied me to the hearing as a concerned human rights lawyer, and because never, in our wildest dreams, had we anticipated all that was about to happen, she had hurriedly left me to attend to another case, while I awaited my sentence. When my mother came to visit me at  the police station prior to my transfer to prison, Yasmine was there as “just a concerned lawyer”. By the first visit a month later, my mother began to suspect that Yasmine was not just my lawyer. Egyptian laws do not acknowledge any kind of relationship or social commitment between a man and a woman save marriage; it’s rarer still for society to accept non-marital romantic commitments. Strangely enough, however, the police officer accepted Yasmine’s prison visits and our claims that we were engaged, though we were not even wearing engagement rings.

Our misgivings remained, however, and continued to worry us. What if a sudden change in the Basha’s[2] or Bashas’ mood led them to call off Yasmine’s visits? It was then that Yasmine thought of marriage, since it would allow her the official legal rights to visit me. But we were apprehensive.  We knew that my time in prison, however long that would last, was a temporary situation and we didn’t want our wedding day memories to be saddled with the prison guards’ loathsome grins, be weighed down by metal handcuffs and blue prison uniforms with crawling cockroaches.

After the 2016 April Tiran and Sanafir island protests, a fair number of youth and political detainees were arrested and sent to the prison where I was, which led to a visible increase of the patrols and security level. With the increase of inmates, officers, plain-clothes detectives[3] and police guards all became more edgy and short-tempered. It was during that period, that I went down to the visiting area during a scheduled visit and was terrified when I saw that my mother was there alone, without my brother or Yasmine. A thousand and one thoughts raced through my mind. What could have possibly happened? A few minutes later, my brother came from the chief of the prison investigation’s office. My brother told me, “They aren’t going to allow Yasmine to see you.” The detainees’ families had been waiting at the prison gate, and the prison’s administration had arbitrarily decided not to acknowledge the validity of the visiting permits they carried. Being a lawyer, Yasmine had intervened to help the families and put pressure on the prison administration to allow them to see their loved ones inside. The prison’s administration was angry and, to spite her, predictably decided to enforce the visiting regulations so that she couldn’t visit me.

After my brother had talked to me, the officer called me in to see him. A long lecture ensued about how he had broken the rules and allowed Yasmine to visit me, due to his magnanimity, forbearance, and out of regard for our love for one another. However, he continued, Yasmine’s causing a commotion and raising a ruckus, and interfering in matters that are none of her business will force him to deal with her according to the rules. I stood there silently. It was a silly exercise and display of power; a game that the authority had played with thousands of Egyptians and political activists. He very well knew that if he talked to Yasmine directly, she would hold fast to the law, to her role as a lawyer and to the families’ right to visit their detained sons and daughters. However, he also knew that if used his authority as a jailor to address me as a prisoner, I would in turn ultimately end up using his language, logic and words when addressing Yasmine because I wanted to continue to see her during visits. I would emotionally pressure here into compromising and doing what he wanted. I felt totally powerless and helpless. The quiet futility of it all slowly swept over me. Holding my head up high for the first time when addressing him I said “do whatever you want in the future, but I do want to see Yasmine today.” He allowed Yasmine to see me for a few minutes at the end of the visit.

In the coming weeks, the chief of investigations and I reached an unspoken agreement. He had come to understand that three things were important to me: books, Yasmine’s visits and the letters that we sent each other. Everyone in the prison’s administration took pleasure in reading those letters, which reached me days later, after they had been examined and shown to the different security apparatuses. In turn, he took care that these three things remained so that he could use them to make me comply to what he wanted, either by allowing or by denying them. Every time he allowed me one of the books that were sent to me, he always used the telling phrase, “here’s your opium.”

In the visiting room, feelings, tears, laughs and the tension that underlies the feelings that haven’t yet been fully formed are given free rein and released. All this takes place right under the noses of the jailors, and the prisoners that watch one another. When the women visiting their husbands are Niqabis[4], things become increasingly complicated. One inmate confessed in a moment of weakness how during the past eighteen months, he never got to see his wife’s face once. The visits became an extension of his imprisonment rather than a relief from it. During the visit, just like in his cell, he recreates from memory his wife’s face with all its details.

Another colleague circumvented the visiting room’s regulations by having his sister hold up a little prayer rug, creating a barrier between him and his wife and the rest of the visiting area so that his wife could remove her face veil. In the beginning, the guards overlooked this, but with the passing of time one of them would loudly clear his throat and say “that is forbidden.” The sister would then bring down the prayer rug and the wife would cover her face once more, and that momentary feeling of privacy that they had tried to recreate would evaporate.

Prison laws state that visiting time is one whole hour. Yet, it was rare that we would actually get an hour. Depending on the officer’s mood, the visit’s duration would fluctuate and whenever the bell rang, it was time for goodbyes and hugs. Some prisoners were lucky. Those were the ones who had succeeded in establishing mutually beneficial relations with the prison administration. Those benefits could be based either on the prisoner’s connections or because they spied on their inmates telling the officers what they heard or saw, and in return they would get extra time during visits or according to one investigative officer they would get an “extra dose of emotional opium.”

During December of 2016, as a result of her work as a lawyer and a human rights activist, Yasmine was subjected to a fierce smear campaign carried out by pro-state propagandist media and security apparatuses. I never realized how vicious and defamatory the campaign was until my mother’s and brother’s visit. Yasmine was not with them. Mohamed, my brother succinctly explained just how ferocious the campaign was and that a number of lawsuits had been filed against her, accusing her of cooperating with terrorists because one of her 2014 clients had been accused of the 2016 St.Peter and St.Paul church bombing.  Some of Yasmine’s friends who were lawyers too, had advised her to stop visiting me in prison because the authorities might arrest or harass her if she did.

That day, at the end of the visit, the officer asked me, “So where is your fiancée?” I tersely responded, “ She is a little tired.” He smiled and nodded. I realized by his look that he had received new directives about Yasmine and me. I was no longer allowed either to receive or send letters to her. I feared for Yasmine. I sent her a message through Alaa Abd El Fattah who had a visit due a few days after mine. I told him to get word to her through his family that she mustn’t come visit me.

That night I slept feeling that I was falling from one prison into another, far darker and gloomier. I had been in prison for a year now. With Yasmine no longer able to visit me, I felt that everything that had preceded this was just a precursory phase to the real prison and its darkness; one without Yasmine and where constant worry and fear for your loved ones outside of prison sinks its claws into your heart. For the first time, my faith and trust in my ability to get through this ordeal had been shaken, for without Yasmine why even resist? I slept  in the prison’s darkness, isolated without an opiate capable of relieving the pain.

I kept counting the days, marking them in the small notebook I had managed to smuggle into prison. After 303 days, I was finally released and the rest of my two-year prison sentence was suspended. My case is still pending in the courts, however. Yasmine and I married and temporarily enjoyed our hard-earned happiness. But we knew it would be impossible to continue this way, seeing how things stood. My writing was implicitly banned, and the high appeal court was still looking into my case to determine if I should be cleared. We planned to leave Egypt in search for new opportunities, to expand our horizons, acquire new skills and knowledge. Soon after, Yasmine received a scholarship to study law in the states and moved there in June 2017 to pursue her studies. The plan was that I would soon join her. Upon arriving at the airport to catch my flight, I discovered I had been banned from traveling and was placed in custody yet again, but this time for a couple of hours.

Nearly a year and half after having been released from prison on December 20th, 2016, my case is still pending and my travel ban remains. Every time I tweet or publish an article harboring the slightest critique of the current regime in Egypt, I receive a menacing phone call. I live in a state of fear to which I have grown accustomed; I have convinced myself that for now fear is good…it makes you cautious, a helpful survival mechanism. More painful than fear is having to wait yet again. The seemingly endless waiting for Godot. A couple of weeks ago we joyfully learned that Yasmine is pregnant, yet I am more frustrated than ever that I’m not allowed to be with her during this time, yearning to be together even more. Every week, I make the journey to court asking if they have set a date for my trial. The answer is always the same: “Check in with us next week”. So I keep counting the days, nourishing the hope, nurturing the love.

Ahmed Naji

Translated by: Radwa El Barouni

[1] In Egypt, convicted criminals wear blue prison uniforms, while those in remand wear white prison uniforms. Those on death row wear red uniforms.

[2] Basha comes from the Ottoman title Pasha and is used in Egypt to refer to police officers. It has come to evoke the police’s arrogance, sense of entitlement and superiority, and mistreatment of people. Naji is using it both ironically and non-ironically here.

[3] Mukhbir:  a plain-clothes detective that is a feature of Egyptian public space as well as within institutions.

بهلون الورق المصري ينتصر على شيطان الرأسمالية

وإذن قَابلتُ أليس كوبر في حفلةِ زفاف عمرو سيزر، كانت الحفلة على سطوح إحدى عمارات وسط البلد في شَارعِ عمَاد الدين. لم أتعرف عليه في البداية، لكن لفت نظري ملابسه ومكياج وجهه، سألتُ عمرو: “مين الوحش؟”، فخبط جبهته بيده وقد نسى اسمه كالعادة، ثم ذهب إلى عروسه وسألها: “مين دا؟”، لكنها اكتفت بالضحك وقالت: “دا صاحبك أنت يا حبيبي”.

إذن ذهبتُ للرجل وصافحته، عرفته بنفسي، فقال بصوت مبحوح: “كوبر.. أليس كوبر”. اندهشتُ لوجوده هنا، لكن لم أظهر أي علامة من علامات الاستغراب، أعطيته علبة بيرة صفيح ففتحها بأظفاره الطويلة، ثم تجرعها كَاملة على مرتين.

كانت الموسيقي جيدة، لكنني بسهولة أمكنني الشعور أن كوبر لم يكن مستريحًا لهذا النوع من الموسيقي الهادئة ذات الطَابع الرومانسي والمغزى الأخلاقي السامي، عمومًا لم أكن مجنونًا يومًا بموسيقى كوبر، أعني أنا أقدر الرجل حقًا وأعرف قيمته، وتأثيره الكبير على عشرات الموسيقيين خصوصًا في مجال الميتال والهيفي ميتال وما تفرع عنهما، وملايين البشر من جمهوره، لكنني لم أكن واحدًا منهم للأسف، وهذا بالطبع لا يعني بالضرورة أنني أكنّ أي موقف عدائي أو سلبي اتجاه الرجل. فعلى العكس ثَرثرتُ معه في اللا شيء تقريبًا لمدة نصف ساعة، بعدها كان لابد أن استأذن في الانصراف حتى ألحق موعدًا آخر، صَافحته وأخبرته أنني سأغادر، فقال إن هذا جيد جدًا لأنه أيضًا يريد أن يغَادر.

إذن غادرنا معًا، وبينما نحن على السلم عرض عليّ الذهاب معه إلى مسكنه، وشد سطرين. سألته أين يسكن لأفاجأ أنه يسكن في الطابق الثاني من نفس البناية. كان مسكنه عبارة عن حجرة بحمام فوق سطوح إحدى المباني القصيرة، لكن الدخول إليها يتم من نفس بناية عمرو.

هكذا إذن أخذتُ سطرين من الكوكايين، الذي وصفه بأنه نوع رديء، مثل كل شيء في مصر، لهذا سألته ما الذي يجعله يقيم في القاهرة إذا كان كل شيء سيئًا، فقال إنه يباشر استثماراته وأعماله في القاهرة، سألني إذا كنتُ أعرف محل متعهد الجنازات المسيحي الموجود في ميدان رمسيس بجوار جامع الفتح، فجاوبته بالنفي، ليخبرني عند هذه النقطة أنه صاحب أكبر سلسلة من محلات بيع التوابيت ومتعهدي الجنازات المسيحية. لديه غابات كاملة في أمريكا اللاتينية يستخدم أخشابها في صنع توابيت خشبية لكل الطبقات وكل المستويات في مصر ذات السبع طبقات وأستك.

إذ لاحظ كوبر زيادة أعداد المواليد المسيحيين في مصر، وهو ما يعني فرصة مستقبلية للتوسع، لذلك يهدف من خلال زيارته الحالية للقاهرة إلى السيطرة على سوق الجنازات المسيحية ليضمن احتكاره للسوق في المستقبل، من خلال القضاء على كل المحلات الصغيرة، خصوصًا في شبرا والمنيا.

*       *        *

بعد عدة أيام صادفتُ سعيد أبو بكر في مقهى الندوة الثقافية بميدان باب اللوق. المقهى من مقاهي سعيد المفضلة، ربما لأنه يقدم معسل التنباك، الذي أخذ سعيد يشربه بجواري وأنا أتابع ذات الرداء الأحمر في الصيدلية المقابلة للمقهى. تحدثنا قليلاً ولفت نظري موبايل جديد يحمله، أخذتُ ألعب فيه منبهرًا. كان الجهاز أكثر من موبايل، بل تقريبًا جهاز كمبيوتر بحجم كف اليد، وبسخرية سألته: “من أين لك هذا يا بطة؟!” من ملامح وجهه بدا أنه محشش تحشيشة عظيمة، لكنه هزّ رأسه والمبسم في فمه، ثم التفت نحوي قائلاً: “وحياتك بلاش تفكرني، دا أنا امبارح كان واحد من أجمد أيام حياتي.. ثروة وحياتك يا أخويا هبطت عليا من السما”.

نقلتُ بصري إلى فتاة ممتلئة دخلت المقهى، وجلست عن يميني. ثم عدتُ بعيني له وسألته: “ازاى يعني؟”، فجاوب قائلًا: “واحد خواجة قابلته امبارح في صالة مدام دولت، لعبنا بولة، والثانية والثالثة، الرجل كل ما يخسر، يسخن ويرفع، يسخن ويرفع، ومحسوبك حظه كان فوق.. فوق.. فوق النجوم. قشّطته تماما، وآخر حاجة لعبنا عليها الموبايل دا، والنهاردا هنكمل الليلة”.

توقف للحظة وأخذ يدور بعينيه في المقهى محدثًا نفسه: “أنا عايز حجر تاني”، ثم أكمل قائلًا: “آخر القعدة امبارح، أقسم انه بكرة مستعد يلاعبني على روحه مقابل روحي، يعنى الليلة دي، الخسران لازم يروح عريان”.

حوّلتُ نظري من الفتاة الممتلئة، التي بدأت في تدخين سيجارة كليوباترا سوبر، إلى ذات الرداء الأحمر، التي كانت تلعب في شعرها، ورددتُ عليه: “طيب وافرض خسرت يا بطة”. نفث الدخان إلى أعلى، وقال كأنه يتحدث مع الله: “يا سيدي ما ياما خسرنا”.

* * *

غاب سعيد أبو بكر لفترة، حاولتُ الاتصال به أكثر من مرة لكن تليفونه كان مغلقًا، سألتُ عنه سراج منير، فقال إنه غالبًا سَافر للرَاحة والاستجمام في أحد المنتجعات الصحية في التشيك أو السويد. نعم كان هذا غريبًا لأنني لم أعرف سعيد غنيًا إلى هذا الحد.

في هذه الفترة، اشتد المرض على زوزو وزرتها مع استفان بعدما بذلت أنا ونور الدين مجهودًا كبيرًا في إقناعه. نصب توفيق على نجاح الموجي في تربة حشيش بألف جنيه، وتدخلتُ لتخليص الموضوع، ومررتُ في مغامرة لطيفة قد أقصها عليكم يومًا ما، وشعرتُ بانجذاب اتجاه فتاة مصرية تتمني أن تكون يابانية، لكنها للأسف كانت مرتبطة بجاك دانيل، نقلتُ محل إقامتي. شربتُ أفيونًا لأول مرة في حياتي مع ميمي، ثم ظهر اسم سعيد أبو بكر على موبايلي، فتحت الخط وأنا أهتف: “يا ابن الكلب..أنت فين يا جدع أنت؟”.

سمعتُ ضحكته على الطرف الآخر، وكنتُ جالسًا في أحد المقاهي المقابلة للجامعة الأمريكية، وبعد خمس دقائق مرّ عليّ وهو يقود سيارة كاديلاك مكشوفة ذات موديل قديم ولون أخضر، مبهرة كانت. ما أن جلستُ بجواره وبعد السلامات والتحيات والإخباريات سألتُه من أين لك هذا، فلوى بوزه وقال لي: “أصبر معايا للآخر”.

إذن اتجهنا إلى شارع رمسيس، وقبل جامع الفتح ركنَا السيارة، ونزلنا لندخل محل متعهد جنازات مسيحي، كان محلًا ضيقًا يمتلئ بالتوابيت الخشبية من كل الأنواع والمقاسات.

سَلّم سعيد على الولد الجالس في المحل، الذي قام من على المكتب، واستأذن في الانصراف، وأنزل باب المحل خلفه، ليمد سعيد يده إلى علبة سجائره، ويخرج جوينت حشيش معتبرًا. كنتُ مذهولا تمامًا من الجو بأكمله ومن ملابس سعيد وبدلته الفخمة، التي منحته مظهرًا مختلفًا، ومندهشًا خاطبته : “من أين لك كل هذا يا ابن الكلب؟!”.

تناول من على المكتب علبة ذهبية مطعمة بحجارة قدرتُ أنها ماس، ثم فتح العلبة وأخرج مجموعة من أوراق الكوتشينة، وبحركة سحرية فردها أمام وجهي، وابتسم وحواجبه مرفوعة لأعلى.

2008

16707287_1839752759645906_5683561314198454254_o.jpg

شموخ محمد فؤاد

هؤلاء أشخاص نادرون لا يتكررون بسهولة. لديهم عزة نفس، وكبرياء، وشموخ. لا يتسلون اهتمام الإعلام ولا يتقنون التحدث في برامج حكى المشاوير، لا يمارسون الرياضة، ليس لديهم مديرو أعمال يرشدونهم أو يوجهونهم، ليس لديهم أى مواهب موسيقية سوى النحنحة والصدق والشحطفة لإيصال مشاريعهم المرهفة إلى طبقتهم الشعبية. خذ عندك محمد فؤاد مثلاً، هذا الرجل أسطورة لن تتكرر. فدون سبب استيقظ فؤاد ذات يوم وقرر أن يبيع العالم من أجل كرشة.

مش مهم الحفلات، مش مهم الغناء في الأفراح، ومش مهم أعمل فيديو كليب، مش مهم حتي أغني، المهم أن يجلس وفي يده ثمرة المانجا منتهكه تنزف سوائلها من كل اتجاه، وتسقط ملحوسة ذقنه وكرشة وجلابيته البيضاء.

 

نبتة – قصة قصيرة

    لن آت من الباب ولا النَافذة.

   بل نبتة صغيرة لن تلاحظيها بالعين المجردة. سأنمو يومًا بعد يوم بسبب صوت غنائك وإيقاع تنفسك في الليل. نبتة صغيرة لن تلاحظيها في البداية تنمو أسفل سريرك.

   من الباب إلى الفراش، إلى الحمام، إلى الدولاب، إلى الوقوف أو الجلوس أمام المرآة. في كل تلك الأفعال صوت دندنتك بالموسيقي والأغاني سأنمو. نبتة صغيرة خضراء. أوراقها العريضة النحيفة ستتسلل من تحت فراشك.

   قرأتُ مرة عن نباتات تعيش على الضوء، لكنها تفترس كائنات أخرى. تحيطها بأوراقها الخضراء اللامعة، تجذبها برائحتها الطيبة والشهوانية، ثم تطبق عليها، وعلى مدى ساعات وأيام وسنوات تمتصها. تمتص أصابع قدميك إصبعًا فإصبع، ثم تصعد لأعلى.

    ماذا أفعل بالنحلة؟ وماذا أقول للزهرة؟

    تصبح النبتة وأنتِ شيئًا واحدًا. تكبرين، فتصيرين شجرة. مازلت أنا كنبتة أحتاج لدندنة صوتك، لهمهمتك قبل الأغنية. شيء ما يسقط مني كل يوم في الصباح، ولا أستطيع الإمساك به. شيء آخر يطير مني كل مرة أستلقي على الفراش، وحينما أصحو من النوم لا أتذكره.

    أحيانًا انتبه، اتجه للسرير أبحث أسفل منه، لا أجد النبتة الخضراء ولا أجدك.

16731190_10158246512470343_858280118_o