التنظيم السري

تدوينة من أرشيف المدونة تعود لعام 2011

شكلت مع مجموعة من الأصدقاء وزملاء أثناء المرحلة الجامعية “جماعة سرية” لم نسعي للحصول على تصريح من مكتب شئون الطلبة ولم نختر مشرفاً من أساتذة الجامعة. بنيناً تنظيماً قوياً وحديدياً. كان من الصعب أو المستحيل أن تشاهد اثنين من أعضاء التنظيم واقفين مع بعضهما. كنا ننادى بعضنا البعض بأسماء مستعارة، ونلتقي في أماكن سرية خارج وداخل الأكاديمية.

كنا نناقش في اجتماعاتنا أمور سرية للغاية ونتخذ قرارات سرية لا مجال للإفصاح عنها. نجحنا في تنفيذ الكثير من الأمور والأفعال السرية التى تخدم أهداف الجماعة السرية، وفشلنا في تحقيق بعض الأهداف الأخيرة. كان أمين الصندوق لفترة هو “دال” وكان يبدأ الاجتماع كل مرة موجهاً حديثه لى “خربان أنت والبلد خربانة”.

في هذا الزمن البعيد كنت أشرب دواء السعال لما يحتويه على مواد مكيفة وأدخن سجائر الكليوبترا الخشبية بكثافة، وادندن وأنا تحت الدش “الدنيا خربانة/ المنصورة خربانة/ يا أحمد يا كباكا خربانة“. العالم كله لم يكن يساوى خراء جاموسة علق في حذائي ولم أكن أهتم بأى شيء آخر إلا الجماعة وأعضاء الجماعة.

جاء “دال” ذات يوم، وفي مخالفة فاضحة لقواعد تنظيم العلاقات داخل الجماعة وقال “مان.. أنا سحبت فلوس من الصندوق” تصنعت أنى لا أنظر له وحافظت على تعبيرات وجهي جامدة “ليه؟!”

رد منفعلاً: زعيم الميتال دخل المستشفي وكانوا عايزين فلوس علشان يعملوا له عملية وينقذوا له حياته.

ملابسة دائماً سوداء، ويرتدى الكثير من الحظاظات والسلاسل. كان “دال” من الموغلين في عوالم موسيقي الميتال. في فترات فراغه كان يمكن مشاهدته في ركن منزوى ممسكاً بموس يجرح جلد ساعده به.

بتعمل ليه كدا يا “دال”؟

ينظر لك مذهولاً “مش هتفهموا… مش هتعرفوا لازم تشوفوا اللى أنا شفته.”

وكان “دال” يحب “زيزو” لكن هذه قصة آخري. القصة التى تهمنى أولاً يوم قاد زعيم الميتال سيارته البورش بصحبة صديقته حتي هضبة المقطم، ثم أخرج من حقيبة السيارة منشار كهربائي وقام بقطع صديقته لنصفين، ثم قطع السيارة البورش لنصفين، ورمى كل شيء من فوق هضبة المقطم، وفي طريق عودته مشياً على الأقدام صدمته سيارة ونقل على المستشفي وكان أول من حادثة ليطلب منه مال للمستشفي “دال”. بعد أن استمعت لتلك الحكاية الخرافة سألت “دال”:

سحبت كام من الصندوق يعنى؟

-بتاع خمسة آلاف جنيه.

أحه…. شخرت بصوت عالى ثم انصرفت وأنا اسب الدين لكل شيء.

تم الإعلان عن اجتماع طارئ في هذا اليوم، ذهبت مبكراً لمقر الجماعة السري وهناك وجدت شرموطتين جلبهم “ميم” و “مام”. كانت الشرموطتين بقمصان النوم ويتحركان في الشقة السرية والأوراق والمستندات السرية. دخلت لغرفة قيادة العمليات فوجدت احداهن بتبعبص في المروحة قالت لى “والنبي يا اخويا المروحة دى بتشتغل ازاى” من الصالة كان “ميم” يتسارع مع “مام” حول تشغيل شريط سميرة سعيد الجديد أو تشغيل شريط منوعات يضم أغانى أجنبية.

شعرت أن العالم كله انهار من حولى. على المكتب وجدت ملف مكتوب عليه عملية “فرجينا والف” سري للغاية. بعثرت الأوراق. وأخذت أكسر كل ما في الغرفة والشرموطة تقول “بسم الله الرحمن الرحيم.. صاحبكم اتجنن”.

خرجت من الشقة السرية ولم أعد مرة ثانية للجماعة.

كولاج بدائي
كولاج بدائي قمت بتنفيذة عام 2012

غواصه من الماضى

نشرت لأول مرة في عام 2011

أثناء اعتصام ميدان التحرير الممتد لـ 18 يوم والذي أطلق عليه بعد ذلك ثورة 25 يناير. كنت في طريقي من 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير حينما لمحت على الوصلة بين ميدان جهينة ومدينة الشيخ زايد فتاة تسير على الرصيف وترتدى بدلة غطس كاملة. أعنى بدلة ذات لون أسود، خزانة أكسجين في الخلف على ظهرها، نظارات مائية ضخمة، زعانف في الأقدام، حزام رصاص حول الخصر، كانت تسير بهدوء كأنها فوق مياة البحر الأحمر. توقفت عند بقعة ما وبدأت في إزاحة غطاء المجاري. اقتربت بالسيارة منها. توقفت على بضعة أمتار وفتحت النافذة مذهولاً وهى ببساطة تقفز داخل فتحة المجاري ثم تسحب غطاء البلاعة الثقيل كأنه ورقة وتعيده لمكانه خلفها وهى تختفي ببدلة الغوص تحت الأرض.

غاب مشهد فتاة الغواصة عن ذهني في مقابل ما كنت أراه طوال تلك الأيام، كما أنه لم يجد سياقاً مناسباً وسط أحاديث الأصدقاء والشئون والنميمة السياسية. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ يعنى هتقعد وسط ناس بتحكى عن مؤامرات الجيش والجنرالات والرصاص وقنابل الغاز وأنت تقطع هذا الحديث الشيق المفيد وتحكى مشهد فتاة ترتدى ملابس الغوص وتختفي في بلاعة مجاري على محور 26 يوليو.

بعد تنحى الرئيس طلب منى أحد الأصدقاء وهو مصور يعمل مع الوكالات الأجنبية المساعدة في سعيه لانجاز قصة عن أصحاب الخيول والجمال أبطال موقعة الجمل الشهيرة، تطلب الأمر مشاوير وأبحاث طويلة. رفضوا التصوير أو الحديث لكن في محاولة أخيرة قررنا زيارة المنطقة.

الزيارة كانت محبطة، وأنا شخصيا لم أكن متحمساً للموضوع. جلسنا على أحد المقاهى لشرب “سبرايت”. فجأة حانت منى لفتة للوراء شاهدت فتاة البلاعة، وهى تزيل نظارة المياه من على وجهه، وبجوارها أسطوانة الأكسجين، طلبت شاى خفيف سكر برا. رغم أن المكان كان قهوة شعبية ليس من المعتاد أن يجلس عليها النساء. لكن كل من كانوا في المنطقة كانوا يتعاملون معها بأريحية وكأنها جزء طبيعى من المكان، عامل المقهى وهو يضع الشاى تبادل منها بعض الجمل لم استطع تبينها. صديق اندهش هو الآخر وقرر التقدم ومحاولة فتح الحوار معاها لكنها رفضت بعنف. ثم قامت وحملت أسطوانة الأكسجين وقررت الانصراف دون حتي أن تحاسب على المشاريب، كأنها زبونة دائمة ولديها حساب مفتوح.

 

يحيا الفن الزائل

نشر هذا الموضوع في صيف 2011 في أخبار الأدب، وحصل على جائزة دبي للصحافة العربية كأفضل موضوع ثقافي عام 2011.

جنزير، موفا، التنين، ملكة جمال الأزاريطة كلها ليست أسماء خيالية، بل ألقاب لفنانين شباب يمثلون أيقونات المشهد الفني المصري الآن. أعمال هؤلاء الفنانين لن تجدها في جاليرهات يرتادها أصحاب رابطات العنق، ولا في قاعات عرض وزارة الثقافة. أعمالهم ستجدها معروضة في جاليري كبير ومفتوح اسمه المدينة. ستجد أعمالهم علي جدران القاهرة، الإسكندرية، أسيوط وربما مدن مصرية أخري. اختار هؤلاء الفنانون ا الجدران العامة مكانا للعرض ورجل الشارع العابر جمهوراً له. هذا فن ينتشر في المدن المصرية ويحمل اسم “الجرافيتي”. يقوم به في الغالب أشخاص مجهولون، وفنانون لا يضعون توقيعاً بجانب أعمالهم. كل ما يطمحون فيه تلك اللذة السرية في التواصل المباشر مع الجمهور وفي إعادة تلوين وجه مدينتهم. في مقابل جهات رسمية كجهاز التنسيق الحضاري تدعي الحفاظ علي وجه المدينة ولا تقدم إلا إعادة طلائه كله باللون الأصفر كأننا في مدينة مريضة. نحاول في هذا الملف الوقوف علي تفاصيل مشهد “الجرافيتي” في مصر، والتعرف علي الاتجاهات الرئيسية في هذا الفن كمفتتح للاقتراب من روح المدينة المصرية الجديدة.

العم عمرو

في ربيع 2007 استيقظ سكان حي مصر الجديدة ذات يوم ليجدوا علي طول شارع الميرغني عددا من الرسومات الغريبة تحتل الحوائط، أعمدة الكباري، والأرض. الرسومات التي جاءت بدون إمضاء حملت أيقونات متنوعة. حذاء عسكري ضخم بحجم انسان، صورة ضخمة لعمرو دياب في الثمانينيات، كائنات خيالية وآخري مشوهة، ووسط كل هذا رجل ماكدونالدز يجري فاتحاً ساقيه.

هيئة بلدية الحي الراقي والذي توليه محافظة القاهرة أهمية كبيرة نظراً لموقعه وطبيعة ساكنيه الاجتماعية لم تنتظر أي أوامر وتحركت بهمة ونشاط خلال أيام معدودة لطلاء كل هذه الأعمال الفنية وإزالتها فوراً شارك بالطبع بعض الجمهور المتطوع. لكن شاءت الصدف أن يسجل المخرج الشاب أحمد عبد الله هذه التجربة بالصور والنص علي مدونته “http://o7od.blogspot.com” ليحفظ لنا أول تجربة لحركة جرافيتي في تاريخ المشهد الفني المصري. مبادرات الجرافيتي قبل ذلك كانت مبادرات فردية من هواة يستغلون الجدران للدعاية السياسية والتجارية لكن ما حدث في “مصرالجديدة” كان أول حركة فنية منظمة تحاول تغيير صورة القاهرة.

بداية هذه الحركة كما وثقها عبد الله كان عبر الانترنت حيث تجمع مجموعة من الفنانين والمصممين الشباب في مجموعة سيبرية حملت اسم “الكاتاليست” (المحفز الكيمائي باللغة الانجليزية). كان الهدف من المجموعة مد أواصر الصداقة والتعارف بين هؤلاء الفنانين وتوفير بيئة “سيبرية” علي الانترنت يعرضون فيها أعمالهم ويتبادلون التعليقات عليها. ثم بمبادرة من فنان يحمل اسم “كريم” اتفق أعضاء المجموعة علي يوم ينزلون فيه بشكل جماعي لترك رسوماتهم وأعمالهم علي حوائط شوارع القاهرة.

معظم أعمال المجموعة كانت تندرج تحت تصنيف “البوب آرت” والتيمات المعروضة كانت صور وأيقونات من الثقافة الشعبية لهذا الجيل الجديد، لكن مع كل عمل كان الفنانون يقومون بلوي أو تغيير تفصيلة في التيمة البصرية لينقلب المعني ويؤدي إلي معني وغرض آخر في نفس الفنان. يلاحظ أيضاً في تلك الأعمال ابتعاد أعضاء المجموعة عن القضايا السياسية الحساسة، فإذا كان رجل الشرطة يمر بجوارهم دون أن يعترض لظنه أنهم يقومون بعمل دعاية، فموقفه كان سيكون مختلفا إذا كان فيما يقدمونه شبهة أي فكرة أو طرح سياسي، لهذا جاءت الأعمال بصبغة اجتماعية في أغلب الحالات.

o7od56
جرافيتى 2010

واحد من الأعمال البارزة التي أنجزت في هذا اليوم كانت الأيقونة الشهيرة لشخص يلقي ورقة في سلة مهملات. لكن بدلاً من الورقة كان هناك “أذن” وبدلاً من عبارة “حافظوا علي نظافة مدينتكم” وضع الفنان عبارة “عيب ترمي ودان”.

لم تدم تجربة “الكاتاليست” طويلاً لكنها كانت بمثابة الدفعة الأولي لفن سيظل ينمو ببطء في شوارع المدن المصرية طوال السنوات الماضية حتي يكون الانفجار الكبير للجرافيتي المصري بعد ثورة 25 يناير.

الرسم أو الكتابة علي الجدران عمل ممتد في القدم. تقريباً أينما وجد جدار ووجد إنسان، فهناك أثر ما يمكن أن نلمسه علي ذلك الجدار. وفي مصر الحديثة احتل الرسم علي الجدران حيزاً كبيراً بداية من رسومات الترحيب بالحج وزيارة بيت الله، وحتي رسومات نحن نساعدك في تربية عش الغراب، ونهاية بالقلب الذي يخترقه السهم وسمير وسميرة.. حب إلي الأبد.

لكن هناك تفاصيل طفيفة تصنع الفرق بين تلك الرسومات وفن الشارع أو الجرافيتي؛ فأولاً الجرافيتي مكانه علي الجدران والأماكن العامة التي هي ملك للجميع بمن فيهم الفنان بالطبع ولهذا ففنان الجرافيتي هو فنان متمرد بطبعه لا يحتاج لإذن من الإدارة المحلية لانجاز عمله. ومكان الجرافيتي ليس جدران المنازل أو الممتلكات الخاصة. الجرافيتي ليس فنا دعائيا فهو ليس رسما لأرنب بجواره رقم تليفون وعبارة “نحن نساعدك في تربية الأرانب”. الجرافيتي أيضاً يعبر عن خصوصية الفنان وأفكاره الخاصة، هو ليس نسخا لصورة تمثل شعار السيفين والقرآن الكريم وعبارة “الإسلام هو الحل” فنان الجرافيتي يعكس أفكاره الخاصة حتي لو كانت تلك متماشية مع ايديولوجيا أو فكر سياسي ما فيجب أن يحمل العمل بصمته الخاصة.

الجرافيتي فن متاح للجميع لاتحتاج لزيارة جاليري أو قاعة عرض لرؤيته، بل يتحقق معناه والهدف منه مع رؤية الجمهور العادي له والمشاركة فيها بحيث يتحول الحائط إلي ساحة حوار بين كل من يرغب، حوار فني مختلف الأفكار والتوجهات يؤدي في النهاية إلي عمل فني متكامل يعكس روح سكان المدينة وقيمهم الجمالية.

تميز وتفرد الجرافيتي ينبع من كونه فنا زائلا. يحصل علي خلوده واستمراريته لا من بقائه بل من استمرار عمليات الكشط والشطب للأعمال القديمة علي الحوائط وإبدالها بأعمال جديدة.

يحمل الجرافيتي بين طياته في الأغلب رسائل سياسية معارضة للنظام، أو يفضح التناقض داخل تقاليد وقيم مجتمعية راسخة. في آسيا وفي مدرسة صينية صغيرة عام 1915 قام طالب في أحدي المدارس بانجاز أكبر لوحة جرافيتي في العالم 4آلاف حرف انتقد فيها مدرسي المدرسة، والإدارة التعليمية، وإدارة المقاطعة والحكومة. وفي الصباح تم إلقاء القبض عليه وتعنيفه وإزالة اللوحة، بعد سنوات أصبح هذا الفتي هو “ماو تسي تونج” زعيم الحزب الشيوعي الصيني.

الفنان مجهول
جرافيتى مجهول من سنة 2011

لهذا فالجرافيتي فن خطر، فما يبدأ بجملة علي الجدار من الممكن أن ينتهي بجمهورية الصين الشعبية. ولذلك تشن الكثير من الحكومات الأوروبية حروبا واسعة علي الفن الجرافيتي، فهم مخربون يجب إزالة آثار أعمالهم الشيطانية التي قد تقود إلي نهايات غير طيبة. إلي جانب إصرار البعض علي وصف الجرافيتي والنظر إليه بصفته تخريبا لا كفن شعبي جماهيري خارج عن التقاليد المؤسسية. في انجلترا ظهرت علي جدران لندن منذ سنوات طويلة أعمال فنان يدعي “بانكسي” لكن لا أحد يعرف وجهة حتي الآن تنتقد كل رموز النظام السياسي الانجليزي من عساكر الدرك وحتي الملكة، وانتقلت رسومات “بانكسي” لتترك أثرها علي حوائط العديد من المدن العالمية بداية من نيويورك وباكين وحتي الجدار العازل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية واحتاج الأمر لسنوات طويلة حتي تتوقف الإدارة المحلية للندن عن إزالة أعمال بانكسي، بل وتوفير خريطة للمدينة يمكن للزائر عبرها مشاهدة أعمال بانكسي الذي تحول لأيقونة للفن الانجليزي الحديث. عند نقطة ما تنظر الحكومات المحلية للجرافيتي كبصمة للمدينة يكسبها خصوصيتها، خصوصاً إذا استطاع فنانو تلك المدينة فرض رؤيتهم أو الحصول علي دفعه إعلامية تمكنهم من التحول إلي أيقونات فنية بعيدا عن عنف ومطاردات الشرطة.

رغم تشارك معظم حكومات العالم في حربها علي الجرافيتي إلا أن بدر عبد الملك في كتابه “الإنسان والجدار” يوضح الفرق بين الدول الديمقراطية والدول القمعية في علاقتها مع الجرافيتي، فبينما تزيل الأولي الجرافيتي بغرض الحفاظ علي المنشآت العامة وبدعاوي الحفاظ علي النظافة العامة. لا تهتم الدول القمعية بالجرافيتي إلا إذا احتوي علي رسائل سياسية مباشرة أو حمل مضمونا فنيا يصعب تفسيره ويثير البلبلة واهتمام الرأي العام. وكما يوضح عبد الملك “اهتمام الدولة القمعية منصب علي مضمون الكتابة، أكثر من الاهتمام بممتلكات الأفراد والمجتمع، وما عدا ذلك فإنها لا تبدي أهمية كبيرة للحفاظ علي نظافة وحماية الممتلكات العامة والخاصة”. يبدو هذا واضحاً في التجربة المصرية فقد ترافقت تجربة مجموعة “ايكاليست” مع نمو متزايد للاهتمام بالجرافيتي لدي الفنانين الشباب. من بعيد كانت الحكومة بمؤسساتها الثقافية والفنية تراقب الظاهرة عن كثب. البعض قد يتذكر في العام 2009 حينما انتشرت علي أرض شوارع منطقة وسط البلد رسمة غامضة “لرجل يمسك بيده مقشة”. سرت في الإعلام الرسمي موجةمن الرعب وانتقلت أجهزة الشرطة تبحث عمن قاموا بهذه الرسومات.

تم إلقاء التهمة وقتها علي شباب “الايموز” ليأخذوا مكان “عبدة الشيطان” الأكذوبة الإعلامية الأضخم في زمن التسعينات. تحركت أجهزة البلدية لإعادة طلاء الأرض وإزالة الرسم الغامض الذي حير سكان المنطقة. ذراع الدولة الثقافية المتمثلة في وزارة الثقافة كان أكثر حنكة في تعاملها مع ظاهرة الجرافيتي، وربما كان القائمون علي الوزارة أكثر دراية بما قد يمثله “الجرافيتي” من خطورة محتملة علي الفن المدجن الذي تنتجه وترعاه وزارة الثقافة، لهذا سارعت باحتواء رغبات الفنانين الشباب عبر إقامة مهرجانات دورية لفن الجرافيتي في متحف محمود خليل. كان يتم جمع شباب الفنانين وإعطاؤهم مساحة للرسم والتلوين ثم وضع أعمالهم الفنية حبيسة داخل جدران المتحف.

البعض اعترض وقتها فالرسم علي لوحات قماشية أو ورقية حتي لو كان بمساحات كبيرة لا يحول العمل إلي جرافيتي. حينها تمت إقامة سلسلة مسابقات تحت إشراف وزارة الثقافة لطلاء ورسم بعض جدران المؤسسات العامة في القاهرة، كسور مسرح البالون والسور الموجود في نهاية شارع الهرم. كان علي الفنانين أن يتقدموا بأوراق أو نماذج للأعمال التي يرغبون في تقديمها ثم تختار لجنة تحكيم من بين هذه الأعمال العمل الفائز وتقوم بمنح الفنان الفرصة لتنفيذه علي تلك الجدران.

النتيجة كانت الكارثة الجمالية الموجودة في عدد من شوارع القاهرة. تشكيلات لونية متداخلة تمثل نهر النيل، وأطفال يطيرون الطائرات الورقية. تيمات رسمية مقررة مثل تلك التي نراها علي جدران المدارس في إطار حملات “مدرستي نظيفة متطورة”. لكن في النهاية كانت أعمالا فائزة في مسابقة رسمية حصلت علي ختم النسر من وزارة الثقافة قبل تنفيذها. المار بجوارها لا يجد فيها ما يستحق التأمل أو التفكير. بقع ألوان علي الحائط تم تنفيذها بدعم من وزارة ثقافة فاروق حسني.

تعامل الحكومة والمؤسسة الرسمية في ذلك الوقت مع الجرافيتي مثال يلخص سياسة طويلة عاشت فيها مصر طوال ثلاثين عاماً. فالفن مساحته الوحيدة المتاحة هي وزارة الثقافة، أما إذا فكرت في الخروج خارج الحظيرة فالشرطة سوف تطاردك وتقبض عليك. وتصمك بأنك من “عبدة الشيطان” أو شباب الايموز.

بعيداً عن قبضة السلطة المركزية في القاهرة. كان وضع الجرافيتي أفضل كثيراً في مدينة الإسكندرية.

منذ التسعينات عرفت الإسكندرية نموذجاً بدائياً للجرافيتي يتمثل في أعمال واحد من أشهر الشخصيات السكندرية العامة وهو “جمال الدولي”. مشجع نادي الإتحاد السكندري وصاحب الجداريات وأعمال الجرافيتي التي تتناول كل شئون الحياة بداية من وضع الدوري المصري لكرة القدم، وحتي الشئون الفنية وآخر أعمال فنانته المحبوبة ليلي علوي وانتهاءاً بالشأن السياسي.

كان الدولي هو النسخة السكندرانية لعبد الرازق عفيفي أديب الشباب في القاهرة، والذي كان يروج لكتبه علي الجدران. الدولي في المقابل لم يكن يمتلك كتبا مطبوعة لذلك كان يروج لنفسه واسمه فقط.

في 2009 ظهرت أول مبادرة لتأسيس مبادرة للجرافيتي الحديث في إسكندرية. كان هناك تلك الفتاة ذات الشعر القصير، والبسمة الشريرة الساحرة التي تتحرك في شوارع الإسكندرية وهي تمطي “العجلة”. لم تكن آية طارق تهتم بكل التعليقات والمعاكسات التي تلقي عليها، كانت تستمر في التبديل فوق العجلة، وتتحرك من شارع لآخر فوق ظهرها حقيبتها داخلها “علب الاسباري” والألوان، وكل مستلزمات أعمال الجرافيتي.

دخلت آية كلية الفنون الجميلة، لكنها لم تجد في محاضرات الكلية وما تدرسه ما يفيدها. ركزت علي تنمية مهاراتها وتنمية معرفتها بنفسه “البركة في الإنترنت.. يخليك مش محتاج لحد”. علي الانترنت تمتلك آية موقعاً تقدم فيه نفسها تحت لقب “ملكة جمال الأزاريطة” إحدي المناطق الحيوية المفضلة لدي آية في مدينةالإسكندرية.

لم تأت آية من عائلة فنية بالمعني التقليدي لكن جدها من طرف أمها “حسن إبراهيم” كان فنان دعاية معروف في السبعينات والثمانيات. لديه استديو صغير وأنجز آلاف التصميمات والرسومات لأفيشات الأفلام ولافتات الماركات والمحلات التجارية. إذا تمكنت يوماً من السفر عبر الزمن إلي إسكندرية الثمانينات فمعظم الرموز والأيقونات الجمالية والبصرية التي قد تراها في شوارع الإسكندرية تم انجازها من طرف الجد حسن إبراهيم.

حينما بدأت آية في الاهتمام بالفن بشكل أعمق، مثل أي فنان بدأت في البحث عن مكان ولو غرفة كمعمل لأفكارها وتجاربها. أعادت فتح “استديو” الجد لكن هذه المرة كاستديو خاص لها اسمته “استديو فوق وتحت”. فتحت آية الاستديو لفناني الإسكندرية أو أي فنان مصري يرغب في المشاركة معاها في ورشة الجرافيتي التي فتحت باب الانضمام إليها في ديسمبر 2009. الورشة أقيمت بإمكانيات بسيطة وعلي نفقة الفنانين الشباب أنفسهم.

آية

علي مدار شهور طويلة شاركت آية مع فنانين آخرين منهم ساره سامي، محمد رجب، محمد جابر، في انجاز عشرات الأعمال الفنية التي زينت شوارع الإسكندرية. الأعمال التي تم انتاجها من خلال تلك الورشة عكست صورة أكثر حيوية للمشهد الفني، واللافت أن كلمة “الثورة” كانت حاضرة بقوة في معظمها. إحدي القطع التي شارك في انجازها أكثر من فنان كان رسما لمخ بشري ملون، كتب بجواره “الثورة تبدأ من هنا”. وعلي طول جدار مبني آخر كتب بخط رقعة جميل “غرباء في هذا العالم”. حتي القبضة المضمومة الشعار الثوري الأثير علي مدار القرن الماضي ظهر في أحد الأعمال لكن اليد هذه المرة كانت تمسك “رول” طلاء وكتب بجواره عبارة “كن مع الفن”.

آية طارق7
جرافيتى محمد جابر ضمن ورشة الإسكندرية

لم تكن السياسة هي العنصر الأبرز في أعمال ورشة آية طارق، كانت تيمات وأيقونات الثقافة الشعبية أيضاً حاضرة؛ علي أحد الجدران هناك تليفزيون مرسوم والشاشة يحتلها شعار البرنامج التلفزيوني “البيت بيتك” لكن الجملة يحولها الفنان لتصبح “البيض بيضك”. علي جدار الآخر نجد خريطة لإشارات اليد التي يتعامل بها سائقوا الميكروباصات وبجواره مكتوب بخط هندسي “مسارك/حدد/ مصيرك”.

تحولت آية إلي أيقونة في أوساط فناني “الاندر جراوند”، وظهرت أعمالها في فيلم “ميكروفون” الذي عرض مع بدايات أحداث ثورة 25 يناير 2011.

آية طارق2
من اليمين لليسار جابر، ساره، آية، رجب

إلي جانب كونه فنا مستقلا بذاته يتماس “الجرافيتي” مع عدد من الفنون والظواهر الاجتماعية والثقافية التي ظهرت في مصر خلال السنوات الأخيرة تحديداً موسيقي وثقافة “الراب”، وتجمعات حركات الألتراس الرياضية. فتلك الجماعات الاجتماعية والتي لم تجد أي مساحة أو وسيلة تعبر بها عن نفسها، بل شن الإعلام الرسمي حملات هجوم مكثفه عليهم بصفتهم مخربين لأنهم فقط يشعلون “الشماريخ” ويدقون “الطبول”. والنتيجة لم يكن أمامهم سوي الجدران التي تحولت العبارات المكتوبة عليها من “الزمالك مظلوم” إلي جداريات ضخمة تحمل أيقونات تلك الأندية والفرق الموسيقية. وأحيانا تتماس مع بعض التوجهات السياسية التي تتبناها تلك الروابط الإجتماعية فعلي سور نادي 6 أكتوبر الرياضي سوف نجد العديد من جداريات “الألتراس” تحمل شعار الرابطة علي خلفية علم فلسطين.

 

آية طارق
جرافيتى لآية طارق

 

صحيح أن قطع “جرافيتي” الألتراس وفرق الراب لم تعكس رؤية فردية لأصحابها، ولم يأت معظمها علي مستوي فني بارز. لكنها ساهمت في نشر ثقافة الجرافيتي وإكسابه قبولاً عاماً في الشارع، وجذب عشرات الشباب للتعرف علي تقنيات وأدوات ممارسة هذا الفن.

خلال سنوات من التدريب والممارسة نمي أعضاء تلك الجماعات الإجتماعية مهاراتهم في التعامل مع الطباعة وتفريغ القوالب لاستخدامها في انجاز قطع الجرافيتي، إلي جانب استخدام “الاسباري” للكتابة علي الجدران. أيضاً عبر مواجهات الألتراس مع قوات الأمن في المباريات الرياضية طوروا مهاراتهم في التعامل مع عنف قوات الأمن، لهذا فيوم 28 يناير المعركة الحاسمة في ثورة 25 يناير، كان الألتراس هم رأس الحربة للمظاهرات والمسيرات التي تحركت من كل مكان في القاهرةباتجاه ميدان التحرير. وحينما هدأت المعركة كان شباب هذا الروبط إلي جانب فناني الجرافيتي هم أول من بدأوا مهمة إعادة رسم وتشكيل شوارع قاهرة ما بعد الثورة.

 

 

جنزير

كان يمكن للفنان الشاب المعروف بموفا وأحيانا يلقبونه “جنزير” أن يرضي بدوره كواحد من أهم الأسماء الفنية الشابة، أعماله تعرض في قاعات وزارة الثقافة، وتشارك في معارض عالمية في هولندا وأوروبا، وتصميماته محل تنافس الشركات العالمية للحصول عليها. لكن جنزير والذي سبق له القيام ببعض تجارب “الجرافيتي” قبل الثورة، شعر أن عليه مسئولية آخري في مصر ما بعد 25 يناير. يلخص هذه المسئولية في جملة بسيطة “شعرت أنه لا بد من وجود تقارب أكثر بين الفنانين ورجل الشارع العادي.” ويكمل شارحاً لماذا زادت هذه المسئولية بعد الثورة “زمان كنا نتحجج بالحكومة والسلطة لم تكن تترك أي مساحة من الحرية للفنانين أو مجال للتقارب بينهم وبين رجل الشارع العادي. لكن الآن لا يصح أن يظل الفنانين في قوقعتهم الخاصة إلا إذا كان الفنان خائفاً أو كسولاً.”

يري جنزير أن الثورة سوف تغير الكثير من تفاصيل المشهد الفني المصري، فبالنسبة له بدا واضحاً أن دور “الجاليرهات” لا يمثل أي قيمة. فالمدينة كلها يمكن تحويلها إلي جاليري كبير.

بعد الثورة انطلق جنزير بالتعاون مع عدد من الفنانين الشباب والمتطوعين لتنفيذ جداريات ضخمة في شوارع القاهرة وفي أحياء متفرقة من العاصمة المترامية. البداية كانت بجداريات الشهداء. بورتريهات كاملة لشهداء الثورة يمكنك أن تجدها علي جدار دورة مياه أمام دار القضاء العالي، أو في موقف باب اللوق. لاقت هذه الجداريات التي تم تنفيذها بألوان زاهية وبجوار كل جدارية اسم الشهيد وسنه وأحيانا فقرة عن كيف استشهد أثناء المظاهرات السلمية. الجداريات لم يكن الغرض منها فقط تخليد الشهداء، بل تذكير المارة أن هناك من ضحي بحياته من أجل مصر جديدة وأن دمه أمانة في عنق هذا المار. لاقت الجداريات استحسانا كبيراً من المارة وسكان المناطق الموضوعة فيها. لكن ذات يوم استيقظ سكان منطقة باب اللوق ليجدوا أن صورة الشهيد التي كانت موجودة علي جدار إحدي دورات المياة تمت إزالتها.

توجهت الشكوك في البداية نحو إدارة حي عابدين أو هيئة نظافة وتجميل القاهرة، لكن الإثنين نفيا مسئوليتهما أو معرفتهما بمن قام بإزالة صورة الشهيد. جنزير حاول القيام بتحرياته الخاصة صاحب محل بقالة وعدد من أصحاب المحلات التجارية في المنطقة وجهوا أصابع الإتهام نحو أحد أعضاء مجلس الشعب السابقين المعروف بتأييده للنظام السابق. بعد أيام قليلة تم استدعاء عضو مجلس الشعب المتهم إلي النيابة ووضعه في سجن طره لتورطه في قضية الاعتداء علي المتظاهرين في موقعة الجمال والحمير جنزير بالتعاون مع عدد من المتطوعين أعاد رسم صورة الشهيد.

فلول الحزب الوطني لم تكن آخر العناصر التي تحارب الجرافيتي. في يوم 26 مايو الماضي تبين لجنزير أن هناك الكثير من المعارك التي لازال علي فن وفناني الجرافيتي أن يخوضها. كان جنزير في صباح هذا اليوم يلصق علي الحوائط بوستر ينتقد أداء المجلس العسكري ويدعو للخروج لمظاهرة 27 مايو التي عرفت إعلاميا بجمعة الغضب الثانية، وفي رواية الإخوان المسلمين بجمعة الوقيعة. أثناء تعليق البوستر كان بعض المارة يمرون بجوار جنزير، يعلقون بكلمة هنا أو هناك أو يفتحون نقاشا حول الموضوع. فجأة انفعل أحدهم وامسك بجنزير والمخرجة عائدة الكاشف التي كانت تساعده وأخذ يصرخ “أنتم مين؟ أنت مش مصريين؟ أنتم جواسيس؟ أنتم بتوقعوا بينا وبين الجيش” تطور الأمر حضرت الشرطة ذات الملابس البيضاء التي بدورها سلمتهم للشرطة ذات القبعات الحمراء. تم اقتياد موفا وعائدة الكاشف إلي مقر الشرطة العسكرية.

المسئول في الشرطة العسكرية نظر للبوستر، طلب شاي وقهوة لجنزير وعائدة ونديم زميلهم الثالث الذي ألقي القبض عليه. فتح حوارا وديا مع جنزير حول البوستر، ثم ودعه علي الباب. عبر المسئول عن اندهاشه من وجود جنزير. ولم يفهم لماذا تم احضاره إلي مقر النيابة العسكرية فليس هناك أي اتهام أو مخالفة ارتكبها. بعد هذا اليوم كان هناك اثنان من أصدقاء جنزير يعلقان نفس البوستر لكن في منطقة شعبية، نفس السيناريو تكرر تجمهر الناس وبدأوا في مهاجمتهم والتشكيك في وطنيتهم، في النهاية حضر أحد ضباط الشرطة. اطلع علي هوياتهم الشخصية نظر للبوستر في نظر للناس وقال لهم “طيب وأنا مالي.. دي حرية رأي وتعبير وهم أحرار” وفجأة مع عبارة الشرطي تحول موقف الجمهور من الغضب والحنق علي الشباب إلي التسابق للحصول علي البوستر.

كلا التجربتين كشفا لموفا أن التحدي الآن أمام فن الجرافيتي هو كيفية خلق علاقة مركبة مع الجمهور العادي الذي يسعي في إصرار غريب إلي أن يمارس الرقابة علي نفسه بنفسه، كعنكبوت يخنق ذاته بشبكته.

لكن الجرافيتي فن مستفز بطبعه سواء للسلطة أو الجمهور، لهذا فموفا يعرف أنه لن يتوقف عن استفزاز الاثنين. ولن يخفض من سقف أعماله، بل سيسعي فقط في المرات القادمة أن يكون أكثر حذراً. أسأله ما الذي يقصده بالحذر؟ يجيب مبتسماً ونحن خارجون من الاستديو الخاص به في منطقة لاظوغلي “يعني مش لازم اعلق بوسترات أو أعمل جرافيتي الساعة 12 الظهر”

التنين لا يتكلم

من بين مئات أعمال الجرافيتي التي ظهرت علي جدران المدن المصرية بعد الثورة، ظهرت مجموعة تحمل علامة مميزة وإمضاء واحدا حمل اسم “التنين”. من أبرز أعمال التنين قطعة “الجرافيتي” التي يمكن رؤيتها علي سور مكتبة الجامعة الأمريكية. حيث رقعة الشطرنج بالأبيض والأسود النصف الأعلي يمتلئ بقطع العساكر، وفي الأسفل جميع القطع في موقعها المعتاد ما عدا الملك مقلوباً. يحمل العمل الكثير من الدلالات حول طبيعة المشهد في مصر ما بعد الثورة. وفي أماكن متفرقة تتوزع أعمال الجرافيتي التي تسلط الضوء علي الانتهاكات التي يمارسها النظام الحاكم حالياً.

التنين شطرنج (3)
من أعمال التنين

عملية العثور علي التنين استغرقت وقتاً وبحثاً طويلا في النهاية عثرنا علي حساب علي موقع الفيسبوك يحمل اسم “التنين” وبعض الصور لأعماله، وبالتواصل معه تمكنا من تحديد موعد للقاء في العالم الواقعي شرطه الوحيد كان عدم الافصاح عن شخصيته/ شخصيتها.

يفضل التنين أن يظل مختفياً عن الأنظار. والسبب كما يقول “في الفترة القادمة سننجز الكثير من أعمال الجرافيتي التي تتعرض للنقد للكثير من العادات والأفكار الاجتماعية السلبية في المجتمع المصري، لا يمكننا التكهن برد الفعل عليها لكنه في الغالب لن يكون إيجابياً”. لا يشعر التنين بأي قلق من تعرض للمطاردة أو عنف السلطة “نثق في قدرة النشطاء والحقوقيين والرأي العام علي الضغط علي السلطة خصوصاً في قضايا الحريات والفضل في ذلك يعود إلي ثورة يناير.”

الجرافيتي كان حلما مؤجلا دائماً للتنين. أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة فكر في عمل أكثر من قطعة جرافيتي تنتقد مسرحية الانتخابات المزورة لكن الأمر كان مستحيلاً لأن قبضة الشرطة كانت أقوي وأعنف. لكن في يوم 25 يناير ووسط الجماهير في الميدان ولدت فكرة مشروع التنين للجرافيتي، ويوم 26 يناير بدأ الاستعداد للتنفيذ.

الآن تنتشر أعمال التنين في مناطق تبدأ من الزمالك وحتي مصر الجديدة، والهدف في المرحلة القادمة توسيع الدائرة الجغرافية. أعمال التنين تتميز بخلوه من الكلمات هي في الغالب رسم مصمت دون أي كلمات توضيحية. والمعني الحقيقي للجرافيتي في رأي التنين يأتي من قدرة العمل علي ايقاف العابر في الطريق ودعوته لتأمله والتفكير فيه، بالتالي التفكير في حياته الخاصة والعامة واكتشاف الخطأ والتناقض في الصورة الكلية. يستخدم التنين في انجاز أعمال تقنية القوالب الجاهزة المفرغة حيث يتم لصقها ورش الاسبراي. بالتالي يسهل انجازها في وقت قصير ويصعب إزالته من علي الجدران لكن واحدة من القطع التي انجزها علي سور إحدي المؤسسات العامة في شارع القصر العيني، تعرضت لأغرب عملية تخريب فبدلا من إعادة طلاء الجدار، قام أحدهم بتكسيره.

255156_10150671642460294_825170293_19423486_1948609_n
جرافيتى لفنان آخر يرفض الافصاح عن اسمه

مازال النيل يجري

النماذج التي عرضنا لها لا تمثل إلا جزءاً ضئيلاً من مشهد الجرافيتي المصري الآخذ في الاتساع يوماً يعد يوم. وليس كل ممارسي هذا الفن في شهرة هؤلاء، فالقطاع الأكبر من فناني الجرافيتي هم جيوش من الفنانين المجهولين الذين بالتأكيد سيتزايدون يوماً بعد يوم. وأثناء الإعداد لهذا الملف كان هناك مظاهرة أمام وزارة الداخلية في ذكري قتل خالد سعيد. في وسط الهتافات واللافتات المرفوعة للمطالبة بمحاكمة القتلة. كان مجموعة من الشباب يجرون بجوار سور الوزارة لينفذوا قطعة جرافيتي جديدة “علامة” علي وزارة الداخلية. حيث صورة خالد سعيد وأسفل منها أبيات من قصيدة أمل دنقل تذكر بثأر خالد المعلق “هل يصير دمي بين عينيك ماء/ هل تنسي ردائي الملطخ بالدماء؟”.

عزيزى ويل أو القوة من خلال البهجة

عزيزى ويل.. برنس الليالى ورمانة الميزان،

ليلة بعد ليلة تعبر بنا الليالى، أو نعبر نحن بينها. أقول لنفسي مضت الغيوم وشردتنى، ورمت معاطفها الجبال وخبأتني. لكني انظر إلي يداي فأجدهما ليسا من حجر ولا زعتر. وأفتح عينى كل يوم لكنى لا أري أحد. فأقول كما قال الصديق “إنما هى أشياء”.

2012-07-21 13.20.32
تصوير: أحمد ناجى

في الفصل بين الأدب والذهب

عزيز ويل..

كيف هي الأشياء؟

تحياتى وسلاماتى مضمخة بعطر الخزامي، وموسيقي الحياة. أُسَير إليك كتابي هذه لا لأنى منكسر أو معكوس الخاطر، ولا لكى أبث همى وحزنى أو أرثي ذاتى. فمثلي لا يذاع له سر كما علمتنا  كركرات الشيشة في ليالي الصيف الساحرة. بل أنضد هذه الكلمات وكلى أمل أن تصلك وأنت في خير حال وأفضل مزاج، وأتمنى ولا نذكى أحد على الله أن تجد فيها منفعه أو تسلية، وإذا لم تجد فليس للكتابة غرض يا أخى.. فقط أردت أن أكتب فكتبت. أما عن المعني وما ابتغيه من كتابي، فكما تعلم حفظك الله فالمعانِيَ مبسوطةٌ إلى غير غاية وممتدّةٌ إلى غير نهاية وأسماءَ المعاني مقصورةٌ معدودة ومحصَّلةٌ محدودة.

ولذا أبدأ خطابي إليك مذكرك ومذكراً نفسي بكلمات بديع الزمان الهمذانى:

لا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، وقد جهدت جهدي بالطباخ، أن يطبخ لي من جيمة الشماخ لوناً فلم يفعل ، وبالقصاب، أن يذبح أدب الكتاب فلم يقبل، وأنشدت في الحمام، ديوان أبي تمام، فلم ينجع، ودفعت إلى الحجام، مُقطعات اللجام، فلم يأخذ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفاً ومائتي بيت، من شعر الكميت، فلم يغن، ودفعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، فلم ينفع، وأنت لم تقنع، فما أصنع؟

أحب الغلط

عزيزى ويل،

 فلقد استقر بنا الحال في مدينة الجبال السبعة كما عرفها القدماء من أهلها. ووجدنا في أهلها الكثير من كرم الضيافة والجود وحب الكلاب. وقضينا فيها أيام وليالى نتفرج على عجائب متاحفها ونستمع إلي حكايات فتيانها وفتياتها. أما ما تبقي من وقت فنزجيه في مطالعة آداب أهل “الدويتش لاند” وقراءة ما سبق من كتابات الأوليين. حتي عثرت على كتاب حسن السندوبي “أدب الجاحظ” ومنه غطست في كتاب “البيان والتبيين” لأبو عثمان عمرو بن بحر  الكناني البصري، فغرقت وما عرفت أن البحر عميق لهذه الدرجة. وكلما قطعت شوطاً مع الجاحظ غرقت أكثر كما عبد الحليم في قصيدة لنزار. ولقد ركبنى الهم كلما استزدت من الجاحظ. وتعجبت كيف فات على جمهورنا الكثير من نصائح وتجارب الأوليين وكيف ينسي بعضنا نصيحة الجاحظ حينما قال “تعلموا اللحن كما تعلمون السنن والفرائض.”

في المثقف ودوره في زمن الفتنة

عزيزى ويل،

أذكرك وأذكر نفسي ولا نذكى على الله أحد بنصيحة الجاحظ التى نقلها عن مولانا على بن أبي طالب حينما قال: كن في الفتنة كابن لبون لا ظهر فيركب ولا لبن فيُحلب.

ولذا فنحن لا تفتنا كل هذه الأخبار والأحداث من قوائم وانتخابات وتسجيل في السفارات وأحكام ومحكمات إنما هى أشياء سميتموها.

في إن الفرج يأتى من حيث لا تحتسب

عزيز ويل برنس الليالى ورمانة الميزان،

فلما دخل علينا شهر “نوفمبر” ضاق صدري بالسماء الرمادية، وأصابنى ما يصيب أهل هذه البلاد في هذا الشهر من غم وضيق حتي أن حوادث الانتحار ورمى الجتت على قضبان القطارات تتحول في هذا الشهر إلي رياضية قومية.

ونازعتنى نفسي إلي السفر والترحال لزيارة الخلان والإخوان. فأعددت العدة واشتريت زجاجة المياة المعدنية ووضعتها في الحقيبة مع رواية الألمانى  نوربرت غشتراين “حرفة القتل” وشددت الرحال إلي مدينة باريس. عل وعسي أن يشتفي الفؤاد.

خرجت صباحاً وقد تلفعت بالكوفية وتدثرت بطبقات الأقمشة. وكنت قد اتفقت مع شخص لا أعرفه أن يقلني بالسيارة إلي باريس، فلما قابلته وجدت السيارة بيضاء اللون كبيرة الحجم ركبتها مع سبعة من أصول أفريقية تتنوع بين الكاميرون وتنزانيا.

انطلقت بنا السيارة، ومعها من السماعات خرجت الموسيقي الشعبية من الكاميرون. بين الغابات قطعنا الكيلومترات. وخلفي فتى يحتضن فتاته الناعسة ويدندن معها بالأغانى الكاميرونية. كان للموسيقي طلاوة وصوت الفتى والفتاة خلفي فيه حلاوة. ثم على حين غيرة ظهرت من الفراغ سيارة شرطة فرنسية، أشارت لنا بالتوقف فتوقفنا، أتى الضابط وطلب الأوراق. وكانت المفاجأة أن قائد السيارة لم يكن معه رخصة قيادة. فخاطبت نفسي “كأنك يا أبا زيد ما غزيت”. لكن الكاميرونى نزل من السيارة وتوجه للشرطى وزميله وأخذ يتباحث معهم لدقائق. ثم عاد وخاطبنا بخليط بين الألمانية، والفرنسية، والانجليزية “هل مع أحدكم رخصة قيادة؟”

فقالت الفتاة الناعسة “وى مسيو.. ” فأخذ الفتاة ورخصتها للضابط ثم عاد الاثنان وأكملنا رحلتنا كأن شيئاً لم يكن وهكذا هى الأشياء لا ضائقة بدون مخرج، ولا حلقة بدون ثغرة فتذكروا يا أولى الألباب.

diana-sleep-in-the-woods-1933.jpg!Blog
Giorgio de Chirico 1933

في المثقف ومسألة الهوية

عزيزى ويل،

 أما بعدُ فإنّه لا يُخبرِ عن فَضْل المرء أصدَقُ مِن ترَكِه تزكيةَ نفْسه ولا يعبِّر عنه في تزكيةِ أصحابه أصدَقُ من اعتماده إيَّاهم برغبته وائتمانِه إيّاهم على حرمته. وأعرف بشر عرفونى لأ. لأ معرفونيش. قابلونى وقبلتوهم وفي قول آخر يضربه “اللحن” جابلونى وجابلتوهم.

وقد وردنا في الذكر عن الجاحظ:

“إنّما يمتنع البالغ مِن المعارف مِن قِبَل أُمورٍ تَعرِض من الحوادث وأُمورٍ في أصل تركيب الغريزة فإذا كفَاهم اللّهُ تلك الآفاتِ وحصّنَهم من تلك الموانع ووفَّر عليهم الذّكاءَ وجلَبَ إليهم جياد الخواطر وصَرَف أوهامَهم إلى التعرُّف وحبَّب إليهم التبيُّن وقعت المعرفةُ وتمَّت النّعمة والموانع قد تكون من قَبِل الأخلاط الأربعة على قدر القِلَّةِ والكثرة والكثافة والرِّقّة. ومن ذلك ما يكون من جهة سُوء العادة، وإهمالِ النَّفْس فعندها يستوحِش من الفكرة، ويَستثقِل النَّظَر ومن ذلك ما يكون من الشَّواغل العارضة والقُوى المتقسَّمة.

 ومن ذلك ما يكون من خُرْق المعلِّم وقلَّة رفق المؤدِّب وسُوء صَبر المثقِّف فإذا صفَّى اللَّهُ ذِهنَه ونقّحَه وهذّبَه وثقَّفَه وفرّغ بالَه وكفَاه انتظارَ الخواطر وكان هو المفيدَ له والقائم عليه والمريدَ لهدايته لم يلبث أن يعلم وهذا صحيحٌ في الأوهام غيرُ مدفوعٍ في العقول وقد جَعَل اللَّهُ الخَالَ أباً.

 وقالوا‏:‏ الناس بأزمانهم أشبهُ منهم بآبائهم وقد رأينا اختلاف صُوَر الحيوان على قدر اختلاف طبائع الأمكان وعلى قَدْر ذلك شاهدنا اللُّغاتِ والأخلاقَ والشهوات ولذلك قالوا‏:‏ فلانٌ ابنُ بَجْدَتها وفلانٌ بيضَةُ البَلد يقَعُ ذَمّاً ويقع حمداً ويقولون‏:‏ ما أشبَهَ الليلةَ بالبارحة”

كغفت ديوغش فريودا

وفي السفر يا ويل الكثير من الفوائد والمنافع ذكرها وفصلها الأولين. وراجع زوزو وهى تطرح السؤال: قول لى يا هذا لماذا أخذنا إجازة؟

وقديماً كان النازيون يقولون Kraft durch Freude، أو القوة من خلال البهجة. فلأجل إذابة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وتشجيع السياحة داخل الأراضي الألمانية. وخلق المواطن النازى الأصيل كانت منظمة “كغفت ديوغش فريودا” تقوم بتنظيم رحلات للمواطنين هدفها صناعة الفرد القوى. والمؤمن القوى خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف. ولأن البهجة من منافع السفر فحتى البهجة يجعلها الفاشست والنازيون جسر للقوة. لا أحد من هؤلاء يقول أن البهجة أو السعادة هدفاً لبرنامجه الإنتخابي. بل جميعهم يريدون العزة، والقوة، فوق الجميع، فوق القمة.

الحذاء الأصفر للإله الغائب

نشرت لأول مرة على مدونة وسع خيالك في 2011

يبدأ فيلم “الفتاة ذات البوت الأصفر” للمخرج الهندى “Anurag Kashyap  ” بحيلة درامية تذكرنا أو تذكرنى بشكل شخصي بواحدة من روياتى المفضلة لنجيب محفوظ وهى “الطريق”.

هذا المرة الفتاة الإنجليزية تذهب إلى بومباي لتبحث عن والدها الذي لا تعرف عنه أى شي. ومثل رشدى أباظة في فيلم “الطريق” فحتى اسم ذلك الأب ليس واثقة فيه أو وجوده بل يتداخل مع أسماء أخري في المدينة الكبيرة بومباى.

تحمل رواية نجيب تأويلات عديدة. واحدة منها أن الأب لغويا في بلاد المغرب يستخدمون كلمة “رب” مرادفاً لكلمة الأب. وبحث رشدى أباظة عن والده هو رحلة طويلة للبحث عن الإجابة النهائية والكاملة. الأصل والفرع. المرجعية التى تحمل جميع الأسئلة وإجابتها. نماذج الأمتحانات التى لن يخرج الإمتحان عنها. والأهم في رواية الطريق ليس الوصول إلى الأب أو الرب، بل الرحلة ذاته وما تكشفه ويتكشفه المرتحل فيها.

في فيلم فتاة البوت الأصفر، تقوم الممثلة التى فشختنى بشكل شخصي في دماغى “Kalki Koechlin” بالعمل في بيت للمساج والتدليك، معظم رواد المكان القابع في قلب عشوائيات بومباى من الرجال العجائز أو اللذين تتكلس عضلاتهم نتيجة ركود الحياة.

شارلي شبلن في خطبة الديكتاتور يقول فيما معناه “لقد طورنا السرعة لكن لا نزال في مكاننا”. وفي فيلم البوت الأصفر، يشتكى أحد الزبائن العجائز من الإزعاج والحفر والهدم في كل شوارع بومباى. يقدم لنا نظريته بشكل عرضي “أعتقد أن الحكومة تسمح بكل هذه الأعمال المزعجة لكى توهمنا بأننا نتطور ونحرز تقدماً”.

n646737443_424361_4599

بقناعة واثقة في مثاليتها العليا ينهى نجيب محفوظ رواية الطريق واثقاً أن بطله لن يجد ما يبحث عنه لكنه الحركة بركة، ولا بد أنه اكتشف شيئاً وأشياء أخري. تكتشف الفتاة ذات الحذاء الأصفر الكثير من الحقائق. منها أن الزبون ذو الشعر المصبوغ بالأصفر الذي إلي جانب المساج تقدم له خدمات “ووظائف اليد” ليس إلا ربها الذي يعترف باكيا أنه يحبها. ومع ذلك لأن الإنسان دائماً كان جهولاً، عاصياً، خارجاً، ترفض الفتاة هذا الحب.

يغيب رب رشدى أباظة في رواية محفوظ ولا يتجلى ولا يظهر ويترك ابنه لنار التجربة. أما رب فتاة البوت الأصفر فيسير في شوارع بومباي باكيا محزونا مكلوماً.

 وأنا القتيل يا حاج عمر…

حلم شفشق الفول

نشرت على مدونة وسع خالك القديمة بتاريخ مايو 2011

بعد عشر سنوات أو أكثر. استيقظت مع الفجر. ارتديت البيجاما الكاستور المخططة. ومن المطبخ أخذت “الشفشق” ووضعت داخله الكيس البلاستيكى. وبهمة ونشاط اتجهت مشياً على القدمين في شارع القصر العينى نحو عربة الفول المتوقفة أمام مجلس الشعب المصدر الأساسي والأول للتشريع.

في الطريق سيكون هناك بعد عشر سنوات، ضباط وعساكر وأفراد من وزارة الداخلية في زيهم الجديد ذو اللون الأزرق. في الطريق سيكون هناك بعد عشر سنوات تجمع لآلاف الشباب معتصمين في ميدان التحرير. الشوارع وأبواب المحلات ستحمل لوحات جرافيتى من نوعية “إسلامية دى تبقي أمك” وسوف اسير رافعاً رأسي وأصابعى تطل من “الشبشب”. أوجه التحيات لأفراد الأمن المنتشرين على طول الشارع.

وقبل أن اقترب من بائع الفول ببضعة أمتار سيبدأ الضرب، وقنابل الغاز المحببة للقلب ستملأ الجو، سأقلب بوزى وأعيد مرة ثانية إلى المنزل. وحينما ألاحظ أن السعار قد أصاب أفراد الأمن وهم يلقون القبض على كل من يسير في الشارع سوف أختبئ في مدخل أحد البنايات.

في جيبي سأجد طباشير ملون، ثم يدخل أحدهم إلى مدخل البنايه مهرولا لأكتشف أنه “سيزر” سيكون لديه ذقن طويلة ذات لون أحمر مضفرة على هيئة ضفائر صغيرة.

كأنه ما من معركة تحدث في الخارج سأسأله “أيه النظام”

وسيرد هو في روتينيه: عالم ولاد متناكة، حاولوا يخشوا علينا دلوقتى بس طلعنا ميتين أبوهم.. أنت رايح فين كدا؟ ما تيجى تقعد معانا.

وحينما يهدأ الضرب، والبوم والطاخ ويا ولاد الكلب يا معرصين وسلمية سلمية روحوا اقبضوا ع الحرامية. سأخرج أنا و”سيزر” وسنتجه نحو مستشفي القصر العينى لندخل أحد المحلات المقابل له. يرفع “سيزر” باب المحل، فتنكشف “قعدة” عربي ملوكى، أميز بعض الوجوه التى أعرفه لكن أفاجئ أن جمعيهم يعرفونى، هناك من يوسع لى مطرح بجواره، ومن يمد يده بصباع كفتة، ومن يناولنى “جوينت”. أشعر بالخجل حينما انتبه أنى لا أزال ممسكا “بشفشق” الفول.

أجلس بينهم رافضاً التدخين أو الشرب واكتفي بأصبع كوفتة اقضمه على مهل، الجميع يرحب بي بحرارة. وشباب أصغر منى ومن سيزر يرفعون يدهم بالتحية “منورنا يا حاج أحمد”.

أتذكر فجأة أن سوسو في البيت لوحدها، فأقف مفزوعاً.

-رايح فين يا حاج أحمد.

-لازم اروح لبتاع الفول

-يا راجل اقعد معانا شوية هو بتاع الفول هيطير

-معلهش بحب اكل من القدرة الأولانية.

عزيزى بوعزت، لنعبر مسيرة اللذات

نشرت هذه التدوينة لأول مرة في نوفمبر2011، ضمن مجموعة الرسائل المفتوحة والتى نشرت على مدونة وسع خيالك القديمة

عزيزى بوعزت،

ذات مرة عاقبنى أحد المدرسين في المرحلة الثانوية بعدم كتابة اسمى في جدول الحضور رغم أنى كنت حاضر. قالها وفعلها ببساطة من يبصق تحت حذائه وبسبب  “أحمد ناجى.. غياب”. تحضرنى هذه الذكري بقوة مؤخراً. أنظر للخلف فأري نفسي تتبعنى. وأنظر للساعة فأراها معطوبة.

 قضيت ثلاث سنوات في مدرسة طه حسين الثانوية بنين. كان بعض الطلبة يكتبونها “مدرسة الدكتور طه حسين الثانوية بنين” وآخرون يكتبونها “مدرسة د.طه حسين الثانوية بنين”. أذكر في أحد الامتحانات وصلت الفذلكة بأحد الطلبة إلي كتابتها “مدرسة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين”. وبخلاف حلقات متناثرة من مسلسل أحمد ذكى لم يكن أحد منهم يعرف أى شيء عن طه حسين. وأقسمت في هذه الفترة المبكرة أننى أبداً لن أحمل أى حروف قبل اسمى ولن اسمح لأن يلهو مثل هؤلاء المراهقين الحمقي به.

فضلت الغياب على أن أكون عرضه للسهو والخطأ أو المديح الجاهل.

ومثل كل المدارس والمؤسسات التعليمية التى عبرت عليها كنت أكره هذه المدرسة. وكان ملجأي فيها المكتبة الموجودة في نهاية الطابق الثالث. لأن المدرسة قديمة فالمكتبة كانت قديمة، تمتلئ بمئات من الكتب من الستينات والسبعينات.

من الفصول تأتينى همهمات الطلبة وسبابهم. وفي مدرسة طه حسين الثانوية بنين كان لدينا فناء واسع أجرد بمساحة ملعبي كرة. لكن الكرة كانت في الأغلب في غرفة الأدوات الرياضية مُغلق عليها بمفتاح معلق في رقبة أستاذ التربية الرياضية البدين والبضين. وحتي إذا كانت في الخارج فلم أكن أحب لعب الكرة. بجوار غرفة الأدوات الرياضية كان هناك مسجد ضيق تفوح منه رائحة عطنة نتيجة لتعفن الموكيت من أثر المياه المتساقطة من أصابع الأقدام. بجوار المسجد كانت الحمامات. ووراء هذه الكتلة العمرانية القبيحة كان مقر تدخين السجائر وأحيانا لف سجائر البانجو.

من نافذة غرفة المكتبة حيث كان يعبر الزمن علي في بطء كنت أشاهد الشارع الرئيسي والطلبة يقفزون من على السور نحو الفضاء الرحب. في الطرف الآخر كانت تقع المقابر والتى كان ينبع منها في هذا الزمن هدوء وسحر أخاذ كعطر لا يمكن التحرر من أسره.

هكذا عبرت مراهقتي بين الكتب والرومانسية الايروتيكيا للمقابر والعطن المنبعث من موكيت غرفة المسجد.

عزيزى بوعزت،

يقول “ديفيد بوي” في أغنيته الوجودية  I’m deranged “مضحكٌ هو، كيف تسَافر الأسرار”. وفي ذات الأغنية/ القصيدة يقول “لفى/ كروزى.. بي يا مزة/ بيبي”.

مضحك هو، كيف تسافر الأسرار يا بوعزت.

منذ دقائق صعد القطار حيث أكتب إليك رسالتى تلك مجموعة من العجائز الألمان، رائحة الخمسينات تفوح منهم، لكن رحيق الصحة  والنشاط يحضر في أصواتهم، جلسوا على الطاولة المقابلة لى، وأخرجوا حقيبة مليئة بعلب البيرة، زجاجة ويسكى، وزجاجتى كوكاكولا. اثنان منهما أخذا يشرب البيرة، والآخرين يشربون الويسكى مخلوطاً بالكولا.

ما الذي يفعله حفنة من الرجال في الخمسينات لم يعد لديهم على الأرجح أسرار ليدعوها تسافر؟!

يأخذون رحلة قطار تدوم لست ساعات ويسافرون هم بدل الأسرار على مذاق الويسكى بالكولا.

عزيزى بوعزت،

أبداً مطلقاً… لا تثق في المصطلحات

2012-05-31 15.25.01
تصوير: أحمد – مايو 2012

عزيزى بوعزت،

لا أزال أكتب إليك من القطار. من النافذة أخضر في أخضر فأخضر، خضار وأشجار ممتدة إلي ما لا نهاية، لا يكسر رتابة المشهد إلى مجموعات من الأبقار تسرح هنا أو هناك. ثم ندخل فجأة نفق طويل. من النافذة الآن لا شيء إلا السواد.. ظلمات فوقها ظلمات.

ومن نافذة المكتبة كان ترتمى جثة الشمس على مجموعة من المقاعد. وفي ليالي الشتاء كنت أحب بداية جولة القراءة في تلك البقعة أجلس حتى يمتص جسدى دفء الشمس. ثم أنتقل إلي مكان آخر إذا بدأت الحرارة تزعجنى.

أدين إلى ما أنا عليه الآن لمكتبة طه حسين الثانوية. هناك قرأت مئات الكتب التى أعرف أنه كان من المستحيل قراءتها في أى فترة آخري. كان لدى حلم رمانسي في تلك الفترة أن أقضي أيام الإجازة في المكتبة ألتهم الكتب كفيل في حفلة شاى. والأجمل أنى كنت أقرأ على غير هدى أو بينة.

أتذكر على سبيل المثال أني قرأت جوته وأنا أظنه كاتب فرنسي، وكنت أعتقد أن ديستوفيسكى عاش في زمن الثورة الحمراء، لهذا كان حزينا على الماضي ويحتقر الإنسانية وحماسها. من ذكريات القراءة على غير الهدي أنى قرأت مسرحية بعنوان “بيت الدمية” لكاتب يحمل اسم “هنريك أبسن”. ظلت المسرحية وعنوانها عالقاً في ذهنى بينما غاب لسنوات اسم الكاتب. حتى ذات يوم كنت أعبر أمام مسرح البالون ووجدت إعلاناً لمسرحية كانت تقوم ببطولتها بوسي “بيت الدمية” للكاتب العالمى “هنريك ابسن”. في هذه الفترة كانت بوسي قد حصلت على الطلاق من نور الشريف بعد افتضاح أمر مغامرته القصيرة مع ممثلة مغمورة. وكان هذا زمن بعيد..

على مدار ثلاث سنوات، كنت أقرأ القصص القصيرة لمصطفي محمود، الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ، شكسبير، تشيخوف، ديستوفيسكى، موليير، نيتشه، سيجموند فرويد، يحيي حقي، بوشكين، برنارد شو، صلاح عبد الصبور، موباسان، فولتير، لوركا، المعري… إلخ.. إلخ في المقابل فلم أستطيع قراءة أى شيء ليوسف السباعي، أو إحسان عبد القدوس، أو عبد الحليم محمود أو عبد الرحمن الشرقاوى.

وطوال رحلة الثلاث سنوات كنت مهبولاً بكتاب موسوعى آخر لأنيس منصور “أعجب الرحلات في التاريخ” لم أستطيع إنهاء قراءة أى كتاب آخر لأنيس منصور. لكن هذا الكتاب بالذات سحرنى لسنوات طويلة، كان نافذة للأحلام البعيدة. قبل مغادرتى القاهرة أخذت أبحث عن الكتاب في أكتر من مكتبة ولكن لم أجده.

“أعجب الرحلات في التاريخ” كتاب نادر أتمنى أن أضيفه لمكتبتى الضيقة، الصغيرة.

منذ المرحلة الجامعية لم يكن لدى مكتبة، ولم أحب أبداً الاحتفاظ بالكتب. لكن منذ بضعة أشهر وتحت إلحاح سوسو ونزعة رومانسية تملكتنى. ذهبت إلى مجمع ضخم في شارع الهرم للأدوات المنزلية والخشبية والحدائقية واشتريت سبعة أرفف وضعتها في غرفة المكتب. وقررت أبداً إطلاقاً أن لا يزيد عدد الكتب التى أملكها عن هذه الأرفف. حينما تزيد لا أقوم بإهداء الكتب، أو التبرع بها لمكتبة الجامع. فهذه وإهانة للصديق الذي أهدى إليه الكتاب وإهانة للمكتبة العامة التى أتبرع بها للكتاب. وصلت لحل أكثر إنسيابيه وإثارة. أفتح الباب في المساء أضع الكتب أمامه وفي الصباح أفتح الباب تكون الكتب قد اختفت.

عزيزى بوعزت،

لا تهدى كتب لا تريدها، ولا تأخذ إلا الكتب التى تريدها.

عزيزى بوعزت،

كان يشرف على المكتبة مدرسان. الأولى فتاة ذات روح عانسة. تقريبا كانت لا تتكلم مع أحد تأتى وتظل جالسة على المكتب إلا لإعداد أكواب الشاي التى يطوف حولها الذباب ما أن ينضب منها السائل الأسود. الآخر كان أستاذ رضا الروش.

ملابسة دائماً ملونة، لكن على عينيه نظارات شمسية سوداء معتمة لا يخلعها حتي داخل المكتبة. حاول التقرب أو التعرف عليا نظراً لأنى كنت أكثر من يزور المكتبة، لكني قابلت محاولته ببرود. كنت ولا أزال لا أحبذ الروشيين، ولا أرتاح لمن يرتدون النظارات السوداء باستمرار. وعلى عكس جميع مدرسي المدرسة لم يكن “رضا” يهتم بقراءة الجرائد التي تصل كل يوم للمكتبة، ونادراً ما رأيته يقرأ كتاب ما. أحياناً كنت أراها فقط يتفحص بمتعة واستغراق مجلة “نص الدنيا”. وطوال حياتى على هذه الأرض فلم أعرف أو أري أى إنسان آخر غير رضا يقرأ مجلة “نص الدنيا”. من رضا تعلمت قواعد الفهرسة وأساسيات علم المكتبات.

في السنة الدراسية الأخيرة كان رضا يتصيد الأيام النادرة التي آتي فيها للمكتبة لتبديل الكتب ليفتح معى أى حوار، وكانت معظمها تتركز في شكل نصائح عاطفية رغم أني أبداً لم أطلبها منه. وأمامى صمتى ولا مبالتى بحكايته. كان يأخذ في استعراض حكايته الخاصة التي كانت دائماً تدور في فترة داسته الجماعية. حتي أنى تخيلت في هذه الفترة أن حياة الإنسان العاطفية تنتهى حينما يتخرج من الجامعة واكتشفت بعد ذلك أن العكس هو الصحيح. من ضمن حكاياته التى كانت تمتزج فيها المبالغات بالخرافات. حكي لى رضا كيف أنه ومجموعة من أصدقائه أسسوا جماعة في الجامعة مهمتها معاكسة الفتيات غير الجميلات كهدف إنسانى لتوزيعه عطفه وفحولته، وإشعار هؤلاء الفتيات بأنوثتهن. أتذكر أنى جلست صامتاً وهو يحكى برومانسية بالغة هذه القصة ثم قمت وهرولت نحو أقرب حمام وتقيأت كل ما في معدتى.

في هذه الفترة ولأسباب سيكولوجيا كنت أتقيأ باستمرار. الآن ولم أعد أتقيأ، ولم أعد أشعر بضغط تلك الأسباب السيكولوجيا، لكنى لا أعرف أخير هذا أم شر.