نص حيثيات حكم براءة أحمد ناجي محكمة الجنح يناير 2016

ئاسة السيد / ايهاب الراهب

السيد / حسين شقوير وكيل النيابة

محمد الصاوي امين السر

قضية النيابة العمومية رقم 9292 لسنة 2015 جنح بوﻻق ابو العلا

ضـد

احمد ناجي احمد حجازي

طارق الطاهر حنفي سيد

بعد سماع المرافعة ومطالعه الاوراق

حيث تتحصل وقائع الدعوي فيما ابلغ بيه المدعو / هاني صالح من انه حال شراءه لجريدة اخبار الادب العدد منه يتضمن عبارات تخدش الحياء العام وعبارات جنسية وانه يتضرر من كل من طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير جريدة اخبار الادب والصحفي احمد ناجي احمد حجازي كاتب المقال .

حيث باشرت النيابة العامة التحقيقات وبسؤالها للمتهم الثاني طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير اخبار الادب انكر ما هو منسوب اليه وقرر بانه لم يطلع علي النص بالكامل وانما اكتفي بقراءة رقم 1097 الصادر بتاريخ 3 اغسطس 2014 فوجي بمقال يحمل اسم ملف استخدام الحياة الفصل الخامس عنوان النص فقط وبسؤال الشاكي قرر بمضمون ما جاء بمحضر الاستدﻻﻻت واضافة ب انه فقد اصابه ضرر من ذلك وبسؤال النقيب احمد سمير الشيخ معاون مباحث قسم بوﻻق ابو العلا شهد بان تحرياته انتهت الي صحة الواقعة وقد قدمت النيابة العامة المتهمان للمحاكمة الجنائية بالمادتين 178و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات لقيام المتهم الاول بنشر مقال بقصد العرض و التوزيع يحتوي مادة كتابية خادشة للحياء العام علي النحو المبين بالأوراق وقيام المتهم الثاني بصفته رئيس تحرير جريدة اخبار الادب اخل بواجب الاشراف علي جريدته فيما ادي الي نشر المقال محل الاتهام السابق .

وحيث تداولت الدعوى بالجلسات علي النحو المبين بمحاضر جلساتها مثل فيها المتهم الاول ووكيل محام والذي طلب شهادة المختصين من رجال الادب والفكر واختص كل من الاستاذ/ محمد سلماوي و الروائي / صنع الله ابراهيم والاستاذ/ جابر عصفور كما مثل المجني عليه بوكيل محام وطلب اجل لإعلان بالدعوى المدنية وبجلسة 12 ديسمبر 2015 مثل كل من الاستاذ / محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب و الروائي / صنع الله ابراهيم واقر كل منهما بان العمل محل المحاكمة هو عمل روائي متكامل من خيال الكاتب المتهم الاول وﻻ يمكن اجتزاء اي جزء منه علي حده وتقييمه بشكل منفصل عن سياق الرواية وانه يوجد الكثير من الاعمال الادبية الهامة حوت علي الفاظ وايحاءات جنسية كرواية الف ليله وليله ورواية دعاء الكروان لعميد الادب العربي طه حسين كما ان العديد من كتب الفقه و التفاسير حوت ايضا علي الفاظ وعبارات جنسية كما مثل محام المتهم الاول وابدي مرافعه شفوية استمعت اليها المحكمة كما قدم ايضا مذكرة بدفاعه طالعتها المحكمة والمت بها كما قدم محامي المدعيين بالحق المدني صحيفة الاعلان بالدعوى المدنية وقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم جلسة اليوم .

هذا ولما كانت المادة 67 نصت على ” حرية الابداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب ورعاية المبدعين وحماية ابداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك.

وﻻ يجوز رفع او تحريك الدعاوى لوقف او مصادرة الاعمال الفنية والادبية والفكرية او ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانيه المنتج الفني او الادبي او الفكري.”

“ولما كان من المسقر عليه بأحكام محكمة النقض بأن حق محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي اليه اقتناعها سواء من الادلة المباشرة او بالاستنتاج و الاستقرار و كافة الممكنات الفعلية مادام سائغا”

(الطعن رقم 4184 لسنة 73-قضائية جلسة 29 سبتمبر 2003)

كما أنه من المستقر عليه ايضا ” لمحكمة الموضوع تجزئة اقوال الشاهد والاخذ لما تطمئن اليه وطرح ما عداها. علة ذلك؟ عدم التزامها بان تورد من اقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها

(طعن رقم 42490 لسنة 72 قضائية جلسة 5 مارس 2003)

حيث انه من المقرر ان حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتوالد عنها ﻻ يجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارساتها سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها بل تكن للمواطن الحرية ان يتنقل بينها يأخذ منها ما يأخذ ويلفظ منها ما يلفظ دون ان يوضع له اطارًا او قالبا يحد من تكوين افكاره ومعتقداته كما ان طرح الافكار والآراء والمعتقدات علانيه يجعلها مجالًا للبحث والتقييم من جانب المختصين بل والمجتمع اجمع فيأخذ منها الصالح ويطرح الطالح.

وحيث انه عن موضوع الدعوى فلما كانت النيابة العامة احالت كلا المتهمان بتهمة حدش الحياء العام طبقا للمادتين 178 و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات الامر الذي يتطلب توافر القصد الجنائي الخاص الذي يتمثل في قصد المتهمان حدش الحياء العام او نشر الفجور و الرذيلة وهو يتنافى مع ما قام به المتهم الاول الذي يعد عملا ادبيا من وحي خياله وان ما تضمنه ذلك العمل الادبي من الفاظ وعبارات ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء به ، هو في اطار عمل ادبي وسياق عام لقصه حاكها المتهم الاول من وحي خياله كما ان ما احتواه العمل الادبي ( القصة ) علي الفاظ وعبارات جنسية هو امر درج في العديد من المؤلفات و الاعمال الادبية و الاشعار قديما وحديثا وهذا ما انتهت اليه شهادة كل من الاستاذ / محمد سلماوي والروائى / صنع الله إبراهيم والتي تطمئن اليهم المحكمة من ان العمل الادبي ﻻ يمكن الانقطاع من سياقه او اخذ جزء منه و ترك الاخر .

كما أن العمل الادبي هو كيان واحد إذا انقطع منه جزء انهار ذلك العمل.

كما ان المحكمة ترى ان تقييم الالفاظ والعبارات الخادشة للحياء امر يصعب وضع معيار ثابت له فما يراه الانسان البسيط خدش للحياء تراه الانسان المثقف او المختص غير ذلك وما يراه صاحب الفكر المتشدد خدشا للحياء لا يراه صاحب الفكر المستنير كذلك.

وكذلك ما يطرح في مجاﻻت البحث العلمي في الطب مثلا يكون بالنسبة للغير خدشا للحياء إلا انه ﻻ يكون كذلك بالنسبة للأطباء مثلا فان العبرة في عقلية المتلقي وتقديره للأمور.

فالعبارات التي حوت تلك القصة محل الاتهام ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء لم يرتأها الادباء والروائيين خدشا للحياء طالما انها كانت في سياق ومضمون عمل ادبي فني.

إذا فان المعيار في ذلك يختلف من شخص الي اخر حسبما لثقافته وافكاره وتعليمه فما اتاه العلماء والمثقفين قديما من أفكار وآراء واجتهادات كانت محل رفض ونقد لهم من مجتمعاتهم ان ذاك اصبحت اليوم من الثوابت العلمية والابداعات الادبية التي تثري مجتمعنا.

ولما كان ذلك الامر الذي ترى معه المحكمة انتفاء القصد الجنائي الخاص لدى المتهمان عن قصدهما بخدش الحياء ونشر الرذيلة ولما كان المستقر عليه قانونا وفي قضاء محكمة النقض أن الاحكام الجنائي تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين وإن تشكك القاضي في صحة الاسناد كفيلا بالقضاء ببراءة المتهم الامر الذي تقضي معه المحكمة والحال كذلك ببراءة المتهمان مما نسب إليهم من اتهام ورفض جميع الدعاوى المدنية المقامة وإلزام رافعيها المصاريف وخمسون جنيها اتعاب محاماة

لهذه الأسباب حكمت المحكمة

ببراءة المتهامان مما نسب اليهما من اتهام ورفض الدعاوى المدنية وإلزام رافعيها المصاريف اتعاب محاماة وخمسون جنيها.

 

استأنفت النيابة على حكم البراءة، حيث أعيدت المحاكمة أمام محكمة استئناف، التى قضت يوم 20 فبراير بسجن أحمد ناجى لمدة عامين بتهمة خدش الحياء

حراس البهجة.. ملوك المهرجانات

نشر هذا التحقيق الطويل في مارس 2012 بأخبار الأدب، وقتها كانت موجة المهرجانات في بدايتها. منذ أيام أعلن السادات (يونيو 2017) الذي كان شاباً وقتها اعتزاله الغناء في المهرجانات، لينهى بذلك تجربته ورحلته مع موسيقي المهرجان التى كان أبرز نجومها، وشاركه في تلك الرحلة علاء فيفتى وعمرو حاحا، حيث شكلوا مع بعضهم البعض ثلاثي صنع أبرز أغانى تلك الفترة

نجلس علي مقهي “زهرة السلام” في مدينة السلام ومع ذلك يعرفه سُكَان المنطقة بمقهي الزلزال. يشير “السادات” إلي بركة مجاري تغطي الشارع كله أمام المقهي ويقول ساخراً:
-زي ما أنت شايف عندنا هنا مناظر طبيعية جميلة أوي.
نضحك. يتدخل علاء فيفتي موضحاً: “الشارع كله كان مرصوف حتي نهايته، وكان منظم ومرتب. فجأة الحكومة من حوالي بتاع خمس عشر سنين بدأوا يحفروا هنا، ضربوا ماسورة المجاري وسابوها كدا”.
اسأله: بيدخلوا غاز ولا إيه بالضبط؟
يجيب “السادات”: بيدخلوا وخلاص المهم يحفروا طوال الوقت.
هنا مدينة السلام آخر محطات الخط الساخن لإنتاج موسيقي المهرجانات في مصر والذي يمتد ليشمل (عين شمس، المطرية، مدينة السلام).
موسيقي المهرجانات لن نجدها علي القنوات الفضائية، ولا في المحطات الإذاعية، كما لن تجدها علي شرائط كاسيت أو اسطوانات ولا يبدي فنانوها أدني اهتمام بالدخول في عالم سوق الإنتاج الموسيقي والغنائي.مع ذلك في كل فرح تقريباً في مصر أصبحت موسيقي المهرجانات عنصراً أساسياً، وأصبحت في فترة قصيرة مُرادفاً لبهجة المصريين. هي خليط من الموسيقي الشعبية القاهرية والموسيقي الإلكترونية الغربية مع إيقاعات موسيقي “الراب” العربية. موضوع هذا الملف الأساسي ثلاثة من فرسان البهجة في عالم موسيقي المهرجانات (السادات، علاء فيفتي، عمرو حاحا) لكننا نحاول من خلاله الاقتراب من الإيقاع الجديد لمدينة بحجم وفوضي القاهرة.
خارج مدينة السلام. كانت الصحافة في القاهرة مشغولة بفتح باب الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية للمرة الأولي. والجدل الفني يتزايد حول هل يجوز اعتبار شعبان عبد الرحيم “فناناً” أم إفرازاً من إفرازات الانحطاط الاجتماعي. كان هناك المدونات وجيل غامض ينظر الكثيرون له باستهانة.
في مدينة السلام بعيداً عن كل هذا كان “علاء فيفتي” ينظر إلي مياه المجاري التي تتكَاثر كأنها كائنات حية تتناسل وتنتشر في شوارع مدينة السلام. الرطوبة تأكل المباني التي أعدتها علي عجل القوات المسلحة بعد زلزال 92. يتحرك “فيفتي” وسط كل هذا وهو يستمع إلي أغاني أحمد عدوية وفناني الراب العالميين في ذلك الوقت كان “ايمنيم – Eminem” الأبيض الذي يغني موسيقي الأفارقة الأمريكان ويحقق نجاحاً أكثر منهم كلهم ظاهرة فريدة في كل أنحاء العالم.
“فيفتي” لم يكن مشغولاً بالموسيقي فقط بل بالسينما والتمثيل. هو حالة فنية ضائعة في متاهات شوارع مدينة السلام. حاول التمثيل ولو بأدوار صغيرة في بعض الأفلام السينمائية لكنه لم يتحمل المناخ المتسلط الذي يمارسه المخرج علي مؤدي الأدوار الصغيرة. ترك موقع التصوير وفي ذهنه يدور خليط الموسيقي المفضلة عنده. أحمد عدوية مع إيقاعات الراب الذي بدأ في ذلك الوقت ينتشر عربياً وظهر له نجوم علي الانترنت والهوامش الثقافية لا التلفزيون أو السوق الرسمي. لكن الراب العربي الذي بدأ ينتشر في ذلك الوقت كان يعتمد علي توظيف إيقاعات غربية يتم أحياناً تحميلها من علي الإنترنت ثم إعادة توزيعها مع تركيب صوت المغني عليها لتخرج في النهاية عملاً متكاملاً بكلمات عربية لكن تظل الإيقاعات غربية.

x-3199
مع السادات في نادى البلياردو في مدينة السلام في شتاء 2012

ما كان يحلم به “فيفتي” أمر مختلف تماماً كان يريد تفتيت الموسيقي الشعبية تجريدها من كل الحُلي والزخارف والآلات الشرقية مع الحفاظ علي الروح ثم صب هذه الروح في إيقاع قوي وعنيف.

ذهب “فيفتي” إلي أحد أصدقائه الذين لديهم خبره في مجال الكمبيوتر وبرامج الهندسة الصوتية. علي جهاز كمبيوتر منزلي تمت صناعة أول أغنية تندرج تحت ما سيعرف بعد ذلك بموسيقي المهرجانات. الأغنية كانت بعنوان “مهرجان السلام”.

مديح طويل لسكان مدينة السلام، رجالتها وشبابها، جدرانها وشوارعها التي لم تتوقف الحكومة حتي اليوم عن الحفر أسفل منها وكسر مواسير المجاري ومياه الشرب مخلفة مستنقعات تتكاثر في معظم الشوارع.

عمي فتحي

في المرة الأولي التي قابلت فيها السادات في مدينة السلام أخذني إلي “عم فتحي”. بدا أنه لن يكون مُستريحاً في الحديث علي مقهي زهرة السلام. وحينما وصلنا أدركت لماذا سيبدو مستريحاً أكثر لدي عم فتحي.

لا يتجاوز سن السادات الخامسة والعشرين. في أي مكان علي أرض جمهورية مصر العربية هناك عم فتحي بالنسبة له ولجيله.

يتكون مكان عم فتحي من طاولة “بينج بونج” تعلوها تعريشة خشبية. غرفة صغيرة تحتل الجزء الأكبر من مساحتها طاولة بلياردو. ثم جهازا تلفزيون يتصل كل واحد منهما بجهاز ألعاب “بلاي ستيشن”. بسبب التطور التكنولوجي في العقود الأخيرة تغيرت أماكن الترفيه التي يقبل عليها الأطفال والمراهقين. لم يعد اللعب في الشارع كافياً. وظهرت ما يعرف بصالات “الفيديو جيم” البسيطة. في كل منطقة سكنية في مصر لا بد أن يوجد مكان مثل عم فتحي، وإن كان مستوي شاشات التلفزيون والألعاب الموجودة يتغير علي حسب المستوي الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.

بينما السادات يسحب الكراسي ويسألني إذا ما كنت أرغب في بعض الشاي ويتحرك في المكان كأنه في منزله. يأتي بعض الأطفال يحادثون عم فتحي: “عم فتحي عايزين نلعب ربع ساعة بينج”.

يأخذ عم فتحي منهم المال. ثم يسحب سيجارة من علبة السادات “مارلبور أحمر”. في البداية يبدو مندهشاً لوجود صحفي ومصور في مكانه يجرون حديثاً صحفياً مع واحد من الشباب الذين يعرفهم منذ كانوا صغاراً. يأتي أحد الزبائن، ألمحه يشير نحونا وهو يقول:

-شفت الواد السادات هيظهر في التلفزيون.

حينما يطمأن لنا وتمتد الجلسة قليلاً، يأتي عم فتحي ليجلس جوارنا يقول لي:

-“السادات دا مجنون، وهو صغير كنا بنسميه المجنون. مكنش بيعمل حاجة غير المزيكا والرقص. كان أحسن واحد بيرقص في مدينة السلام”.

x-3316

الرقص

يوضح السادات عالم الرقص في الأفراح والموسيقي الشعبية قائلاً: “الرقص عندنا نوعين جماعي، وفيه يكون الشباب أحياناً جماعات مدربة ويعملون في فرقة محددة مع أحد الفنانين الكبار. أما النوع الثاني فيكون فردي. وأنا كنت أحسن واحد في مدينة السلام يرقص فردي، لكن زمان بقي.. دلوقتي الواحد كبر”.

خطوات وحركات الرقص الفردي في موسيقي المهرجانات هي خليط مركب وجديد بين “البريك دانس” والرقص الشعبي واستعراضات اللعب بالأسلحة البيضاء. في بعض الأفراح والحفلات يحكي السادات عما يمكن وصفه بالمبارزة بين راقصين.

يرقص الاثنان في مواجهة بعضهما وقدرة الراقص تنبع من تمكنه من “تثبيت” من يرقص أمامه، بالإشارات الجسدية والحركة والسرعة يتم هزيمة الخصم والتنكيل به في إطار رمزي وودي بين الطرفيين في الغالب.

الرقص في عالم المهرجانات ليس أداة تعبير فقط بل جزء من الاستعراض. الراقص يتحمل بشكل كبير مسئولية تحريك الجمهور وبث الحماسة فيه ودفعه للرقص.

فيفتي يقاطع شرح السادات ويقول: “يا سلام لو الفرح فيه شباب من الألتراس”.

جزء كبير من جمهور وروابط الألتراس خصوصاً ألتراس الأهلي والزمالك يتمركز في مناطق الخط الساخن (مطرية- عين شمس- السلام). وبحكم الروابط الأخوية بين أعضاء هذه الروابط فهم يحضرون أفراح بعضهم البعض جماعات. وتكون الأفراح فرصة لعرض الاستعراضات والتشكيلات الجماعية التي يقدمون مثلها العشرات في الملاعب.

العالمي

من الخارج يبدو عالم المهرجانات فوضوياً والعمل فيه غير احترافي. أدوات التسجيل والإنتاج شبه بدائية، وحقوق الملكية الفكرية تقريباً ليست موجودة حتي أن معرفة المؤلف أو المغني الأول لأغنية ما أمر يصعب التوصل إليه أحياناً.

الأغنية ما أن تضرب في السوق حتي تصبح مشاعاً. يأخذها أي فنان آخر ويغنيها، بل أحياناً يتم تفكيك الأغنية أو لقط الجملة الموسيقية أو اللفظية الأقوي فيها وتركيبها علي أغنية ثانية.

ينمو عالم موسيقي المهرجانات دون وجود شركات أو كيانات اقتصادية عملاقة تتحكم فيه. بالتالي فخطوات قانونية وروتينية كالمعروفة في عالم الموسيقي التجارية من تسجيل الكلمات والأغاني في الشهر العقاري أو عضوية هيئات كنقابة الموسيقيين أو الملحنين كلها أشياء ومصطلحات بعيدة عن عالم المهرجانات ولا أحد يهتم به.

لكي يحمي بعضهم نفسه من سرقة أغانيه يقوم بذكر اسمه في الأغنية، في معظم أغاني عمرو حاحا مثلا سوف نسمع البصمة الصوتية بصوت “الروبوت” في بداية كل أغنية “دي.جي. عمرو حاحا”. لكن حتي هذا لا يمنع من إعادة تدوير عمل أي فنان منهم من قبل فنان آخر. لينتج عمل آخر مختلف.

ربما تكون هذه الحالة من المشاع الإبداعي امتداد لتقليد عريق في عالم الأغنية الشعبية حيث كل أغاني الأفراح الفلكلورية التي أعتاد المصريون غناءها في الأفراح والمناسبات الاجتماعية لا نعرف من مؤلفها. لكن هذا لا ينفي وجوده. السادات أو العالمي كما يعرف فنيا ليس مغنياً فقط بل هو مؤلف الكلمات أيضاً.

بعدما اشتهر كراقص في عالم الأفراح والمهرجانات، اعتاد السادات النزول مع علاء فيفتي في بعض الأفراح، خطوة ثم الثانية كان يسمح له بمسك المايك ليبدأ صعود السلم من أوله ويمارس مهنة (النبطشي) مهمة الرد علي المغني الأساسي. وقتها كان يمارس السادات مهمتين كورال للمغني الأساسي، أو موزع للتحيات والسلامات. النبطشي.. هو صدي المهرجان، رجل الظل.

بعدها يكتب السادات أول أغانيه (صحوبية جت بندامه). ستتحول الأغنية إلي حمي وستصبح في فترة بمثابة نشيد أساسي في كل سيارات الميكروباص، التوك توك، الأفراح، والمهرجانات..سيقول السادات:

“لفيت كل البحور

راجع ضعيف مكسور

خلاص يا دنيا انسي حناني

خلاص أنا هبقي واحد تاني

مش هأمن تاني لحد

واشهدوا يا ناس علي كلامي

قلبي الحنين أنا شلته

بقلب ميت بدلته

أنا كنت عايش غرقان

ومدي للناس أمان

وبحب كل الناس

وطلعت أنا الغلطان

والدنيا ياما بتعلم

وجه وقتي وهتكلم..

وهسمعكوا الكلام..”

سيستمر نجاح السادات بعد ذلك ليصبح نجماً من نجوم الأفراح والمهرجانات الذين يكثر طلبهم، سيخرج من عالم المهرجانات ليؤدي أول حفلة له علي مسرح الجنينة تحت رعاية مؤسسة المورد الثقافي، سيسافر أيضاً إلي لندن ليقدم أول حفلاته في أوروبا ليحمل بعد ذلك لقب العالمي. لكن مع ذلك ستظل جلسة عم فتحي مع الأصحاب وعلي رأسهم فيفتي وحاحا هي مكانه المفضل.

سيستمر السادات أيضاً في رفض لقب مغني حينما ينادي به، يقاطعني طوال حديثنا موضحاً: “أنا مش مغني. أنا مؤدي. قدرتي الحقيقية هي “رص” الكلام. لدي رسالة وأرغب في إيصالها للجمهور. حنجرتي ليست قوية ولم أدرس أو أتعلم الغناء”

فرحة الصحاب

للشيخ أحمد برين والعجوز عمل مشترك أشبه بأوبريت كامل بعنوان “فرش وغطا”. الاثنان من أساطير المديح والغناء الجنوبي. عالم آخر منفصل عن عالم المهرجانات له قواعده وآدابه وقيمه. لكن الموضوع الأساسي “لفرش وغطا” هو الصداقة والسفر والرفيق قبل الطريق. نفس الموضوع يتكرر في أغاني المهرجانات.

في أغاني المهرجانات تتكرر عبارات “فرحة الصحاب” أو “هنرقص الصحاب”. يتوجه مغني المهرجان في كل أغانيه لجمهور محدد يرمز له بالصحاب. يوجه التحيات في منتصف الأغنية إلي الصحاب والجدعان.

هل هناك رابط بين الاثنين؟ أم أن المنبع الثقافي البعيد للاثنين واحد؟

“الصحوبية” والصداقة في عالم المهرجانات ليست فقط موضوعاً للغناء بل هي الرابط الأساسي بين كل العاملين في المجال. قيم الصداقة في عالم المهرجانات تعمل بمثابة دستور أخلاقي غير مكتوب لكن متعارف عليه وهي التي تجمع صناع أغنية المهرجان (موزع- كاتب كلمات- مغن- نبطشي- مهندس صوت) ببعضهم البعض.

الصحوبية أيضاً تربط المجموعة بالأماكن الجغرافية التي ينتمون إليها وتعزز من الأحاسيس الجماعية بينهم وبين المنطقة حيث يحتل الغناء عن المناطق المرتبة الأولي ضمن كل المواضيع التي نسمعها في موسيقي المهرجانات.

لهذا تتكرر في عالم المهرجانات الأسماء الثنائية والثلاثية من النادر أن نجد أغنية واحده تحمل اسم مغني واحد بل في الغالب سنجد التوقيع “أوكا وأورتيجا”، “السادات وفيفتي”، “فيجو وحاحا”.

الأخير هو الاسم الأشهر في عالم المهرجانات وقصة الاثنين تجسد نموذجاً لتأثير الصداقة والصحوبية وتقلباتها علي عالم أغنية المهرجان.

الدكتور

من عين شمس أتي عمرو حاحا من عالم بعيد عن الموسيقي والأفراح والمهرجانات. فحاحا بالأساس كان يعمل كمهندس صيانة لأجهزة الكمبيوتر. في زمن الألفين وستة انتشرت محلات الدقيقة ب 75 قرشاً مقابل الحديث في المحمول، أو تحميل أحدث الرنات مقابل جنيه علي تليفونك المحمول.

يتحدث حاحا عن أول توزيع قام به: “بدأت في تعلم استخدام برامج معالجة الموسيقي والصوتيات، وكنت أقوم بتوزيع بعض المقطوعات كنغمات لرنات الموابيل. وزعت مَقطُوعة ذات إيقاع شرقي لكن باستخدام الموسيقي المميزة لبرنامج وندوز ووجدت انتشاراً كبيراً، بعدها بدأ بعض المغنين يأتون إليّ بالكلمات ويطلبون توزيعها وتلحينها”.

x-3513
الدكتور عمرو حاحا – تصوير عمر سيزر 2012

تحول اسم عمرو حاحا في سنوات قليلة إلي علامة تجارية في عالم موسيقي المهرجانات، لا يبارز اسمه سوي موزع مدينة السلام الأشهر “فيجو”.

ساهمت في شهرة الاثنين الحرب الموسيقي التي جرت وقائعها بينهما، ذات مرة تورط حاحا في توزيع قطعة موسيقيه تحتوي علي جمل هجائية لمدينة السلام، فما كان من فيجو ابن السلام إلا أن قدم أغنية أخري تهاجم حاحا وعين شمس. أثارت هذه الحروب الغنائية النعرات المحلية عند سكان المنطقتين السلام وعين شمس مما لفت الأنظار إلي حاحا وفيجو.

انتهت الحرب بصلح بين الاثنين. نتج عنه ألبوم موسيقي من سبع أغنيات شارك في إعداده حاحا وفيجو والسادات وفيفتي ووزه بل وظهرت المجموعة كاملة علي مسرح الجنينة وفي عدد من الأفراح الشعبية بعد ذلك.

بينما يعرف السادات نفسه كمؤد للراب الشعبي. يقدم “الدكتور” نفسه كموزع شرقي ويصر علي وصف الموسيقي التي يقدمها بأنها شرقية. يقول حاحا: “معظم شغلي يتم علي “أرتام” وإيقاعات شرقية. بالتالي فأنا لم أخرج عن تصنيف الموسيقي الشرقية

حكاية ثورة

علي مقهي زهرة السلام أجلس بصحبة السادات وعلاء فيفتي في انتظار “الدكتور عمرو حاحا” القادم من عين شمس. يأتي حاحا نشرب الشاي ثم نقف لنتجه نحو منزل السادات لاستغلال الوقت الذي تغيب فيه عائلته عن المنزل لتسجيل أغنية جديدة. في الطريق بين شوارع مدينة السلام نعبر بركاً متناثرة من المياه والمجاري. في أحد الشوارع الجانبية تنتصب آلة ضخمة وعملاقة تحاول سحب المياه الجوفية التي تهدد جميع المنازل بالانهيار.

بنيت معظم تلك المنازل بعد زلزال 92 علي عجل كلها بنايات متشابهه وكلها تعاني من الانخفاض وارتفاع منسوب الأرض، النتيجة أنه للدخول أو الخروج من البوابة الرئيسية لابد من الانحناء.

في بيت السادات بمساكن مدينة السلام، يجلس عمرو حاحا أمام اللابتوب الذي يخرج منه سلك لسماعة كبيرة وسلك آخر لميكروفون يمسكه السادات وآخر يمسكه علاء فيفتي.

هنا الاستديو -إذا صح هذا التعبير- الذي يتم فيه صناعة معظم التسجيلات حاحا والسادات، ومعظم الأماكن التي يتم فيها صناعة موسيقي المهرجانات لا تفرق كثيراً عن هذا المكان. بالنسبة لشباب المهرجانات الموسيقي لا تحتاج إلا “الدماغ- الكلمات- الكمبيوتر- والموزع الموسيقي”. بعد ذلك يتم رفع الأغنية علي الإنترنت ومنه إلي الشبكات الاجتماعية. أقل أغنية من أغاني المهرجانات معدلات تحميلها علي انترنت تبدأ من 50 ألف مرة، وبعضها يكسر حاجز المليون.

حينما سافر السادات للغناء في لندن شعر بالضيق لتقديمه بصفته ممثلا لموسيقي مصر ما بعد الثورة، يقول موضحاً: “قلت لهم هناك، المزيكا التي نصنعها ليس لها أي علاقة بالثورة ولم نكن ننتظر تنحي مبارك لنقدم ما نفعله. نحن موجودون من أيام مبارك وسنظل موجودين بعده”.

بعد الثورة ظهرت الكثير من أغاني المهرجانات التي تحمل تلميحات سياسية أشهرها “يا حسني سيبني حرام عليك” و “A7A الشبشب ضاع”. لم تحمل تلك الأغاني توقيع أي من الأسماء المعروفة في عالم المهرجانات لكنها لسبب ما التصقت بالسادات، الذي فضل علي مدار عام كامل الابتعاد عن كل ما له علاقة بالثورة. إلا مؤخراً حينما قدم مع فيفتي وحاحا أغنية “حكاية ثورة”:

“نفسه يعيش عيشه هنيه

ظلموه قدام العالم وقالوا عليهم بلطجية

دايما بيجو ع الغلبان لو يسرق حق الرغيف

واللي بيسرق بالملايين بيقولوا عليه في زمنا شريف

النار في قلوبنا بتزيد.. بعد ما ضاع حق الشهيد

واللي يصرخ ويقول حقي.. يضربوه زي العبيد

كلام كتير عمال يتقال..

والنظام السابق شغال”

x-3632
فيفتى والسادات في أحد الأفراح الشعبية

 

الحفلة والفرح

ليست أدوات إنتاج الموسيقي هي المختلفة في عالم موسيقي المهرجانات فقط بل الطريقة التي يعمل بها الشباب. في البداية يقوم “الدكتور حاحا” بتوليف الإيقاع الأساسي أو “البيت” ثم يبدأ السادات مع فيفتي في رص الكلام.

يأتي الكلام كما يقول السادات من مصادر متعددة، قد يكون موقف، فكرة تحوم حول رأسه، أفيه سمعه يوماً ما وأعجبه. بعض الأغاني تتم كتابتها كاملة أولاً، أحياناً تأتي الكلمات ارتجالية حينما يشعر السادات بأنه في الحالة الفنية. دعاني “السادات” إلي حضور أحد الأفراح في السيدة زينب أثناء الغناء فجأة ارتجل سلسلة من التحيات لأهل الأدب ولأخبار الأدب.

بعد تسجيل الكلمات يقوم حاحا بإضافة الحلي الموسيقية والمحسنات السمعية علي العمل. في الحفلات والأفراح يقوم السادات وفيفتي بالغناء علي الإيقاع الأساسي، بينما “وزة” علي “مكنة الدي.جي” يقوم بتوليف إيقاعات موسيقية أخري علي حسب حالة الفرح والجمهور.

أما حاحا فحضوره في الأفراح والحفلات يكون للإشراف علي العملية كلها. حاحا بتعبير السادات هو “رمانة الميزان” ودكتور المهرجان. في بعض الحفلات النادرة يقف حاحا بنفسه علي “مكنة الدي.جي” ويقوم بلعب التوليفات الموسيقية من علي جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به الذي يمكن اعتباره بشكل مجازي آلته الموسيقية الخاصة.

رغم أن الأفراح الشعبية هي ما صنعت موسيقي المهرجانات وعالم السادات وحاحا وفيجو. إلا أن السادات يفضل الحفلات أكثر. يقول: “في الفرح أنا محدود علي حسب المنطقة التي أغني فيها، والأولوية ليست للكلام أو ما أغنيه بل لتوجيه التحيات للحاج فلان والمعلم علان. بعض الأفراح أيضاً تكون هادئة، الجمهور يكون جالساً ويرفض الرقص أو الحركة، في هذه الحالة يجب أن أغير مما أغنيه وأقدم أغاني فيها حكاية. فالجمهور الجالس ينجذب أكثر للأغنية التي تحكي حكاية أو موعظة ويشعر بها لأن كل واحد فيهم يتخيل أن ما أحكيه هو حكايته.”

مؤخراً تم دعوة حاحا والسادات والمجموعة لإحياء إحدي الأفراح في قاعة بفندق فخم. رفضت إدارة الفندق في البداية دخولهم أو تشغيل موسيقي المهرجانات. المسئول عن القاعة قال لهم: “لا يمكنني أن أسمح لك بالغناء هنا، أنتوا كدا بتنزلوا لي القاعة وبيغني هنا نجوم، لكن أنتم موسيقي بيئة.” في منتصف الشجار مع المسئول أمسك السادات بالمايك، شغل الموسيقي، وانطلق مغنياً ليشعل الفرح:

“تاني تاني.. فيفتي وفيجو من تاني

تاني تاني.. فيجو وحاحا من تاني

اسمحي لي يا زماني..

هغني تاني تاني.. علشان دلوقتي جه أواني”

غني السادات في الفرح. ولم يستطع مدير القاعة أن يفعل شيئاً أمام حماس الجمهور في القاعة.

اسأله:

-لكن في الحفلات بعض المسارح والأماكن تضع شروطاً علي نوعية الكلمات التي يسمحون بها؟

يجيب السادات ببساطة: “صح أحياناً يحدث ذلك معانا لكن حينما نصعد علي المسرح نقول كل ما نريده، ولا يهمنا.” بثقة يضيف “نحن لا نغني أو نقول كلاماً من عالم آخر. ما نقوله هو حياتنا وما يدور في الشارع. ولا أحد يستطيع أن يمنعنا من أن نقول ما نريده. ولهذا السبب حتي الآن نرفض التوقيع مع أي شركة من شركات الإنتاج الكبيرة. لأني إذا وقعت سيكون للمنتج الصلاحية أن يتدخل أو يعدل فيما نريد تقديمه بينما علي الانترنت والمسرح نحن أحرار”.

قيم

جزء من أجواء بعض المهرجانات والأفراح الشعبية هو أنها المتنفس الترفيهي الوحيد لمئات الشباب بعيدين عن عوالم كافيهات تقدم القهوة “الاسبريسو” مع كعك الشيكولاتا، أو أندية ليالية تكلفة دخولها تتجاوز المائة جنيه. في الأفراح تحضر الموسيقي والرقص وأحيانا البيرة وأحيانا أخري الحشيش كجزء من فعاليات الحدث.

x-3661
السادات – تصوير عمر سيزر

ألفاظ وقاموس الشقاوة جزء من كلمات أغاني المهرجان. بعض الألفاظ التي ترد في كلمات أغاني المهرجان تصنف كألفاظ خارجة لدي طبقات وشرائح اجتماعية أخري. بالرغم من أنها تغني ويسمعها الجمهور بأريحية ويندمج معها في شوارع السيد زينب وأفراح القري في الفيوموالشرقية.

بمرور السنوات يصبح لدي السادات وفيفتي حساسية لدي بعض الكلمات يقول فيفتي: “في الأول كنا صغيرين وكنا أحياناً بنقول كلام فيه تسخين، لكن مع الوقت بقينا نركز في الكلام لأنه مش “رص” وخلاص. مقدرش أعمل زي ناس تانية وأغني كلام لا أرضي أن تسمعه أختي أو أمي.”

يضيف السادات: “الكلام لازم يبقي له معني. وفي حاجات لا يصح أن أقولها. لا يصح مثلا بعد حادثة مثل بورسعيد أعمل أغنية أهاجم فيها بورسعيد علشان أكسب جمهور ألتراس الأهلي مثلاً”.

أثناء سيرنا في شوارع مدينة السلام يحادثني السادات: “المنطقة هنا بعد الثورة بقت لبش، كل واحد معاه 300 أو 400 جنيه تلاقي ماشي “بفرد/مسدس” وعامل بلطجي. لكن احنا شباب محترمين والله.. اسأل علينا أي حد”. يدلل علي كلامه قائلاً: “يعني احنا مثلاً مش ممكن تلاقينا واقفين نشرب سيجارة في الشارع أو قصاد بيت حد، رغم أن أصحاب البيت ممكن يكونوا مش ممانعين بل أحياناً ممكن يكون مبسوطين”.

أضواء الشهرة

يسحب فيفيتي نفساً من السيجارة وبشكل سينمائي يقول: “أسمع الخلاصة، احنا المستقبل. الجيل الجديد دا كله مضروب بحاجتين؛ يا المخدرات يا مزيكا المهرجانات. أنا أعرف شباب جديد يلم أصحابه ويحبسوا نفسهم في الأودة بالثلاثة أيام علشان يطلع أغنية يقول فيها اللي جواه”.

x-3665
علاء فيفتى – تصوير: عمر سيزر 2012

ذات مرة أتي شاب ودق علي باب منزل السادات فتح له فوجد الشاب الذي لا يعرفه يهديه بوستر كبيراً قام بتصميمه وطباعته للسادات وانصرف. في الأفراح الشعبية في السيدة زينب أو المطرية أو الزقازيق. خلف منصة الفرح يقف عشرات الشباب أعمارهم تبدأ من عشر سنوات وحتي السادسة عشر. في عيونهم تري الانبهار. بعضهم يمتلك الجرأة ويقترب من “وزة” علي المكنة يحاول أن يفهم كيف تخرج كل طاقة البهجة تلك من “المكسر” ومكنة “الدي.جي”.

حاحا، فيجو، أوكا، السادات ومؤخراً شياطين الدخيلة بالإسكندرية. أسماء تشكل الموجة الأولي لموسيقي وإيقاع روح جديدة يزداد جمهورها يوماً بعد يوم..

البهجة وموسيقي المهرجان.. مستمرة.

هذا هو أحدث وجه من وجوه الأغنية الشعبية، إنها “المهرجانات ” والمهرجان هو الاسم الذي يطلق إجمالا علي الأغنية في هذا النوع الموسيقي مثل مهرجان الوساده الخاليه (هاتي بوسه يابت) ومهرجان سمكه علي بلطيه وكذلك الصحوبيه واسعه الانتشار هذه الأيام.

إذا أردت أن تعتمد التسلسل الزمني سبيلا، يمكنك أن تعتبر أن مغنيي المهرجانات هؤلاء هم الجيل الرابع من المغنيين الشعبين علي خلفيه أن المؤسس عدوية هو الجيل الأول وإذا كان لك أن تعتمد طريق التطور، فلك أن تتأكد أن هذا النوع من الأغنية الشعبية ما هو إلا اللحظة الراهنة في رحلة طويلة من محاولات التحرر من الآلات الموسيقية و من شركات الإنتاج و من الكلمات المؤلفة و من الأصوات المميزة و من كل شيء إلا الحالة.

 

x-3767
في فرح شعبي عام 2012 – تصوير عمرو سيزر

From Cairene Alleyways to European Festivals: The Journey of Mahraganat

Though its birth does not precede five years, Mahraganat music has surged into a phenomenon, invading Egypt’s sonic atmosphere and beyond. This phenomenon has crossed borders and seas and made it into the European and international acoustic vernacular.

The adolescents who, five years ago, huddled in the streets of Matariya and Salam City on Cairo’s margins, hoping for nothing more than the chance to perform at a wedding or two every week, now roam Europe, from festival to festival. There, they bring to the crowds that fervent rhythm that has brought this musical movement such a huge following in so little time.

In the Beginning There Was the DJ

At the turn of the millennium,  the DJ had begun to make an appearance at Egyptian weddings. DJs emerged as an affordable alternative to live musicians at weddings, and their rise in popularity coincided with the spread of computers in Egypt, and the attendant affinity that primarily young men developed towards this rising profession.

Amid the economic stranglehold that the cassette tape industry imposed on chaabi music at the time—dominated as it was by industry “heavyweights” such as Amro Diab and Mohamed Fouad—the rise of the DJ all but eliminated the genre that relied on weddings as its main source of livelihood. Yet, the spread of computers and various recording programs marked the genre’s salvation. As the twenty-first century kicked off, a new generation of chaabi singers emerged, such as Mahmoud El-Leithy and Mahmoud El-Hosseiny and others, who relied on their computers to record their material, to evade the costs of studio recordings. It was this generation that was the first to make use of electronic sound effects in their music.

And Then Came the Mobile Phone

After computers, there came the eruption of mobile phone use, and before 3G internet, mobile phone stores would sell monophonic tunes that were coded into the phones using the phone’s keypad.

Amr, a young man from Ain Shams, worked in one such store. One day, for the sake of experimentation, rather than code a hit track onto a phone, he decided to compose his own tune. As luck would have it, this tune became a famous ringtone in the neighborhood, and in time Amr was approached by a chaabi singer, asking for permission to use the tune for one of his songs.

Amr went on to develop his musical and technological skills, adopting the moniker Doctor Amr Ħaħa, the composer of “El-Shandarbolla,” one of the first tunes that could be characterized as a Mahraganat tune.

Like electronic music, Mahraganat music relies on a base loop, but unlike Western electronic music, the loop is usually an oriental beat. The loop is cut through with rap-like vocals, backed up by a mix of sound effects and loud noises.

Ħaħa would later go on to work with dozens of artists who would in turn become the ambassadors of the genre; Sadat, Alaa Fifty, Oka & Ortega, to name a few. He was also known to occasionally collaborate with Alexandrian Mahraganat musician Filo.

These musicians cut out the role of production companies, choosing instead to resort to more democratized technologies to record their music, and releasing their creations online for free, relying on their income from live performances at weddings to earn their keep. Others, however, were not satisfied to leave it at that.

Mahraganat Economics

Despite its immense popularity, Mahraganat music is still derided as lowbrow, and the state fails to recognize its performers, as the majority of them are not members of the various musical syndicates—a legal prerequisite for live performances in Egypt. These prevailing attitudes culminated in Mahraganat songs being banned on state television and other mainstream channels, while radio hosts make sure not to broadcast “that kind of thing.”

Yet, against this, Mahraganat music has expanded well beyond its economic and production circles, consolidated by the emergence of alternative production companies, such as 100Copies. The company began as a production studio for electronic and experimental music, and provided Mahraganat singers with a platform to record their music. On occasion, the studio would produce songs for these artists at a symbolic cost, in exchange for the rights to the songs, which were released for free on YouTube. 100Copies relied on a model wherein they would reap advertising profits from YouTube when these songs went viral or catapulted into popularity, in addition to selling the song electronically on other outlets.

Musical groups such as Oka & Ortega and El-Dakhlaweya focused their efforts on trying to go to the silver screen, and appearing in on-screen dramas, such as the popular show “Fifa Atata” starring Mohamed Saad, and the films of Mohamed El-Sobky and Mohamed Ramadan.

Yet, another camp chose to chart a different course; with the Arab Spring came an upsurge in attention from the media and the West towards the region and its cultural production, creating a pathway into European concerts and festivals. Among the most prominent musicians who tool this course was Islam Chipsy, who evolved his music to include additional visual aspects, ultimately becoming one of the most recognized faces of the genre abroad.

Mahraganat emerged during a boom in cultural production, in an atmosphere that was far more celebrating of diversity, providing young people with an outlet to express themselves amid revolutionary spirits and a proliferation of violence that has continued to this day. This was reflected in the lyrics of Mahraganat songs, which often avoid sentimentality, but rather express the difficulty of surviving in a treacherous environment, as related in 2015’s hit single, “Mafĩsh Săħib Beyetsăħib.”

As time goes by, more stringent measures are imposed to restrict the space for broadcasting Mahraganat, such as the granting power of arrest to the then-head of the Musical Syndicate, Hany Shaker. While the future remains uncertain, one thing that seems to be clear is the inverse proportionality between official tolerance towards Mahraganat and its popularity.

د.شاكر عبد الحميد: تسونامى الصحراء في استخدام الحياة

تزخر هذه الرواية بمستويات متنوعة من المعاني والدلالات شديدة الثراء، بداية من ذلك السرد لتاريخ القاهرة الفاطمية والخديوية، وكذلك الاستعراض والعرض الدقيق لمعلومات وأفكار ونظريات شتي في التاريخ، والفلسفة، والفنون، والأزياء، والأدب، والعمارة، وتاريخ الغناء الشعبي، والصوفي، والاقتصاد، والعولمة، والجماعات السرية، والمؤسسات المالية والاقتصادية. ومن ثم فإن هذه الرواية، بالإضافة إلي كونها رواية تنتمي، علي نحو ما، إلي أدب الخيال العلمي؛ فإنه يمكن النظر إليها أيضًا علي أنها رواية معلوماتية معرفية بامتياز.

إنها رواية تتحرك أيضًا عبر مستويين علي الأقل: أحدهما المستوي التحقيقي التوثيقي الأرشيفي المعلوماتي، والآخر هو المستوي التهويمي التحليقي المتخيل العابر لحدود الواقع المحدود والمحدَّد والخانق والكابوسي. وثمة رغبة قارة ما هنا، تتراوح بين هذين المستويين، وتتعلق بالحرية خاصة، وكذلك الإطلاق لطاقات التخيل الجامح من أجل الفك لأسر الواقع الخاص بالقاهرة والذي كان خانقًا، ولو كان ذلك عن طريق تخيل مؤامرة لتدميرها وإعادة بنائها من جديد ومن خلال جماعة ماسونية تتآمر عليها وتجد أن السبب الرئيس في أوجاع القاهرة ومآسيها ومشاكلها الميئوس منها؛ هو جريان النيل وسطها، وإنه ينبغي التفكير في تحويل مجري النيل، حيث “النيل يُصاب بالحزن حينما يمر بالقاهرة” كما قالت ريم.

cairo_overlay_label
خريطة توضح الامتداد العمرانى للقاهرة في القرن التاسع عشر والآن

هكذا يمكن أن يتحرك النيل خارج القاهرة لا داخلها، حيث يمكن بناء مدن ومجتمعات عمرانية جديدة حوله. وثمة جماعة سرية هي “جماعة المعمار” تطرح هذه الفكرة وتنفذها من خلال التحكم في الطبيعة، في الرياح والأمطار والرمال والزلازل؛ فهي قد قامت أيضًا بتغيير معالم مدن كثيرة عبر العالم، ومنها القاهرة، وقد تم ذلك كله من خلال أحداث كارثية وخسائر فادحة أطلق عليها الزلزال العظيم:

تحكي هذه الرواية،في بدايتها، عن رياح خماسين خفيفة هبَّت علي القاهرة، ما لبثت أن تحولت إلي عاصفة ترابية، أعقبتها موجات حارة مصحوبة بأتربة تزايدت، وتزايدت، حتي استيفظ سكان القاهرة في نهاية شهر يوليه ” ليجدوا أنفسهم مدفونين تحت أطنان من الرمال والأتربة”. كانت تلك ظاهرة مفزعة كما يصفها أحمد ناجي وقد تمت تسميتها بعد ذلك باسم ” تسونامي الصحراء” فقد كانت “مزيجًا من رياح خماسين مضاعفة ورطوبة وتراب وحرارة شديدة الارتفاع، خلَّفت وراءها أزمات في التنفس والتهابات في العيون وانقطاعات في الكهرباء والاتصالات وحوادث علي الطرقات، ووفيات للرضع وأزمات قلبية ووفيات للمسنين، وقد استمر هذا الأمر عشرين يومًا، وبعدها غطت الرمال شوارع القاهرة كلها، اختفت الأرصفة وتوقفت السيارات بينما تعاملت الحكومة مع الموقف بوصفه أمرًا لا يدعو للقلق ثم حدثت مجموعة من الزلازل والهزات الارضية وغطي العذاب كل شئ”.

هكذا أصاب “الزلزال العظيم” القاهرة، فتهدم نصف المدينة وابتلعت التشققات نصف شوارعها وتحول الهرم الأكبر إلي ركام من الحجارة.. ضاعت معالم القاهرة، عمارتها، وأرشيفها، وبشرها، وتحولت مناطق كاملة من القاهرة الفاطمية والخديوية إلي صحراء.. مات ملايين البشر “وعاش الباقون يعانون ألم الفقد طيلة حياتهم”.

ثم إننا نعرف، عبر هذه الرواية، تدريجيًا، بوجود مؤامرة عالمية يرصدها السارد في الرواية بعد أن تقدم به العمر، والمؤامرة تقودها جماعة عالمية تنتمي إلي واحدة من أهم الجمعيات الماسونية والتي يقودها إيهاب حسن أستاذ الأدب (لاحظ المحاكاة التهكمية هنا مع اسم الناقد الشهير إيهاب حسن).

تنتمي هذه الرواية، في جوهرها، إلي أدب الخيال العلمي، وداخل هذا الأدب تنتمي، علي نحو خاص، إلي نوع منه يسمي “الخيال العلمي ما بعد الكارثي”Post-apocalyptic science fiction

إنه ذلك النوع من الخيال العلمي الذي يدور حول نهاية العالم ونهاية الحضارة البشرية وتدميرها بفعل أسلحة نووية أو وباء فتاك أو كارثة كونية كالزلازل والعواصف الجانحة الجامحة، و نضوب مصادر أساسية للحياة كالمياه والطاقة والغذاء. ويكون الموقع الذي تدور فيه الأحداث غالبًا مجالاً لتغيرات مناخية شديدة القسوة أو لطفرات بيولوجية قاتلة أو مظاهر عنف وتطرف في استخدام التكنولوجيا. ويهتم النوع الخاص بالخيال العلمي الكارثي وما بعد الكارثي أيضًا بتصوير نهايات الحضارات، وكذلك الأحوال النفسية والاجتماعية والحياتية لمن بقوا علي قيد الحياة عقب حدوث الكارثة؛ إنه يصوِّر حضارات تُباد وحضارات تقوم مكانها، وقد تزايدت شعبية هذا النوع من الكتابة والأفلام بعد الحرب العالمية الثانية ومع زيادة المخاوف من إبادة العالم بفعل الأسلحة النووية.

تنتمي رواية “استخدام الحياة” إذًا إلي هذا النوع من الخيال العلمي، لكنها أيضًا رواية معنية بإعادة التشكيل للواقع وللمدن الكبري فيه مثلها في ذلك مثل رواية “عطارد” لمحمد ربيع، و”نساء الكرنتينا” لنائل الطوخي، مع فروق جوهرية بين عوالم هذه الروايات الثلاث.كما أنه ثمة قرابة مضمونية أيضًا بين هذه الرواية وبين بعض الأعمال السينمائية الامريكية، وبخاصة أفلام مابعد الكوارث، ومنها، تمثيلاً لا حصرًا، فيلم الأرض الهادئة Quite Earth ، وكنتُ قد رأيت هذا الفيلم منذ فترة ثم تذكرتُ أحداثه أثناء قراءتي لهذه الرواية ولكني كنتُ قد نسيت اسمه أيضًا، فاستعنت بصديقين هما سيد محمود، وزين خيري شلبي فذكراني باسمه.

في مدينة 6 اكتوبر

وقعت الواقعة وتم تحويل مجري النيل، هلكت القاهرة وأثيوبيا قد بنت سد النهضة، وبقيت 6 أكتوبر فقط شاهدة علي ما قد حدث، لكنها أيضًا قد تحولت، وفقدت سحرها الذي كان، فبدلاً من أن تكون مدينة للمستقبل؛ تحولت إلي مدينه ديستوبية كارثية تحيط بها الرمال والصحراء من كل صوب وحدب.

وهكذا فإنه ومن شقته في مدينه 6 أكتوبر، يرصد بسام بهجت (ويحتوي الاسم هنا علي تهكم خفي من حالة صاحبه وأحواله) ويتذكر ماحدث له، وما حدث للقاهرة، علاقاته العاطفية والجنسية، وطفولته، وشعوره بأن الحياة متاهة لا فكاك له منها، وأنها عبث لا طائل من ورائه، ويتذكر ضغوط أبيه عليه كي يتفوق في دراسته ويقول لنفسه دائمًا: ” لماذا لا أشعر بالسعادة مثل بقية الناس؟”، يتذكر عمله قبل ذلك في إحدي المنظمات الحقوقية، ويتذكر كيف كان سائرًا في متاهة الحياة حتي عُرِضت عليه فرصة عمل كمعدٍّ للأفلام التسجلية ثم كمنتجٍ لها لحساب التلفزيون القطري. يتذكر ويكتب عن علاقته ب “ريم”، ويتذكر كراهيته لشارع فيصل وتطوره العشوائي، يتذكر العشوائيات كلها، ويكتب عنها، كما يكتب أيضًا عن مطاعم القاهرة وشوارعها أثناء النهار وخلال الليل، عن سراديبها السرية التي لا يعرفها إلا عدد قليل من العارفين بحاراتها وتاريخها ومنهم إيهاب حسن، حفيد أحد بُناتها العظام وهو حسن شعراوي أو المهندس محمد مظهر الذي بعثه محمد علي إلي فرنسا وعاد عام 1835 وشارك في تجديد منارة الاسكندرية وكذلك في تشييد القناطر الخيرية.

01text22
بورترية لبسام بهجت من رسومات أيمن الزرقانى لرواية استخدام الحياة

انتهت القاهرة التي نعرفها بأفراحها وأحزانها، واحتفالاتها وشوارعها ومعالمها وفوضاها وناسها، وتم نقل العاصمة إلي القاهرة الجديدة، وحدها 6 اكتوبر فقط بقيت صامدة تقاوم الفناء. تم إنقاذها أو أفلتت من يد الردي والهلاك، وهناك كان يعيش السارد المحوري ” بسَّام بهجت” وهناك كان يتذكر ويكتب قصة ما حدث، هناك كان يعيش قبل الزلزال العظيم، وهناك كان يعيش بعده، ومن هناك كان يتحرك منذ أكثر من عشرين عامًا، ومن هناك كان يذهب إلي القاهرة التي نعرفها وهناك التقي ريم، وهناك دارت الأحداث الرئيسية في هذه الرواية؛ تلك التي وصفها علي أنها أشبه بتقرير أو “بورتريه لعجوز في 6 اكتوبر” وكان عنوان ذلك التقرير هو ” استخدام الحياة ” وهو عنوان استمده من مقولة ل”لوكريتيوس” الفيلسوف الروماني الذي عاش في القرن الأول للميلاد، وتأثر بكتابات “ديموقريطس” وفلسفته الذرية، وكذلك “أبيقور” ومذهب اللذة. وقد كان لوكريتيوس يعتقد أن اللذة هي غاية الوجود، وأن السعادة في الحياة تتمثل في الالتزام بالقوانين، كما كان يدعو أيضًا إلي تحرر الإنسان من خوفه من الآلهة والموت والعقاب، وأشهر كتاباته قصيدة طويلة يزيد عدد أبياتها عن سبعة آلاف بيت، عنوانها ” حول طبيعة الأشياء” تحدث خلالها في نصه المعنون: ” أغنيات شديدة الوضوح حول أشياء غامضة ” عن الكيفية التي تحدث من خلال الرؤية البصرية للوحوش الأسطورية والبشر الموتي والأشباح في عقولنا، وكيف تُهوِّم هذه الصور بداخلنا وتتجول، فقال إن العقل والروح هما مجرد تجمع لمجموعة من الذرات المتحركة بالغة الدقة حبات رمال صغيرة أو غبار، وأن الأشياء التي نراها في الواقع أحيانًا ما تطلق صورًا محاكية لها في عقولنا، تتكون من ذرات تتحد مع بعضها البعض، ما تلبث أن تتحول إلي وحوش تدخل عبر مسام أجسامنا وتقوم بإيقاظ المناطق الغامضة المطمورة القديمة في عقولنا، فتتشكل تلك الصور الشبحية المماثلة للصور المرئية.

هكذا سبق لوكريتيوس العالم الايطإلي ” أنطونيو جاليزي ” الذي اكتشف الخلايا المرآوية الموجودة في المخ والمسئولة عن ظواهر المحاكاة والتعاطف والتقمص وغيرها بأكثر من عشرين قرنًا من الزمان. كذلك كان ” إدجار آلان بو” مغرمًا بالتعبير الأدبي عن الفكرة التي فحواها أنه لو أمعن المرء في شيء أو استغرق طويلاً في التفكير فيه؛ فإن عقله قد ينتج الأشباح، وهو قول قد ورد مثله قبله أيضًا لدي القديس أوغسطين خلال القرن الرابع الميلادي.أما المقولة التي استمدها أحمد ناجي من كتابات لوكريتيوس فهي “الولادة تتكرر من شئ إلي لا شئ والحياة لا تُعطي لأحد كملكية وإنما كاستعمال”. إن المقولة في جوهرها صحيحة، وإن انطوت أيضًا علي تحريف ما لبعض ما جاء في كتابات لوكريتيوس، وفحوي هذه المقولة إنك أنت لا تمتلك حياتك، أنت تستعملها لفترة معينه، ثم تستهلكها وتهلك معها، ملكيتك لها مؤقته مثلها ومثلك، ويتوقف الأمر علي كيفيه استعمالك لها، أو استعمالها لك، أو استعمال الآخرين لك، فيها، كشئ يمتلكونه أو ضمن مقتنياتهم الخاصة، فترة، ثم يتخلون عنك لانتفاء مصالحهم معك. وكذلك فإن الحياة نفسها تستخدم البشر وتوظفهم في علاقات الحب والجنس والزواج كما كان “شوبنهاور” يؤكد ويقول.

هنا لا بد أن نتذكر أيضًا تمييز ماركس بين القيمة الاستعمالية Use Value للسلع والتي تشير إلي استخدامها أو فائدتها الخاصة في مجتمع معين و بين القيمة التبادليه لهاExchange Value والتي تشير إلي القيمة المرتفعة لبعض السلع بصرف النظر عن قيمتها التبادلية في نظام محدَّد، مثلاً، هكذا يقول لنا منظرو مدرسة فرانكفورت مثلا: نحن نقدِّر ثمن، سعر تذكرة السينما بشكل يفوق الخبرة التي تقدمها لنا.

وهكذا قد يُنتِج أحد المخابز في إحدي المناطق الشعبية رغيف خبز جيدا بشكل وافر، ويُباع بسعر أقل من ذلك الرغيف نفسه الذي ينتجه مخبز في منطقة راقية، علي الرغم من أن القيمة الاستعمالية للرغيف نفسه واحدة، لكن القيمة التبادلية له ليست واحدة. كذلك يُباع القميص (التي شيرت) الذي تنتجه الصين بسعر أقل من القميص الذي يحمل العلامة التجارية نفسها، لكن تم إنتاجه في بلد آخر غير الصين، أو قد تكون مواصفات القميص واحدة لكن الماركة مختلفة؛ فتختلف الأسعار، وتكون القيمة الاستعمالية واحدة، بينما تختلف القيمة التبادلية.

كذلك الحال بالنسبة لأسلوب المصمِّم وشهرة الماركة وبلد الإنتاج والإعلانات المصاحبة له التي يقدمها لاعبو كرة قدم مشاهير أو فنانون كبار.. إلخ، إنها أيضًا الهالة الخاصة منه بالأصل التي تحدث عنها فالتر بنيامين، التي تتعلق أكثر بالقيمة التبادلية أكثر من تعلقها بالقيمة الاستعمالية. نستخدم الحياة وهي تستخدمنا، ونحن لا نستمتع بها، بل نستخدمها علي نحو أقل من قيمتها الحقيقية. هكذا يتحول الإنسان وتتحول حياته إلي ما يشبه مناديل الكلينيكس، وهكذا يتحول الإنسان في الواقع الرأسمالي المعاصر إلي شيء يُستخدَم داخل هذه الدوامة العبثية التي تستخدمنا وتحوِّلنا إلي أشياء فاقدة للروح والمعني؛ أو “كائنات أشبه بزجاج مُحطَّم، ولكن لا يعاد له سبكٌ” كما جاء في البيت الشهير لأبي العلاء المعري.

10-11text.jpg
صفحة من فصل حيوانات القاهرة من رواية استخدام الحياة. رسومات أيمن الزرقانى

وفي الرواية أيضًا إشارات معرفية كثيرة مُضيئة عن تاريخ مصر القديم منذ مصرايم بن حام بن نوح وحتي الآن وكذلك محمد علي وعلاقته بالسان سيمونيين وأيضًا البنائين الجدد ودور الفرنسيين والبلجيك في تصميم القاهرة الحديثة، وإشارات إلي كتابات إمبرتو أيكو، ودان براون، وتاريخ القاهرة وامتداداتها المخططة والعشوائية، وإيهاب حسن الأستاذ الأكاديمي المتخصص في الأدب المقارن والنقد الثقافي والذي كان يحمل معه دائمًا النسخة الانجليزية من رواية “وكالة عطية” لخيري شلبي، وكذلك علاقاته بوولترجروبيوس الذي أسَّس مدرسة الباوهاوس التي اهتمت بالجمع بين الحِرَف والفنون الجميلة وانضم إليها بول كلي وكان لها تأثيرها الواضح علي الفن والهندسة المعمارية والديكور والطباعة في القرن العشرين، (والباوهاوس كلمة ألمانية تعني: بناء البيت).

تتوالي الأحداث والعلاقات والتفاعلات عبر هذه الرواية؛ هكذا تتصاعد علاقاته مع ” موني مي” وبابريكا ومود (صديقه) وسالي وإيهاب حسن، وغيرهم. وكذلك تتواصل حركته المتخيله والواقعية أيضًا ما بين الماضي، الذي كان منذ عشرين عامًا أو أكثر، والحاضر الذي صار أيضًا غريبًا ومُوحِشًا بلا حدود وتتواصل معها كذلك استمرارية هذه الحركة ودوامها ودواميتها ما بين 6 أكتوبر، والوراق، وشارع عدلي، والكيت كات، وكباري القاهرة، وميدان لبنان، والمقطم، وغيرها. وثمة أفلام يصوِّرها عن مقالب النفايات، ومزارع الخنازير، وانتظار الناس للمواصلات في عز الحر، أطفال الشوارع، والناس الذين يتحدثون كلهم في التليفون أثناء مشيهم في الشوارع، مع رصد دقيق وبارع أيضًا لذلك البؤس “الذي ينبع من الأرض وينهمر من السماء علي القاهرة“.. عن جحيم القاهرة الذي كتب عنه أحمد ناجي ( وكتب عنه محمد ربيع أيضًا وإن، كان في سياق مختلف، في روايته المهمة “عطارد”)، وحيث الحياة كلها انتظار، عن نفسه وكيف كان يستيقظ كل صباح عاجزًا حتي عن الابتسام في المرآة، “لم أكن وحدي بل كل من يحيا في هذه المدنية كان عاجزًا عن الابتسام، بعضهم نسي كيف تكون الابتسامة”.

هكذا كانت حياة الناس في القاهرة ” قبل النكسة” الخاصة بغرقها؛ حياة “مجموعة من البؤساء يعبرون الطرق في فوضي، النساء المتشحات بالكثير من الملابس والأقمشة والرجال مُنكَّسي الرؤوس”، هكذا كانت القاهرة تزخر بجماعات متنوعة من الضائعين في الشوارع، والمهووسين الدينيين، والمثليين، وأطفال الكولَّه، والفنانين الذين يعشقون البيرة، والمتحولين جنسيًا، وتجار الحشيش. وهكذا تغيرت أيضًا بعد تلك الكارثة البيئية أشكال الفنون والأزياء ووسائل النقل والحركة وتبدلت كذلك لغة الخطاب وألفاظه، غطت الرمال كل شئ، وصارت السفن والسيارات تتحرك فوق الرمال، وتم بناء ميناء جديد في 6 أكتوبر أطلق عليه ميناء 6 أكتوبر الرملي.

وهكذا فإن مفردات الخطاب اليومي وألفاظه التي كان يُنظر إليها قبل النكسة (وهو الاسم الذي اُطلِق علي غرق القاهرة أو اختفائها تحت الرمال) قبل تحويل نهر النيل خارجها، علي أنها خارجة أو نابية أو تخدش الحياء، قد أصبحت عادية، حيث أصبح غير المألوف منها “ومن السلوك” مألوفًا وعاديًا، وصار المألوف غير مألوف، تبدلت الطباع واللغة والحياة وتوحشت، كما توحش العالم كله علي الرغم من توحده في ظل العولمة، كما أنه وقع أيضًا في براثن الغربة والاستعمال والغرابة. هكذا أصبح الناس فرائس لمنظمات مالية واقتصاديه وماسونية عالمية. وهنا تبدو هذه الرواية، وعلي نحو ما، غير مباشر يقينًا، وكأنها تحذر من مستقبل قاتم مقبض قادم تكمن بداياته وإرهاصاته وجذوره، وتمتد في قلب هذا الحاضر الكئيب الذي تهيمن عليه العبارات السوقية والتحرش والإيذاء للفتيات والنساء في الشوارع ووسائل المواصلات ولغة مواقع التواصل الاجتماعي التي تكون أحيانًا شديدة البذاءة والفجاجة؛ وإنه لعالم رديء أيضًا استفحل فيه فساد لا توجد إرادة قوية، حتي الآن، لمقاومته، أو محاسبة هؤلاء الذين مازالوا ينعمون حتي الآن، في الداخل والخارج، بما نهبوه من ثروات هذا الشعب الفقير؛ بل إنه وحتي عندما يُحال أحدهم إلي المحاكمة؛ فإن جلسات محاكمته يتم تأجيلها، مرة بعد الأخري، عبر خمس سنوات تحت ذريعة إتاحة الفرصة أمام الدفاع للاطلاع علي أدلة الاتهام وهي أدلة واضحة جلية جهارًا نهارًا، وعيانًا بيانًا، متمثلة في أرصدة البنوك والقصور والمدن الساحلية والقنوات الفضائية.

هل كان ينبغي أن يكون “بسَّام بهجت” رومانسيًا حتي نرضي عنه وعن تقريره الذي نقرأه في هذه الرواية؟

لقد كتب عن وطنه بصدق وحب، لكنه حب أشبه بذلك الحب الذي قد يقتل صاحبه، وإن لم يقتله قاده إلي الاحتجاز والسجن. لقد كتب عن شقق الجنس السرية، وزنا المحارم، والمهووسين بكمال الأجسام، والموسيقين العشوائيين، والراقصات البائسات في الشوارع الخلفية لمنطقة الهرم وفيصل، وكتب عن رجال أعمال متخمين ينظمون رحلات صيد تبدأ بعد منتصف الليل، وأيضًا عن شركات الحراسة الخاصة والقتلة المحترفين ” المختبئين في العتبة وتجار الكلاب في التجمعات الصحراوية الممتده من صحراء الهرم إلي صحراء الفيوم“، لقد كتب عن واقع مُنافِق يُحاول أن يُظهِر غير ما يُخفي، وأن يُعلِن غير ما يُضمِر؛ كتبه بلغة جارحة أحيانًا، حادة مدببة خارجة أحيانًا، لكن هذا المستوي ليس المستوي الوحيد الموجود في الكتابة هنا، فثمة مستويات أخري أكثر تهويمًا، وأعمق تحليلاً للواقع من النواحي الأنتروبولوجية والاجتماعية والنفسية.

هكذا كانت الأرض مُمهَّدة في مصر لحدوث تسونامي الصحراء، تلك التي اجتاحت البلاد والعباد؛ والصحراء هنا رمز لتحولات كثيرة طرأت علي واقعنا، غير تلك الكارثة المُتخيَّلة الموجودة في الرواية، والتي قد يفكر البعض فيها بوصفها احتمالاً حقيقيًا قد يحدث بعد ذلك التغير الذي سيطرأ علي نهر النيل، وعلي مياهنا بعد بناء سد النهضة، واحتمالاً يشير أيضًا إلي تلك الهجرات الجماعية التي قام بها المصريون إلي الصحراء والتي غيَّرت شكل الأرض فتآكلت الأرض الزراعية وتغيَّرت أزياء البشر وتبدَّل تفكيرهم وسلوكهم، فازدادوا تطرفًا وجهامة وعنفًا وانغلاقًا علي ذواتهم. الصحراء أيضًا رمز للتفكك، والخلاء، والموت، والدمار، وغياب المياه والحياة الطبيعية، ورمزا أيضًا للوحشة والعزلة والفراغ اللانهائي والفزع. وفي مصر القديمة كانت الصحراء هي المملكة التي يهمين عليها الإله ست، الذي كان يرمز إلي الشر والمجاعة والجفاف والغدر والموت؛ ومع ذلك فإنه في سياقات أخري قد تكون الصحراء رمزًا ما بعد تسونامي الصحراء للوحي والإلهام والتأمل والحرية.

بعد تسونامي الصحراء أو تلك النكسة، بعدها بعشرين عامًا، طُرِح اللون الأخضر كلون مهم في شعار تحالف شركات التعمير الجديدة .. وذلك بعد سلسلة الزلازل والفيضانات الرملية التي اجتاحت الكثير من المدن، “لكن في غضون سنوات قليلة أصبح الأخضر مصدرًا لفعل، ومن الفعل خرجت مجموعة من المشتقات اللغوية المتنوعة، هكذا صار هناك حنين للأخضر، وولع بالأخضر” وصارت بعثات الآثار تنقب في بحر الرمال عن حضارة كانت هناك ولم تعد هنا، وتواصل البحث عن بشر كانوا يملأون الدنيا ضجة وضجيجًا، وبهجة وحزنًا، وأحلامًا وصراعاتٍ، ومزاحمةً لبعضهم البعض وتسريبات، لم يعودوا هنا، أصبحوا هناك، أثرًا بعد عين، وأصبحت ديارهم رمالاً، تنعي من بناها، وصار هناك نوع من الحنين للماضي لكنه هو الماضي يغير أشكاله وهي صور الذات تدعي الإنعاش”، يقول بسَّام بهجت. هكذا استمرت محاولات إنقاذ ماتبقي من القاهرة، لكن حتي بعثات التنقيب عن الأحلام الباقية سرعان ما كانت تغيب وتختفي في الرمال، ثم تعالت صيحات تقول:” إذن لنعد بناء ما ضاع لنثبت أن الروح التي بنت الأهرامات، والحلواني الذي رسم القاهرة لا يزالان حيين حاضرين فينا، لنبني مصر من جديد، لتنهض من مقبرة الرمال”… كانت ثمة روح جديدة تنبعث في الباقين بعد الزلزال العظيم ، تنبعث حينًا فحينًا، ولكن سرعان ما يثبت أنها كانت زوبعة في فنجان وعاصفة في جمجمة، فالماضي يعود ليمسك بتلابيب الحاضر ويضغط علي خناق المستقبل، والعود الأبدي عدو الإبداع والخيال، لا يتوقف عن الحضور والغياب والدوران والإحاطة بكل شئ. لقد وقف الخلق ينظرون جميعًا إلينا، كيف نبني قواعد المجد وحدنا!

كما جاء في بيت حافظ الشهير؛ فمتي نتوقف وننظر إلي أنفسنا، متي نتوقف حتي نري عيوبنا ونحاول إصلاحها؟

“الفانتازيا التسجيلية”

ورد مصطلح “الفانتازيا التسجيلية” خلال هذه الرواية في رسالة كتبتها ريم إلي بسَّام وذلك فيما يتعلق بالفيلم الذي كان يُصوِّره حول النيل وقد جاء في هذه الرسالة إن المطلوب منه “ليس أن يُصوِّر فيلمًا تسجيليًا يرصد ويسجِّل وضعًا قائمًا، بل أن يسعي لخلق عملية توثيق لحدث مُتخيَّل يقترب من الفانتازيا، وهو ليس اختفاء بل تغير مجري النيل بحيث لا يمر بمدينة القاهرة بل يلتف حولها ليشق طريقه من الحد الفاصل بين محافظة أكتوبر ومحافظة الجيزة، مكملا طريقه بعد ذلك نحو الدلتا التي بالطبع سوف يتغير واقعها جغرافيًا”. وهكذا كانت هذه الرواية أيضًا أشبه بنص فانتازي تسجيلي تم فيه تحديد مواضع الوحدات الأساسية للسرد وهي الزمان والمكان والشخصية ثم تم تفكيكها أيضًا. ففي الأعمال الخيالية ما بعد الحداثية، لم يعد الفن المنظوري ولا خاصية البعد الثالث ولا البداية والوسط والنهاية من القواعد العظيمة التي ينبغي التمسك بها الآن، وذلك لأن معالم المجال الأدبي وكذلك البصري أصبحت تميل الآن أكثر في اتجاه اللاتحديد (مبدأ هايزنبرج) كما قد يعبر عن ذلك مثل ذلك التحول في الأطراف، أطراف الوعي والعالم والكتابة وهوامشها وحوافها.

inv-02.jpg
من الملصق الدعائي لحفل توقيع رواية استخدام الحياة

 

هكذا أصبحت النصوص الأدبية أشبه بمتاهات أو مسارات وممرات متراجعة بلا نهاية، وهكذا ظهرت كما تقول روزماري جاكسون في كتابها المعنون” التخيل، أدب الهدم والتحويل” (1981)، الحوائط القابلة للمرور منها، والقابلة للتحول أيضًا إلي حالة سائلة، كما صارت ثمة حرية كبيرة في التحول والتلاعب والحركة الحرة عبر الزمان والمكان وداخل الإنسان وخارجه أيضًا. هكذا تستخدم الأعمال الخيالية آليات عدة لتحويل الإدراكات العادية، ولتقويض تلك الطرائق الواقعيه في الرؤية، وهنا يُستخدَم اللايقين، والاستحالة المفروضة علي مستوي البنية من خلال التردد والالتباس، والصور غير ذات الشكل المُحدَّد، والأماكن الخاوية والفراغ الذي تم التلاعب به لإحداث تأثيرات إنفعالية خاصة، وكذلك التجسيد للجوانب اللامرئية في الحياة بطرائق بارعة وجديدة. وهكذا فإن ما لا يري، وما لا يقال، وما هو مجهول يظل مع ذلك أيضًا موجودًا وممتدًا كاحتمال قائم يُوشك علي الوقوع، ويظل موجودًا كذلك موجودًا كمنطقة مظلمة من الممكن أن يخرج منها أي شئ، أي مخلوق، أي احتمال، ثم إنه يمكنه أن يجتاز، بعد ذلك، حدود عالمنا، هذا الأمن السعيد ظاهريًا، ويدخله علي نحو غير متوقع أوغريب أو عجيب أو مخيف.

كذلك توحي طوبوغرافيا الأعمال الخيالية الحديثة ، إلي الانشغال بمشكلات المرئي والرؤية والقابل للرؤية، وذلك لأنها تكون مبنية حول تصور طيفي متخيل معين. هكذا تظهر الرؤية المختلطة والمشوشة للشخصيات والواقع والزمان والمكان من خلال ما يشبه المتاهات أو الخداعات الإدراكية، وهذا بعض ما حاول أن يقدمه أحمد ناجي في هذه الرواية مابعد الحداثية من حيث عالمها المتفكك وشخصياتها المتداعية ورؤيتها التي تدور حول محور بصري نقيض لهذا العالم، فالعالم الذي نعرفه قد انتهي؛ لقد تم الامتداد به وتكثيفه وتدميره ثم إعادة بنائه من جديد، لكنه أصبح هنا عالمًا موجودًا هناك في الصحراء، خلف المرآة لا أمامها، كما أن الفضاءات التي تحرك هذا العالم بداخلها صارت فضاءات موجودة خلف المرئي وخلف المُدرَك، خلف الصور، موجودة هناك، في تلك الصحراء المتخيله، صحراء 6 أكتوبر وموانيها الرملية الجديدة، وأنها أيضًا صحراء باردة مظلمة موحشة يمكن أن يحدث فيها أي شئ ويمكن أن يظهر منها أي شئ. إنها “فانتازماجوريا” أو مُجمَّع أشباح يتجول فيه الناس ويتحولون إلي صور، والصور إلي أشباح، والأشباح إلي كوابيس، لا تكف عن مهاجمة العقل كما كان شأنها دائمًا لدي جويا (1764 – 1828 ).

time-goya-painting
من رسومات جويا

فبعد مرضه الذي كانت تنتابه خلاله أحلام مرعبة مصحوبة بأصوات مزعجة في رأسه بسنوات ست، وفي عام 1799، رسم جويا مجموعة من اللوحات بعنوان “النزوات”. وهي مجموعة من ثمانين لوحة طباعية (حفر) عجيبة وغريبة وبلا ألوان محدَّدة (أو غير ملونة) وذات حس ساخر، تشتمل علي تمثيلات تهكمية هجائية للخرافة الشعبية السائدة، قاسية ولاذعة ومنتقدة ومهاجمة للطبقة الأرستقراطية والحكومة وكل الظروف الاجتماعية، كما أنها احتوت علي هجوم عنيف غير مسبوق علي كثير من القيم الراسخة في إسبانيا، وهو ما يتشابه علي نحو ما مع تلك المشاهد الكارثية التي يطرجها علينا ناجي في هذه الرواية؛ فهل كانت تلك المشاهد الكارثية أحلامًا أم كوابيس، أم خداعات إدراكية تجسدت في أشكال وصور وحوش تهاجم العقل الجمعي المصري عندما نام وغرق في الظلام؟

وقد كان جويا يعتقد أن الأحلام تشبه اللوحات، إلا أنه كان يعتقد أيضًا أن الفنان، والإنسان عمومًا، عندما يفقد عقله، عندما ينام هذا العقل، يعمل خياله علي إنتاج الوحوش المستحيلة، وفي هذا إقرار منه بضرورة أن يخضع الخيال لسيطرة العقل، وإلا ظهرت منه، خلال سباته هذا، البوم والخفافيش والحيوانات المفترسة المجنحة، أما عندما يتوحد العقل والخيال معًا، تظهر الفنون والمعجزات.

لم تكن خطة تدمير القاهرة أو إغراقها أو إخفائها فريدة، أو مقصورة عليها فقط، بل حدث ذلك أيضًا في أماكن عديدة من العالم، وفي عواصم أخري سواها. كما أنه وبعد ذلك الزلزال العظيم تزايد تعاطي الناس للمخدرات وتزايد عدد المصابين بالاكتئاب والمنتحرين؛ لكن مصر حققت أيضًا تقدمًا كبيرًا علي المستوي الاقتصادي خلال 5 سنوات شبهه البعض بقفزة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية وأطلقوا عليه ” قفزة الارنب من الهاوية” لكن العالم كله كان قد تقدم أيضًا، فما حدث في القاهرة، حدث أيضًا في نيويورك وكوبنهاجن وفوكوشيما وغيرها، انهيارات مدمرة ثم قيامات هائلة مبهرة، فالعالم أصبح واحدًا، والعولمة صارت هي القاعدة وغيرها الاستثناء “العالم كله أصبح شبيهًا بالقاهرة، لا مجال للتمرد، لا فضاء للعواء، الغابات تتم هندستها، الكوكب تُقاس درجة حرارته بانتظام، والماكينات تحفر في أحشائه لاستجلاء المزيد من أسراره، الطواويس تخضع لرقابة صارمة، أعداد الحيوانات المُهدَّدة بالانقراض يتم تحديثها ساعة بعد ساعة، حتي الفوضي تتحرك في مجالات مُحدَّدة، أو تدخل في عملية الإنتاج كجزء من الماكينة الضخمة التي تعمل بتأنٍّ وهدوء للحفاظ علي التوازن وهندسة الكوكب”.

هكذا تحول البشر إلي تروس وآلات، وتحولت التروس والآلات إلي ما يشبه البشر، وتعاظم دور جمعية معمار وأصبحت تحكم العالم وصارت أعمالها تحتوي من بين ما تحتويه علي “التنظيم لأعمال المحاصيل الزراعية في 60٪ من الأرض الزراعية في جميع أنحاء العالم، حتي تصنيع السيارات والأدوية ودعم شبكة الانترنت الثانية، وصناعة الأسلحة الخفيفة والثقيلة التي تُباع لشركات التأمين التي تحمل أسماء متعددة، وفي الوقت نفسه ليست سوي قطاعات من شركة معمار الأم”.

تغيرت معالم المكان وطبائع الإنسان وصار هناك بحر جديد من الرمال يسمي “بحر اكتوبر”، وقد كان “يمتد حاملاً عشرات السفن الشراعية التي تعتمد حركتها علي مد وجزر الرمال وحركة الرياح، ولا يمكن للسيارات أو مركبات اليابسة التوغل فيها كثيرًا، فعند حد معين قد يسحبك التيار فتغيب في بطن بحر الصحراء البرتقالية”.. وفي بحر الصحراء هناك “أسماك برية ذات هياكل عظمية، أحيانا ما تظهر من تحت الأرض ثانية أو ثانيتين، تأخذ نفسًا قصيرًا ثم تغوص تحت الأمواج الرملية”. وهناك أيضًا أفيال بحرية ضخمة تتحرك بثقل وتناغم عبر خليج دالي، في مشاهد سيريالية عبثية تذكرنا بالسريالي الشهير سلفادور دالي ولوحته المعروفة ” إلحاح الذاكرة” التي تحتوي علي ساعات كثيرة ذائبة وسائلة.

هكذا تشكلت الرؤية الفنية في ” استخدام الحياة ” عبر هذه المستويات المتنوعة المتداخلة المتشابكة من الوعي واللاوعي، من الإدراك والتوثيق، ومن انحرافات الإدراك والتلاعب بالوثائق، الحلم والتخييل والخيال وأحلام اليقظة والتهويمات والكوابيس وكذلك الذكريات التي هي صور مشحونة بالزمن كما كان أوغسطين يقول. لكن الزمن الذي كان أوغسطين يقصده هو زمن الماضي، أما الزمن في هذه الرواية فهو زمن معكوس، فيه يكون البعيد قريبًا والقريب بعيدًا، فيه يحضر الماضي والحاضر والمستقبل معًا، وفيه يتداخل الزمان الكرونولوجي مع الزمن السيكولوجي، حيث تنداح الحدود بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات والعقول بفعل التدمير المتدرج، أو المفاجئ، للتوقعات والبني المادية والسيكولوجية والاجتماعية المتماسكة ظاهريًا، وثمة إرجاء هنا للأحداث، لكنه أيضًا إرجاء معكوس، يجعل العاجل من المشكلات مُؤجَّلاً والمُؤجَّل عاجلاً وكارثيًا.

ويصاحب النص اللغوي المكتوب هنا في الرواية، نصوص بصرية مرسومة، ويُشكِّل هذا التضافر بين السرد اللغوي والسرد البصري عالمًا واحدًا متكاملاً لا تنفصم عراه، وإنه لعالم زاخر بالمعلومات كما قلنا، وزاخر أيضًا بالسخرية المرة القاتمة المؤلمة التي تجسدها رسوم كثيرة مُصاحِبة للكلمات وتؤكدها كذلك الأغاني التي ورد ذكرها علي نحو معكوس مقلوب أيضًا مغاير أيضًا لاتجاهها المتتابع الخطي المألوف (أغنيه أسمهان: دخلت مرة الجنينة، تمثيلاً لا حصرًا). كذلك أسهمت الهوامش المعلوماتية الكثيرة المُصاحِبة للنصوص، بعضها توثيقي دقيق وبعضها مختلق، بدور كبير في إضاءة المشاهد الموجودة أعلاها وفي إثرائها إلي حد كبير

Between a Rock and a Hard Place: The Fate of Revolutionary Art in Egypt

In 2003, French philosopher Alain Badiou gave for the first time his lecture entitled “Fifteen Theories on Contemporary Art” at New York’s Drawing Center. In his lecture, Badiou explains the determining features of contemporary art, including a definition of what he calls “non-imperial art.” Badiou bases his definition on Antonio Negri’s theory of Empire as a modern, deterritorialized system that rules a global political economy—the concept of “Empire” represents control through a capitalist system and state-based legal authority. In art, as in politics, this imperial system has produced rules that now govern the world of art. These rules harness revolutionary endeavors, coopting it to become a part of the vast production mechanisms of artistic merchandise.

Three main strategies buttress this system of artwork production around the world. First is the prevalence of intellectual property rights worldwide, which restrict artists’ ability to create collaboratively. Second is a constant focus on the same artists and creative individuals. Last a particularly defined protocol for the evaluation and appreciation of artists. This protocol is based on the number of awards received, the size of an artist’s sales, or even the most “views” or “likes” in today’s world of online art and social networks.

According to Badiou, however, art can be “real and non-imperialist,” functioning outside the logic of Empire. It can even challenge this logic of rule and undo its grip. In one of the theories introduced in his lecture, Badiou explains: “Non-imperial art must be as rigorous as a mathematical demonstration, as surprising as an ambush in the night, and as elevated as a star.”

In 2011, the Alexandria Contemporary Arts Forum (ACAF) translated Badiou’s lecture into Arabic and published it in Egypt. ACAF is one of the most active centers of arts and culture in the country and one that has played a vital role in creating an environment suitable for knowledge, learning, and discussion amongst the country’s artists. ACAF provides an oasis in a desert environment; arts education in Egypt is stifled by strict censures and terribly outdated syllabi.

In 2012, ACAF organized a three-day conference entitled: “Art and Change,” which featured a talk by Italian philosopher Franco “Bifo” Berardi. The conference provided a rare opportunity for Egyptian artists to discuss the political and social scene in the country, as well as try to understand the place that the arts and artists would take in the aftermath of the January 25 revolution.

208839_10150876598850919_2000120579_n

The year after January 25, 2011 witnessed an exponential growth in public arts. Suddenly, public art was present on most streets; public squares and parks were filled with free concerts. The monthly AlFan Midan (Art is a Square) festival, a music festival in Abdin Square in Cairo and a number of other squares in cities around Egypt, was established. The festival quickly became a place for a number of artists and musicians to sing freely, with no censorship whatsoever. Graffiti also took off in Egypt at that time, fostered by galleries and arts organizations.

Egypt’s artists were the happiest they had been in a while. They were calling for fewer restrictions on the Ministry of Culture and presenting plans that would enable everyone to use the Ministry’s facilities, not just state-approved artists. At that time, dreams of freeing arts and culture in Egypt of all censorship and cultivating creative and artistic freedom across the board were beginning to take flight.

These days ended with the Muslim Brotherhood’s ascent to power. Shortly before former President Muhammad Morsi took office, ACAF shut down its headquarters and stopped all its activities—to this day, Baroni refuses to comment or explain the reasons behind that. After the Muslim Brotherhood’s rise, the arts and culture scene soon came under their attempts to grasp full control, with the appointment of a minister who most artists and cultural figures agreed was bent on stifling the arts scene in Egypt even more.

The “revolutionary art” of Egypt that emerged in the wake of the revolution appeared as an artistic expression carrying a clear and direct political message. It had, however one flaw. The subject of this form of art in Egypt shifted many times, from mocking Mubarak and his regime, to the Supreme Council of the Armed Forces, and finally to the Muslim Brotherhood and Morsi. A lot of what was known as revolutionary art was therefore reactive art, and not a “rigorous mathematical demonstration.” Its expression was in reaction to political events, and was thus changing as these events changed. Where revolutionary art is meant to affect the media, it was instead guided by it. With the changing events, the art changed in response and its message was rendered an article of the past. Art became a piece of history rather than true, forward-facing, revolutionary art. If the revolutionary art of the time, be it songs or drawings or other works of art, mocked and criticized Mubarak, how does this art remain revolutionary after Mubarak is gone and a new, seemingly more violent, phase has started?

A year after the Muslim Brotherhood was removed from power, all these various reactionary songs, paintings, and artistic expressions that presented themselves as revolutionary pieces of art have disappeared. They have become part of the past, with their value stemming solely from their connection to the past. All of this begs the question: Was this truly revolutionary art or simply another form of consumerist artwork?

166954_243350072414226_100002177063677_572057_1839247958_n

The year the Muslim Brotherhood spent in power was difficult for anyone working in the fields of art or culture; the political struggle with the Brotherhood forced everyone to become involved. Some artists saw their independence of all political struggles as paramount, while others saw that true revolution meant not only criticizing the Brotherhood but being able to criticize the army as well. This latter opinion was vastly unpopular in the political calculations of that time, with civilian groups believing they needed the army to help remove the Muslim Brotherhood from power.

That year also witnessed strong alliances being made between what is known as revolutionary art and big Egyptian corporations. What started off as revolutionary art suddenly became mainstream, with large bottled soda companies and other monopolies in the Egyptian market using bands from “Al Midan” (Tahrir Square) to play in their advertisements. We are now at a point where revolutionary art is turning into commercial art. Even more so, the commercial values about smiling, happiness, and other human development values have started to creep into artistic expression, leading to horribly shallow works of art.

Meanwhile, some artists decided to go deeper underground, as far away from the noise as possible, making do with small marginal venues to present their art. One example is Aly Talibab, who patiently continued his own projects away from revolutionary rhetoric or direct political phrases. Rather, he steered that rhetoric from the collective cacophony of the art scene to his own individual voice. Instead of using his art as a revolutionary megaphone, Talibab’s work instead expresses the confusion and fear of the country’s current reality. Another example is rapper MC Amin, who presented a number of direct political songs, collaborating with Egypt’s “mahrajanat” artists to present what has become known as “rapgagiya,” a fusion of the Egyptian folk art of “mahrajanat” and rap.

Day after day, things seem to be drifting to their pre-January 25 status quo, with some even believing that they are becoming worse. Right now, we see the reactionary revolutionary art of the past few years exiting the advertising and commercial market it had succumbed to after its start as revolutionary art. This revolutionary-turned-commercial art is even being thrown out by the advertising companies that have milked it dry. These new forms of art are being pushed back into the small space that they were able to grab or create after January 25.

Most recently, the Ministry of Interior has canceled the AlFan Midan festival, and repeated the cancellation even after Minister of Culture Gaber Asfour tried to intervene on behalf of the festival. The Ministry of Interior is also on the hunt for graffiti artists, and many have been arrested and handed long prison sentences for painting anti-regime phrases on walls.

This tightening of the arts scene continues with the recent law issued by President Abdel-Fattah El Sisi that increased penalties for anyone receiving foreign funding that may be suspected as detrimental to national security. This law, even if not used directly to prohibit artists, will inevitably lead to the limiting of dozens of arts and culture centers, as organizations close due to lack of funding or fear of retribution. This will affect the work of places like the ACAF, which are now under threat of arbitrary closure or even imprisonment.

As for Egypt’s artists, a number of them have left the country, especially those that were labeled as “revolutionary” artists. Most prominent among these are graffiti artist Ganzeer, who is currently in Brooklyn, New York, and singer Rami Essam, whose songs became famous in the very first days of the January 25 revolution, and who recently relocated to Sweden.

Four years after January 25, revolutionary art is now one of two things. For some, it has become an endeavor undertaken in foreign lands. For others, it has become a watered-down, almost meaningless and valueless form after its exploitation by the very corporations that represent the regime that was the target of the art in the first place. While ACAF director Bassan Baroni tried to create a space that would allow artists to gain knowledge and perhaps someday create art as “rigorous as a mathematical demonstration,” Egypt’s streets and screens are now filled with dozens of artists from all walks who prefer to blend into the moment, turning the artists into an echo chamber for the voice of the masses.

Only a miniscule number of attempts remain, trying to continue under Egypt’s ever-increasing scrutiny and censorship.

A Sad Melody at the End of the Road

Published for the first time on the old blog at Aug. 2013

The time for retreat is past and all the chances to avoid this path have been burned up. The incendiary speeches are escalating from every side and are morphing from incitement to war speeches. The television stations put up the slogan “Egypt is fighting terrorism” written in English and no one tells us who and what terrorism we are fighting? Are they Al-Qaeda? Ansar al-Sharia? The Al-Nusra Front? The Brotherhood? A little of this and a little of that?

8 (6)
Military Supporters

We don’t know, and the soldier who is only twenty-one years old doesn’t know, but he obeys the orders of the gunman who directs him to get out of the bus so that he can be executed from behind. Likewise, someone else is led to the hearse, better known as the police truck, to die of asphyxiation.

No one stops to ask questions or demand accountability. War has its rules, but civil war falls outside the rules and the ethics of opposing armies.  Civil war has its own clear goals, and they are usually ethnic cleansing and the siege of one faction or group. This always fails. For proof you can look around yourself or in history books, or look at the performance of the Egyptian military state since July 23, 1952 to confirm for yourself that prison and prohibition have never been useful in eliminating the Brotherhood or other supporters of religious despotism.

Why, then, do we repeat the same mistakes that were made thirty years ago when Islamist groups were first released from Pandora’s box in the seventies?

The same old story that happened in the seventies is being played out right now. The military power in the seventies used the Islamist groups to get rid of the remains of Nasserism and the revolutionary left and, once it had accomplished that, the Islamist groups became a danger to this military power and it decided to take them on by force. Throughout the eighties and the nineties we saw how the state fought with unparalleled failure. The same story is being repeated by the military council and the security apparatus who refuse to try any other approach, and if anyone opposes their approach, the result is accusations of treason.

The state did not adopt any program against the ideology of religious despotism. Instead, it exploited this ideology, working to stay one step ahead of the Islamists. The most obvious evidence of this is the second article of the constitution, which Sadat put into place as part of this exploitation. In the same way, the civil state constitution will be written, under the presidency of Adly Mansour, with its sectarian articles and their comprehensive sources.

At the same time, the state left room for a faction of the Islamists to participate in the political process, run in elections, and share in power. In the eighties, this faction was the Brotherhood and now it appears that it’s the Salafi’s turn. It’s obvious that Dr. Yasser Al-Burhami is sitting back confidently waiting to gather the spoils.

In the eighties a large group of intellectuals, writers, and artists joined the state’s battle. At that time, the slogan was enlightenment fighting the forces of darkness. This proposed option of enlightenment was nothing more than a group of theses on renewing the religious discourse and leaving everything to a deeply corrupt regime without a position or a message. Now, some people are using slogans about fighting religious fascism or accepting the authority’s oppression and violence because it is the only way to stop religious violence.  But in the morgue, clothes are removed from the bodies and it becomes difficult to tell the soldiers from those who are called “terrorists” or from people who were just passing by at the time of the clashes. Even more importantly, the path that the current authorities are on has no indication of leading us over this ocean of blood to a civil state in which citizenship and equality are achieved. The committee that is working on amending the constitution decided to keep the sectarian articles that restrict citizens’ freedom of belief. Not only that, but the committee added, on the suggestions of some, an article to protect the office of the president of Egypt from protests, as though an article in the constitution could protect the president or any authority from the public’s anger.

Fighting terrorism or groups devoted to religious despotism is not a battle that we can win by liberating a piece of land or killing and arresting the largest possible number of people. It is, fundamentally, a battle of ideas and of a way of life that the Egyptian middle class chose to defend on July 30. Accepting the authority’s violence and illegal violations, and the nonsense that is taking place right now vis-à-vis the constitution means complete defeat in the battle against “terrorism” even if the Brotherhood’s Supreme Guide and the entire Guidance Office is arrested.

أجمل خولات وسط البلد

في الوقت الذي يبدأ فيه تَشكل الذات الفردية من خلال الأسئلة والمناطق الغامضة في مرحلة الطفولة. تواجه هذه الذات الصدمات والتناقضات التي تحملها التفسيرات المجتمعية للعالم. يأتي “الشباب” حينها ليحمل في داخله ميل إلي تبجيل التفسيرات الميتافيزيقيا لأنها تكشف له معانى للأشياء التي كان يجدها منفرة أو مزدرة. تقدم الميتافيزيقيا العالم كلغز كبير يستحيل إدراك أبعاده، بالتالي فإذا كان لدى “الشباب” ميل لتحقير الذات أو دودة الإحساس بعدم الرضا، تخفف التفسيرات الميتافيزيقيا من هذه الآلام. وترفع من منسوب الإيمان بلغز العالم الكبير، وتعمق من الاعتقاد في بؤسه العميق. حينها يكتمل “الشباب” بجناحين يجمعان بين الإحساس بعدم المسؤولية ورؤية أهمية للأشياء في الوقت ذاته.

في ميدان تحرير آخر ما قبل 25 يناير، كانت الزاوية التي تضم محل “كنتاكى” -ممول الثورة طبقاً لبروبجندا إعلام النظام – مركزاً لمقدمي خدمة دقيقة المحمول 75 قرش. دائماً هناك من ينتظرون، وهناك من يتصلون بمن ينتظرونهم. في الوقت ذاته قاعدة للخرتيجية ولبائع الخدمات المتنوعة، ولصائدين العابرين والتسالي.

أحد الوجوه الشهيرة وقتها سيحمل اسم “أجمل خول في وسط البلد” وبعدها بسنوات سيحمل على الفيسبوك لقب “أحمد أنجل”. كنت هاوياً للمراقبة ومضيعاً للوقت في تلك الزاوية، وبطبيعة الحال فقد أصبح وجه أجمل خول في وسط البلد مألوفاً لي في حضوره كوجوه الواقفين بجوار المحمول ولافتة “الدقيقة 50 قرش”. كان يطلب مني أحياناً إشعال سيجارته، وأحياناً كنت أستعير منه كابريت، ثم صرنا نعزم على بعض بالسجائر، ثم عرفنى أنه يعمل في محطة مترو السادات حارساً للتماثيل الأثرية، ويصعد من آن لآخر ليشرب القهوة أو يمارس حياته الطبيعية أو المثلية.

للأجيال التي لم تشهد هذا الأمر، ففي زمن بعيد كان هناك محطة مترو أسفل ميدان التحرير وتحمل اسم الرئيس محمد أنور السادات الذي استشهد برصاص إرهابيين عسكريين في عرض عسكري بمناسبة 6 أكتوبر. كانت محطة أساسية يمكنك التبديل بين خطوط القطارات المختلفة، بممرات وساحات متشابكة على أكثر من مستوى تمتلئ باللوحات والتماثيل الفنية والأثرية المحفوظة داخل صناديق زجاجية. وبينما نسير في أحد ممراتها توقف “الجميل” أمام باب أصفر مطلي بلون شبيه بلون الحائط. فتح الباب، ليكشف ممراً ضيقاً تنيره مصابيح صفراء متباعدة. مشينا في الممر، وهو يخبرني بقصة التمثال الذي خرج من المخازن لوضعه في المحطة، لكن رئيس المحطة اعترض على وجود التمثال، ولأن إعادته للمخازن تتطلب دورات بيروقراطية معقدة، فقد اقترح الاحتفاظ به هنا. قال أنه يعتقد أن للتمثال تأثير قوى ومركزي ومن المهم أن يتوسط المدينة في هذا الموقع الجغرافي، وبسبب كونه خول وجميل فلديه القدرة علي الإحساس بهذه الطاقة الروحية حيث أن لديه اتصال طبيعي مع الأشياء كما أنه يأكل الطعام الصحي فقط.

كان التمثال في غرفة صغيرة بدا واضحاً أنها استخدمت كمخزن وغرفة تبديل ملابس وراحة للعمال أثناء عمليات الحفر وإنشاء وتأسيس المحطة في سالف الزمان حينما كان مبارك ودولته يصنعون أمجادهم ومشاريعهم القومية بالاحتفال بتحديث شبكات المجاري والصرف الصحي أو مبارك وهو يقف في كابينة قيادة المترو ويستمتع بضغط أزرار الانطلاق والايقاف. وفي إطار هذه الاحتفالات كان يتم شحن كل الرموز الوطنية والهوياتيه، لتحميس الروح الوطنية لدى الجماهير وتعزيز الانتماء الوطني من خلال جعل مفهوم حب الوطن مرتبط بالتصفيق الحاد مع كل إنجاز. بارتفاع متر تقريباً كان التمثال في الغرفة للإله “من” بقضيب ذكري منتصب وذراع مقطوع. وأمامه مكتب حديدي قديم بوحدة أدراج ثلاثية. بدا الخول الجميل فخوراً بالمكتب، وقال أنه سيطلعنى على سر.

Max Ernst. The Whole City. Oil on canvas. 60 x 81 cm. 1935. Kunshaus, Zurich, Switzerland.
Max Ernst. The Whole City. Oil on canvas. 60 x 81 cm. 1935. Kunshaus, Zurich, Switzerland.

تتشكل صفات الرجولة في هذه المدينة من مجموعة من صفات المستحبة وصفات آخري منبوذة. وهى منبوذة لا لشيء أحياناً إلا كونه مستحبة كصفات أنثوية. الحياء مثلاً. أخرج مربع خشبي نقش عليهم رسم غير واضح، قدرت أنه معنى “الحياء”. أخذ يرص المربعات في صفين. صف لصفات الرجولة؛ الغضب، العبوس، الوفاء للصداقة الرجولية، الفجاجة، الغرور، الاستعراض والتباهي. وآخري للمنبوذ من الرجولة ليشكل النسوية؛ الضعف، التواضع، المياصة. بعضها بدا لى يحمل لى قدر من المبالغة مثلما كان كل شيء مبالغاً في هذه الحكاية. مبالغاً في ذكورته المدعاة، وفي تقسيمته “الجندرية” للأخلاق والأفكار التي تحدد هوية النوع وتقع سقفاً منخفضاً فوق طاقة الفرد. هذا السقف الذي تحمله أعمدة من الأكاذيب المتناقضة يتداعي تحت ضغط المتغيرات الاجتماعية ووسائل التواصل والإعلام الذي يغرق المجتمع بصور متعددة من الحقائق عن هويته وذاته. بينما مؤسسات شاخت كالدولة والأزهر وغير من مؤسسات ضبط حركة المجتمع تدافع عن بقاءها من خلال قمع رغبات الأفراد.