فيكتور داندو.. شاهد قبل الحذف

تنفجر الألفة والإثارة في وجهك عند اللقاء الأول بأعمال فيكتور داندو. الألفة لأنك تعرف هذا العلم المحترق، لأنك شاهدت تلك الصور عشرات المرات سابقًا. فهي تنهمر عليك باستمرار من الانترنت، والتلفزيون، وحملات البروباجندا السياسية المختلفة.

أما الاثارة فمنبعها كثافة الرموز التي يقدمها فيكتور في لوحاته معزولة عن سياقها المعتاد. العلم الامريكي الذي يحترق في لوحات فيكتور شاهدناه كثيرا في نشرات الأخبار يحترق وسط المظاهرات. لكن حينما يحترق العلم معزولاً في لوحة فيكتور نشعر بالالفة مع المشهد والإثارة الناتجة عن رمزية حرق العلم. لكن لا نعثر علي الرسالة. لا رسائل دعائية في لوحات فيكتور، اللهم إلا عبارته الساخرة “الإنترنت يكذب” التي تتكرر في لوحات معرضنا، وربما رسائل آخري متروك أمر اكتشافها لك.

ألف ليلة وليلة- من أعمال فيكتور

 تتوهم في البداية إن اللوحة تخاطبك، ففي وقت تزداد بنية الفنون المعاصرة تعقيداً وإغالاً في الغموض والضبابية. هاهو فنان يقدم لنا صور ورموز معروفة، فهذه أعلام دول نعرفها، وتلك شخصيات سياسية نراها في نشرات الأخبار، وهذه صور أيقونية يتكرر بثها في الجدل الإعلامى العالمى. لكن بعد الإثارة والألفة مع لوحات فيكتور تأتى الحيرة. تميل الأرض تحت قدميك، وتدور عينيك في أرجاء اللوحة بحثاً عن مفاتيح تفسر وتشرح.

 الصور والرموز معروفة لكنها في لوحات فيكتور تأتى معزولة، وخالية من أى انحيازات، بحيث نشعر بالحيرة أين يقف الفنان ولوحته في هذا الجدل السياسي وأين نقف أنا. يتركنا فيكتور دون إجابة أبداً، ولهذا نظل نعود باستمرار إلى تأمل أعمال فيكتور، مرة تأملاً في جماليات التقنية واللون، ومرة بحثاً عن الرسالة الخافية، الكذبة التي يحذرنا منها.

يعلم فيكتور إن زائر معرضه، ربما يقف الآن يقلب في موبايلة بينما يتجول في المعرض. ويرفض فيكتور إن تكون أعماله مجرد صور في هذا السياق، بل يمارس الخداع الفنى ليتسلل داخل اللغة البصرية لإنسان الإنترنت المعاصر ليتلاعب بالصور وينتج منها قيم جديدة تثير الألفة وتدفع المتلقي من تأمل لوحته فقط  إلى تأمل كافة الصور التي يشاهدها ويتعرض لها ليل نهار.

الانترنت، صور الأخبار، شاهد قبل الحذف، الشرق والغرب، البروبجندا السياسية، الأيقونات البصرية للدول القومية.. مثل هذه الأفكار تشغل معظم أعمال فيكتور. لكن على عكس التيار السائد في الفن المفاهيمي، اختار فيكتور وسيط تقليدى للتعبير عن هذه الأفكار وهو اللوحة الزيتية.

في سلسلة أعماله “الإنترنت يكذب” وحد فيكتور التكنيك المستخدم في معظم اللوحات، فهى لوحات زيتية أفقية، اختيار الزيت لا اكريلك هو اختيار مفاهيمى قبل أن يكون اختيار تقنى، فالزيت ينتمى إلي تقنيات الرسم القديمة. وبينما يسود استخدام الأكريلك يعود فيكتور إلي التوال والزيت، ليصنع مفارقة جديرة بالتأمل وهى تقديم مشاهد يومية من الأخبار بلوحات زيتية يستغرق رسم اللوحة الواحدة أياماً. وذلك

لأن الرسم بالزيت يتطلب انتظار جفاف الطبقة اللونية حتى يمكن أن يضع الفنان فوقها طبقة آخري، لتكون النتيجة هالة من القدسية تضيفها اللوحة الزيتية على الصورة ذات الطبيعة الخبرية السريعة. وأخيراً يموضع فيكتور لوحته بشكل أفقي، لتتشابه في أبعادها مع  شاشة اللاب توب أو أغلفة المجلات ليصنع خيط من الألفة مع عين المتلقي وذاكرته البصرية التي ستربط تلقائياً بين اللوحة وأغلفة المجلات والشاشات، المصدر الأول للصور لدى إنسان العالم المعاصر. لكن أمام لوحات الزيت والعزلة التي يفرضها فيكتور على الرموز التي يختارها تظهر المسافة الشاسعة بين اللوحة والمعنى السياسي للرمز.

 يدرك فيكتور أيضاً المعانى المتعارضة للرموز خصوصاً بين الشرق والغرب. فداندو المولود في بولندا عام 1983 درس الفنون الجميلة في بولندا ومصر، وعاش وعرض أعماله في عدد من العواصم العربية والغربية، لذا فحينما يعرض لوحة يتداخل فيها علم بولندا مع علم السعودية يدرك أن استقبال المشاهد البولندى لتلقي اللوحة سيختلف عن المشاهد العربي، وحينما يضعنا في مواجهة بورتريه للبابا وتحته عبارة “الإنترنت يكذب” يجعلنا نسقط في دائرة مُتنوعة من التأويلات، وهى متعة أخرى تضاف إلى متعة تأمل لوحات فيكتور، فاللوحة واحدة لكن قراءتها تتنوع وتتعارض مع بعضها البعض على حسب موقعك في الملعب العالمى للأحداث.

يوقظ العمل الفني لدى فيكتور الشك.

لا تغمض عينيك، بل افتح عقلك واترك نفسك لدوامة الصور واللوحات التي يقدمها فيكتور داندو في هذا المعرض، وإذا كان فيكتور يصر إن الإنترنت يكذب، فتذكر إن الحقيقية ليست قصراً مشيداً وسط حديقة من الورود، بل ربما تختبأ في ضربة فرشاة على سطح قماش اللوحة.

الشك باليقينن -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.


سوق العقارات والبرجوازية: تحولات سوق الفن العربي في ربع قرن

في عام 1989 دخل رجل الأعمال والملياردير المصري نصيف ساويرس إلي أحد المعارض التجارية المقامة في فندق الماريوت، ضم المعرض عدداً من السلع الفاخرة إلي جانب الأثاث
‎والتحف. في زاوية من المعرض كانت شهيرة إدريس وغادة شهبندر يحتلان مكاناً يبيعان فيه عدداً من اللوحات والأعمال الفنية لأسماء مهمة في مجال التصوير ذلك الوقت. صبري راغب كان الاسم الأبرز في تلك المجموعة. وكانت السيدتان تخوضان خطواتهما الأولي في مجال جمع وتجارة اللوحات، وتقديراً لدورهما منحهما صبري راغب واحدة من لوحاته المفضلة علي سبيل العرض لا البيع إلي جانب لوحتين يمكن بيعهما.

‎كانت لوحة صبري راغب طبيعة صامتة لزهرة حمراء. وكما الحب من النظرة الأولي الذي يكون العالم بعدها مختلفا عن العالم قبلها، وقع نصيف ساويرس في حب اللوحة. وطلب شراءها. حاولت غادة وشهيرة اقناعه بأن اللوحة ليست للبيع، لكن نصيف تمسك بطلبه. وأمام إلحاحه اتصلت غادة بصبري الذي انفعل وانزعج من طلبها وأخبرها بأن اللوحة ليست للبيع، لكن ساويرس أصر علي طلبه بشراء اللوحة، فقرر صبري راغب طلب رقم ضخم يساوي ثلاث أضعاف الأسعار المعتادة في السوق. بثقة قال صبري راغب:

‎-عشرة آلاف جنيه.

وبسرعة وحسم كان رد نصيف:

‎-موافق.

‎لتصبح لوحة راغب أغلي لوحة تباع لفنان مصري معاصر وعلي قيد الحياة وقتها حسبما تؤكد غادة شهبندر، في فترة كان السوق يتحرك فيها والأسعار التي كانت لا تتجاوز المئات أصبحت تصل إلي الآلاف. والتمدد العمراني ينتشر لخارج القاهرة ليؤسس مدناً جديد. وغزو صدام حسين الكويت يدفع ما تبقي من مشروع الوحدة العربية الايدلوجيا للانهيار. كانت الخرائط تتغير، وسوق الفن العربي يولد مُتعثراً.


‎عالم ما قبل 1989

 

‎مع تأميم الحياة الثقافية والفنية في الستينات في مصر خضعت الفعاليات الفنية والمساحات الثقافية إلي الاشراف والتنظيم من قبل الدولة. في الثمانينيات إلي جانب قاعات الدولة كان عدد الجاليرهات الفنية في القاهرة بسيطا، والسعر الأقصي لما يمكن أن تباع به لوحة لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه. تتذكر غادة شهبندر الأسماء البارزة في السوق ذلك الوقت جاليري سفر خان، طارق المرصفي جاليري أرابيسك. وجمهور الفن يقتصر علي قائمة محدودة من الأسماء التي حتي في حالة اهتمامها وشرائها لأعمال فنية فستكون لفنانين من الأسماء الكبيرة والتي حققت وأثبتت وجودها.

‎في هذه المرحلة حيث الانسحاب الكبير لأجهزة الدولة من المجال الثقافي والفني، كانت غادة شهبندر مع صديقتها شهيرة إدريس تستثمر مهارتها وذائقتها في الديكور في الاتجار في عدد من التحف والتابلوهات الفنية. بدأ الاثنان أيضاً في زيارة المعارض الفنية والتعرف علي الفنانين. وقتها كان قطاعا كبيرا من الفنانين المعاصرين يمتلك استديوهات في وكالة الغوري أو عدد من البيوت الأثرية التي رممتها الدولة ومنحتها لهم كاستديوهات فنية. بالتالي فزيارة مثل هذه الأماكن منح غادة شبكة واسعة من العلاقات مع فنانين من مختلف الأجيال.كان لدي الدولة نظام متكامل صحيح يشوبه الكثير من العيوب لكنه يعمل ويقدم مظلة لدعم الفنانين، فالدولة توفر الاستديوهات للفنانين للعمل، وتمتلك الجاليرهات التي تعرض فيها الأعمال الفنية، وتدير لجنة المقتنيات التي تشتري الأعمال ولجان آخري توزع الجوائز علي الفنانين.

إقتصاديا كانت مصر تستكمل خطوات التحول إلي نظام السوق الحر، يتم تخصيص المؤسسات الحكومية وبيعها، وبالتالي تتقلص ميزانياتها في كل نواحي الانفاق الخدمي ومنها بالطبع الانفاق الثقافي. يُفتح السوق المصري أكثر فأكثر أمام الشركات العالمية. ولجمهور النخبة الاقتصادية الجديدة كانت تقام معارض خاصة في فنادق الخمس نجوم. وفي هذه المعارض بدأت غادة شهبندر للمرة الأولي في عرض لوحات لفنانين معاصرين.

جذبت عروض غادة وشهيرة انتباه قطاع من الجمهور، فتوسعت أنشطة الاثنين لتمتد لإقامة معارض خاصة. وقتها كانا يستغلان وجود شقة خالية عند أحد معارفهما، لإقامة معرض قد يستمر لأسبوع وبضعة أيام. بتوالي المعارض التي كانت تقيمها غادة توسعت دائرة عملائها، وتوسعت كذلك دائرة الفنانين الذين تتعامل معهم.

 

 قائمة الفنانين الذين عرضت لهم غادة ضمت صلاح طاهر، بيكار، سمير فؤاد، جاذبية سري، ناجي باسيلوس. إلي جانب فنانين شباب وقتها، بعضهم استمر وبعضهم غادر كهدي خالد، فاطمة رفعت، وموريس فريد. البعض الآخر كحسن سليمان رفض أن يعرض معهم لأنهم كانوا يعرضون في شقق مؤجرة وليس جاليرهات مجهزة لكنه أعطاهم في الوقت ذاته أسماء لفنانين زملائهم قد يتحمسون للعمل معهم.
‎صنعت غادة شهبندر أسمها كأحد الأسماء البارزة في سوق الفن وقتها. لكن عائدات الفن المادية لم تكن بالقدر الكبير لذا فلم يكن بإمكانها تأجير مكان بشكل مستمر وتحويلها لجاليري. فضلت العمل بشكل حر. وبدأت في تلقي عروض نوعية مختلفة. فالشركات العالمية التي بدأت في ممارسة نشاطها في مصر بدأت في الاستعانة بغادة لاختيار لوحات فنية لوضعها في مقاراتها أو بعض المكاتب كانت تسعي لتكوين مجموعتها الخاصة للفنانين.

‎صممت واختارت غادة اللوحات التي كانت تعلق في مقر عدد من الشركات الكبري وقتها أبرزها “أمريكان اكسبريس”، “كاربت سيتي”. أحياناً كان يطلب منها مهمات بسيطة كاختيار اللوحات في مكتب مدير الشركة أو في دور كامل.

في الوقت ذاته وصلت “ستيفاني” إلي القاهرة عام 1990، في زيارة استكشافية لتأسس جاليري مشربية في وسط البلد، عملت “ستيفاني” قبل قدومها في عدد من الجاليرهات في إيطاليا المتخصصة في الفن المعاصر. وكان طموحها الأساسي تأسيس جاليري يقدم الفن كحالة مكتملة وليس كديكور يتماشي مع الأثاث.

تتذكر ستيفاني كيف حينما وصلت القاهرة كانت بعض الجاليرهات تعرض اللوحات وتبيعها مع الكنب وقطع الأثاث بحيث تتماشي اللوحة مع الكرسي المباع.

الفن يدخل السوق الحر


عملت غادة في سوق الفن من 1986 وحتي منتصف التسعينات، وهي تؤكد أن فترة نهاية الثمانيات تحديداً شهدت اتساعا وتغييرات طفيفة في سوق الفن، ارتفاع في الأسعار واتساع في شريحة الجمهور المهتم، تعود هذه القفزة الطفيفة إلي عدة أسباب:

‎-في نهاية الثمانينات وسعت الحكومة من خططها الانشائية ودعمها للمدن الجديدة، نتيجة لهذا حدث توسع كبير في سوق العقارات خصوصاً في غرب القاهرة وشرقها مع إنشاء مدينة 6أكتوبر ومناطق امتداد مدينة نصر والتجمع الخامس. عادت من جديد لتظهر البيوت الواسعة والفيلات والقصور الفخمة والباذخة.
‎-النخبة الاقتصادية الجديدة اتخذت من الفن وسيلة للتباهي وصنع التميز الطبقي، وبالتالي فتعليق أعمال ولوحات فنية أصلية في المنزل إشارة علي خصوصية اجتماعية. حيث تميزت هذه الفترة بالبزخ الشديد.

-المؤسسات الاقتصادية العالمية والغربية التي بدأت بالعمل في السوق المصري نقلت تقاليد غربية جديدة في العمل وفي السلوكيات التسويقية. منها الفن كعنصر جمالي وتسويقي يعكس هوية الشركة أو المؤسسة الاقتصادية، ومنها التعامل مع الفن كاستثمارات طويلة المدي ويمكن حفظ المدخرات فيه.
‎شهدت هذه الفترة ظهور الكثير من الأعمال القديمة للرواد التي كانت مخفية منها تماثيل لمختار ولوحات لمحمود سعيد. وفي سوق جديد بلا قوانين أو مؤسسات ضابطة انتشر التزوير. ووجدت غادة أنه إلي جانب دورها تقوم بدور المحقق خلف كل لوحة.


‎تتذكر أن أحدهم طلب منها تسعير لوحة لحسين بيكار، فذهبت بها إلي الفنان الذي ابتسم بهدوء وأخبرها أن اللوحة جيدة لكنها ليست له، بل أحدهم يقلد أسلوبه.


‎المقرئ والأساور الذهبية

 

يحكي سلطان القاسمي مدير شركة “باراجيل”   أنه ذات مرة أقامت واحدة من الصالات مزاداً علي عدد من اللوحات من ضمنها لوحات لمحمود سعيد، وفي الكاتلوج الذي تم توزيعه علي رواد المزاد احتوي علي لوحات عارية لمحمود سعيد تم تغطيتها ببوستر. كريم فرانسيس مدير جاليري كريم فرانسيس يدافع عن الصالات بأنها تفعل ذلك نتيجة لقوانين البلاد العربية وليس بسبب قوانين تفرضها الصالات نفسها.
‎لكن غادة شهبندر تري أن التقييم الأخلاقي للفن أو ضعف الاقبال علي اللوحات العارية منبعه الأساسي قيم اجتماعية تتغير أحياناً بتغير العصر والمناخ. في أوائل التسعينيات عرضت لوحة ذات الأساور الذهبية لمحمود سعيد عليها بمبلغ لا يتجاوز المائة ألف جنيه، ومعهد العالم العربي في باريس رفضها وفضل شراء وعرض لوحة المقرئ لأنه رأي أنها تمثل الفن أكثر من لوحة عارية لسيدة سمراء.

‎”في الثمانينيات وبداية التسعينات كان هناك مناخ اجتماعي عام يرفض اللوحات العارية، ولم يكن الأمر بسبب المد الإسلامي فقط بل يشمل المجتمع بمختلف طوائفه.” تشير غادة ونحن جالسون في بيتها إلي لوحة لصبري راغب تظهر فتاة تتزين أمام المرأة ترتدي قميص نوم أسود قصير. اللوحة اشترتها سيدة من عائلة قبطية برجوازية ثم طلبت تبديلها بعد أيام لأن ابنتها لن تقبل لوحة عارية في المنزل. ولهذا فما تصفه غادة شهبندر بالقيم الاجتماعية المتغيرة يتغلغل ليعبر عن نفسه في ممارسات مؤسسات ثقافية ذات طابع دبلوماسي كمعهد العالم العربي تسعي لتقديم تصورات عن الذات في أرض الآخر، ذات القيم ستمارس حتي علي أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي الأساسية (الأسرة). تحكي غادة عن عائلات كانت تعرض عليها لوحات لجورج الصباغ لأن الأبناء يرفضون وجود لوحات عارية في المنزل.

‎في 2012 يعرض في جاليري مصر لنادين همام أعمال متنوعة أنجزت علي طوال الفترة التي تلت ثورة 25 يناير تحمل اسم ” Tank Girl” (فتاة الدبابة). والكتيب التعريفي المصاحب للمعرض سيخبرنا “ينطلق صوت الفنانة من خلال عملها الفني الذي حرصت علي تسميته “فتاة الدبابة” معتمدة علي إعادة التركيب في الأنماط والأنساق. تحاكي في هذه الإعادة توليفة من تحولات القوة. تجلس فيها المرأة مسيطرة علي واحدة من أشرس آلات الحرب: الدبابة كرمز في إشارة منها إلي قدرة المرأة علي فرض قوتها وانتصارها في معركة إثبات الوجود”. سيختتم الكتيب بفقرة بيانية: “تأمل الفنانة من خلال تعاملها مع هذه الرموز المعقدة إيجاد دور أكثر فاعلية للمرأة المعاصرة في المشهد السياسي والاجتماعي. فتاة الدبابة تمثل هنا كل امرأة مصرية”. وفي لوحات من الأكريليك تواجهنا فتاة الدبابة بتكونات أنثوية الطابع في أوضاع استعراضية وقد تطبعت فوق أجسادهن والمساحات التي تملأ الفراغ جرزان أحياناً أو كلمات بالانجليزية شكلت بالواقيات الذكرية. محمد طلعت مدير جاليري مصر سيعلق أن تلك القيم الاجتماعية تغيرت الآن. بالعكس الجمهور الجديد المقبل علي شراء الفن ينجذب أكثر إلي الأعمال الأكثر معاصرة والتي تستخدم وسائط متعددة وليس لديه مشكلة مع اللوحات والأعمال التي تحتوي علي عري أو حتي تتخذ من الجسد أو الإيروتيكيا موضوعاً لها كما في مجموعة “إيروس” لدسوقي فهمي والتي عرض جزء منها في جاليري مصر أيضاً.


‎مغامرون جدد

 

حتي منتصف التسعينات لم تكن هناك قوانين واضحة لسوق الفن يتم علي أساسها تحديد الأسعار والتأكد من صحة الأعمال، لكن كان هناك كود أخلاقي لا توجد جهة تراقبه. الفنانون هم من يضعون أسعار أعمالهم الفنية والجاليرهات تعرض وتتقاضي نسبة مقابل الأعمال المبيعة. بعض الفنانين في الثمانينيات كان ينظرون بريبة إلي الجاليرهات ويطلبون من الجاليري شراء أعمالهم. سواء ما يمكن أن يحدث من انتهاك لهذا الكود الاخلاقي أن يعرض فنان لوحة له في جاليري ويبيع لوحة من ذات المجموعة بسعر أقل من المعروض في الجاليري.

‎بخلاف الأكواد والقيم الأخلاقية لا توجد منظومة قانونية في مصر خاصة بسوق الفن، وعلي سبيل المثال ففي 2005 حينما ظهرت قضية جاليري عايدة أيوب والتي كانت تبيع لوحات مزورة لزبائنها بصفتها أعمالا أصلية لرواد الحركة الفنية تعاملت معها المحاكم المصرية كقضية نصب واحتيال، فلا توجد مواد في القانون المصري تعاقب علي عمليات تزوير اللوحات الفنية.

قضية عايدة أيوب ذاتها تكشف جانبا من الخلل المحيط بسوق الفن في مصر، فقد بدأت في العمل في سوق الفن بداية من التسعينات وباعت لزبائنها عشرات اللوحات التي كان يقوم بتزويرها الفنان الراحل يسري حسن وكونت عايدة شبكة من العلاقات الثقافية الواسعة منحت بسببا لقب “راعية الفن” من قبل وزير الثقافة وهو لقب شرفي تمنحه الوزارة وتم سحبه منها بعد إدانتها في القضية 2238 3 لسنه 2006. ولم يتم اكتشاف أمر التزوير إلا حينما حاولت مي زيد إحدي زبائن عايدة التأمين علي بعض اللوحات التي اشترتها منها فاكتشفت بالمصادفة أن كل ما اشترته منها مزور.

‎الحراك الذي شهده سوق الفن المصري كان منبعه تدافع النخبة البرجوازية الجديدة إلي اقتناء الأعمال الفنية، بعضهم تشجع تعلي دخول السوق بذات المنطق التجاري المعتمد علي الكسب السريع، لكن البعض كان ينسحب كغادة شهبندر التي توقفت عن العمل في مجال سوق الفن في منتصف التسعينات والسبب كما تقول كان نوعية الزبائن التي بدأت تهتم بالفن. في أحد المعارض التي كانت تنظمها تحكي غادة أنها كانت تقف مع الفنانة صاحبة المعرض حينما سمعت زبونة تقول أنها ترغب في شراء اللوحة لأن ألوانها تتماشي مع لون الصالون عندها، شعرت الفنانة بالاهانة ورجت غادة ألا تبيع اللوحة لتلك الزبونة.

‎أصحاب الجاليرهات الخاصة حتي ذلك الوقت معظمهم كانوا من السيدات، ودخلن السوق بدافع الاهتمام بالفن أولاً ولتحقيق الربح المادي ثانياً. فإلي جانب غادة كان هناك شيرويت الشافعي صاحبة جاليري “سفر خان” والتي بدأت نشاطها ببرنامج في التلفزيون المصري كانت تقدمه في الستينات، ثم افتتحت جاليري سفر خان حيث تحولت إلي العمل في سوق الفن بعد توقف نشاطها الإعلامي في التلفزيون.
‎بينما لا يزال جاليري سفر خان مستمرا في العمل حتي الآن، فغادة شهبندر لم تستطع الاستمرار في السوق لأكثر من عشر سنوات لأنها سئمت من التعامل مع الزبائن وطريقة تعاملهم مع الفن والفنانين وبعد عشر سنوات ستؤسس غادة لحركة شايفنكم لكشف الفساد وعمليات التزوير الانتخابية التي كان يقوم بها نظام مبارك وستصبح غادة من أبرز الأسماء الناشطة سياسياً خصوصاً بعد ثورة 25 يناير.

انسحبت غادة من السوق بينما كان هناك مغامرون جدد يدخلون. كريم فرانسيس كان وقتها في بداية التسعينات في رحلة بحث عن الذات تنقل في عمله بين مجال الاستيراد والتصدير ثم السياحة وأخيراً بدأ يهتم بالفن. خصص كريم ثلاث سنوات يقرأ فيها عن الفن ويتعرف علي الفنانين والممارسات الفنية المختلفة. ثم قرر كريم فرانسيس خوض المغامرة وافتتاح الجاليري الخاص به.

‎في شقة يملكها بشارع الشريفين في منطقة وسط البلد أقام كريم فرانسيس عام 1995 معرضه الأول والذي اتخذ من الهوية عنوانا له. كان معرضا جماعيا لعدد من الفنانين منهم محمد عبلة اتسع ليشمل أعمالا أدبية حيث عرضت خلالها مخطوطات للروائي صنع الله إبراهيم.

‎بينما نجلس وسط منحوتات صبحي جرجس يتذكر كريم فرانسيس البدايات قائلاً: “حينما بدأت العمل في سوق الفن، كان معظم المشترين يقبلون علي أعمال الرواد القدامي، المسألة بسيطة كل مشتر يشعر بتماس مع الفنانين الذين ينتمون لجيله، لكن بدافع شغفي الخاص أردت تقديم أسماء جديدة وأفكار جديدة في الفن لم تكن معروضة بعد في السوق، أقمت سلسلة معارض جماعية بعنوان المواهب الجديدة سعينا إلي تقديم أسماء تعرض لأول مرة وتجارب وأنواع فنية خارج حتي نطاق لوحة الحامل بل تمتد لتشمل الأعمال المركبة والفيديو آرت “.


‎فرحة البيع

 

‎تغيرت السياسية المصرية لتصبح أكثر انفتاحاً وسعياً للاندماج في السوق العالمي الجديد في التسعينات، ووقعت مصر علي الكثير من اتفاقيات الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي وشملت هذه الاتفاقيات بنودا واضحة علي التعاون الثقافي. بدأت عدد من المؤسسات الثقافية الأجنبية العمل في مصر حيث نظر لها في البداية بالكثير من التشكك، وقاطعها نقاد الفن علي الساحة أبرزهم أسامة عفيفي الذي اعتبر ممارسات المؤسسات الثقافية والفنية الأجنبية دخيلة علي مسيرة الحركة المصرية وتأتي في إطار خطة لزعزعة الهوية الوطنية المصرية. ومن فورد حتي جاليري التاون هاوس ستتعرض المؤسسات الفنية التي لعبت دوراً هاماً في دعم الممارسات الفنية المعاصرة لهجمات من التخوين والتشكيك وصلت إلي حد وصف الناقد الفني صبحي الشاروني دور هذه المؤسسات بالخبيث في كتابه ” موسوعة الفنون الجميلة المصرية.. في القرن العشرين”.

‎تعمل المؤسسات الفنية بقواعد إقتصادية مختلفة فنظراً لأنها مؤسسات غير ربحية فلا يمكنها بيع الأعمال الفنية، وهذا النمط الذي لا يعتمد علي بيع الفن بل استخدامه ضمن إطار خطط التنمية سمح بانتعاش الممارسات الفنية المعاصرة ومنح الفنانين الشباب مساحات للتوسع والتجريب في الأعمال المركبة والفيديو آرت وهي الأعمال التي يصعب بيعها للجمهور العادي وأحياناً لا يمكن بيعها. هي أيضاً ذات الممارسات التي لم تلق ترحيبا من المؤسسات الفنية الحكومية وتعرض جيل التسعينات من الفنانين للتهميش والنبذ من قبل المؤسسات الرسمية التي تمسكت بعرض وتقديم الفن الذي يمثل الهوية المصرية من وجهة نظرها.
‎وسط هذا الصراع والتغييرات الفنية كان كريم فرانسيس يحاول خلق نمط ثالث، أقرب ما يكون إلي نمط عمل “ستيفاني” مدير جاليري مشربية التي رفضت التعامل مع الفن الأكاديمي أو عرض لوحات لفنانين راحلين وفضلت التركيز علي الفن المصري المعاصر. رفض كريم تحويل الجاليري إلي مؤسسة فنية تعتمد علي التمويل وفضل الاستمرار في مغامراته، رفض كريم للتمويل لم يكن بداعي التخوين بل لعدة أسباب آخري يعددها قائلاً:

‎-” أولاً: لست مقتنعا بمسألة تمويل المؤسسات الفنية، أنا شخصياً لو منحتني المال فلن أعمل ولن أجتهد لعرض الأعمال وتسويقها. أيضاً مسألة “البيع” في حد ذاتها مهمة للفنان ولي كصاحب جاليري ليس فقط للربح المادي بل أيضاً لأنها تمنح العمل قيمة معنوية. هناك فرحة حقيقية تتملكني عند النجاح في بيع عمل”.

‎-“ثانيا: يحول نمط العمل في المؤسسات المدعومة الفنان وصاحب الجاليري إلي موظفين يتلقون تمويلا شهريا، أما البيع فيمنحك مساحة حرية أكبر.”

‎-“ثالثا: العمل مع هذه المؤسسات يتطلب الكثير من الأوراق والخطوات الروتينية وملء استمارات طلبات تلقي التمويل التي تحتوي علي أسئلة في رأيي ليس لها أي معني لكنك مضطر للإجابة عليها وتقديم ما تريده المؤسسات الداعمة، أو تغليف ما تريده بأفكارهم ومفاهيمهم التنموية. بينما في الجاليري الخاص كل ما تحتاجه الحصول علي رخصة وسجل تجاري.


‎لكن يقبل كريم تمويل تلك المؤسسات لعمل بعض الفنانين خصوصاً أعمال الفيديو آرت المكلفة والتي لا يمكن بعد ذلك تسليعها وبيعها.

‎كان جاليري كريم فرانسيس من أوائل الأماكن التي فتحت أبوابها لجيل التسعينات من الفنانين الذين أصبحوا الآن نجوما تباع أعمالهم بمئات الآلاف. يتذكر فرانسيس أنه عرض في التسعينات عملا لغادة عامر كان مطروحاً للبيع بخمسة آلاف جنيه ولم يهتم أحد بشرائه الآن نفس العمل تم بيعه ب165 ألف دولار أمريكي.

‎فتح كريم الجاليري لمغامرات جديدة، يضحك متذكراً الدهشة التي كانت تعلو وجه زوار الجاليري حينما يشاهدون عملا مركبا ويقول: “كان البيع قليلاً جداً ولذلك فكرت لماذا إذن لا ننفتح علي تجارب وممارسات جديدة. كان الزوار لا يفهمون ما يحدث وكنت أعرض لهذه التجارب والأعمال في محاولة للفهم والاستيعاب وخلق حوار حول هذه التوجهات الجديدة”.

‎لعب جاليري كريم فرانسيس وجاليري مشربية بالتعاون مع التاون هاوس دوراً حيوياً في طرح بدائل ومسارات جديدة للحراك الفني، وتعاون الثلاث أماكن في سنة 2000 علي إقامة مهرجان “نطاق” الفني الذي أقيم بالتوازي مع بينالي القاهرة. وهو الحدث الذي تصفه نيجار عظيمي في مقال لها: “العلامة الأكثر وضوحا لمشهد الفن المصري الذي اهتز و ما عاد كما عهدناه هي بفعل مهرجان النطاق.”

‎تفصل عظيمي أسباب تميز المهرجان قائلة: ” قدم نطاق عرضا لميول الفنانين من الجيل الجديد الذين يشتغلون بأدوات تعبير تتحدي أفكار المعاصرة السائدة. هُندس للبدء في نفس يوم الإفتتاح لبينالي القاهرة 2001 و بهذا يكون مهرجان النطاق الثاني بالذات قد أدي دوره الإنحرافيا بكل معني الكلمة. بينما أختص بينالي القاهرة بإعتماده علي التقاليد في المفهوم و التنسيق، أثبت مهرجان النطاق إنه غير عادي علي الإطلاق، مُغيرا المفاهيم الراكدة التي تحيط بإستعمال الفضاء و المواد، و إمكانية أن يُجردّ جسم العمل الفني من المادية البحتة. ك ما بعد حداثيينا حقيقيين، كانت الوسيلة المفضلة لفناني النطاق هي العمل الإنشائي المتعدد الوسائط و المواد الذي أنجز بميول مفاهيمية .و منذ ذلك الحين انطلق عدد من فناني النطاق، من بينهم لارا بلدي، أمينة منصور، حسن خان، وائل شوقي، و مني مرزوق، للعرض علي نحو عالمي واسع.”


‎رجال المزادات في مدن الصحراء

‎في حوار معه عبر اسكايب يقول سلطان القاسمي: “حتي التسعينات كان هناك أعمال فنية، لكن لم يكن هناك سوق للفن في مصر، وكان هناك شبه غياب كامل للأعمال الفنية المصرية في الخارج. عدد المقتنين للأعمال الفنية المصرية لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة أبرزهم محمد سعيد الفارسي حاكم مدينة جدة والأمير القطري حسن بن محمد آل ثاني.”

‎مع بداية القرن الجديد كانت المدن الجديدة في الخليج العربي تتحول إلي مدينة عالمية وناطحات السحاب في الدوحة تتسابق نحو الأعلي مع ناطحات السحاب في دبي. يروي كريم فرانسيس أنه منذ بداية الألفية بدأ في تلقي دعوات ونصائح من أصدقاء له بضرورة السفر إلي دبي حيث أن هناك سوقا للفن ينمو بقوة نتيجة للنمو المتسارع لسوق العقارات. تعرف كريم في هذه الفترة علي مهندسة ديكور أوروبية تعمل في دبي، حيث اعتادت التعاون معه لاختيار أعمال فنية تستخدمها في التصميم الداخلي للمشاريع التي تتولاها.
‎بعد عشر سنوات من العمل في سوق الفن كان كريم فرانسيس قد صنع اسماً بارزاً عالمياً ومحلياً، وذات يوم في 2005 وجد وفدا من صالة كريستي للمزادات يزوره ضمن جولة استكشافية للتعرف علي الفن المصري والعربي وسوقه. سحبهم كريم فرانسيس إلي عدد من استديوهات الفنانين منهم عدل السيوي، محمد عبلة، وآدم حنين. كان رجال صالات المزادات يقومون بجولات الاستطلاع الأولي لسوق الفن العربي عبر زيارة عدد من المدن والعواصم الأوروبية تمهيداً لافتتاح أفرع لها في دبي والمنطقة الخليجية. وفي دراسة Taymour Grahne المنشورة عام 2012 عن سوق الفن في الشرق الأوسط والتي تحمل تThe Rise of the Middle Eastern Art Market Since 2006 Å، سينقل عن فيليب هوفمان Philipp Hoffmann المدير التنفيذي لمؤسسة تFine Art Fund قوله أن القيمة الإجمالية لسوق الفن في الشرق الأوسط تبلغ 10 مليارات دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يتضاعف الرقم ثلاث مرات خلال السنوات القادمة.

‎قبل نهاية 2005 افتتحت صالة مزادات كريستي فرعها الأول في الشرق الأوسط تلتها صالة مزادات Sothebyصs وBonhamصs. غيرت صالات المزادات الكثير من وضع الفن العربي يرصد سلطان القاسمي هذه التغيرات قائلاً:

‎”-وظفت هذه الصالات باحثين ومتخصصين في الفن  لدراسة الفن المصري وتقييمه ووضعت تقارير للتحقق من الأرقام المطروحة. أحياناً كنا نسمع عن أعمال بيعت بأرقام خرافية لكن لم يكن لدينا أي طريقة للتحقق من صحة هذه الأرقام، ولذلك فقد عملت الصالات علي التحقق من تلك الأرقام.

‎-قلصت صالات المزادات من التزوير الذي كان يهدد سوق الفن العربي، حيث كانت اللوحات والأعمال المزورة وتمرر وتباع دون التحقق من مدي صحتها وتاريخها.

‎-انتجت الصالات كاتولوجات موثقة للفنانين المصريين فأصبح هناك “كتالوج روزانه يوثق لكل أعمال محمود سعيد ورمسيس يونان وغيرهما من الرواد لتكون مرجعا أساسيا لأعمالهم.”


‎ذهب البرجوازية

حينما سألت الفنان السوري يوسف عبدلكي “لماذا يشتري الناس في دبي وفي الخليج وفي القاهرة الأعمال الفنية بهذه الأسعار؟” كان رده هو الاستعانة بكارل ماركس وواحدة من عباراته حينما قال أن كل ما تلمسه البرجوازية يصير ذهباً. وصالات المزادات تعمل بشكل أساسي لجني المزيد والمزيد من الذهب. وبالتالي فيجب أولاً انشاء قانون لسوق الفن علي أساسه يتم تسعير أعمال الفنان. وفي سوق تتضارب فيه الاقوال والاحكام النقدية يأتي المزاد كأحد الممارسات التي تترك للسوق الحر مهمة تحديد سعر العمل. وعلي هذا الأساس يحصل الفنان علي رقم يتحول كما يقول محمد طلعت مدير جاليري مصر إلي مرجع علي أساسه يبيع الفنان أعماله التالية.

‎السوق يدعم أيضاً بالبرجوازية والأغنياء ومقتني الفن الذين يضعون استثمارات ضخمة في أسماء بعينها ويقتنون أعمالهم بمنطق حفظ الأموال واستثمارها، فاللوحة التي تبلغ عشرة اليوم يمكن أن تصبح بمائة بعد بضعة أعوام. وبالتالي يسعي هؤلاء علي الحفاظ علي السوق وقوانينه وفق أسس واضحة لحركته لكي يحافظوا علي قيمة استثماراتهم، فانهيار السوق أو أي تغيير جذري في قوانين التقييم والتسعير التي تحكمه يعني انخفاض مدخرات مقتني الفن وانهيار استثماراتهم.

لكن طلعت يوضح أن سوق الفن وبورصته الأساسية في مزادات الخليج يحتوي علي مساحات خلفية مفتوحة للتلاعب. يحكي طلعت كيف تقوم بعض الجاليرهات أحياناً بطرح أعمال لفنانين شباب متعاقدين معهم في المزادات ثم يقومون بشرائها مرة آخري من وسيط في المزاد بأسعار مرتفعة. وبالتالي ترتفع أسعار الفنان فيبدأ مقتنو الفنون بالبحث عن أعماله التي يقوم الجاليري بإعادة عرضها وبيعها بعدما يكون سعرها قد ارتفع اضعاف ما كانت عليه.

يشكو طلعت أيضاً من الانحيازات القومية داخل السوق قائلاً: “رجال الأعمال والمليونيرات الإيرانيون معظمهم يقيمون في دبي، لذلك يقبلون علي شراء الأعمال الفنية الإيرانية التي أصبحت تمثل جزءا كبيرا من سوق الفن تشاركه فيه الاعمال العربية، ولا يكتفي الإيرانيون بالشراء فقط بل يدعمون مشاريع فنية لترويج الفن الإيراني في دبي والدول العربية، أيضاً الجاليرهات الشامية في سوريا ولبنان لديها تكتل واضح في مواجهة الفن المصري حتي أن مدير واحد من الجاليرهات السورية أعلن منذ فترة في حديث صحفي بأنه لا يوجد في السوق الآن غير الفنانين السوريين. في المقابل في الجاليرهات في مصر لا تقوم بأي تنسيق فيما بينها.”

‎كريم فرانسيس يختلف مع الرأي السابق حيث يقول أنه شخصيا سبق واقام معارض لفنانين مصريين في لبنان وسوريا، ويضيف كريم “الجاليرهات يمكن ان تتعاون فيما بينها علي مشروع ما، لكن لا يمكن أن نتعاون او ننسق مع بعضنا البعض لأننا ببساطة متنافسون داخل سوق واحد.” أما عمليات التلاعب وطرح فنانين في المزاد من أجل رفع اسعارهم، فيري سلطان القاسمي أن هذا الامر كان يمكن أن يحدث في البدايات لكن الآن من الصعب أن تحدث مثل هذه العمليات لأن السوق ضيق جداً وإذا قام أحد الجالريهات بهذه اللعبة فسوف يكشف فوراً.لأن السوق صغير وكلنا نعرف ما فيه.”


‎الفن الحديث في المتحف

‎تخرج محمد طلعت من كلية الفنون الجميلة عام 1999، وإلي جانب عمله كفنان اهتم طلعت بعملية تنظيم وإدارة المعارض حيث أصبح مديراً لقصر الفنون في الأوبرا عام 2005 حيث عمل مع الفنان محسن شعلان الذي كان وقتها رئيساً لقطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة. يري طلعت أن الفترة التي تولي فيها إدارة قصر الفنون شهدت ما يشبه الانفجار في سوق الفن حيث ظهر نوعية جديدة من مقتني الفنون الشباب، وفتحت أسواق جديدة علي المستوي العربي. بينما كانت أجهزة الدولة لا تزال متأخرة خطوة.
‎شهدت فترة تولي طلعت فتح أبواب الدولة لأسماء من جيل فناني التسعينات، تم استثناؤها لسنوات من العرض في قاعات الدولة كلارا بلدي، بسام الباروني، وائل شوقي، وحسن خان. وقد شهد دخول هذه الأسماء إلي قاعات عرض الدولة صراعاً بينهم وبين التيارات القديمة التي رأت في أعمال هؤلاء الشباب ابتعاداً عن الهوية الوطنية للفن المصري وتجاوزاً لخطوط حمراء وصلت إلي مطالبة عدد من الفنانين ونقاد الفن التشكيلي بالتحقيق مع خالد حافظ ووائل شوقي بتهمة التطبيع واهانة القيم الوطنية.

‎جزء من الاهتمام الحكومي بهؤلاء الفنانين كانت نتيجة للتقدير الذي حظيت به أعمالهم في الخارج، ومحاولة من قطاع الفنون التشكيلية للتنافس مع الجاليرهات المستقلة كالتاون هاوس التي أصبحت مرجعية يستعان بها دولياً لترشيح الفنانين للمشاركة في الفعاليات الغنية الدولية وهو الدور الذي كانت تحتكره أجهزة وزارة الثقافة. لكن رغم الانفتاح ومحاولات التغيير التي حاول محسن شعلان إحداثها في أداء قطاع الفنون التشكيلية كان أداء القطاع محصوراً بسقف الميزانية المنخفض.

‎لكن منذ منتصف 2010 كما يقول طلعت بدأ أداء قطاع الفنون التشكيلية يصاب بالترهل وهو نفسه بدأ يصاب بالإحباط نتيجة رفض الكثير من المشاريع التي كان يقدمها. خبرة طلعت أهلته ليصبح استشاريا لعدد من الشركات العقارية والسياحية حيث كان مسئولا عن اختيار وتكوين المجموعات الفنية لتلك الشركات، وبدأ هو نفسه يستعد لافتتاح جاليري خاص به هو جاليري مصر. وبينما ينسحب القطاع الحكومي المصري من المجال الفني ويقلص أنشطته، تنشط الحكومات الخليجية خصوصاً في الإمارات وقطر في المجال الفني وتتوسع في إنشاء مشاريع المتاحف المختلفة.

‎توضح Laura Damême في ورقتها البحثية “Re-Inventing the Museum in Abu Dhabi and Qatar?” كيف استخدمت الحكومات الخليجية المتاحف لأغراض مختلفة، ففي كلا البلدين تزيد نسبة العمالة والسكان الأجانب عن 90٪. لكن في الإمارات استخدمت الحكومة المتاحف لتقديم هوية عالمية عن البلد لا تشعر المواطنين الأجانب بالاغتراب وتوفر لهم روابط مع الثقافات التي يأتون منها لهذا اختارت أبو ظبي التعاون مع متاحف عالمية لفتح أفرع أو نسخ مصغرة منها كمتحف اللوفر أو المتروبوليان. بينما قطر والتي مرت بتغييرات سياسية واجتماعية جذرية في العقد الأخير تحاول من خلال المتاحف التأكيد علي الخصوصية الثقافية والهوية الإسلامية والعربية للمواطنين القطريين الذين لا يتجاوز عددهم 10٪ من إجمالي السكان. لهذا كان خيار قطر انشاء المتحف الإسلامي، ثم المتحف العربي للفن الحديث.
‎يضيف سلطان القاسمي سبباً آخر للاستثمارات الضخمة التي تضخها الدول الخليجية في سوق الفن، فانشاء المتاحف يحمل رسائل سياسية واضحة تساهم في عكس صورة خارجية عن حكومات تلك الدول كحكومات قادرة علي تلبية احتياجات مواطنيها، وإضافة أبعاد قومية وثقافية لهوية تلك الدول.
‎الاهتمام الخليجي بالفن العربي الحديث بدأ منذ الستينات مع الطلبة العرب الذين عاشوا في مصر للدراسة أو أغراض مختلفة، وكما يوضح سلطان القاسمي فحتي الثمانينيات كان هناك أربع مقتنين للفنون في الخليج العربي، أهمها حاكم جدة محمد سعيد الفارسي صاحب المجموعة الأكبر لأعمال رواد لفن المصري. ومن قطر الشيخ حسن آل ثاني الذي كانت مجموعته الفنية الخاصة النواة الأولي للمتحف العربي للفن الحديث.
‎يتبع كلا البلدين سياسية مختلفة في عملية شراء الأعمال حيث يقول سلطان القاسمي: “في الإمارات الحكومة تشتري وتقتني الأعمال الفنية من خلال هيئة المتاحف، حيث توجد لجنة من المتخصصين تقوم بدراسة اللوحات وتحديد ما يجب شراؤه. هناك لوائح تنظم عملية الشراء فبعض المتاحف لا تشتري الأعمال من المزادات. أما في قطر فقرار الشراء لحظي ويتم اتخاذه بشكل سريع حسب حركة السوق وما هو معروض، كما تشتري قطر من المزادات وأبرز اللوحات التي اشترتها من المزاد كانت لوحة الشادوف لمحمود سعيد التي بيعت بأكثر من 2.4 مليون دولار.

‎الآن يقول سلطان القاسمي أن المتحف المصري لا يزال صاحب المجموعة الفنية الأكبر حيث تبلغ مجموعته 12 ألف قطعة، وفي المركز الثاني يأتي متحف الفن الجزائري ب8 آلاف قطعة، لكن متحف قطر والذي ضم لمقتنياته مؤخراً لوحة الشادوف لمحمود يقترب سريعاً لينافس المتحف الجزائري علي المرتبة الثانية. أما المتحف المصري فيتحرك ضمن ميزانية محدودة جداً تبلغ 2 مليون جنيه سنوياً.


‎ مال العقارات والبترول

‎تتجسد الثروة في الشرق الأوسط في سوقين أساسيين، العقارات والبترول. والمتابع لتاريخ حركة الفن التشكيلي وحراك سوق الفن في الشرق الأوسط يري بوضوح كيف تلعب الأموال المتدفقة من كلا المصدرين دورا أساسيا في تشكيل وتغيير ما نعرفه عن سوق الفن.

‎بدأت علاقة الفن بالعقارات كجزء من عملية الديكور، واحتاج الأمر لمغامرات من أصحاب الجاليرهات الفنية للتمكن من فصل الفن عن الديكور، وتطور وعي المشترين بعد فترة لإدراك القيمة المعنوية والمادية للأعمال الفنية. فأصبح الفن واقتنائه جزءاً من عملية التظاهر الاجتماعي للطبقات البرجوازية. ومع توسع حركة العقارات والتمدد العمراني في المدن الجديدة خارج القاهرة، تزايد الاهتمام باقتناء الأعمال الفنية لدي النخبة الاقتصادية المصرية.

‎برزت علاقة الفن بالعقارات مرة أخري في الدبي لإعادة تسويق المدينة معمارياً وجمالياً كسوق مفتوح للفن والأعمال الفنية. وفي العقد الأخير يلعب الفن دوراً محورياً في صياغة الصورة الخارجية للدول الخليجية تحديداً قطر والإمارات، حيث يتنافس الاثنان علي اقتناء المجموعات الفنية في سباق لتأسيس متاحف حديثة تعكس صورة تقدمية عن تلك الدول وتحول الفن إلي أصول مادية لاستثمار وحفظ المال.
‎لكن رغم الانتعاشة التي أحدثها الاهتمام الخليجي في سوق الفن، فالصالات لا تهتم كثيراً بالفنانين المعاصرين، والوصول إليها صعب. كما تخضع عمليات البيع والتقييم للأعمال الفنية لشروط واعتبارات تتعلق بالثقافات المحلية في تلك الدول أهمها ابتعاد الفن عن الموضوعات الجنسية والدينية والخطوط الحمراء السياسية.

‎في مصر أيضاً يشهد السوق انتعاشة نسبية، تتعلق بظهور مقتنين شباب للفنون ليس لديهم المحاذير القديمة، ومقبلين أكثر علي شراء الأعمال المعاصرة التي تحمل قدرا من روح اللحظة الحالية.

مصطفى فولي: الانمساخ #قصيدة

 

1-
كل ما أمر بالقرب من منزلها
يتحرك ويصطف بجانبي
ليحتج معي
 
۲-
 
حضر الصيف
وهجمت الرمال والغابات الملتهبة
على المدينة
لتشعل روحها الباردة
 
۳-
 
احتسينا الشاي الانجليزي وتبادلنا القبلات
 عادت إلى المنزل
لم أسمع منها مجددًا
هاتفني هاتفها نيابة عنها
يخبرني انها عادت
لحبيبها الذي هجرها منذ شهر
 
٤ –
 
تحدثنا آخر الليل عن الكٌتب
كانت مثقفة
كي اضاجعها
حدثتها عن غريغور سامسا
في صباح اليوم التالي
وبعد أحلام مزعجة
استيقظت على صفعات من سامسا
اعتراضًا على الزج باسمه في هذه التمثيلية

الفنان الكبير سيد رجب يقرأ قصة لغز المهرجان المشطور

في 2016 أثناء سجنى، وبمبادرة كريمة من مهرجان “دى-كاف” لفنون وسط البلد. نظم المهرجان هذه القراءة البديعة للفنان سيد رجب حيث قرأ قصة “لغز المهرجان المشطور” كاملة. قراءة ولا أروع من فنان كبير ومفضل أضافت للنص وأثرته. شكرا أستاذنا وشكرا دى-كاف

 

أين أحرازى

 

39467530_10156618840462640_7882500529991974912_n
ختم مكتبة سجن عنبر الزراعة بطرة، يتم ختم كل الكتب في مكتبة السجن بذلك الختم، كذلك يتم استخدامه لختم بطاقات إستعارة الكتب

 

فاز مشروع “حرز مكمكم” بمنحة جائزة آفاق للكتابة الإبداعية والنقدية، كما حصل ذات المشروع على منحة آخري من مركز الأندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف.

حرز مكمكم، هو عنوان الكتاب الجديد الذي أعمل عليها، حيث أقدم لأول مرة شهادتى الكاملة عن تفاصيل قضية رواية استخدام الحياة، وما حدث من أمر القاضي البليغ ووكيل النيابة الفصيح. ثم ما كان من تفصيل في أمر الحبوس، وكيف تمر الأيام على المسجون. والأهم ثم المهم من موضوع الكتاب هو القراءة والكتابة داخل السجن بداية من وضع المكتبات العامة في السجون والتى أحياناً ما يسمح للمسجون بزيارتها، وحتى كيفية إدخال الكتب وتهريبها داخل السجن، ثم كيف يعود الكاتب إلي الكتابة بالورقة والقلم واختلاف النص المكتوب بالجهد العضلي عن النص المكتوب بواسطة الدعم التقنى للحاسب الآلي، وأخيراً ما الذي يفعله المسجون حينما يحدث التفتيش المفاجئ، وأين يمكن أن تخفي كتاباتك ونصوصك عن طريق برمه في رفعها في طيز دولاب ما أو طيزك إن أستطعت لذلك سبيلا

IMG_20180910_105735
صورة فوتوغرافية لبطاقة استعارة رواية التاجر والنقاش لمحمد البساطى، من مكتبة سجن عنبر الزراعة بطرة

 

 

هدية الماما

   في سن الرابعة رأيتُ بابا وماما يمارسان الجنس للمرة الأولى. ووقعتُ في حب الاثنين. أدركتُ بالحب كل شيء عن الحياة، الخلق، الهيجان، المتعة، الشبق، لبن الدكر، شهوة الست.

    بالمواظبةِ على التلصصِ، عرفتُ أيضًا عن دم الدورة الشهرية. شاهدتُ أبي واقفًا على الأرض، وأمى على السرير فاشخة ساقيها، مرفوعين في الهواء كسارية سفينة تنزل الأطلسي.

    أبي بظهره الخالي من الشعر ومؤخرته الصغيرة، يتحرك للأمام والخلف، ويده تصفع لحم فخذيها، حتى حانت لحظة أمسكت يد بابا بلحم ماما، ثم خرج من البابا خوار كأنه “آه” يشقها من صدره. أخرج زبه من كُسها، وبينما يستدير نحو الكومودينو ليتناول فوطة يمسح بها زبه، رأيت على أيره آثار دم دورة الماما الشهرية. فتمنيتُ في التو واللحظة أن أصبح امرأة  أقذف الدم والبول من كُسي.

   لم أسأم التلصص على والداي، ولم يبد أن الاثنين يهتمان بمُداراة حبهما ووسائل تعبيرهما عنه. أحبُ ماما وسأظل دائمًا أتمنى لو ورثت عنها بشرتها البيضاء. كنتُ ثمرة قصة حبهما الكلاسيكية. الطالب المصري، الذي سافر للدراسة في ألمانيا الشرقية، ثم عاد بالزوجة الألمانية لحي روض الفرج ليبدأ رحلة صعود طبقي بدعم وحب عائلته. ولتنشئة أطفاله بشكل صحي وحبوب فقد رأى أن وجود الحب وبروزه في العائلة مهمٌ للأطفال، وأبدًا لم يكن الاثنان يخفيان مشاعرهما.

    في سن الخامسة ولدتْ أمي أخي، حينما رأيته بجوارها في الفراش شعرتُ بحب  جارف تجاهه، لا كأخي فقط، بل كأنه ابني. شعرتُ أنه متميز منذ اللحظة الأولى، وتخيلته ابنًا لدم أمي ومَنِيّ أبي، وثمرة ليلة لمحت فيها تحت الضوء الدم يلطخ زب أبي.

    في سن السادسة كانت لدي صورة واضحة عن دورة الحياة وتفاصيلها، ووقعتُ في الحب للمرة الأولى مع أحمد، عمره ضعف عمري. على باب بنايتنا في روض الفرج كنت أنتظره وفي يدي باقة ورود، وحينما لا يعبرني ولا يلتفت، أجري خلفه وأمنحه الورود. يأخذها مني ويبتسم: “شكرا يا أمورة”. ابن الوسخة عاملني كطفلة، وكنتُ أعرف كل شيء وقتها عن عالم الكبار، فصادقتُ أخته، التي كانت في مثل سني. بين غرفتي وغرفتها، بين بيتنا وبيتها، دارت معظم ألعابنا.

    دخلتْ ماما علينا الغرفة وفي يدها جزرتين، منحتني واحدة والأخرى لها. شكرتْ أمي وهي تقضم جزرتها، بينما أمسكتُ جزرتي في يدي اليمنى، ووضعت ابهام يدي اليسرى فوق طرف الجزرة المدبب. تخيلتها قمة هرم. تخيلتها زب بابا. استعدت بحصيلتي اللغوية أسماء كل الأشكال ذات الرأس المدببة، والمستدقة والرأسية. وغبت في غفوة خارج اللحظة.

    خرجت أمي من الغرفة فنظرتُ للصديقة الصغيرة  مبتسمة، رفعتُ طرف تنورتها، وانقلبتْ هي تلقائيًا على بطنها. أتذكر بعض الألعاب، التي طالما لعبناها معًا، والبعض الآخر يحضر لذهني مشوشًا، لكن أتذكر أنها كانت مستمتعة جدًا وكثيرًا ما تغمض عينيها وتعضها على شفتيها أو أي ما يقع في متناول فمها. وسعت بيدي بين أردافها فبان صرم طيزها الوردي، وضعتُ عليه طرف جزرتي المدبب، أخذتُ أبرمه، بينما هي تعض على جزرتها، دفعتُ طرف الجزرة أكثر، وتمنيتُ لو نصل هذه المرة إلى نقطة أعمق، لكن فجأة انفتح باب الغرفة. دخلت أمي تحمل كوبين من العصير، شهقتُ ووقفتُ لثوان متجمدة أمام المشهد. فزعتْ أرنبتي البيضاء من تحت يدي واعتدلت وقد تراجعت لآخر ركن في الغرفة، فسقطت جزرتي من أسفل تنورتها، بينما جزرتها لا تزال في فمها.

    خرجتْ من أمي صرخة واحدة، اتبعتها بأن هرولت خارج الغرفة وغابتْ لثواني. استفاقت الأرنبة  وعدلت ملابسها، ثم انتقلت تهرول نحو منزلها. عادت أمي وهي تمسك بخرطوم بلاستيكي انتزعته من الغسالة، وتتلفظ بفيض من الكلمات الألمانية، ثم هَوّت أول جلدة من الخرطوم على كتفي. كانت هذه المرة الأولى والأخيرة، التي ضربتني فيها بهذه القسوة غير المبررة، وأكاد أجزم أن بسببها ظلت تدللني طوال حياتي معها، وكأنها تكفر عن خطيئتها غير متحضرة.

***

     في سن الرابعة والعشرين كنتُ في حفلة رأس السنة، حينما هجمت عليّ أحدهن، تقريبًا زنقتني في الحيطة وهي تقبل شفتي، وحينما وجدتني مستسلمة أخذتْ تلوكها، بينما يدها تهرس جسدي، أبعدتُ السيدة لا لشيء أكثر من أن رائحة فمها بدت لي مزعجة، ثم ظهر أحمد –غير الذي كان أخًا للأرنبة البيضاء – وقد انتبه لما يحدث، تقدم مني وأبعد السيدة. أخبرته أنني بخير، وأريد كأس جين تونك آخر.

    في الطريق إلي المنزل تذكرتُ للمرة الأولى كل ألعابي مع أرنبتي البيضاء، واستعدتُ المرة الوحيدة، التي انهالت فيها أمي علي جسدي بالخرطوم والضرب حتى أغمى عليّ وأنا صغيرة.

     بدا واضحًا أن ما حدث وما فعلته أمي سبب لي نوعًا من الإعتام الكلي في جزء من الذاكرة. اختفت الأرنبة والجزرة وضرب أمي. وطوال سنوات مراهقتي وشبابي، فكل ما أذكره عن الطفولة هو ابتسامة أبي، وكيف كان يجلب لنا مجلات الموضة الألمانية والأوروبية، ويدعني أنا وأخي نختار الملابس التي تعجبنا صورها، ثم يخرج شريط القياس، ويقيس طولي، محيط الصدر، محيط الوسط، محيط الأرداف، طول وعرض الأكتاف، يكتب ذلك في استمارة صغيرة مُرفقة مع المجلة، ويرسلها مع أرقام الموديلات، التي اخترناها  بالبريد ليصل الطرد وفيه ملابسنا بعد أسابيع.

   “أشيك الملابس وأحلاها كان أبي يختارها لنا، وكانت دائمًا ملابسنا من ألمانيا أو أوروبا“، نطقتُ الجملة بصوت مخدر، وأنا مع أحمد في السيارة، ثم انفجرتُ في نحيب وبكاء متواصل. شعرتُ بحنين جارف لماما، التي لا أعرف عنها شيئًا منذ سن الثامنة عشر.

    مارسنا الجنس نصف سكرانيَن، ثم نام أحمد سريعًا، بينما شعرتُ بحرقان في كُسي. دخلتُ إلي الحمام لأتبول بعد السكس حتى أحافظ على كُسي خالياً من البكتريا والميكروبات. غسلتُ كُسي بالماء وجففته بالمناديل، ثم لفت نظري فرشاة تنظيف المبولة، واقفة ورأسها مغروزًا في قاعدة بلاستيكية خضراء بينما الفرشاة بيضاء ولها يد ذات لون أخضر.

     أمسكتُ الفرشة وأخذتُ أداعب باليد البلاستيكية كُسي، شعرتُ بتهيجي يضرب جسمي كله ويسيطر على رأسي كسحابة سائلة، وبينما أدَعَك كُسي بمقبض الفرشاة استعدتُ ذلك التهيج والشبق والشهوة، التي لم تتحقق أبدًا لطفلة صغيرة قلبها مكسور بسبب أحمد، فتدفعها الغيرة لاكتشاف مذاق صديقتها ومعرفة لون صرم طيزها.

     في اليوم التالي استيقظتُ وفي قلبي شوق جارف لأمي. حادثتُ أخي تلفونيًا وطلبتُ منه أن نتحدث عبر سكايب، سألته عن أخبار خالتي، أخت أمي، فقال إنه لم يحادثها من أسابيع، لكنها أخبرته أنها قد تزوره في هامبورج بعد إجازة الكريسماس.

    “مفيش أخبار عن ماما؟” سألتُه بشكل مباشر.

   -أنت عارفة، أنا بطلت أدور عليها من زمان وأحاول التركيز بس في دراستي وتخليص الماجستير.

***

     في عيد ميلادي الرابع والثلاثين، تصالحتُ كليًا مع توصيف حالتي الشبقية. رسوخ طمأنينة الصداقة، خفوت نار الغرام والحب، وسعار الشبق الدائم.

    استيقظتُ من النوم، فوجدتُ أن أحمد  – وهو أحمد ثالث غير الخمسة أحمد الذين عرفتهم قبل ذلك – قد ربط ساقي ويدي في الفراش، فتحت عيني وبحثتُ في الغرفة فلم أجده، ندهت بصوت بين النوم والاستثارة:

-أحمد؟

     أتى من المطبخ حاملًا منضدة صغيرة ذات لون أخضر، عليها طبق عسل، لبنة بزيت الزيتون، قطع توت بري، وبرتقالة عارية بغير قشرة مُقسمة لنصفين، كل نصف يشكل شبحًا لكُس مُغلق في انتظار تمدد عضلاته. وضع أحمد قوائم المنضدة الأربع على الفراش، وعَدَّل من جلستي واضعًا الوسادة خلف ظهري. كعادته لم يقل حتي صباح الخير، صامتًا لا ينطق حتى بالعبارات الإنشائية من نوع السلام، أو وحشتني، أو إزيك، أو كويسة.

    لهذا تقبلتُ أن يأتي لزيارتي وينام معي لليال طويلة، كان يكره الكلام ويفضل عنه الرقص والموسيقي والجنس. أمسك أحمد نصف البرتقالة بيده، نزع منها الفص الأول وناوله لي في فمي، قطعة قطعة، أخذ يقدمها لي حتى انتهي الفص. غمس إصبعه بالعسل، ثم رفعه ولامس به شفتي، فتحتُ فمي كسمكة فتحة صغيرة تسمح له بإدخال إصبعه فقط، فأدخله لآخره، ومصصتُ إصبعه المُغمس في العسل.

    سحب الإصبع من فمي، وسار به على صدري وبطني حتى سرتي واصلًا لشعر عانتي، لمعت عيونه الزرقاء. أمسك نصف البرتقالة، لامس به شفتي، ثم رفعها في قبضته اليسرى. وبفارق زمني لا يتجاوز الثلاث ثوان حدثت ثلاثة أشياء متتالية، عصَرَ أحمد نصف البرتقالة فسال عصيرها على وجهي وشفتي ورقبتي، غرز إصبعيه عميقًا داخل كُسي، ثم رن جرس الموبايل. لم نلتفت نحن الاثنين إلى رنين الهاتف، سال عصير نصف البرتقالة على أكتافي وصدري ووجهي، وأحمد يحرك أصابعه أسرع فأسرع، ورنين الهاتف أشبه بأمواج تتوالى في اندفاع على صخرة بحرية. أغمضتُ عيني وأنا أشعر بالنشوة تتجمع من أطرافي نحو عقلي، حينما أغمضتُ عيني رأيتُ أشكالا تشبه القراميط وثعابين البحر تلمع وتبرق بألوان متعددة، ورنين الهاتف يدخل أذني، فيتحول لذبذبات تدفع ثعابين البحر الكهربائية في الأوردة، فتسبح أسرع فأسرع، حتى تصل إلى مخي، وتلتهم أعصابي.

    للحظة يتجلى في ظلام عيوني المغلقة صورة وجه أبي، ثم تضرب الرجفة كل جسمي.

     التقطت أنفاسي وأنا أفتح عيوني، أحمد ينظر مستغربًا وعلى غير العادة يُخرج تعليقًا لا داعي له: “بسرعة كدا”، يسحب إصبعيه من كُسي، يمدهما باتجاه فمي لكي أمصهما، لكنني أهز رأسي: “اديني تليفوني الأول”.

   ما أن مَدّ يده لالتقاط التليفون حتى توقف عن الرنين، قربه من عيني فرأيت اسم “بابا”. فك يدي اليمنى،  فأعدتُ الاتصال ببابا، وقبل “ألو” قال:

– مريم وحشتيني..

– ألو..

– أنا بابا يا روحي.

– أه ما انا عارفة، أنت جيت امتى يا بابا؟

– أنا في اسكندرية وراجع تاني، المركب هتتحرك كمان أسبوع.

– طيب مش هتيجي القاهرة اشوفك؟

– أنا بكلمك علشان كدا، أنا عايزك تيجي لي يا مريم، أنا لسه مخلصتش شغل هنا، وعندي حاجات في المحطة، مش هقدر أسيب إسكندرية وأنتِ لازم تيجي علشان تشوفي اللي لقيته.

– لقيت ايه؟

– ما أنتِ اللي لازم تيجي تشوفي وتقولي ليا..

– مالك يا بابا غريب؟

– يا روحي خيط لقيته، بس أنتِ اللي هتعرفي تحددي إذا كان الخيط يخص مامتك ولا لأ.

– ايه يا بابا اللي بتقوله دا؟

– بقول لك ايه، انتِ مش إجازة، بتعملي إيه عندك؟ تعالي ليا اسكندرية افسحك.

– طيب انت فين؟

– أنا في بيت إقامة المهندسين جنب المحطة.

– طيب والشيف علاء عندك ولا مين اللي ماسك المطبخ؟

– هاهاه والله يا روحي لسه ما أكلت ولا أعرف، تعالي انتِ بس وأنا اجيب لك الشيف علاء وأبو علاء.

– طيب أنا هخلص حاجات هنا واجي لك الصبح بدري.

– مريم.

– أيوه يا بابا.

– متتأخريش يا روحي.

***

    لم يتواجد الشيف علاء ولا أبو علاء. عرفتُ هذا وأنا أعبر البوابة الأمنية لمبنى المحطة. تذكرني حارس الأمن العجوز، وأكد بابتسامة أن الباشمهندس ينتظرني منذ الأمس، سألته وأنا أناوله رخصة السيارة من النافذة: “الشيف علاء موجود“.

ما أن فتح لي الباب حتى واجهته:

–        بتضحك عليا يا حمادة، بتستدرجني وفي النهاية يطلع مفيش لا شيف ولا علاء.

احتضنني وهو يداعب شعري، ثم قال:

–        أنا محضر لك مفاجأة أجمل من الشيف علاء.

مشى باتجاه المطبخ، ومن الثلاجة أخرج علبة بلاستيكية مغلقة بإحكام وقال:

–        أنا محضر لك “الزاور براتن”.

    في قلبي انفجرت ماسورة ذكريات، وشعرتُ بنار هادئة تشتعل في معدتي. فتح أبي العلبة فبانت داخلها قطع اللحم غارقة في الصوص المتجلط حولها بعد ثلاثة أيام في الثلاجة على الأقل.

   الماما كانت تعد “الزاور براتن” في المناسبات الخاصة، وقبلها أحيانًا بما يشبه الأسبوع. حينما كبرتُ بعض الشيء كانت تمنحني مهامًا محددة ودقيقة للمساعدة في الإعداد. في سن الثامنة عشر كانت تطلب مني المرور بالجزار بعد الجامعة واختيار قطع اللحم من الضلع العلوي تحديدًا. وهكذا كنتُ أقود السيارة إلي آخر شارع فيصل، حيث الجزار الذي تتعامل معه أمي، وهو جزار ومربي مواشي في الوقت ذاته. لا تتعامل مع غيره، لأنها تثق في طريقة تربيته للمواشي وذبحها. يمنحني الكيس فيه اللحم ملفوفًا، أقود السيارة إلى شارع جانبي، ثم أنزل منها إلي الزريبة فيأتي أحمد مساعد الجزار يزنقني خلف الباب، وينيك بلا قبلات، ولا كلام، وفي الغالب في دقائق معدودة يقذف، بينما استنشق أنا رائحة الزريبة وأفتح عيني متذكرة كل التفاصيل.

     أعود إلى المنزل أعطي اللحم لماما، ثم أهرول إلي غرفتي للاستمناء. أظل إصَبَعَ في نفسي أحيانًا طوال اليوم. بينما تقشر الماما البصل والجزر وتقطعهما إلي قطع صغيرة في وعاء، يضاف إليه الماء والخل والملح والفلفل والقرنفل وورق الغار. الجميع في وعاء واحد يصطلي على النار حتى يغلي المزيج، ثم يترك ليبرد فتتبدد الرائحة وتنتشر في المنزل كله. تزورني في غرفتي وأنا عارية أشمّ في البنطلون الجينز المعبق برائحة روث البهائم. الماما تغرق اللحم في المرق البارد، تضعه في وعاء محكم، ثم تتركه مغطى في الثلاجة لمدة ثلاثة أيام.

    كان البابا قد أكمل المرحلة الأولى، والآن يستعد للمرحلة الثانية. الماما عند هذه المرحلة وبينما تطلعني على سر الطبخة العائلية تقدم موجز تاريخي لـ “الزاور براتن”. الأكلة الألمانية، والتي تشتهر بها كولونيا، حيث عبر القيصر بالمدينة منذ 2000 عامًا، ولسبب ما فقد غضب من استقبال سكان المدينة، فأمر جنوده برفع الخيام والتحرك بأسرع ما يكون فذهبوا، وقد تركوا اللحم في المرق باردًا، مثلما أخرجه بابا من العلبة.

    أمسك بابا موبايله وضغط زرًا، ففتح شاشة التلفزيون 48 بوصة. أخرج اللحم ووضعه في طبق وحده، وبينما يضاف إليها الملح والفلفل والبهارات قال بابا:

–        أنا كنت بزور صديق قديم، ولقيت عنده نسخة إلكترونية من فيلم أقدم، دا تقريبا كان بعد ست أو سبع شهور من معرفتي بماما.

من الثلاجة أخرج مربع زبدة صغير وضعه في المقلاة، يذوب على نار هادئة. وهو يكمل حديثه:

–        وقتها كنت أنا وماما بنشتغل مع واحد اسمه “فيدار فريتل”، وفي جامعة أوسلو عملنا التجربة دي للمرة الأولى.

     تناول قطعة اللحم بالشوكة ورماها في الطاسة مع الزبدة. وعلى الشاشة ظهر لثوان وجه الماما. كان شعرها ذا لون أصفر زاهٍ، لم أرثه منها، بينما عيونها خضراء تلمع كعيوني. وضعتْ حبات أرز بين لوحيَن زجاجيَن شفافيَن، وقفتْ ماما بجوارها علبة تحتوي على حبات أرز ملونة، وبدأتْ في إلقائها من أعلي فوق كومة الأرز، حبة تليها حبة. أبطأ بابا حركة الفيديو، تناول قطعة اللحم من المرق ووضعها في الزبدة، ثم اتكأ على حافة المطبخ وهو يقول :

–        لاحظي، الحبة الملونة لا تنزلق مباشرة فوق سطح الكومة، وإنما يمكن أن تختلط ببقية الحبات ثم تظهر في مرحلة أخرى.

    بالتصوير البطيء أخذت الشاشة تعرض سقوط حبة الأرز الملونة، والآثار التي تحدثها في الكومة، ببطء وثبات تختلط الحبات الملونة بالحبوب البيضاء، بعضها ينزلق خارج الكومة. وقفتُ مدهوشة أمام الشاشة والتفاعل البطيء بين حبات الأرز. بدأ بابا في إضافة المرقة إلي اللحم ومعها قطع من الجزر والبصل، ثم غطى المزيج بوعاء نحاسي وخرج من المطبخ.

   جلس بجواري على الأريكة لدقائق، نظرتُ إلى عين بابا فشاهدتُ ماء مالحًا يتجمع في زاوية العين، مددتُ يدي وأغلقتُ الشاشة من الريموت، ثم تمددتُ على الأريكة، وضعتُ رأسي في حجر بابا، فتحتُ أزرار بنطلوني، وخلعته، تكومت في وضع جنيني في حجر البابا بينما رائحة الطعام تعبئ المكان.

***

    حلمتُ بأنني كنتُ في حمام السباحة بالنادي، بينما الماما تجلس تحت مظلة تقرأ في مجلة “أصل الحياة“. كنتُ كمن تتعلم السباحة، كأنني طفلة أخذتُ أصيح على ماما حتى تشاهدني وأنا أعوم. قامتْ الماما وأتت نحوي وقد بدأتُ أشعر برعب ممزوج بإثارة لا أعرف مصدرها، فتحتْ ماما المجلة فبانت داخلها مجلة أخرى، رمتْ المجلة في حمام السباحة فنمت في الماء أزبار وأعضاء ذكورية مختونة وغير مختونة، متعددة الأحجام والأطوال. أخذتُ أسبح وسط الأزبار نحو الماما، وحينما وصلتُ لحافة المسبح تغير المشهد. حيث كنتُ مع أحمد وقد وضع شمعة في طيزي وأشعلها، وبينما الشمعة تذوب ببطء، فيسقط الشمع سائلًا على لحمي يحرقه، كان زب حمادة يدخل ويخرج ببطء من كُسي، أغمض عيني ويطوف في ذهني بيت شعر لا أعرفه.

    قمتُ من الحلم وتناولتُ الموبايل، وكتبتُ أول ثلاث كلمات تذكرتهم من القصيدة “لو أن مسافرًا..” وبينما أنتظر ظهور نتائج البحث، نظرتُ حولي فلم أعرف أين أنا، كنتُ على أريكة في غرفة لا أعرفها، ليس بها إلا بابًا واحدًا. ارتديت ملابسي الداخلية وقميصي، كما كنتُ في حجر أبي. أرهفتُ السمع، لكن ما من صوت.

    تقدمتُ نحو الباب وفتحته للخارج، كان ثقيلًا ومقبضه بارد. ما أن فتحته، وجدتُ قاعة متسعة يقف فيها بابا أمام وحدة تحكم. ومن أحد جدران الغرفة يدخل أنبوب ضخم يبلغ قطره حوالي المتر، ثم يمر عبر جهاز معدني مربع، ويخرج من الجهة الأخرى مقتحمًا جدارًا ثانيًا في الغرفة.

  كان هذا هو الكابل بالتأكيد وهذه غرفة التحكم.

    يعمل بابا ككبير الخبراء التقنيين في شركة كابلات المتوسط البحرية وهى الشركة المسئولة عن مَدّ وصيانة ومراقبة الكابلات البحرية، التي تستخدم في الاتصالات، الانترنت، الأرواح، تحويل الأموال، الأسرار العسكرية، المشاعر، الأوامر التنفيذية، قرارات البيع والشراء، المحادثات العاطفية، الصور البورنوغرافية، فيديوهات التعذيب، الابتسامات، بيانات إنتاج حقول النقط والبترول، دراسات الماجستير والدكتوراه الأكاديمية، تطبيقات التجسس ومراقبة مستخدمي الانترنت، الإعلانات التجارية، الإعلانات الخيرية، الزيجات، الطلاق، الفانتازيا، الواقع، الرغبات، الأحزان، وصفات الطعام، وصفات الدواء، الثورات المجهضة، تلك الناجحة، ومفارش السرير، التي بللتها دماء الدورة الشهرية، تلك التي لف فيها جسد الشهيد، وأخرى استلقى عليها القاتل متنعمًا بالحياة في انتظار نعيم الآخرة، مكافأة على إنجازاته في سبيل الله والوطن والأمة والشعب.

   الكابل محايد يوصِّل، يعرِّف، ويعلُم. لكن لا يحكم أو يصادر.

   بابا أشار بيده لي أن أتقدم، قال بصوت خافت: “مريم.. صباح الخير”

    بدأت الكابلات مع التليغراف، وتطورت حتى الألياف الضوئية، وببناء البشر لشبكتهم المادية من الكابلات الممددة تحت المحيطات، اكتمال الاتصال المادي. لكن باحثين منذ الستينات اهتموا بالبحث عن شبكات أخرى موجودة بالفعل. ماما كانت تقول إنها مسيحية ثقافيًا، لكنها ملحدة. بابا كان يبتسم ويقول أنه مسلم، والاثنان أبدًا لم يتجادلا معي في الدين، لكن ماما كانت تقول دائمًا إن هناك شبكة اتصالات غير مرئية نتصل جميعًا بها، وإلا كيف تظهر فجأة ذكرى من الماضي؟ ما هي الشبكة التي تحمل تفاعلات وذبذبات الرغبة والحب كيف تخرج من جسم لجسم آخر؟ وكيف تلتفتُ للخلف فجأة، فتلمح الرجل في طرف الحديقة يراقبك؟ كيف ولماذا تعاود حبة الأرز الملونة الظهور مرة أخرى ولا تدفن تحت الكومة البيضاء؟ آمنت ماما بوجود هذه الشبكة، لكن عملها، والذي اختفت يومًا بسببه، هو كيف يمكن أن نربط بين الشبكة الفيزيقية والشبكة الميتافيزيقية؟

    لذات السبب أتت بنا ماما إلي مصر. تركنا ألمانيا والتعليم والصحة والحرية والاشتراكية، وأتت بنا إلى روض الفرج، فموقع مصر محوري بين كل الشبكات، سواء الكابلات الفيزيقية أو حتى الميتافيزيقية، وعدد المهتمين بمجال الاتصالات ومجال اختصاصهما كانوا معدودين في الثمانينات، لذلك فالفرص التي ستأتي لهم ستكون أفضل وأعلى. عملت هي وبابا في كل مشاريع الاتصالات المصرية المهمة، وحينما اختفت أكمّل بابا، حيث أصبحت له وحدة أبحاثه الخاصة بجوار وحدة تحكم الكابل الرئيسي.

– صباح النور يا بابا.

– أنا لقيت الباب يا مريم، الوصلة بين العالمين والشبكتين. والطريق لماما.

قام من مكانه وهو يتجه نحو باب لغرفة جانبية، أكمل حديثه:

– الحل الوحيد علشان أعرف ماما فين، كان إني أدور عليها في الشبكة الميتافزيقية، العواطف والرغبات والذكريات والفضلات الذهنية الأخرى.. لهذا فوصل الشبكتين، لم يعد منذ غياب الماما طموح علمي فقط، بل وسيلتي لاستعادة السعادة.

   عاد وهو يجرّ سرير طبي كذلك الذي يمكن أن تجده لدى طبيب أمراض النساء، وضعه بجوار جهاز تخرج منه وصلات متعددة، وقف بين السرير والجهاز وخاطبني:

–  منذ حوالي الثلاث سنوات حلمتُ بالحل، الذي قادني إلي ما نحن فيه، رأيتُ فيدار فريتل وماما، خلع الاثنان ملابسهما، وقد كانت ماما في ذات الصورة التي قابلتها عليها أول مرة، لمستُ ماما رأس فريتل، فأخذ يتحول إلى معدن تذوب ملامحه حتى أصبح قضيبًا معدنيًا لامعًا، لمسته ماما ثانية، فذاب لسائل تحت قدمي، انحنت ماما وقبضت على السائل الفضي، وحين فتحت يدها أمام عينى كان السائل يتبخر منها. حوّلت بسبب الحلم خط سير العمل، لخلق أكواد وبروتوكولات يمكن بها تحقيق التواصل بين الشبكتين لا البحث عن وصلة أو سلك بينهما، بل بروتوكول يمكنهما من التواصل بلغة مشتركة وللزائر الانتقال بين الشبكتين بسلاسة.

    انحنى بابا على الجهاز وأخذ يعبثْ في الوصلات والسلوك المختلفة، بعضها تم إيصاله بالسرير، ثم عاد ووقف أمام شاشة متصلة بالجهاز. تقدمتُ بخطوات محسوبة كأنني أمشي على رمال ناعمة وساخنة، وصلتُ للسرير وجلستُ على حافته. أرحتُ ظهري، ثم رفعتُ الساقين على الحامل. أشعل بابا شاشة ما، ثم عاد ووقف أمامي بين ساقيّ المَفروديَن المعلقيَن على السرير، وهو يحمل بيده قضيبًا معدنيًا متصلًا بسلك واحد بالجهاز.

    انحنى بابا عليّ ورأيتُ تجمعًا لدموع في عينيه يقاوم انسايبها، قبلني على جبهتي، ووضع القضيب على صدري فالتقطه بيدي، تراجع للخلف وعاد لشاشته. أمسكتُ القضيب المعدني وأنا أشعر بثقله يزداد في يدي رغم ثبات الحجم، ثم بدأ القضيب يهتز اهتزازات بسيطة راجفة، مشيتُ به على معدتي، داعبتُ به شفتي كُسي، فاهتز أكثر ودغدغني بشكل بعث النشوة في كل جسمي، أدخلتُ رأس القضيب في كُسي، وبدا كل شيء هادئًا كاتصال طبيعي بين جسدى وديلدو. بدأتُ استسلم للراحة المنبعثة منها واستعيد شوقي لأحمد حينما قال بابا :

–        فكري في ماما الآن يا مريم.. ماما فقط.

   فجأة شعرتُ بموجة من البرد تسري في القضيب، كدتُ أن أخرجه، لكنه اندفع لوحده إلى داخل كُسي. ميكانيزم الجهاز قراءة كل التغيرات الكيمائية والبيلوجية، ثم معالجتها وتحليلها وربطها بالحالة الشعورية. وتحليل ذلك لخلق أكواد يمكن أن يستوعب منها الجهاز ما هو غير مرئي وما يسري في الشبكة الميتافيزيقية. عاد الدفء ثانية للقضيب، هذه المرة أبعدتُ يدي عنه، فأخذ يتحرك ببطء وهو يهتز داخل كُسي، ثم تقوس ظهري بفعل ملامسته لنقطة لم أتخيل أبدًا وجودها داخل كُسي، نقطة لا تنتمي لتشريح الأعضاء الجنسية ولا العقد العصبية، بل شيء أيقظ الحلم فصرتُ أجري داخل حقل من الجزر، أقبض على العيدان الخضراء وأقتلعها فيخرج الجزر في يدي، وكتل متعددة الأحجام من طين الأرض ملتصقة بالجزرة البرتقالية.

    أغمضتُ عيني هربًا من فيض الصور والأفكار، الذي شعرتُ به يسرع عقلي، كأنني تحت تأثير “الأكستسي”، لكن حتى وعيني مغمضة تحوّل اللون الأسود إلى اللون البرتقالي، ثم سمعتُ صوت الماما لأول مرة منذ سنوات يناديني باسمى بصيغة التدليل، التي أبدًا لم ينادني بها غيرها، قالت: “مريومي.. مريومي”. من وسط اللون البرتقالي، الذي أسبح فيه تبدى كُس عملاق يسبح في الفضاء البرتقالي، حاولتُ الاقتراب منه، لكن بعد لحظات أدركتُ أن الكُس نجم، وأنني كوكب دري، يوقد من شجرة تدور حوله في مدار بيضاوي، في أجزاء من الدورة أقترب منها وفي أجزاء أبتعد.

    معلقة في الفضاء مربوطة بجاذبية الكُس، لا اتجه إلي إيثاكا، بل أدور حولها في تكرار أبدي لدورة الأفلاك الكونية، وأدركتُ حينها ما رأته الماما، وجهتُ نظري خارج المركز، وبدا اللون البرتقالي ساطعًا يغطى بضوئه على كل شيء، ثم اتضحت نجوم صغيرة تسبح في الفضاء البرتقالي. دققتُ فيها فبدا أن النجوم ما هي إلا حبات أرز ملونة، تغيب في سائل المادة البرتقالية، ثم تظهر مرة أخرى أحيانًا الحبة بذات اللون، وأحيانًا بلون آخر.

تكرر النداء: “مريومي… مريومي..”

    حاولتُ الصراخ “ماما”، لكن الصوت لم يخرج، أو للدقة لم أسمعه، ثم انتبهتُ أنني لا أسمع أي صوت. لكن الكُس أخذ ينقبض وينبسط وأنا أدور حوله في مدار بيضاوي فيتبدى أنهم ثلاثة أكساس متصلين من الظهر، لكن الثلاثة يتحركون كحزمة عضلات واحدة، ثم أخذتُ سوائل وإفرازات بيضاء تخرج من الكُس وتنساب في الفضاء البرتقالي. شكلت ثلاثة أنهار تسير في اتجاهات غير معلومة، ربما تصب في الفردوس في النهاية. جسدي هو الكوكب بالتأكيد، لكنني لست جسدًا.

   ازدادت سرعة انقباض وانبساط الأكساس الثلاثة، وازداد فيضان الأنهار الثلاثة، وبدأ كل نهر منها يأخذ شكلًا منفصلًا. واحد باللبن، وثاني كما العسل، وثالث كما الدم، ثم سمعتُ صرخة عظيمة لم أعرف مصدرها، ورعب بارد لامسني. فجأة ازداد ليصبح فزعًا وخوفًا لم أعرفه، ثم كنتُ أطير بعيدًا عن مداري، وفزعي يزداد حتي شعرتُ بأنه موت قبض الروح. لكن بصيصًا من الذاكرة ذكرني أننا هنا بين الموت والحياة. أكمل تصوري عن جسدي السابح في مداره، بينما رأسي تتقدم نحو الأكساس الثلاثة بعيدًا عن مدارها، تزايدت سرعة اقترابي من الكُس، الذي يخرج منه نهر الدم، حتى دخلت داخله.

   اختفى اللون البرتقالي وحلت بدلًا منه عتمة سوداء. كنتُ داخل رحم ماما، عرفتُ هذا بقلبي، لكن شعرتُ بجسد مبلول بجواري، وحينما مددتُ يدي لألمسه، أدركتُ أنه لم تعد اليد يدًا، بل أصبحت فكرة. وهذا الجسد المبلول بجواري جسدي، أنا جنين يتشكل. وعلمتُ، لا بالكلمات، لكن بالفطرة أن عليّ مهمة الآن، والماما كانتْ هي العتمة السوداء، التي أسبح فيها. مهمتي أن أضع كل الأفكار اللازمة في جسدي. أن أمنحه الوعي والرغبات والخيال ومفاتيح الحزن والاكتئاب. ومن خارج العتمة شعرتُ بيد الماما كإلهة تصيغ الكون وتضع حدود الانفجار الأعظم ومعدلات انكماشه وتمدده. وصوت ماما هامسًا: “هذه هديتي لك مريومي.. حرية الاختيار الكاملة، وولادة جديدة والقدرة على تغيير كل ماضٍ لحياة بلا ندم”.

جعلونى مجرم بيتكوين

تشرفت أثناء سجني العام 2016، بالتعرف على أهم وأكبر ثلاثة تجار عملة في مصر. سُجن الثلاثة كإجراء احترازي العام 2016، مع تجار عملة آخرين، في إطار حملة استباقية فرضتها الحكومة قبل قراراها تعويم الجنية. مع ذلك، كل مساء، كانوا يخبرونني بالسعر الرسمي والسعر في السوق السوداء غداً، وكنا ننتظر وصول الجرائد للسجن صباح اليوم التالي، وفي كل مرة يصدق توقعهم، حتى عرفت أنه لم يكن توقعاً، بل كانوا يحددون سعر الدولار وهم في السجن.

قضيت فترة طويلة من مدة سجني مع السادة تجار العملة، وبعض المتهمين في قضايا مالية متنوعة من تجار العملات، إلى المضاربة في سوق الفوركس، وحتى قضايا النصب وتوظيف الأموال. كان الحد الأدنى لدخول ذلك العنبر في السجن، ألا تقل القضية المتهم فيها المسجون عن مبلغ عشرة ملايين جنيه، أى ما يوازي مليون دولار بأسعار ذلك الوقت. والحقيقة أنني استفدت وتعلمت من هؤلاء الزملاء، عن بنية الاقتصاد العالمي والمحلي، أكثر مما قرأته في حياتي، حتى أني أصبحت أهتم وأقرأ الصفحة الاقتصادية في الجرائد، والآن ابدأ يومي بالاستماع إلى نشرة اقتصادية مُكثفة، بينما اغتسل وأُعد الفطور صباحاً.

بعد خروجي من السجن، كان قراري الأول هو التخلص من كل الأصول الثابتة، وجمع مدخراتي القليلة، وتحويلها إلي عملات افتراضية، تحديداً البيتكوين والايثاريم. لكن، على ما يبدو كنت قد تأخرت، فمنذ العام 2017، فرضت السلطات المالية المصرية، متمثلة في مدير البنك المركزي طارق عامر، حظراً على التعامل بالعملات المشفرة في السوق المصرية. نتيجة لذلك، توقفت المواقع الموثوقة في الانترنت، عن بيع أي عملات افتراضية للمواطنين المصريين.

تهدمت كل طموحاتي في إنقاذ مدخراتي التي كان يأكلها التضخم، كانت لدي محفظة إلكترونية تحتوي على عدد من العملات اشتريتها منذ سنوات على سبيل التجريب. كان بإمكاني الوصول إلى تلك المحفظة، لكن ليس في استطاعتي الشراء.

بدأت أسأل الأصدقاء والمعارف، انتقلت الكلمة من أذن على أذن، حتى حصلت على ثقة زملاء من السوق السوداء لعالم العملات الافتراضية، فتم ضمي إلى مجموعات سرية مغلقة متنوعة في فايسبوك. في العادة، تحمل المجموعة أسماء مستعارة، تمويهاً عن الغرض منها، مثل “رابطة محبي تربية الخراف الكشميري”، أو “جروب هواة تربية أسماك الزينة الذهبية”. يتحدث أعضاء الجروب عن عمليات نصب كثيرة تحدث، وعن مطاردات أحياناً من قبل مباحث الأموال العامة، لذا لا يتم فتح هذه المجموعات للأعضاء الجدد، إلا بناء على ترشيح أعضاء موثوق فيهم في المجموعة.

تمثل هذه الجروبات أسواقاً سرية لمحبي وتجار العملات الافتراضية، لكنها سوق سوداء، لا ترتبط إطلاقاً بالسوق العالمية للعملات الافتراضية، وذلك نتيجة لالحظر المفروض من قبل طارق عامر. فمثلاً، إذا فرضنا أنك مواطن مصري ترغب في شراء العملة “س” وسعرها العالمي يساوي 10 دولارات، فسترفض كل المواقع وبورصات تجارة العملات البيع لك، حيث أن معظمها يحتاج إلى التحقق من شخصيتك ويطلب اثبات هوية واثبات محل الاقامة، وتستغرق العملية أياماً حتى يتم التأكد من كل هذه المعلومات. ولأنك مصري فسترفض الموافقة على حسابك. طبعاً يبقى امامك مواقع البيع غير الرسمية، لكن عامل المخاطرة كبير.

أما في صفحات “فايسبوك”، فستجد تجار السوق السوداء يبيعونك العملة “س” بسعر العشرة دولارات، لكن بينما يبلغ سعر الدولار حوالى 18 جنيهاً، سيبيع لك تاجر السوق السوداء عبر صفحات “فايسبوك” على اعتبار أن سعر الدولار هو 21 جنيهاً.

لكن السوق الأنشط هو سوق التعدين، فجميع العملات الافتراضية تحتاج للتخديم على شبكتها إلى “المعدنين”، وهم أشخاص يستغلون أجهزة حواسيبهم لمراقبة وإجراء سلسلة من العمليات الحسابية والبرامجية التي تضمن صحة السجلات والتحويلات بين المَحافظ المختلفة. ولرفع كفاءة الحواسيب، يحتاج العاملون في التعدين إلى شراء “كروت الشاشة” وتركيبها في أجهزة الكومبيوتر. وبينما يبلغ سعر كارت الشاشة الواحد حوالى 500 دولار، يباع هنا في السوق المصري بما يوازي 800 وأحياناً ألف دولار.

لذا، فالغرض الأساس من كل الجروبات والصفحات السرية، هو أن يتبادل العاملون في التعدين، المعلومات والأسعار حول قطع الغيار اللازمة لتشغيل أجهزة الكومبيوتر في عملية التعدين، لكن مع ارتفاع أسعار الكهرباء مؤخراً أصبحت عملية التعدين غير مجدية. فمثلاً، لتشغيل ثلاثة كروت في التعدين، ستصل فاتورة الكهرباء الشهرية إلى حوالى 400 جنيه، وهذا استهلاك الكروت وحده، من دون احتساب كهرباء التكييف. مع العلم أن العائد من وراء تلك الكروت قد يتراوح من 20 إلى 60 دولارا شهرياً، بحسب العملة التي تُعدن فيها، وبحسب تقلبات سوق العملات الافتراضية.

بعض العاملين في التعدين يلجأون إلى حِيل أخرى، كتصميم تطبيقات ألعاب بسيطة أو برمجيات سهلة الانتشار بين المستخدمين، لتسيطر على أجهزتهم، واستخدامها في التعدين لصالح المبرمج الأصلي. ببساطة، تخيل فيروساً مصمماً على هيئة دعاء، إذا قلته، بنيتَ لك قصراً في الجنة، أرسل الرسالة إلى عشرة آخرين. كل شخص يفتح الرسالة، يستخدم موبايله او حاسوبه الآلي للتعدين في عملة معينة لصالح مصمم برنامج “قصر في الجنة”.

العام الماضي، كان حديث مجتمع العملات الافتراضية المصرية، مجموعة من التلامذة في المرحلة الثانوية في واحدة من أرقى مدارس اللغات في مصر، حولوا أجهزة الكومبيوتر في معمل المدرسة، إلى مناجم لتعدين الايثاريم والبيتكوين والعملات الأخرى، وكانوا يجنون حوالى 500 دولار شهرياً.

في يناير الماضي، اكتشف صديق آخر وخبير تعدين، أن موقع جريدة “اليوم السابع”، يستخدم برمجيات تسطو على أجهزة القراء وتستخدمها في تعدين عملة افتراضية مجهولة تحوم حولها الشبهات. وسارعت “اليوم السابع” إلى الاعتراف بوجود مثل هذه البرمجيات لكنها انكرت مسؤوليتها واتهمت شركة الاعلانات، بالرغم من أني شخصياً شاهدت الكود المستخدم وكان في قلب بناء الموقع وليس إعلاناً.

شباب التعدين الشرفاء يرفضون مثل هذه الأمور. وفي صفحات وجروبات العملات الافتراضية، كثُر الحديث مؤخراً عن الألواح الشمسية. أحد الشباب، من واحدة من محافظات الدلتا، فرش بامتداد نصف فدان من أراضيهم بالألواح الشمسية، التي تمد غرفة تحتوي على 8 أجهزة كمبيوتر بالطاقة اللازمة تعمل جميعها في التعدين، أما كابوس هذا الصديق فهو أن يبلغ أحدهم الشرطة عنه.

أفضل ما تصنعه مصر دائماً هو تحويل أفضل عقولها إلى مجرمين، من خلال الاستمرار في التجريم الشفوي للعملات الافتراضية، من دون تشريع واضح لها، بل قرارات من طارق عامر لا نعرف سببها.

قمت بأول صفقة لي منذ بضعة أسابيع، كانت لدى محفظة صلبة للعملات الافتراضية، أو ما يعرف بـ”Hardware Wallet” اشتريتها بحوالى 90 دولاراً من الخارج، ولم استخدمها لأسباب يطول شرحها. عرضتها للبيع وبعتها بحوالى 150 دولاراً. بعد مفاوضات وأسئلة تأمينية، التقيت بالمشتري في مقهى بمنطقة مهجورة على أطراف مدينة نصر. فوجئت أني أمام رجل أشيب الشعر في منتصف الاربعينات، لكنه بهيئة رجل في الستين. بدا الشاري مضطرباً وكأني أبيع له الهيروين، تضايقت من اضطرابه وشرحت له أن الأمر ليس أكثر من فلاشة، وأن مثل هذه الأجهزة غير مجرَّمة في مصر، فلماذا هذا الاضطراب؟ ارتاح الرجل وفجأة تحول اللقاء القصير إلى ساعتين من الحوار الطويل، مثل أي اثنين اجتمعا في حب الايمان بالعملات الافتراضية. لم أمنحه معلومات شخصية عن حياتي، لكني ذكرت رغبتي في السفر. حينها ابتسم، وأخرج ثلاث ورقات بيضاء، فردها أمامي.

“ما هذا؟”، سألته.

“عقد عمل”، أجاب.

كان العقد مكتوبا باللغة الروسية، وبالطبع لم أفهم منه شيئاً. شرح لي أن الحكومة الروسية تدعم مزارع التعدين وتتوسع فيها، وتبحث عن مبرمجين للعمل فيها، ولديه قريب يعمل هناك. إذا أردت، يمكنني السفر والعمل براتب يصل إلى 2000 دولار شهرياً، شاملة الاقامة والطعام عليهم. اعتذرت بلباقة للشاري، ولسبب ما جرحه اعتذاري وتحول حديثة لكلام عدائي يتهمنا بأننا جيل فاشل، وكسول ولا نرغب في العمل. أخذ يحرك ذراعيه في الهواء وهو يشير إلى الصحراء الخربة الممتدة أمامنا، ويقول لي: “هتقعد هنا تعمل ايه يعني؟ المستقبل هو البيتكوين، والبلد دي ضد المستقبل والبيتكوين”.

أمعنتُ في تمويه شخصيتي الحقيقية، وقلت له: معاك حق، لكني لا أقدر على ترك مصر، سأظل هنا حتى ابني مصر وأجعلها خرابة أفضل.

ألبير قصيري يحيا الآن

     تملكتني لذة مدنّسة، وأنا أعبث واقلب في أوراق وصُور ألبير قصيري التى وصلتنا من باريس من خلال ناشرته. رغم عدم قدرتي على القراءة بالفرنسية، فإن إحساس التلصص وانتهاك خصوصية واحد من كُتّابي المفضلين منحني مذاق الملذات المحرمة. كنتُ جالسًا مع لوسيان وديانا، في مكتبهما بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرةِ، أثناء إعدادنا لاحتفالية عشر سنوات على رحيل قصيري التي أقيمت ليومين في القاهرة. على بُعد خطوات منّا، تقع مكتبة جورج حنين الخاصة، والآن أمامنا ما تركه ألبير قُصيري بالغرفة الفندقية التي عاش فيها مجمل حياته. حقبة كاملة من الشِّعر والسرد والسخرية تحيط بنا، وشبح الفن والحرية يحلق فوقنا.

   المُقتنيات كانت دفَاتر يكتبُ فيها ملاحظاته. رسائل من ألبير، وأخرى موجهة إليه. دفتر يحتوي على ما يبدو وكأنه بداية لرواية جديدة. ومن بين المقتنيات، ظرف يحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية، غالبيتها مَطبوعة بأحجَام كبيرة. استعرضت مع لوسيان تلك الصور، بحثًا عن شخصيات نعرفها. غاب قصيري عن معظم تلك الصور، وإن حضر أصدقاؤه وأشخاص قرر لسبب ما الاحتفاظ بصورهم. بعض الصور ألصقت فوقها ورقة شفافة، وعلى تلك الورقة كان قُصيري بالقلمِ الرصَاص يُعيد رسم صور أصحابه، للدقة كان “يشف” هذه الصور، ثم يضيف للصورة أبعادًا أُخرى ويحذف ويضيف إليها. كأن تكون الصور لشخص يقف في فضاء منزلي، فيرسمه حتى وسطه، ثم يضيف للنصف السفلي تكوينًا آخر، ليخلق من الصور الجادة لأصدقائه ما يبدو كصورة أخرى غير مفهومة لنا. لكن فيها من الحميمية ما يجعلها أشبه بنكتة خاصة بين صديقين.

15726755_10154698645841405_3054464048610566890_n
قصيري في غرفته وسط كل متعلقاته

نكتة يائسة مثل كل نكتة، ذلك اليأس الذي يجعلك محتارًا بين البكاء أو الضحك على حالك. نكتة مريرة عمرها يقترب من القرن، ومحل إقامتها هو المدينة المصرية، التي تحمل أسماء مُتعددة، لكن جوهر علاقات القوة فيها ثابت. وروايات ألبير قصيري موضوعها بالأساس هو ذلك اليأس المثير للضحك والبكاء معًا، اليأس الذي ينذر دائمًا بثورة لا تأتي، وإن أتت فيسهل قهرها أو خداعها. وفي هذه المعركة الأبدية بين المتن والهامش، في المدينة المصرية التي تدعي التمدن والمعاصرة، يحيا أبطال روايات قصيري، يبحثون عن خلاصهم، أو وسائل تمكنهم أن يطفوا على أشلاء المعارك.

    يقدم لنا ألبير وصفًا لهذه المدينة في قصته “قتل الحلاق امرأته”، المنشورة لأول مرة بالعربية في العدد الأول من مجلة “التطور” -فبراير1940 بترجمةِ عن الفرنسيةِ لعلي كامل. كالعادة تعيش شخصيات قصيري في بيئات مُظلمة، يزدهر فيها الفقر وتسبح في محيط شَاسع من اليأس؛ ثورة مُحبطة لمجموعةِ من الكناسين، وشاويش يستعرض قوته على سكان الحي الشعبي الفقير، وطفل حافي القدمين لا يملك سوى جلباب خفيف في برد الشتاء ويحمل حزمة برسيم تحت إبطه ويحلم بخروف العيد.

    لكن الشر الحقيقي، وسبب كل هذا البؤس لدى قصيري –الثوري الشاب في ذلك الوقت- هو المدينة الأوروبية، التي يصفها بكلماته “أصبحت المدينة مرعبة على الأخص على امتداد شارعي فؤاد الأول وعماد الدين، فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تملكه مدينة متمدنة لإرهاق الناس ومضايقتهم، كانت هناك أماكن للتسلية لا طعم لها، وحانات يكلف المشروب فيها كثيرًا، وكابريهات ذوات راقصات تافهات وحوانيت وأماكن لبيع المصوغات وإعلانات كهربائية أيضًا. كان لا ينقص شيء من مظاهر الأعياد السعيدة، كان كل شيء يدفع إلى الضيق والملل“.

   تتغير الوجوه وأسماء الشوارع، شارع فؤاد يصبح شارع 26يوليو، لكن بلاهة تصنيع التمدن كما وصفها قصيري، نجدها تقطر من أسقف المولات الكونية، حيث أماكن التسلية التى لا طعم لها في ضاحية القاهرة الجديدة بتجمعاتها الخمس، ومدينة 6 أكتوبر، وامتدادات المدن الجديدة التي تُصنّع في الصحراء، بينما يغرق تعساء المدينة في الزحام الأبدي لشوارع وكباري القاهرة.

     قاهرة قصيري العام 1940، كانت تهرب من الفقر الناتج عن الفساد والاستغلال الطبقي، من الشقاء في أحيائها الشعبية، نحو مدينتها المتمدنة المشيدة على الطراز الأوروبي التي صارت وسط البلد. والآن حينما استنفذتها واستهلكتها السلطات المختلفة المتنوعة، ترحل بعاصمتها نحو مدينة متمدنة جديدة مُخلّفة المزيد من البؤساء، وطلاء جديد للمبانى التاريخية يجعلها أكثر إثارة للشفقة مثل مكياج رخيص.

قُصيري حي الآن. مُرشد أمين للمصري الملول، أو الحزين، وربما المهموم. قصيري جرس الإنذار على خطورة العنف وعلى تبريره كذلك.

13592699_10154198337031405_6436954291175889991_n

في العدد الثانى من مجلة “التطور”، سينشر ألبير قصيري، وبترجمة بديعة لعبد الحميد الحديدي، قصته “اضطرابات في مدرسة الشحاذين“. ينشأ خلاف فكري ويتحول إلى صراع ايدلوجى محتدم بين المعلم “أبو شوالي” الأستاذ بمدرسة تعليم الشحاذة، والأديب جاد، وأفكاره الحديثة القائمة على علم النفس حول فن الشحاذة. المعلم “أبو شوالى” سفير العنف وسؤال ضرورته، مبدأه الواقعية المجردة، ويعتمد على قيام الشحاذ بالامساك بخناق الزبائن والتشبث بملابسهم الثمينة والالتصاق بنوافذ سياراتهم المتوقفة عند إشارة المرور. ويتصف الشحاذون لدى “أبو شوالي” بأنهم “مخلوقات تتجمع فيها أفظع العاهات الجسمانية، غارقة في آلاف الأمراض المعدية التى لا تقبل الشفاء، مخلوقات بشرية تستطيع أن تبعث الرحمة في القلوب المتحجرة والضمائر الميتة، لا تبعث الرحمة فقط، بل تخيف أيضًا”.

أما الأديب جاد، الذي عبّر عن نظريته الجديدة في الشحاذة بينما كان جالسًا في “قعدة تحشيش”، فيرى أن سُكّان المدينة الجديدة لا يمكن الاعتماد على استدرار شفقتهم لأن هذه العاطفة قد اندثرت منذ زمن طويل، وحان الوقت لأن “يكف الفقراء عن التعلق بالوسائل التي تستدر الرحمة والشفقة، وليعتمدوا على الاستظراف الذي لم يستغله المتسولون بعد”.

أتذكر الآن هؤلاء الشباب الذي كانوا يقفون فوق الكباري بفرشاة طلاء ويطلبون من كل سيارة جنيهًا من أجل أن ننظف مصر، وهو ما طالب به الأديب جاد منذ ما يقرب القرن بأن تظهر “طبقة أخرى من الشحاذين، صغيرة السن تلبس الثوب النظيف وتظهر كدمى العيد الجميلة. فبهذا الهندام وبحركتهم اللطيفة يكتسب الغلمان حب الزبائن، الذين يجودون حينئذ بسخاء، إذ لا يعجب الإنسان الراضي أكثر من المنظر البهيج، ومما لا شك فيه أن من رقت قلوبهم من بلهاء الأحياء الأوروبية سيعجبون بهذه المناظر الحديثة إعجابًا شديدًا”.

سينشر قُصيري تلك القصص في مجموعة واحدة العام 1942 تحت عنوان “بَشَر نسيهم الله”. في هذه الفترة كان ابن حى الفجالة بالقاهرة، المولود العام 1913، يعج بالسخط الثورى لشباب جيل الحرب العالمية الثانية، ويقضي معظم الوقت في صحبة “جماعة الفن والحرية” وقائدها السياسي جورج حنين. يروى مجدى وهبة -أستاذ الأدب الانجليزى بعد ذلك- عن لقاء في العام 1942، عندما زار جورج حنين وكان يقيم في منزل والديه، حيث وجد عنده ألبير قصيري، رمسيس يونان، لطف الله سليمان وسلامة موسى. كان النقاش محتدماً. سلامة موسى يتحدث عن التنوير والسلام والحضارة المصرية واللغة العربية، بينما جورج حنين وجماعته يتحدثون عن الثورة المستمرة، وخيانة الاتجاه الثوري في الاتحاد السوفياتي، ونكوص أراجون عن السريالية ببقائه في الحزب الشيوعي الفرنسي، كما أبدى حنين اشمئزازه من كلام ستالين عن الموضوع القومى. ومبكرًا، سينسحب ألبير من هذه النقاشات لينتقل للعيش في فرنسا، لكنه سيستمر في الكتابة عن شخصيات يدفعها البؤس نحو مزيد من السخط على المجتمع، ينتظرون ثورة غير محددة الموعد. وحينما تأتى الثورة العام 1952، ستكون جماعة ألبير قصيري من أشد المتفائلين، حتى أن جورج حنين كتب في رسالة لهنرى كاليه أثناء أزمة مارس 1954: “نعم، صديقي العزيز، نحن لا نرفض شيئاً. الضوضاء والهيجان، الضجة والعاصفة، كلها هنا.. الأعصاب لم تستسلم بعد.. بالنسبة للمستقبل، فجَسور جداً من يعطيه اسمًا”.

    ألبير قصيري سيمنح مستقبل ثورة يوليو، اسمًا مناسبًا، بعد نصف قرن، في روايته “ألوان العار”، حينما يصفها بـ”طريق العمى وتوهم الكرامة”. والد أسامة، بطل الرواية، عامل مصنع فقد بصره في إضراب عمالي قبل الثورة، ومرّت السنون، ولا شيء تغيّر، فعاش أعمى في عزلة لا تقطعها إلا زيارات ولده التى يملأها بتخيل جنازة كريمة: “سيكون هناك رفقاء المصنع القدامى. أنا على يقين أنهم لم ينسوا أنني تلقيت ضربة الهراوة التي أفقدتني بصري أثناء كفاحنا المشترك. ولربما أيضًا أوفدت الحكومة الثورية واحدًا من وزرائها، أترى؟ لقد أعددتُ كل شيء حتى يتمّ دفني في لياقة وكرامة”.

Foucault_Bachelard.png
قصيري أثناء زيارته للقاهرة عام 1989

   سيصرح قصيري بعد ذلك، في حوار له، باشمئزازه من الطغاة، كما سيعترف بأنهم موجودون دومًا، وبالتالى من العبث محاربتهم. والأهم أن هذا لا يعني ألا نحب الحياة. “الحياة رائعة” سيقول لميشال ميتراني، وهو في التسعين من عمره، وللاستمتاع بروعة الحياة “يجب أن يكون الإنسان ذكيًا لكى يلاحظ بفرح هذا الاحتيال الذي يحيا به الطغاة، لكى يتناوله بسخرية بعدها“.

      يمنحنا أدب قُصيري الآن وجهة نظر قد تخفف من قسوة الواقع كما تفعل “الميمز” السياسية في “فايسبوك”، أو التعليقات الهزلية لرؤساء بعض الدول في “تويتر”. يمنح أدب قُصيري القارئ رؤية عدمية عن العالم، وهذا التعالي الذي يطرحه قصيري كوسيلة للتعامل مع العالم قد يبدو كما يحلو للبعض وصفه: كسلاً أو خمولاً. لكن، لنحذر، فالسخرية أو كما وصفها جورج حنين في مقال له: “الفكاهة السوداء” ليست “افيه” سريع الزوال، ولا نكتة غرضها التسلية.

      الفكاهة السوداء لدى قُصيري تنهض على سؤال رئيسي وهو الوجهة الفعلية لأي شيء. هل يتواجد هذا الشيء في مكانه الصحيح؟ وإذا كان مكانه، فبأي شرعية خُصص له هذا المكان؟

     السخرية عند قصيري لا تحترم التصنيفات المتفق عليها مُجتمعيًا. فهي، والنزعة المحافظة، لا يجتمعان. ولنحترس حتى لا تجرنا الفكاهة السوداء إلى المناطق العدمية الأكثر مجانية، بل يجب أن تدفعنا إلى عتبة واقع تغيّره جذريًا قضية لا تنازل عنها.

     الوصفة البسيطة لدى قُصيري: إذا نجحنا في السخرية من طغيان الأوغاد، بالشكل والقدر الكافي، فلن يخيفوا أحدًا، وبالتالي سيزولون. أما إذا لم ننجح في بلوغ هذا الأهداف، فعلى الأقل يمكن أن تتخيل شاطئًا ملغومًا، حيث سابحات خالبات الألباب، قد تعرض وجودهن دون أي اكتراث بالنتائج، وأن تحيا في غرفة مليئة بالأصدقاء، تعيد رسمهم من صورهم الفوتوغرافية.

Photo rare - Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery - Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart
Photo rare – Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery – Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart

لغز المهرجان المشطور- قصة طويلة

1

عرفتُ الخبر من خلال “التايم لاين”. تقريبًا كل الحسابات الرسمية لمغنّيي المهرجانات وبعض العاملين في القطاع الفني تنعي الفقيد، النجم، الأخ، الصديق..إلخ إلخ.

مات “دادي”.

عمر قصير من الصداقة. فكرتُ وأنا استوعب الخبر، لكنني انتبهتُ أنني عرفتُ دادي منذ سبع سنوات، وليست هذه بالفترة القصيرة.

أحببتُ صوته وعشقتُ طاقته على المسرح وفي حفلات الشارع وأفراح الفنادق والأندية النقابية. مفجوعًا بالزمن حينما يداهمنا في صيغة أرقام  وأخبار قررتُ الذهاب إلي الجنازة، ربما لتوديع الزمن. لا أعلم هذه الأفكار الوجودية وظلالها العاطفية تصيبني بالتوهم وفقدان القدرة على التركيز.

أروي كل هذا لأقول كيف عرفتُ بشأن الجثة المشطورة والكبد المفقود، ظنًا منى أن هذه هي العناصر المثيرة، التي بذكرها تزدهر حكاية حياتي، وأنجح في جعلها طاووس متباهيًا بالأعضاء البيولوجية المبتورة والضائعة.

الأفكار الذهنية حتى في صيغة الخيالات العابرة مُهمة، لأنها تجعلنا نفهم القليل عن الدوافع البشرية كقرار الذهاب إلي الجنازة، ثم الاتصال بأي من رفاقه في المنطقة لمعرفة موقع الجامع ودار المناسبات، التي ستستضيف الجنازة.

رد عليّ “خمسينة” في المرة الثانية، وأخبرني أنه كان محتجزًا للتحقيق وخرج الآن فقط من القسم، وسيحاول حضور صلاة الجنازة.

الدنيا مقلوبة والمباحث مطلوقة.

 

16707287_1839752759645906_5683561314198454254_o

 

 

2

كنتُ مُراسلاً فنيًا لمجلة عربية، أنجز لهم قصة أو قصتين في الشهر. وبعد مُحَاولات وإصرار على الطلب وافقت مديرة المكتب على إنجاز قصة عما اسميته وقتها موسيقى الشارع.

صارحتني بعد ذلك حينما قدمتُ لها الموضوع مع عدد من الصور المشوشة سيئة الإضاءة التقطتها بكاميرا هاتفي البسيطة، التي لم تتعد جودتها 2 ميجا: “لا.. لا يا أحمد، مش دا الشغل اللي توقعته، أنا مقدرش انشر الكلام والصور دي، دا في صور لهم وهما بيشربوا مخدرات”.

لم أكن مصورًا جيدًا. لذا لم أفكر يومًا في امتلاك آلة تصوير.

انتظرتْ مديرة التحرير موضوعًا عن الفرق الشبابية من طلبة الجامعة، التي تغني في المراكز الثقافية الأجنبية وتقدم نفسها بصفتها غناء الشارع، بينما كنتُ أقدم لها مجموعة صور مشوشة لمراهقين من مدينة السلام يرتدون ملابسًا بألوان صاخبة ويتخذون وضعية العصابات عند التصوير وخلفهم تظهر برك المجاري الطافحة على طول الشارع والظلال المشوهة للمساكن الشعبية، التي بنيت على عجل بعد زلزال التسعينات.

بالنسبة للمخدرات فقط، كانت صورتان لـ “دادي” وهو يمسك جوينت حشيش مفلطحًا من نهايته تشتعل جمرته شمسًا صغيرة في الصورة. كان في الخامسة عشر من عمره، نحيفًا ولم يبدأ في حلق شعره رأسه، كما سيذكره الجمهور في فترة مجده الذهبي قبل الرحيل المفاجئ.

قيلت تأويلات فنية بعضها قرأته في مقالات كتبها زملاء أن “دادي” حمل لقبه الفني بعدما بدأ في المواظبة على حلق شعر رأسه بالموس، حيث اكتسب مظهر الأكبر سنًا بين جيله، الذي شكل الموجة التأسيسية الأولى من موسيقى المهرجانات. لكن في أول لقاء لنا لإنجاز هذا الموضوع الذي لم ينشر أبدًا، وداخل محل “فيجو” ضيق المساحة، ظللت أخاطبه مستخدمًا اسمه الرسمي “محمد عبد السلام”، بينما كان الجالسون ينادون عليه بدادي، وكان يربي شعره خشنًا مجعدًا، يفرده بكريمات الفرد، ثم يصففه باستخدام الجيل اللامع الدهني. تصورت أن اللقب يحمله كاختصار لاسم “عبده”، لكن كصحفي يتصنع التواضع لم أغامر في تخميني وسألته في هذا اللقاء. “لماذا ينادون عليك بدادي”. أخذ يلحن مقطعًا سأسمعه يغنيه بأشكال مختلفة في حفلاته: “انتي مع دادي/ ولا في النادي”، قطع جملته الغنائية ليقول: “طبعًا لازم تكون مع دادي”.

في هذا اللقاء سمعتُ أطيافًا أيضًا عن مغامراتهم مع الفتيات، عَرَضًا أشار دادي لمرة ضاجع فيها مع فيجو ذات الفتاة. لم يبد متباهيًا بمغامراته. لكن الحديث كله كان عن الصحاب، الموسيقي، الحريم، والغلابة في المنطقة. خرجتُ من اللقاء وأنا في حسد ودهشة من الحياة العاطفية الخفيفة والمليئة بالخيارات التي يحيون فيها. لم أشر لحياتهم الجنسية والعاطفية المنفتحة في التقرير وإن أشرت عرضًا للحشيش بصفته موضوعًا يظهر في بعض الأغاني. لم يُنشر التقرير. ولم يسألني “دادي” عنه بعد ذلك وإن شعرت أحيانًا بقدر من الخبث في عينيه حينما كنا نجلس بعد ذلك في جلسات استديو فيجو، ثم حاحا بعد ذلك، ليغني مقطعه: “صحوبية جت بندامة/ خلوا لي في قلبي علامة / نسوني الابتسامة”.

بعد سنتين من لقائنا الأول سأكون السبب في ظهور “دادي” على التلفزيون للمرة الأولى. سيفرح كثيرًا بهذا اللقاء، كل أهالي المنطقة سيشاهدون البرنامج ويزغردون مع ظهور “دادي”. سيرتفع أيضًا سعره في الأفراح، وياه على الدنيا والنفوس.

3

لم يكن “خمسينة” يبالغ. هناك حكومة حتى في العزاء.

لم ألتق بـ”خمسينة” يوم الجنازة لأنه لم تكن هناك جنازة في اليوم الذي تواعدت فيه مع “خمسينة” على اللقاء، حيث جمع الطب الشرعي الجثة وفحصها وأصدر تقريره بعد ذلك بيومين، ثم سلم الجثة لأهله لدفنها. وأقيم العزاء في مساء اليوم الذي دفن فيه الأهالي الجثة المشطورة.

حضر المأمور، الذي كان صديقاً لدادي، لكن هذا لا يبرر انتشارهم الملحوظ بهذا الشكل. ظننت أن خمسينة يبالغ حينما تحدث عن جثة مشطورة وكبد مفقود. لكن إشارته للعنف، الذي تمت به الجريمة جعلني أظن أن “دادي”، الذي غنى للبلطجة والخناقات والعنف والأصول والسلاح وكيف تزفر سكينك وكيف تطهره، قد قضى نحبه في خناقة. لكن الأحاديث، التي سمعتها في العزاء كانت متطابقة في حقائقها الأساسية. عُثرَ على “دادي” ميتًا في شقته الصغيرة في الدور الأرضي. جسده مشطور لنصفين، وكبده مفقود. انهارت أمه حينما عرفت الخبر ولا تزال في غيبوبة إلى الآن.

تأكدتُ أكثر من تلك الحقائق في ذات اليوم حينما وجدتُ أحد المواقع الإسلامية الداعمة لمرسي وضد الانقلاب وقد نشرت الخبر تحت عنوان “نفوق مغني المهرجانات المؤيد للانقلاب”. كان الكثيرون قد تشاركوا الخبر على “التايم لاين” برفقة تعليقات تسب الإسلاميين وحقارتهم، وحمل الخبر تفاصيل عن عملية التمثيل، التي تعرضت لها جثة دادي. تضايقتُ أنا الآخر، لكن لم أكن لأتوقع ما هو أقل من ذلك منهم، في أكثر من أغنية خصص “دادي” فقرات كاملة للسخرية من الخرفان، والشيخ الفتان، والإخوان.

4

ظلت الفكرة تداعب ذهني لأيام وأنا أتابع تكشف المزيد من الأخبار عن الحادثة. ثم أخيرًا هاتفتُ “خمسينة” وطلبتُ لقاءه، قال إنه مرهق من التحقيقات ويستدعونه كل فترة. ليس لديه وقت. ولم أضغط عليه في موضوع المقابلة. اهتممتُ أكثر بمعرفة الدائرة واسم وكيل النيابة الذي يباشر التحقيقات.

استعنتُ بزملاء صحفيين من القسم القضائي والحوادث لمعرفة تفاصيل أكثر، لكن قالوا إن القضية يحطيها تكتم كبير وإن كانت الإشارات تضئ بأنهم اقتربوا من معرفة القاتل والقبض عليه.

5

التقيتُ “علي البطة” في وسط البلد، حيث كنتُ في طريقي إلي مدينة السلام لزيارة منزل “دادي” بنفسي. البطة كان مدخلي منذ سنوات لهذا العالم لمغنيي وموسيقيي المهرجانات.

عالمي كان بعيدًا كل البعد عن مدينة السلام والمطرية. أنا ابن للطبقة الوسطى بلا طموح كبير لتغيير العالم، وبالكثير من الأحكام المسبقة عن كل ما لا يعرفه مما يجعله بلا فضول تجاه ما هو خارج طبقته الاجتماعية.

البطة، كان شابًا نحيفًا أسمر ذا جاذبية إيروتيكية تفوح حتى من رائحة عرقه أثناء الرقص على الأقل في ذلك الوقت حينما التقينا منذ أكثر من عشر سنوات. تعرفتُ عليه في مسرح روابط كراقص حديث. لا أعرف كيف وصل من مدينة السلام لوسط البلد، ولا كيف اكتشف عالم الرقص الحديث وتعرف عليه، لكنه كان عضًوا في فرقة تكونت في جراج قديم تم تحويله إلى مسرح. المكان والفرقة يتلقيان تمويلًا كريمًا من الاتحاد الأوروبي، لتدعيم حوار الحضارات والمركزية الأوروبية الفنية كراعية للفنون الحديثة مثل الرقص المعاصر.

أثبت البطة تفوقه، والآن، بعد كل هذه السنوات حينما التقيت به في وسط البلد، كان قد سمن قليلاً، يرتدى نظارة ذات إطار لونه أصفر وملابس بألوان زاهية، وشعره ينسدل على أكتافه، كان أقرب لشاب طري من الزمالك. سافر البطة ورقص مع عدد من الفرق المحلية والعالمية، وشارك في الكثير من الفعاليات والمهرجانات، حصل على منحة للرقص في فرنسا، استغلها لتعلم اللغة وأتقن الحديث بها، وإن كان ضعيفًا تمامًا في كتابتها أو القراءة بها، لكنه عرّف نفسه بعد عودته كمصمم رقصات، ونشر إشاعة عن حصوله علي دبلومة في تصميم الرقص. على كل حال، كان ينام مع مسئول العلاقات الثقافية الفرنسي، وكون فرقته الصغيرة للرقص التي كانت باستمرار تتلقى تمويلاً فرانكفونيًا كريمًا.

تصافحنا أمام تقاطع شارع محمد بسيونى مع شارع شامبليون. تبادلنا السؤال عن الأخبار ثم أخبرته أنني في طريقي لمدينة السلام لزيارة أهل عبد السلام حيث لم تسنح لي الفرصة لتعزية والدته، والتي غابت عن الجنازة حيث كانت منهارة في المستشفى. لم أخبره كذلك أنني كنت آمل في معرفة تفاصيل أكثر عن الحادث ومجرى التحقيقات. قال إنه سيأتي معي، وإنه سمع أن المباحث قد عثروا على القاتل. لكنه على الأرجح مجرد ضحية يتم تقديمها لإنهاء الجدل الإعلامي حول الموضوع.

قررنا القيام بالرحلة معًا، ركبنا أتوبيسًا مكيفًا نحو عين شمس، جلست أنا وهو متجاورين، أمامنا كانت تجلس سيدة ضخمة نموذج محاكاة لأم مصرية، غير أن أذنيها كانتا على شكل أذني أتان يخترقان الحجاب ويظهران بأريحية خارجه، لكن على العكس من أذني الحمار لا يحتويان على شعر يغطيهما، بل جلد بلون مماثل لبشرتها السمراء. فساد الأغذية والمبيدات المسرطنة التى تغلغلت في معظم التراب المصري، وارتفاع معدلات التلوث التى تضاعفت بعد التسرب الإشعاعي واستخدام الفحم في توليد الطاقة، أدوا لظهور خرائط جديدة من الأمراض والتحولات الجينية، وكامتداد لآلاف السنين من التكيف مع الطبيعة والسلطة تمكن المصريون من الحياة بأريحية مع كل ذلك.

علمت من البطة، أنه آخر مرة التقي بدادي في مارسيليا منذ حوالي عام حينما كان يشارك بالغناء في مهرجان ثقافي تحت شعار الربيع العربي والثورات التي تصنع المعجزات. رغم مظهره المهذب وقشرة الحداثة، كان أثناء حديثه  يتوقف ليشخر، ثم يجمع البصاق في فمه ويبصق على أرضية الباص المكيف. تصنعت عدم الانتباه وركزت على الهراء الذي كان يتلفظ به حول مشروعه لتصميم عرض راقص مبني على أغاني المهرجانات، والموضوع، الذي كان اختاره كتيمة لعرضه هو قصة صعود وحياة دادي، كمغني مهرجانات شعبي وصل للعالمية.

كان يأمل في الحصول على موافقة “دادي” لاستغلال أغانيه في العرض، لكن الآن وقد توفى فعلى الأرجح يسعى لتوطيد علاقته بالعائلة للحصول على اذن منها.

تذكرت بعد أول نصف ساعة معًا لماذا توقفتُ عن لقاء على البطة، كان مخوخًا ومع تقادم العمر فقد حسه الفكاهى وخفة دمه خلف نظَارة تصنع الوقار والعمق الفني الفرانكفوني. حينما التقيته كان لا يزال مُحتفظًا بالابتسامة على وجهه كمن يرتدي عدسات لاصقة، ويستعين بالفهلوة وخفة الدم لردم الهوة الطبقية بينه وبين عالم وسط البلد والراقصين الذين يتبادلون التحية والسؤال على بعضهم البعض بالانجليزية. كنّا نجلس على المقهى آخر الليل ندخن على الشيشة قطع حشيش صغيرة. ومن ثلاث مرات معدودة زرته في منزله في مدينة السلام، التقيت في واحدة منها للمرة الأولي بدادي، الذي كان وقتها مراهقًا في الرابعة عشر. يرقص مُقلدًا حركات مايكل جاكسون، مع مزيج من حركات الهيب هوب، يعمل أحيانًا في فرقة رقص وظيفته تسخين الأفراح، يذهب مع أصدقاءه إلي الأفراح، يصعدون المسرح خلف المُغنّى، يبدأون بالرقص وحمل العريس ورفعه لأعلى، ويتقاضى حوالي 50 جنيها عن الفقرة، إلي جانب وجبة عشاء.

ولعه بمايكل جاكسون ورقص الهيب هوب، قاده إلي الشغف بموسيقى وغناء الراب. أفكر الآن ربما كان لقب “دادي” الذي حمله بعد ذلك نسبة إلي مغنى الهيب هوب “باف دادى”. بعد أكثر من فرح تقدم “دادي” ليمسك الحديدة. كان يقود فرق الرقص أو يذيع التحيات يمينًا وشمالًا، وشمالًا ويمينًا. دادي أصبح نبطشي أفراح، لكن الطموح كان أكبر.

6

وصلتُ مع على البطة لمنزل عائلة دادي، شقة صغيرة وسط البنايات التي بنتها الدولة على عجل لإيواء منكوبي الزلزال في التسعينات. استقبلتنا والدته، التي عانقتْ البطة وصافحتني وهي تتمتم بكلمات العزاء. كان وجهها أصفر اللون بعيون ذات لون أحمر، لكن متماسكة ظاهريًا، لديها بنتان ودادي كان أصغر أولادها ورجلها الوحيد. في الصالة علقت صورة لدادي، يبدو في الصور بشعر قصير وبشرة نضرة لم تنمو فيها الذقن مبتسمًا بأسنان بيضاء. الصورة قديمة كإنما تنتمي للابن، الذي عرفته ماما قبل أن يصبح “دادي”. وشريطة سوداء في زاوية الصورة. صوت مشاري راشد يتلو القرآن يخرج من سماعات مكبر الصوت في غرفة دادي، التي دخلتها منذ سنوات وكانت مقرًا للقاء الرجال والتسجيل والعمل والبهجة والسعادة، قبل أن يتمكن من استئجار محل صغير في دور أرضي ويفتحه بعد ذلك على شقة من غرفة وصالة لتصبح مقرًا لإقامته الفنية مغطى برسومات الجرافيتي والألوان والأسلاك والسماعات وأجهزة التسجيل والهاردات والاسطوانات المدمجة.

جلسنا برؤوس منكسة ومشاري راشد يتلو القرآن سريعًا ملتزمًا بكل تقاليد التجويد مبتعدًا عن اللحن والشبهات، فتنطلق القراءة سريعة مُتعجلة لا تترك لنا ولو ثواني من الصمت لتأمل الآية أو الاندماج في لحظة المواساة. ومع ذلك جلسنا صامتين، وقبل أن ينطق البطة أو أنا انفجرت أم دادي بالبكاء. أخذ رجل بجلباب رمادي بجوارها في تهدئتها وهو يتمتم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله يا أختي. قدرتُ أنه خال دادي. ارتفع نحيب الأم وبدا الخال المُثكل كأنما يفقد السيطرة على الموقف، هرول طفل في الثانية عشرة على الأرجح نحوه بزجاجة ماء، ثم أشار الخال لنا بالدخول لغرفة دادي، وخرجت امرأة أخرى من الحمام وهي تفرد العباية السوداء المحبوكة على دهونها وتتقدم لتحتضن أم الدادي وتحيطها كحوت أسود يبتلعها قبل أن نلج نحن لغرفة الدادي بمصاحبة الفتى، الذي توجه نحو الكومبيوتر ليخفض صوت مشاري قليلاً.

7

تتكون غرفة نوم اليتيم نجم المهرجانات من سرير يتسع لشخصين، بمرتبة من القطن مهترئة وقاسية، كنبة خشبية مغطاة بوسائد قطنية صلبة وقمَاش مُزين بورود كبيرة، دولاب ببابين، والحائط الثالث من الغرفة تحتله طاولة الكمبيوتر ومعدات الصوت والتسجيل. كانت هذه المعدات، التي بدأ الدادي بالغناء والتسجيل عليها قبل التعرف على الدكتور، وقبل أن يجري القرش ويفتح المحل كمقر للعصابة ثم “التيم” بعد ذلك.

8

حينما جلستُ في الغرفة تذكرت أن آخر مرة دخل فيها علي البطة هذه الغرفة كان معي، بصحبه تلك الصحفية الفرنسية التي تعرفْ عليها، وتقاضى منها 50 دولارا، لكي يقودها في رحلة إلي مدينة السلام، لتقابل الدادي، الذي كان نجمه قد أخذ في الصعود. أخبرها أيضًا أنه يستطيع القيام بعملية الترجمة، وبدلاً من ذلك صحبني معه، ثم ورطني في القيام بعملية ترجمة أسئلتها لدادي وإجابات دادي لها. ولم اكتشف أنه تقاضى منها مالاً إلا بعدما أخبرنى “خمسينة” بذلك.

جلسنا في هذه الغرفة وخمسينة حاضر وشاهد. لا يقاطع الحوار، لكنه لا يتوقف عن إخراج ذيله الطويل من الشورت واللعب به أمامها.

خمسينة مستذئب. عضته سلعوة حينما كان صغيرًا، حاولوا في المستشفى إنقاذه وإعطاؤه حقنة “تيتانوس”، لكن المادة الفعالة كانت مغشوشة، فحدث له نصف تحوّل، حيث يمتلك أقدام وذيل ذئب وشعر كثيف وناعم يغطى ظهره، أيضاً يقال أن بإمكانه شم الخيانة. وحينما شمها أمسكني من يدي وأصر على المكوث بينما علي البطة يذهب بصحبة الفرنسية، وحينما أغلق دادي الباب خلفهما. قال له خمسينة “الواد دا مش تمام”. ورد دادي عليه وقد قرأه من عينيه: “عارف، قاريك يا صاحبي، محتاجين له برده، بس ابقى عيل نجس لو دخلته بيتي تاني”.

9

نزلنا من منزل دادي بعد عدة دقائق صامتة مع الخال، لم أعز حتى الأم إلا بجملة واحدة حينما دخلت، ولم أجرؤ على سؤال الخال وسط صوت مشاري راشد ونحيب الأم عن أحوال التحقيقات، عزمني البطة لتمضية السهرة معه في غية حمام أخيه فوق السطوح. لكن قدرتي على تحمل الملل والتقزز من صحبته خرقت حجر البنطلون. استأذنتُ منه ومشيتُ في شوارع  مدينة السلام، التي تحتل المساحة الأكبر منها برك من مياه الصرف نمت عليها طحالب وأعشاب طويلة لتشكل جزرًا خضراء تُغطي مياه الصرف لتتحول إلي مسطحات طحلبية في قلب المنطقة تعمل على تنقية الهواء والحفاظ على المساحات الخضراء في مدينة السلام.

مشيتُ باتجاه المحل، مكان اللقاء مع دادي في السنوات الأخيرة، ومسرح الجريمة. حينما وصلتُ وجدتُ الباب نصف مغلق وضوء أحمر قادم من الداخل. دفعتُ الباب بيدي فظهر”خمسينة”. كان المحل مقلوبًا وقد وصل خرطوم بصنبور المياه في الحمام، والماء يسيل متدفقًا على الأرضية ذات السيراميك الأسود. وخمسينة مشمرًا بنطلونه تندح المياه المخلوطة بلون أحمر إلي خارج المحل. لم نتصافح، لم نحتضن بعضنا البعض، سحب كرسيًا من فوق المكتب وعدله فجلستُ. فقد الكثير من وزنه. أخرجتُ قطعة حشيش من محفظتي، وبدأتُ في فرك الحشيش مع التبغ في كف يدي.

قال خمسينة إن الحكومة قبضت على القاتل،  واد اسمه حديدة، اتخانق هو ودادي في فرح من كام يوم. بعد الحادثة بعشرة أيام سلم نفسه وقال إنه هو اللي قتل دادي، لكن ملقوش الكبد. والواد نفسه بيقول إنه رمى الكبد.

بسبب موضوع الكبد، شكت الحكومة في خمسينة، بل الحقيقة شكوا في كل المستذئبين وأبناء الثعالب وأبناء أوى في المنطقة. هؤلاء هم الثلاث فئات المشهورة بحبها للكبد البشري. لكنهم وجدوا أخر مكالمة على تليفون دادي مع حديدة. وبالرجوع للسجلات تبين الكثير من السباب المتبادل والتوعد بنكح الأمهات والأخوات من الجانبين. مسكوا الواد ونزلوا فيه عجن. قاطعتُ خمسينة فجأة:

–        وانت كنت فين وقتها؟

10

“ربي أرحم أرواحًا اشتاقت أعيننا لرؤيتهم $$ يا رب آنس وحشتهم$$ ويسر حسابهم $$ يا رب قهم عذاب القبر واجعل قبرهم روضة من رياض الجنة”

وجدت العبارة السابقة كتحديث على الحساب الشخصي لدادي تظهر أمامي. بتلقائية أرسلتُ له على “الماسنجر”:  سلام يا صاحبي؟

أتاني الجواب في أقل من دقيقة، البقاء لله في محمد عبد السلام توفى. أنا ابن أخته، وفاتحين الحساب للأدعية والقرآن رحمة ونور على روحه.

اعتدلتُ في جلستي أمام الحاسوب وخاطبتُ حساب الرحمة والنور، لأسأله أي ابن اخت هو لدادي. كنتُ أعرف خالد المقرب أكثر لدادي، والذي كان كثيرًا ما يشركه في جلساتنا، لكن من يدير الحساب كان “حمزة” الذي قابلته حينما زرتُ المنزل لتقديم واجب العزاء مع علي البطة، ولم يسمح الظرف بالتعرف عليه أكثر.

هاتفتُ خالد، سألته عن أخباره وأحواله فقال إنه لا يزال حزينًا على خاله، لكنه بدأ يفكر في الغناء ويرغب في النزول إلي الأفراح، فاخترعت حديثًا مرسلًا، أنني أعد قصة عن عائلة دادي، وأنني أرغب في لقائه هو وحمزة في غرفة خالهما لتصويره والحديث معه. تحمس خالد وكان خاله الراحل كثيرًا ما يحينيي أمامه بأنني الصحافة والإعلام ودخلته للتلفزيون.

الباقي لم يكن صعبًا، كان حمزة يدير حساب دادي على الفيسبوك من خلال جهاز التابلت الخاص بدادي، حصلتُ على كلمة السر للدخول لحساب الفيسبوك، ولإيميله. في الحقيقة ولجتُ من التابلت على الحسابات وغيرتُ كلمة السر لكلمة أخرى. قلبتُ كذلك في بقية متعلقات دادي، التي كانت في الغرفة وأنا أدردش مع الفتيان، ثم انصرفت متقمصًا روح المفتش كرومبو.

11

لم أستطع استكشاف أرشيف مراسلات “دادي” حينما عدتُ للمنزل، صديقتي كانت في حالة نفسية سيئة وقررتْ زيارتي للحصول على حضن وحنان. ضاع المساء في صحبة حلوة وفي ضحكات وآهات.

في صباح اليوم التالي بعد انصرافها، كان أول ما فعلته إدخال كلمات السر الجديدة لحسابات دادي والاستغراق في قراءة مراسلاته وأرشيفه، وأنا أرتشف الشاي الأخضر الصباحي، في محاولة، تتجدد كل صباح للبدء في نظام الحمية الغذائية، تتبدد في المساء. من صندوق المراسلات اخترتُ أولًا محادثته مع خمسينة، وكان آخرها تقريبًا يومين قبل مقتل دادي. وبثقة أستطيع أن أقول أن أركان دوافع الجريمة كانت مكتملة، دون دلائل فعلية على تورط خمسينة في قتل صاحبه الشقيق ورفيق عمره.

لكن قلة فقط قد تفهم ما تعنيه المحادثات الأخيرة، ومن الصدف أنني كنتُ واحدا من هذه القلة حيث عشت تفاصيل الكثير مما ذكر في المحادثات الأخيرة.

12

جرت عملية إنتاج وتسويق أغاني المهرجانات في إطار إنتاجي مضاد لكل قيم السوق الإنتاجية. أولاً لم يعترف مغنو المهرجانات بحقوق الملكية الفكرية، وكثيرًا ما كان يستعيرون من بعضهم البعض الجمل، بل والأغاني كَاملة. لم يسجلوا كذلك أغانيهم، بل كانت مشاعًا إبداعيًا متاحًا للجميع يرفعونه على الإنترنت مجاناً ويتركونه مُتاحا للتنزيل لأي شخص فتنتشر الأغاني من التوك توك إلي أجهزة الموبايل، وأجهزة الكمبيوتر في نوادي الإنترنت والبلياردو.

مع تزايد الاهتمام الغربي والفرانكفوني بموسيقى المهرجانات، ظهر إسماعيل كرنب، خريج المدرسة الألماني، والمتمرد الفاشل على طبقته الاجتماعية، حاول لسنوات شق طريقه في عالم الموسيقى، لكنه أمضى سنوات في عزف أغاني الميتال باللغة الإنجليزية في حفلات ضيقة  وخاصة ومُتبَاعدة، ثم حينما تقدم في السن توفى والده فورث عنه مبلغًا من المال أسس به استديو صغير، حوله إلي شركة إنتاج “دواير”.

حمل إسماعيل لقب كرنب من سنوات لعبه موسيقي الميتال ولم أعرف ما أصل الاسم، لكن دادي كان يسخر منه في السر ويقول إنه بسبب حبه لتناول محشى ورق الكرنب، ورفضه تناول ورق العنب.

هبط إسماعيل كالباراشوت على على دادي وعلى شباب المهرجان، بحكم إجادته لأكثر من لغة أوروبية. عمل على تسويقهم في الخارج، ووفر لهم معدات تسجيل مُتقدمة، ووقع العقود مع يوتيوب وغيرها من المواقع، التي كان يبيع لها أغاني الشباب، وفي المقابل يمنحهم بضعة آلاف. نظرتُ للوضع دائمًا كاستغلال واضح وبيّن، ولم أرتح لرائحة كرنب أبدًا، لكن دادي كان ينظر إلي الأمر باعتباره أفضل ما يمكن الحصول أو الوصول إليه.

لا عقود في عالم المهرجانات بل كلمة لكلمة. وكلمة كرنب كانت أكاذيب متسلسلة. بعد عامين اكتشفوا أن كرنب كان يقدم نفسه بصفته مدير أعمالهم، ويتقاضى نسبًا من كل الحفلات والأعمال التي ينجزونها دون أن يخبرهم. وقتها كان فريق دادي قد توسع ليضم الدكتور حاحا، خمسينة، عفريت، وجماعات متعددة من الأصدقاء والمحبيين والتابعين.

أوقف دادي التعامل مع كرنب. ثم بعد أقل من عام ظهرت شركة صوت مصر، التي سعت لاحتكار كل الأصوات على الساحة بالفضة أو الرصاص. عارض دادي الانضمام لصوت مصر، وفضل العودة لجذور التسجيل الحر ورفع الأغاني على يوتيوب والاعتماد على عروض الحفلات والأفراح. لكن أمامي الآن توضح المراسلات أن خمسينة لم يرض بهذا القرار، وتشير المراسلات أن خمسينة قد وقع بالفعل مع صوت مصر، لكن “خمسينة” لوحده هو ظل “دادي”. هو الصدى لصوته، والقائم بأعمال “المردات” عليه حينما يغني. كما أن المراسلات بين الاثنين تشير لخلاف حاد وصل إلي التهديد، حيث أرادت شركة صوت مصر شراء كل حقوق أغاني الثنائي دادي وخمسينة، لكن دادي رفض التوقيع. كيف رأى خمسينة الأمر؟

رد عليه في أحد حواراتهما: “انت كدا شوكة في زوري يا شقيق،  وخاطف معاك كل شغل وسنين تعبي”.

لستُ محققًا جنائيًا، لكن اكتشفت كل تلك المراسلات والتهديدات من جانب خمسينة، والتي كان يرد عليها دادي بمحاولات الاحتواء، ورفضه التوقيع أو العمل مع صوت مصر. “لأنهم شركة عسكر ولو سلمت لهم إيدي النهاردا بكرة رجلهم هتبقي فوق رقبتي”، لذا بتلقائية شديدة رفعتُ التليفون واتصلتُ بخمسينة، الذي فاجأني بترحيب كبير وبدعوة لحضور حفل خطوبته.

13

العيشة ارتاحت. وصلت إلي مدخل الكمبوند، ذكرتُ اسم “خمسينة”، لم يعرفه أحد من رجال الأمن، أحدهم سأل: “حضرتك جاي الحفلة”. هززتُ رأسي بالإيجاب فوصف لي الطريق بعد الاطلاع على رخصتي وتسجيل بياناتها.

وصلتُ إلي الفيلا وأنا أحاول استيعاب أن كل هذا من المفترض أن يكون حفل خطوبة خمسينة، نجم المهرجانات وذئب الحديدة. لا شارع، لا مسرح، لا ورق بانجو، لا أضواء، بل “دي.جي” في زاوية من حديقة الفيلا، وحمام سباحة حوله ينتشر الحضور والضيوف. مبنى الفيلا نفسه بلون أبيض من ثلاثة أدوار على جدرانه حفرت أجنحة لطيور جارحة، وفي أعلى المبنى انتصبت على زاوية تماثيل بيضاء، كل واحد منها بطول متر يمثل النسر المصري الهزيل في وضع محير بين محاولة تصنع الشموخ ومظاهر الاكتئاب. في مقابل المبنى الأبيض ذي النوافذ والأبواب الخضراء يوجد مبنى آخر حديث، لكنه أصغر، من ثلاث غرف ودور واحد أقرب إلي أن يكون بيت حمام السباحة، لكنه مبنيٌ بطراز معاصر، حيث تتداخل جدران الأسمنت المصبوب مع الزجاج المعتم.

لم أشاهد أحدًا أعرفه بشكل شخصي، وإن كانوا جميعًا نجومًا من السينما والتلفزيون، وعاملين في قطاع الترفيه والإعلانات والصناعات الغذائية. ولا شئ من رائحة مجاري مدينة السلام.

لمحتُ الدكتور حاحا في زاوية. كان واقفًا وفي يده “جوب” يدخنه بهدوء في عزلة كما العادة. توجهتُ نحوه، لكن في منتصف الطريق، شعرتُ بحبل من الفرو يلتف حول ساعدي الأيمن ويمسكني، كان هذا ذيل خمسينة.

– صاحبي..

ابتسامته مفشوخة على وجهه من أقصي اليمين لأقصي اليسار. صافحته مهنئًا. لكنه حضنني في مبالغة عاطفية لم أفهمها. وقبل أن نبدأ فاصل السلامات والتحيات. سمعتُ صوت نهيق غريب تبعه نداء على خمسينة. ضحك معتذرًا: “الجماعة، تعالى لما أعرفك”، جرني من يدي فوجدت أن خطيبته، التي أصبح يناديها بالجماعة هى فاطمة الفقمة. الممثلة الكوميدية والمغنية.

ظهرتْ فاطمة منذ سنوات كممثلة كوميديا. كانت ذات جسد نحيل وعظام بارزة ومعظم أدوارها تعتمد على السخرية من جسدها، ثم قررت تغيير كل هذا والقيام بسلسلة من عمليات التجميل. أحدث الصرعات وقتها كانت استخدام دهن حيواني مستخرج من الفقمة بدلاً من السيلكون، لكن لسبب ما تسببت العملية بعد فترة في تحورات جينية لفاطنة، التى غيرت اسمها ليصبح فاطمة وبعد التحولات الجينية منحها الجمهور لقب فاطمة الفقمة، حيث نمت أعضاؤها الأنثوية، وظهر لها لغد تحت ذقنها، كما تغير صوتها ليصبح ذا إمكانيات غنائية وموسيقية حققت نقلة جديدة لها في مشوارها الفني، حيث احترفت إلي جانب التمثيل الغناء الأوبرالي والخليجي، والآن ها هي على الطريق للزواج بخمسينة، نجم المهرجانات الصاعد والذي يصغرها بأكثر من عشرة أعوام.

14

في سلسلة أفلام الأب الروحي كانت الاحتفالات الدينية والعائلية كما في تقاليد المسرح الشكسبيري هي الفضاء المكاني والزماني، الذي تقدم من خلاله الشخصيات وتظهر البذور الأولى لطبيعة علاقاتها. وقد بدت حفلة خطوبة “خمسينة” بداية لفصل في عالم جديد، ربما كان موجودًا من قبل وجودي حتى، لكن سمح لي بدخوله لأول مرة في تلك الليلة.

ارتفعت الموسيقى بعد مُنتصف الليل، لكن من دَاخل البيت الصغير الملحق بحمامِ السباحةِ يمكنك مُشَاهدة كل شيء في الحديقة دون أن يصلك أي صوت بسبب العوازل الصوتية والزجاج المضاعف على الأرجح. بدا المنظر جذابًا أن تشاهد كل هذه الجموع وبعضها يتحرك منفعلاً مع الموسيقى والأغاني دون أن يصلك أي صوت، فقط خرير المياه من الصنبور في الحمام الملحق بالغرفة الواسعة.

صمت صوت الخرير، وسمعتُ صوت كعب عال على السيراميك، ثم صوتها قاطعني من السرحان مع مشهد الرقص الصامت :

–  مضاد للرصاص وعازل للصوت والحرارة كمان.

في الغرفة كان هناك سرير واسع، كرسيان من تلك التي يمكنها أن تتصل بتطبيق على جهازك المحمول لتتحول لوضع تدليك عضلات ساقيك وظهرك ومؤخرتك كذلك، أمامهما طاولة زجاجية وأريكة وثيرة يجلس عليها الدكتور حاحا. على الطاولة كانت هناك سطور من مسحوق أبيض، لكن الدكتور كان يفضل الجوينت مشتعلاً في يده وصفيحة البيرة المعدينة في اليد الأخرى. في الزاوية المقابلة يوجد مكتب بسيط الطراز، خلفه جلس الأستاذ بركات في بدلة واسعة عليه، كما سيظل منذ أول لقاء، وإلي أن يدفنوه على الأرجح.

تقدمت د. فايزة نحوي وهى تمد يدها بالسلام، أحسست بالرطوبة في كفها وكنت لا أعلم لماذا أنا هنا، ومن هى د.فايزة سوى أن اسمها يظهر كعضو منتدب في تكتل شبكات وقنوات الحياة والتحرير والتنوير. كما أعرف أنها شريكة في أكبر شركة إعلانات في السوق، التي تحتكر صناعة الإعلانات الإلكترونية ورعاية المواقع الإخبارية. لا أعرف أيضاً ما الذي كانت تقصده بالمقدمة الطويلة التي تحدثت فيها عن التكنولوجيا وانترنت والعالم الجديد والسوق المليء بالفرص، وموقع يوتيوب، الذي يريد أن يسرق عَرَقَنا وشقانا ويمتص الطاقة من أرواحنا ثم يرمي لنا بالملاليم. أخذت تتحدث وأنا أهز رأسي أو ابتسم، وحينما توقفت لثوان لالتقاط أنفاسها بين جمليتن، نظرتُ لدكتور حاحا بمعنى، “إيه يا صاحبي مفيش حاجة علينا”.

ناولني الدكتور نصف الجوينت مشتعلاً، ويبدو كأن د. فايزة فهمت الأمر كإشارة على تململي. فانتقلت إلي كرسي المساج وجلست عليه، وقد أخرجت هاتفها ايفون وهي تخاطبني:

–        شوف يا أحمد باختصار، أنا عايزة منك خطة مكتوبة ومنظمة لطريقة عمل. إزاي نقدر ننقذ صناعة المزيكا في مصر ونحتوي الشباب اللي على الإنترنت.

هبط صمت على الغرفة. رفعتُ هي الهاتف وهي تكتب شيئا ما على شاشته، ثم أدارات رأسها نحو حاحا قائلة :

–   يعني مثلا تقدر تفهمني إزاي مفيش ولا أغنية مهرجانات وطنية، ولا حاجة لجيش مصر.. ينفع كدا، عايزين الناس تحبكم وأغانيكم تظهر في التلفزيون وتكسبوا فلوس إزاي طيب؟

هدأت أعصابي وارتخت عضلاتي بعد ثالث نفس من الجوينت، وقلتُ هذا حسن.

15

لم يتجاوز حسابي في البنك طوال حياتي الـ12 ألف جنيهًا، لكن بعد شهر واحد من العمل الخفيف القائم على الاجتماعات والتخطيط مع د. فايزة، كان سجل البيانات في الحساب يظهر كيف تجاوز الرصيد الخمسين ألف جنيهًا، كل هذا في شهر واحد فقط. تذكرتُ صيحة شاعر الغية في مهرجان نسيتُ اسمه “نسرق يعنى ولا نبيع بودرة”، في الحالتين لم يكن بامكان أن تجني خمسين ألف جنيهًا في الشهر، وكنتُ أعرف أن هذه هي البداية، لأنه ما أن يبدأ العمل الحقيقي وترتفع المبيعات وتنهمر أموال الأرباح سأحصل على نسبة من الأرباح، لا على أجر شهري فقط.

لم أدر ماذا أفعل بخمسين ألف جنيهًا. أوقفتُ تاكسي، وطلبتُ منه التوجه إلي فندق المواسم الأربعة، قررت منح نفسي جلسة مساج وحمام مغربي وتنظيف وتدليك وباديكير.

16

اعتمدتْ خطة التسويق على عدة مسارات. كنتُ أعلم أن مسار عوالم الليل والأفراح وليالي الحظ في جيبنا، تبقى لديّ مسار كيفية الوصول إلي الطبقة الوسطى وإشعارها بالانتماء وأن موسيقي المهرجان لا تظهرها بمظهر أقل من مكانتها الاجتماعية، إلي جانب الوصول إلى سياق يمَكّن السلطة السياسية وآلات إنتاج الخطاب الوطني من مسار يمَكُنها من التعامل مع هذا الفيض، وهذه الطاقة “الفرتكة” الكامنة في إيقاع المهرجان.

استلهمت مسيرة مغنّيي الراب الأمريكان، وكان المسار هو خلق أيقونة غامضة مليئة بالإشاعات من وفاة دادي، والتي فشل الأمن في تلفيقها لأي شخص وتم قيدها ضد مجهول. وزعت في محطات الميكروباص وأمام المدارس الثانوية والإعدادية بوسترات تضم “بوب مارلي، تو باك، ودادي”. ثم بوسترات متعددة لدادي.

قبل كل هذا بالطبع أقنعتُ الأم الثكلى لدادي والخال، الذي هبط على الأسرة مُقيمًا لدور الذكر الحامي في البرية، بالتوقيع معنا بمقابل مقدم مادي كبير، وحصلنا بذلك على حق انتفاع واستغلال لكل أعمال دادي، التي لم تكن مُسجلة. تولت د. فايزة والأستاذ بركات عمليات شرعنة موسيقى المهرجان ومنتجاتها، تمّ ترسيخ قوانين الملكية الفكرية، رفعا أكثر من قضية على محمود مطبعة، وطاردت مباحث المصنفات “الدي جي”، الذين يشغلون أغاني المهرجانات دون الحصول على تصريح.

في العالم الجديد لم تكن هناك مساحة للمنتجين المغامرين الصغار، كمطبعة أو استديو كانكا. في العالم الجديد منتجات موسيقي المهرجانات تشمل الموسيقى والأغاني، وخطوطًا لإنتاج الملابس والسلاسل والإكسسوارات، إلي جانب البوسترات وإكسسورات السيارات والتوك توك، بل وصل الأمر إلي تصنيع برفانات شعبية بأسماء الأغاني الشهيرة ومغنّيي المهرجانات نجوم العالم الجديد، ثم دون قصد مباشر، غرق الإنترنت بصور وأغاني دادي. كان الصغار يحبونه، وتحوّل بسبب وفاته شابًا، وأغانيه التي امتلأت بالعنف وسرد أحداث العراك والخناقات، إلي جانب الروح الواثقة من نفسها وبأن “المزيكا من راسي لكعبي/ تسمع راب أو تسمع شعبي / أجيب المضمون في الكون بكعبي” أصبح ارتداء التي- شيرت، الذي يحمل صورة لدادي وهو يفتح مطواة وجوينت في زاوية فمه من أيقونات الملابس التي يقبل الجميع على ارتدائها، وعادت الموسيقي القديمة للحياة، لكن هذه المرة لم تكن متاحة للجميع مجانًا على انترنت، بل يمكنك تحميلها بـنصف جنيه من على انترنت. وفي الأعياد والمواسم هناك عروض خاصة يمكنك فيها تحميل الأغنية بعشرة قروش.

خلقنا كذلك خطوط إنتاج جديدة شملت إعادة بعث للمغنين القدامى. خمسينة مثلا أنتجنا له ألبومًا مع عدد من نجوم الغناء العرب. قام بتوزيعه الدكتور حاحا وتحول الألبوم إلي قدس الأقداس في ليالي الأفراح والرقص. شمل الألبوم أغاني حققت تزاوجًا بين المهرجانات والغناء الخليجي وأقبل عبد الله بالخير، حسين الجسمي، وعد، وغيرهم من مغنّيي الخليج على موسيقى المهرجان. كذلك ظهرت أغان كسرّت الدنيا وولعت في سقف المكان، شملت تزاوجًا بين الموسيقى البدوية الشامية وموسيقى المهرجانات. كان المال يتدفق والسيادة تترسخ، وحافظنا في الوقت ذاته على وجود المعترضين والمهاجمين حتى يظل موضوع موسيقى المهرجانات حاضرًا كموضوع للنقاش في برامج التوك شو، والنقاشات الإخبارية، وفي كل برنامج يستضيف موسيقيًا أو مغنيًا من مغنّيي شركتنا، كنتُ أصر على ضرورة الاتصال بحلمي بكر، لكي يقدم مداخلة يهاجم فيها مغنّيي المهرجانات.

مثل هذا الاعتراضات تقوي من شخصية الموسيقى وترسخ انتماء الأجيال الشابة لها، وتجعلها وسيلة للإعلان عن الهوية والاستقلالية في مقابل أمثال حلمي، تمهيدًا للغد الجديد، الذي لا يكون فيه مكان لحلمي سوى في مقبرته بينما يصعد نجوم السعادة.

أنا كذلك كنتُ أودع العالم القديم لحياتي، أبتعد عن الصحافة والكتابة، ويومي يضيع في اجتماعات وترتيبات لحملات إعلانية وحفلات وهلك واستهلاك للوقت والسجائر وآلام في الظهر من قلة المشي والحركة، ونصيحة من أستاذ بركات بضرورة المشي نصف ساعة على الأقل يوميًا، وتحذير من د.فايزة بضرورة المحافظة على لياقتي والتخلص من هذا الكرش، فذهبت إلي الجيم وتناولت البروتين والمكملات الغذائية، غيرت جسدي وازداد معدل استهلاكي للويسكي والكونياك، وكلما شعشعت الرأس ذَكَرتُكَ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِني وبِيضُ الهِندِ تَقطرُ من دَمي، قلتُ ألف رحمة ونور عليك دادي.

لكن مع كل ما صار عرفتُ في قرارة نفسي أن مهمتي لم تنته بعد، كأي فن وكأي نوع موسيقى، لترسيخه في التاريخ الرسمي والوجدان المصري يجب أن يحوز رضا السلطة ويتداخل مع نسيجها الوطني، ودعامته الأساسية هي الخطاب الوطني القائم على الانتصارات العسكرية، كانت هذه هي النقلة الأكثر تعقيدًا.

17

لا يمكن أن ترث الأرض وما عليها ولا أن تحصل على الأربع وعشرين قيراطًا. علاقتي العاطفية كانت تنهار تحت ضغط المشاغل واحتضار الشغف. جلسنا معًا في جلسة للبحث عن مخرج أو إيجاد أي نبض في هذا الحب المتسرب من أصابعنا. لكن رن الهاتف في منتصف الحديث فظهر رقم أستاذ بركات، ولأنني كنت أنتظر هذه المكالمة فقد أجبت، وأنا أقول لها دقيقة واحدة.

أعطيتها ظهري وأنا أجيب على الهاتف. كان بركات يخبرني بأنهم تمكنوا من عقد الاتفاق مع الهيئة لتنظيم احتفالية انتصارات أكتوبر الثورات المجيدة. سألته عن التفاصيل ونبضي يرتفع مع انهمار الأخبار التي كنتُ انتظرها، وحينما أنهيتُ المكالمة والتفتُ لأبحث عنها، لم أجدها في المكان.

18

شملت احتفالات النصر العظيم وثورات أكتوبر مشاركة قوات رمزية من كل الأسلحة، لصنع استعراضات ،مبهرة في ساحة الاستاد. قام الدكتور حاحا بتأليف وتوزيع كل الموسيقى في الاحتفال، من الألحان الشرقية التي صاحبت اللوحات التي صنعتها التشكيلات في الساحة مع تقاطعات أضواء الليزر.

حكت اللوحات قصة كفاح الأمة المصرية شعبًا وجيشًا من فجر التاريخ حتى أثمرت شجرة الوطنية، التي روتها دماء الشهداء. وعلى الشاشة الكبيرة، التي تحتل خلفية المسرح. مع سقوط آخر شهيد في اللوحة، التي تنفذها التشكيلات. ظهرت صورة دادي وهو يقف منتصب القامة مشدود الصدر، مؤديًا التحية العسكرية وعلم مصر يرفرف خلفه، والموسيقي تعزف النشيد الوطني، ثم فجأة تتداخل موسيقى النشيد الوطني مع صوت “البيز” وإيقاعات الطبول الإلكترونية، ويظهر خمسينة على المسرح وهو يصرخ بصوت أجش خشن: “أنا أوزع أنت ترزع / أنا أغني أنت تسمع / مصر بلدي فيك هتوجع”، إلي آخر مهرجان بلادي وبطلي كايد الأعادي، وأكدتُ عليه في هذه الحفلة بالذات أن ينظر ويشير بيده باتجاه الرئيس مع كل مرة يقول فيها بطلي. وفي منتصف الأغنية اقتربت الكاميرا من وجه الرئيس، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة بسيطة، ثم لقطة واسعة للصف الأول حيث يجلس بجواره كبار رجال ونساء الدولة، وبعيني لاحظتُ رِجْل الرئيس اليسرى تهتز مع الإيقاعات. كانت هذه اللقطة أهم عندي من المصافحة التي حظيت بها معه.

19

قررتُ قضاء يومين في المنزل بعد إرهاق تنظيم الحفل الذي استمر لشهور. استيقظتُ بعد نوم عميق. اتجهتُ للحمام وغسلتُ يدي ووجهي، فرّشت أسناني، وقررتُ حلق ذقني، التي لاحظتُ فيها بعض الشعيرات البيضاء.

لكن أولاً قررتُ طهو قطعة استيك مع مكرونة بالصوص الأبيض. خرجتُ من الحمام واتجهتُ للثلاجة لإخراج اللحمة حتى تفك أثناء حلقي لذقني وأخذ الدوش. فتحتُ “الفريزر” فوجدتُ كيس حفظ مغلق بإحكام وفيه ورقة كتب عليها “أنت مع دادي”، فتحتُ الكيس، كانت هناك شريحة لحم بنصف حجم كف اليد، لمستُها بطرف إصبعي. كانت حمراء قانية تقترب من اللون الأسود في بعض أجزائها. وضعتُ طرف إصبعي على أنفي، كانت عليه بقعة حمراء من أثر ملامسة اللحم، ما أن تذوقتها واضعًا إصبعي في فمي، حتى عرفت أنها جزء من كبد دادي.