إبراهيم عبد المجيد يكتب: كيف غاب هذا الكاتب عن النقاد وتاريخ الرواية المصرية؟

ليس من عملي البحث والاستقصاء في تاريخ الأدب . لكن هذا لا يمنع من الدهشة حين ألتقي بنص لم أعرفه من قبل أو أسمع به . هذه المرة كانت الدهشة كبيرة جدا لأن ما وصلني هو نص غاب اسم صاحبه تماما ، وغابت أعماله عن النقد الأدبي في مصر أو العالم العربي ، وما يهمني هو مصر .

الكاتب يحمل اسما شهيرا جدا هو اسم “سعد الخادم” . وهو إسم يحيل أي شخص علي الفور إلي أستاذ التراث الشعبي الشهير والفنان التشكيلي العظيم سعد الخادم ، صاحب الأيادي البيضاء الكثيرة علي الثقافة الشعبية ودراسات الحرف والصناعات الشعبية ، الذي نشر فيها حوالي تسعة عشر كتابا ، وتولي مناصب كبري في الجامعة والمتاحف الفنية ، وحصل علي جوائز مختلفة ، وشارك في معارض عالمية ، وله متحف باسمه واسم الفنانة عفت ناجي في منطقة الزيتون بالقاهرة يحتوي علي نماذج من تراثهما الفني ، والذي ولد عام 1913 وتوفي عام 1987. ربما كان هذا من أسباب غياب الكاتب الذي سأتحدث عنه والذي يحمل اسما لمشهور كبير في مجال آخر . لكن حتي لو كان كذلك فلماذا لم يتحدث أحد عن رواياته باعتبارها للفنان سعد الخادم فيتحمس من يضيئ الحقيقة ؟

لماذا دخل هذا الكاتب شرنقة التجاهل والنسيان ؟ بدأت المسألة برسالة خاصة علي الفيس بوك من صديقي الجميل الدكتور محمد عيسي الأستاذ السابق للغة والأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة شيكاغو ونورثوسترن وميشيغان وغيرها ، والذي يعيش الآن في شيكاجو، يسألني هل سبق وعرفت أن للفنان سعد الخادم روايات ؟ طلبت مهلة . سألت أكثر من فنان صديق . الكل احتار . فسألت السؤال علي صفحتي علي الفيس بوك ووجهته للنقاد وباحثي تاريخ الأدب . اثنان قالا لي أن هناك سعد الخادم آخر عاش في كندا خارج مصر . الأول منهما هو الصحفي الكبير عمرو خفاجي والثانية هي الدكتورة منارعمر المترجمة ومدرسة الأدب الألماني بجامعة حلوان ، وأرسلت لي صفحة بالإنجليزية في جريدة الدراسات الإثنية الكندية Canadian Ethnic Studies Journal” للكاتبة: اليزابيث دهب. Dahab Elizabethوهي بالمناسبة صاحبة كتاب “كتّاب عرب كنديون .. أصوات المنفي Arabic Canadian writers, Voices of Exile “. المقال بعنوان: “Poetics of Exile and Dislocation in Saad Elkhadem,s Wings of lead1971 , the Plague 1989 ,and Trilogy of Flying Egypian 1990-1992 ” ” شعرية النفي والخروج في روايات سعد الخادم ” أجنحة من رصاص Wings of lead التي نُشرت عام 1971 والطاعون The Plague التي نُشرت عام 1989 وترجمها سعد الجبلاوي وثلاثية المصري الطائر Trilogy of Flying Egyptian التي نُشرت مابين عامي 1990-1992 ” وترجمها سعد الجبلاوي أيضا .

لسعد الخادم روايات مثل “رجال وخنازير Men and Pigs ” التي كتبها من قبل عام 1967 وترجمها بنفسه عام 1971، كما ترجم بنفسه رواية أجنحة من رصاص عام 1994 وله أيضا ” ثلاثية يوليسيس the Ulysses trilogy ” التي كتبت ونشرت بين عامي 1985-1987 وهي ثلاث نوفيلات – روايات قصيرة- في كتاب واحد عن رحلات أكاديمي مصري عبر عشرين عاما وترجمه ” سعد الجبلاوي “كذلك استوحي فيها اسم يوليسيس في رواية “أوليس ” لجيمس جويس وطريقته في تداعي الأفكار والأحداث، لكنها طبعا صغيرة جدا قياسا علي “أوليس جيمس جويس ” وهي تقريبا نفس عذاب” ثلاثية المصري الطائر”التي توسعت أكثر . من المقالة عرفت أن سعد الخادم مصري حصل علي الجنسية الكندية بعد رحيله عن مصر . ولد عام 1932 وتوفي في الخارج عام 2003 . وُلد في مصر وحصل علي بكالوريوس في الفنون ثم الدكتوراة من النمسا . كان الملحق الإعلامي لمصر في سويسرا وشغل وظائف حكومية أخري في مصر قبل السفر عام 1968

في عام 1968 أُعير كمدرس مساعد للغة الالمانية في جامعة برونسويك الجديدة Brunswick New في كندا وكذلك لتدريس الأدب المقارن . هناك أمضي بقية حياته بعد أن صار استاذا . من هنا عرفته الدكتور منار عمر المترجمة ومدرسة الأدب الألماني . لقد أنتج أكثر من ثلاث وعشرين كتابا بينها أربعة عشر رواية مُنع الكثير منها في مصر، ربما كلها فلم أسمع بأي منها . ولقد كان أيضا نشيطا في نشر أعماله وغيره ، ووسيطا مثل بعض المصريين الكنديين الذين توفروا علي نشر أعمالهم وغيرهم في دور النشر .

أما سعد الجبلاوي فهو أيضا مصري عمل أستاذا في كندا للأدب واللغات، ولد عام 1927 وتوفي عام 2002 في تورنتو بكندا . سعد الجبلاوي المترجم حصل علي ليسانس الأداب من جامعة القاهرة قسم اللغة الانجليزية ، ثم علي الدكتوراة من جامعة ليفربول، وهاجر الي كنداعام 1968 وقام بترجمات كثيرة من الإدب العربي، منها قصص قصيرة لنجيب محفوظ إلي الإنجليزية والعكس . كان عام 1968 عام خروج كثير من الشباب الجامعي بعد هزيمة عام 1967 إلي أميركا وكندا واستراليا ولقد رأيت ذلك بنفسي وكان بينهم بعض أصحابي . ليتني فعلت مثلهم !

اسم سعد كان متداولا في مصر بقوة للمواليد بعد ثورة 1919 وأوضحت لي الدكتورة منار أن سعد الخادم مسلم بينما سعد الجبلاوي مسيحي . قلت في نفسي هكذا اتحد الهلال مع الصليب . ما أجمله من زمن .

————–

وصلتني رواية واحدة بالعربية من الصديق الدكتور محمد عيسي . هي نوفيلا “الطاعون” . ومقدمة الترجمة الإنجليزية التي كتبها سعد الجبلاوي مترجم الرواية . والنصان منشوران معا في كتاب واحد أصدرته مطبعة يورك York Pressفي كندا، في سلسلة كتابات ودراسات في الأدب العربي ، وفي الكتاب صفحة بها بعض اصداراتها . هي السلسلة التي نشرت بالإنجليزية أعمالا مثل “قصص قصيرة مصرية حديثة Modern Egyptian short stories” و” ثلاث روايات مصرية معاصرة three Contemporary Egyptian Novels “تاريخ الرواية المصرية .. صعودها وبداياتها History of the Egyptian Novel –its Rise and the beginnings ” وكتاب عن الأمثال والأقوال الشعبية المصرية Egyptian Proverbs and Popular sayingsجمعها وترجمها سعد الخادم ، وروايات سعد الخادم كلها تقريبا . ترجم سعد الجبلاويي نوفيلا “الطاعون” وكتب لها مقدمة تحليلية وفنية عميقة . لكني أحببت أن اقرا النص الأصلي بالعربية للرواية واكتفيت بالمقدمة الإنجليزية .

وجدت أني أتوافق مع سعد الجبلاوي في علامات واضحة في النوفيلا وهي أنها عبارة عن مونولوجات وسرد من الخارج متداخلان لعشر شخصيات ، سبعة رجال وثلاث نساء ،في مكتب للهجرة وللحصول علي الفيزا في عصر جمال عبد الناصر . أسهل شيئ أن تصل إلي ما وصل إليه المترجم من أن المقصود بالطاعون هو عصر عبد الناصر نفسه، الذي أراد فيه كل من يملك عقلا ويفكر في الرأي والمعارضة أن يطير عابرا البلاد .

يقول المترجم أن ذلك يذكره بالديكاميرون لبوكاشيو حيث هروب عشرة أشخاص ، سبعة رجال وثلاث نساء أيضا ،من الطاعون في القرن الرابع عشرفي فلورنسا ، وهكذا في مصر بعد عام 1952 ومافعلته ماسميت بثورة يوليو. لقد حولت مصر إلي معسكر اعتقال كبير . أمة تحت الأسوار . كارانتينا للعزل . وبيوت للقبض علي الناس فيها . ألخ . وجدت فعلا في حديث الشخصيات العشرة في النوفيلا ما يدل علي ذلك ، فرغبتهم في الهروب مذهلة . هم ينجحون في الحصول علي الفيزا للخروج لكن تظل لحظات الانتظار في يوم واحد في مكان واحد هي الرعب كله . نعرف حكاية كل منهم من رجال ونساء ، وأحدهم قاتل سفاح كان ضابطا يقوم بتعذيب المعتقلين وتم الاستغناء عنه ويريد الخروج حتي لا يحدث له ما فعله . هو يأتي في نهاية النوفيلا ليختمها فنيا بشكل جيد كأنه التفسير الذي يصدِّق علي كل ما قاله الآخرون أو قاله المؤلف عنهم .

الأول يتحدث قائلا ” اسمي محمد اسماعيل” ولا ينتظر المؤلف فيدخل بالسرد المباشر ليتحدث عنه . فتي في الخامسة والعشرين يستمر في وصفه ومن مواليد القاهرة وعلي الفور مونولوج لمحمد اسماعيل بلغة غير متوقعة ” هو أنت شايف أني من مواليد الأناضول يابن الأحبة ياغبي ” كأنه يرد علي المؤلف . ويستمر محمد اسماعيل في الحديث عن أهله وعن نفسه فتعرف أن أباه كان كبير مهندسي شركة الكيماويات بحلوان ، وهي في الأصل كانت مصنعا يملكه يوناني ، تم تأميمه وتغيير اسمه إلي مؤسسة النصر للأدوية والعقاقير الطبية وافلست . المهم الحديث يستمر عن الفساد وعن السرقة والنساء والجرسونيرات – الشقق الخاصة – بالمسؤولين لمعاشرة النساء ، ويتناثر الحوار علي ألسنة الآخرين فهو له أخ مستشار في قنصلية بسان فرانسيسكو . هو يقول ذلك وهم يقولون “أبعد عنه ابن الأحبة دا مادام ليه حد في الحكومة يبقي مخبر علينا” كل ذلك أحاديث غير منطوقة يرسلها المؤلف كأنها حقيقة.

محمد اسماعيل يريد الخروج أصلا خوفا من الموت في الجيش بعد التخرج في حروب عبد الناصر التي انتهت بالهزائم ، ونعرف طبعا من المؤلف أن أخاه أمين محفوظات في القنصلية وليس مستشارا . المهم يمشي الحديث في ثلاث طرق متداخلة . ضمير المتكلم . الغائب في مونولجات سريعة أو حوارات مكتومة للآخرين ثم المؤلف ، وتفاجئنا عبارات من نوع “ابن الأحبة ” ” أو “انتم عايزين مننا إيه يا اولاد الشرموطة” وكثير جدا مما يمكن أن تتصور من شتائم بالجنس تعرفها العامية المصرية.

نعرف كيف استقر أخوه في أميركا بعد أن تزوج من امرأة عجوز هناك ، لكن لا يزال بها مسحة من جمال وكيف يعيش معها في مزرعتها، ويبدأ الحديث عن المرتبات في مصر وأميركا ،وكيف أن من يذهب لا يعود ، ففي مصر خريج الجامعة راتبه – ذلك الوقت – خمسة عشر جنيها وفي أميركا “العربيات المستعملة بتتباع في شوادر زي شوادر البطيخ هنا، شاطرين بس يقولوا الأمريكان ياريس ، دول حبة كلاب ياريس، والله مافيه كلاب مسعورة غيركم يا ولاد الأحبة اللي ماسبتوش حد إلا ما عضتوه أو شخيته عليه ” هذا نموذج واحد ولن أزيد .

ثم يتابع محمد اسماعيل في أميركا وما جري له ، فالتجنيد إجباري هناك وقتها ، وتنفجر فيه قنبلة في أحد التدريبات ، ويعيش مشوها لكن مكرما من الدولة الأمريكية مع أخيه وزوجته بالمزرعة ،ويعود الكاتب العجيب إلي المكان والواقفين وكل الأحاديث بينهم تتم في نفوسهم فهو مثلهم يتصورهم جواسيس ، وعلي حد قوله حكم قراقوش خلي الناس خايفة من بعضها .

الثاني مجدي نعيم في الثانية والثلاثين من عمره ومدرس لغة فرنسية . يعني “عضمة زرقا” ، وهذا مايقال عن المسيحيين . وينتقل بنا علي طريقته المتداخلة في السرد في الحال بين المسيحيين والمسلمين وان كان مكتوما، وعن هجرة المسيحيين الكثيرة هربا من الفقروالقهر والعنصرية، وكيف تُرفض فيزاتهم كثيرا ، وسعيد الحظ هو من يجد طريقه إلي كندا أو أميركا أو استراليا . مجدي نعيم أصابه فرح كبير بعد أن أخطرته وزارة الداخلية بالموافقة علي السفر ، المهم أن يذهب يتقدم للحصول علي الفيزا . باع أثاث بيته وحجز طائرة في نفس اليوم ، ويقول لهم أنه ذاهب للعمل استاذا مساعدا للغات في كندا ويقولون في نفوسهم هم “تلاقيه نصاب ماحيلتوش غير دبلوم معلمين وحيدرِّس فرنساوي في مدرسة ابتدائي بالكتير” .

ويتابع مجدي نعيم فنعرف كيف كان مدرسا بالصعيد وضاقت به البلاد بسبب أنه عضمة زرقا ويتحدث في مونولوج غاضب حديثا معبرا “أنا مش عضمة زرقا، انتم اللي نزلتم علي خير وادي النيل زي الجراد أكلتم خيراته ، وغيرتم عاداته ، وقضيتوا علي أمجاده . دول نسوان الفراعنة كانوا بيشربوا بيرة ويلعبوا تنس ويحطوا أكلادور في إيديهم ويتجوزوا عن حب، جيتوا انتم حبستوهم في البيوت وخوفتوهم من الرجالة وعملتوهم عبيد تخدم عليكم أو بقر يولد لكم ، والأكتر كمان إنكم عاملتم أهل البلد الأصليين أنهم خونة وجواسيس وعملا ، طيب آديني سايبها لكم اعملوا فيها اللي انتم عايزين تعملوه ، قسموها بينكم ، بيعوها لروسيا، اعملوها جمهورية عربية اسلامية أو حتي أجروها مفروش للسعوديين، ماهو كله مكسب، وكله داخل جيوبكم مادام بتقولوا الدين الرسمي للدولة هو الاسلام ”

طبعا يقصد دخول العرب إلي مصر ، ويستمر معترضا أن يكون الدين مرجعا للحياة الواقعية وهو أفكار روحية .ألخ ، ويدين الأزهر واحد المشايخ الذين عرفهم مجدي نعيم – الكاتب نشر النوفيلا عام 1989 ورأي ماجري في عصر السادات والحديث هنا في عصر عبد الناصر لا يعد استشرافا بما حدث لكن تأكيد عليه – ويحكي عن التجسس علي الأجانب في الفنادق قصصا غريبة.

ويتابعه في رحلته حيث لم يكن مسموحا بالخروج إلا بخمسة جنيهات وهو ما يساوي عشر دولارات فيشتري مجدي نعيم مائة دولار ويبرمها ويضعها داخل قلمه بعد أن نزع منه خزان الحبر . يتابعه في مطار مونتريال حيث يُصاب مجدي بالصدمة حين يكتشفون أن المائة دولار مزيفة ،ويتم حجزه للتحقيق فيما لو كان يعمل مع عصابة لتهريب الأموال المزيفة ، لكنهم يتأكدون من براءته، ويخرج لكن لا يوفّق في الحياة الزوجية مع يولين الكندية التي تعرف عليها في القاهرة ، ويعود من جديد بعد أقل من عام ليمضي حياته ذليلا يتنقل بين البلاد في مصر وحيدا بلا زوجة أو ولد حتي يلقي ربه حين يترقي ناظرا لمدرسة بني سويف النموذجية للبنين !.

نظل نتنقل بين الشخصيات التي لن أقف عندها كلها ، وبنفس طريقة السرد ثلاثية الأضلاع اذا جاز التعبير وبنفس تداعي اللاشعور. سأقف فقط عن امرأة مهاجرة وعن رجل الأمن الأخير .

أشهر خمسة «إفيهات» عن الإحباط

 

1- مفيش فايدة.. مفيش أمل

لدي صديقة على فيس بوك تعمل منذ سنوات في مجال التنمية الثقافية، ما يفترض أنه أمر وثيق الصلة بحرية الرأي والتعبير. وفي تعليق مؤخراً صرحت بأنها ضد الشعارات الدينية حتى لو خارج الانتخابات، فالشعارات العرقية أو الدينية في رأيها تؤدي للتميز والتفرقة ولا يجوز لأحد أن يرفع شعارا يفرق المصريين.

لا أريد الرد على الزميلة هنا، ولا تخيل هذا العالم الكابوسي حيث لا أحد يرفع شعار إلا «تحيا مصر». تخيل مثلا لو أنك نوبي ورفعت شعارا خاصا فأنت خارج العالم الجميل والتصورات المثالية لتلك الصديقة. لكن الصدمة أن هذه السيدة الفاضلة لسبب ما أو آخر تعتقد أنني وهي في جبهة واحدة. مثلما يعتقد مؤيدو حمدين أن رفض مسار صناعة الفرعون الإله «سسي-نعخ» فأنت معهم في ذات الصف. وحينما يفشل أنصار كل تيار من هؤلاء ينسحب منه قطاع ينظر لك بحزن ويقول «مفيش أمل».

الحمد لله يا أخى أن «مفيش أمل» وأن صديقتي الليبرالية اللي بتحب مصر لكل المصريين وتكره التمييز لا تحكم وليس لديها سلطة لتقرر للناس نوع الشعارات التي يرفعونها، فمثل هذه الظواهر تجعلك تحمد لله على محمد إبراهيم وزيراً للداخلية.

لذا فكلما شاهدت شخصاً يردد بإحباط «مفيش أمل» تذكر أن مصائب قوم عن قوم فوائد. والحياة ميدان. والصراع دينامو التقدم. وأن يفقد أحدهم الأمل معناه ارتفاع فرصة تحقيقك لأملك أنت.

2- شعب ليس جديراً بالحرية

مع كل جملة أسمعها أو أقرؤها تحتوى على كلمة الشعب أشعر بأن هناك كارثة في الطريق. من يملك القدرة على التحدث باسم الشعب؟ ولماذا؟

الاثنان حالات خطرة، من يتحدث باسم الشعب لكى يصبغ على حديثه رأي الجماعة والتأييد الشعبي أو شرعية الصندوق. ومن يتحدث باسم الشعب بأن الإحباط وأخلاق العبيد قدر ومسألة جينية. وإذا كان الشعب لا يريد الحرية فما علاقة ذلك بأني أريدها. وأصلاً أليست المعركة بالأساس مع هذا الشعب وتحطيم أساطيره، بداية من أسطورة الإسلام هو الحل، وحتى أسطورة الدولة العبيطة الذي يصر في مازوشية على التمرغ في ترابها، بعد أن فاته القطار.

أنت فرد. أهميتك من فرديتك. والأحلام دائماً خاصة، لا تقبل أن يقايض أحدهم حلمك الخاص بحلمه يصفه بأنه حلم الشعب، ثم يحوله إلى مقورة كوسة تحملها في يدك بلا كوسة لتقورها، وتقول ها هو الإحباط تحت الباط.

ثق في نفسك، ولا تثق في الجماهير والجموع مادمت لا تعمل في المجال الفني أو التليفزيوني. شاهدت على مدى ثلاث سنوات فقط كيف يتقلب مزاجها، وكيف في يوم تهتف باسم حسن شحاتة وفي اليوم التالى تلعنه.

3- البلد محتاجة خمسين سنة على ما تتصلح

صياغة هذه العبارة وتكوينها يجعلان المسألة في مصر مشكلة ميتافيزيقية غيبية، وكأن آلام الناس وبؤس حياتهم لا يرتبطان بمنظومة تشريعية استبدادية سائدة ولا بسلطة غاشمة، غشيمة، فاشلة. تنزعك هذه العبارة من همك الفردى وأزماتك الأساسية مع هذا النظام لتحولها إلى أزمة ضخمة لا يمكن حلها إلا في المستقبل البعيد.

تحكى ماهينور المصري في شهادتها من داخل السجن كيف أن معظم السجينات معها نساء تم سجنهن بسبب ايصالات أمانة ومبالغ لا تتجاوز الآلاف اقترضنها لتزويج بناتهن، وكيف يعشن بطموح انتظار العفو الرئاسي من الرئيس القادم.

نحن نواجه سلطة منحطة، ومجتمعا قيمة الشرف فيه ترتبط بالوضع الاجتماعى والطبقي قبل أي شيء. ليس من أهدافي شخصياً جعل مصر قد الدنيا، ولا أعتقد أن أم أحمد المحبوسة لمدة 6 سنوات بسبب شيكات لا تتجاوز الخمسين ألفا لديها أي اهتمام بهذا الأمر. ما نرغب فيه هو أن نحيا العشرين سنة المتبقية من عمرنا دون قنبلة تنفجر فجأة، وأن تمضي أيامنا دون التعرض لسخافات الكمين كل يوم.

4- الثورة خلصت ولازم نسلم نفسنا

بغض النظر عن «الكيد» المتبادل بين شباب 25 يناير الطاهر النقي، ومؤيدي ثورة 30 يونيو. وموقف السيسي في المنتصف بين الاثنين. فقد دخلت ثورة 25 يناير في التاريخ الرسمي للسلطة بصفتها ثورة طاهرة نقية، مثلما دخلت حركة 30 يونيو.

لا تعش في الماضي، ولا تترك الحنين يلتهمك. نقد ثورة 25 يناير يجب أن يكون إحدى المهمات العاجلة، محاربة التسطيح الذي يمارسه الإعلام لثورة 25 يناير أهم كثيرًا من الاستسلام للعبة «شطة وفلفل» مع الفلول المحروقين. التحليل وإعادة التدبير يعنى أيضًا التحرك خارج تلك اللحظة الآن وفوراً، والتموضع في مكان وموقف جديد غير تعريف «شباب الثورة».

5- الناس تعبت

ومتى كانت الناس طوال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ والشقاء وعصر الشهداء والمجاعات وسنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية، طوال هذه الرحلة العظمى التي يتفاخرون بها كل يوم، ومع كل أغنية، متى كان ناس مصر مش تعبانة.

Rotten Evidence: Ahmed Naji’s Incarcerated Fiction

On July 25, 2019, ARC in collaboration with apexart hosted Egyptian novelist Ahmed Naji, who was the 2016 winner of the PEN/Barbey Freedom To Write Award, for a lecture entitled “Rotten Evidence: Reading and Writing in Prison.” Naji was formerly sentenced to two years in prison when a literary magazine published a chapter of his novel. Naji discussed the growth and trajectory of his career as a novelist, what life was like in an Egyptian prison, the power of literature, his new project, and more. He is now a Shearing/City of Asylum Fellow at the Black Mountain Institute.

This event was supported by the Andy Warhol Foundation for the Visual Arts.

mahfouzinhospital_ahmednaji

When I first saw this picture, it was in 1995. I was sitting with my grandfather and we were watching the news and TV. And when this picture appeared he felt annoyed and sad. I was very young at that age and I asked him, “What’s going on,” and, “What is this story?” And he said it like, “Some kids tried to kill this guy.” And I asked him, “Why did they try to kill him?” And he said, “Because he writes.” At that age I was ten years old. I was reading mainly comics or books for kids and teenagers. And of course while reading I started to imitate what I was reading–I started writing. So suddenly my grandfather was telling me that someone tried to kill this guy cause he was writing. It stayed in back in my mind.

And I continue writing but I know writing is dangerous. So it goes on, I published my first novel in 2007, called Rogers, and then after a while I publish my second novel Using Life. When I published the novel I knew it was dangerous in Egypt and the Arab world. I knew also what is a red line. From an early age I knew that there are [three main] red lines that as a writer you cannot cross. The first red line is the religious mythology. You can’t come close to the Islamic mythology. [The second red line] the national identity imagination. You could talk about politics but you can’t talk about the imagination and the mythologies that created the national identity. The third red line is sex. When you are talking about sex there is a set of words assigned for you.

But I was seeing myself as birthing another Egyptian writer generation who are trying to use different language. So [my new novel] was published in 2014 and after it was published, I was in the south of Sinai on the beach and suddenly I received a phone call from my editor-in-chief (I used to work as a journalist back in Mansoura). He called and he said, “We just received an announcement from a prosecutor and they are summoning you to come do an investigation.” So we discovered what happened: a chapter of the novel had been published in the newspaper and a guy read the chapter and he went to the police station and said, “I read this chapter and it hurt my feelings. It affected my blood pressure and made me faint and it made me throw up.”

So the case was basically this: the prosecutor was saying, “This is pornography.” And we could say, “No, this is not pornography, this is literature.” We thought the worst scenario was they will fine us or something like that. But it ended up the court sentenced me to for two years. I was sent to Tora prison.

Because there is nothing to do inside this prison everyone is reading. Even people who never opened a book before, they start to read inside the prison because it’s the only way to make the time pass. And the collection of books they have in the prison is very interesting, because of course they have a big amount of religious books, but [surprisingly] there was a large amount of books that were banned outside the prison.

But when I was searching inside the prison I found this amazing novel … That Smell. So this novel was published by Sonallah Ibrahim. When he tried to publish it in 1969 … it was banned because of the sex. So I was shocked. It was impossible to find this edition back outside of the prison but suddenly I found it inside the prison library.

It’s interesting to see that people in prison after reading will start to write. Because usually prisoners feel, I don’t know how to describe it, but it’s kind of sorrow and pain, and they use writing to document this pain. For example, when I entered the prison I found this guy who’s always writing. He had been in prison for five or six years and he had, like, several notebooks. I called him the Marcel Proust of the prison. He said, “I’m wiring my diaries because I don’t want to forget the pain and the suffering that I [felt] here.” And he showed it to me and basically what he’s writing is, “Today is Sunday. I woke up at 10. I walk toward the bathroom. I eat two eggs.” So at the end when Marcel Proust was released from prison, on his way out the guard searched the bags and found the diaries and he read them and they had details about the prison and he said, “I can’t allow you to go out with this because it has details about the prison. So I’m not gonna sign your release paper until you burn it.” So this alerted me because back then I started to write in the notebooks that he allowed me. So in my notebooks I tried to not write any details about the prison. But I wanted to document my days, to not forget the days. So I used it to write my dreams.

Dreams are very important to the prisoner because dreams are the only window you have with the outside world. So you go to sleep and each time you go to sleep you hope you see your friends or family or the places that you are missing. Sometimes after a while you will start to play with your dreams. You will think all day of someone or something so when I go to sleep maybe it will visit me in dreams.

Dreams also bring a big role into most of Muslim and Arabic prisoners because in Islam and, I believe, in Christanity, we had this story about Yusef-Joseph the Prophet. So in the story of Yusef, he was sent to the Egyptian prison and he stayed in the Egyptian prison for seven years. So Yusef is in the prison and he was in his cell with two other prisoners. The prisoners have a dream and they told him a dream. After they had the dream he started to predict what was going to happen to them. He told one of them, “Well, your dream means you are going to get out of the prison and you will become a very important guy and you will become close to the king. And when this happens please don’t forget me and tell the king about me.” And the story goes on when the king had a dream, he was puzzled by this dream and so he told his adviser and suddenly his adviser remembered Yusef, so they summon him and he comes and he told the king what his dream was about: “In seven years you will not have food or the water will be low in the Nile.”

So as a Muslim prisoner, even as a Christian or Arabic prisoner, one of the hopes you have to get out of the prison is dreams. So I started to offer a prediction, and explain for others. People would wake up in the morning and come and tell me their dreams. Everyone in the prison started to trust me. So I became a holy figure within the prison.

Until I was in prison, I wasn’t looking at myself as a writer. I used to look at myself as a journalist, as a filmmaker. I was writing but I didn’t see myself as a writer, it wasn’t the main purpose of my life–until a small accident happened in the prison. So we had this guy and we are going to name him Mr. X. He was terrible and awful guy. So one day I woke up to go to the bathroom and I found Mr. X crying, crying like a baby. So I was worried, I went to him and asked him, “What happened? Are you OK? Something with the case?” He said, “No, no, everything’s fine. I was just reading this novel. I left it on my bed because even when I look at the cover, I start to cry again.” Suddenly I started to say, “What is the hidden power behind the literature and behind the writing that could reach and affect a guy like this?”

[My next book is called] Rotten Evidence. It’s about reading and writing in an Egyptian prison. I got out of the prison in December 2016. I married my wife Yasmine and she got a scholarship in Syracuse, New York. The plan was to join her after that and then I tried to leave the country and I wasn’t allowed to leave the country. I wasn’t allowed to leave the country as a free man. I wasn’t allowed to leave the country for a year and a half. And this year and a half was harder than being in prison.

So it took me a year and a half [but] finally I was able to get a short window for one week, so I was able to join my wife and we moved to DC. Then with help from PEN America and many music friends from this sphere in the state I was able to get [a] fellowship at the Black Mountain Institute at UNLV in Vegas.

Thank you.

Edited for brevity and clarity by Olivia Salama, September 2019.

أين مقبرة الموسيقي؟ – فصل من رواية استخدام الحياة

 

 

01_02line
من رسوم أين الزرقانى ضمن رواية استخدام الحياة

 

أنا بردت” قالتها ثم تلفتت إلى الخلف. تناولت تى-شيرت أبيض مُلقى بإهمَال على نهاية السرير. ارتدت التي-شيرت، ثم أكملت لف الجوينت. سوت أطرافه ثم برمته، صنعت في نهايته طربوشاً صغيراً. تناولت الولاعة وأحرقت الطربوش. في العتمة بدا كأنه يحترق ببطء لكن بمتعة. شعرت بحكة خفيفة على طربوش زبي، وبرغم ذلك هرشت في شعر العانة. مدت الجوينت إليّ، فابتسمت وتناولته منها بينما عدلت هى من وضع الوسَادة واتكأت عليها لتتمدد نصف جَالسة في مواجهتي. حلمتا نهديها الصغيرتين بارزتان من أسفل التى-شيرت وسيقانها ذات الصوت الهادئ مفتوحة في مقابلتي. رائحة دهن عطري فواح تنبع منهما.

ربما قلت نكتة أو إفّيهاً ما، ضحكتْ، وحكتْ حكاية قصيرة حدثت مع واحدة من صديقاتها. ضحكنا ودخنّا. وقبل أن ينطفئ الجوينت كنا قد تساجلنا حول موضوع ما بالتأكيد يتصف بالتفاهة، انتهى الأمر بقمصة من الطرفين، وكالعادة فقد تراجعتُ عن موقفي وأخذتها بين ذرَاعَي في دردشة قصيرة قبل النوم. وحينما فَتحت عيني شاعراً بالعطش استيقظت فلم أجدها بجواري.

نور خفيف يتسلل من النافذة «راحت عليا نومة ولا إيه» مددت يدى باتجاه الموبيل، كانت الساعة لا تتجاوز السادسة صباحاً. بَحثت عن زُجَاجة الميَاه بجوار السرير فلم أجدها. كأن أجفاني معلق بها أثقالاً صفراء، العقل مشوش آلاته تحاول العمل لكنها تحتاج للماء. خَرجت من الغرفةِ عَارياً، فى هذه اللحظة بالتحديد لم أعرف هل أبحث عنها أم عن زُجاجة المياه. في الصالةِ وجدتها نائمة فوق الكنبة وبجوارها الكلب نَائماً في وداعة، ولكي أصل إلى الثلاجة حيث الكثير من زُجَاجات المياه كان يجب أن أعبر الصالة دون أن أوقظ الكلب على الأقل، وهو الأمر شبه المستحيل. دائما ما كنت أخشى مواجهه الكلب عارياً بل كل الحيوانات كنت أخشاها عارياً. لهذه فضلت التوجه إلى الحمام ووضعت فمي تحت الصنبور. بللت يدي ومسحت بها على وجهي. أخذت أدعك أجفانى تحديداً بالماء مُزيحاً أثقال النوم، كنتُ أريد الرؤية واضحة. حتى وإن تأخر استيقاظ باقي أعضاء جسمى فالعين يجب أن تستيقظ الآن. أن ترى الآن! وهنا حيث سيبدأ كل شيء. نظرت لوجهي في المرآة. وطرحت على نفسي السؤال بشكل جدي..

لماذا أنا هنا؟

إذا كنت أتحمل كل حذلقتها وحماقاتها وهلاوسها ومخاوف وهواجس أزمة الثلاثينات التي تمر بها، فما المقابل.. على الأقل حتى لو كنت أحبها ومازلت شغوفاً بها فلا يوجد أي معنى لوجودي هنا، حيث إنه من الواضح أن وجودي يسبب خللاً في عَالمها، بدليل أنها تركتني وخرجت لتنام وحيدة على الكنبةِ.

دخلت الغرفة وارتديت ملابسي بهدوء مُحَاذراً من أي صوت، وضعت “الموبيل” في جيب البنطلون وتأكدت من وجود المحفظة في الجيبِ الخلفي. أذكر بدقة أن نَسمة هواء عَبرت الغرفة من الشبَاكِ مُحمَّلةً برَائحة النعناع المزروع في شباكها. لم أكن غَاضباً أو مُستاءاً. لكن ما أن فتحت الباب حتي استيقظ الكلبُ ونَبح نبَاحاً قصيراً لمحته يقف على أقدَامِه الأربعة ويهم بالهرولة نحوي، فأغلقت الباب سريعاً وخرجت.

قررت ألا أدخل هذا المنزل بعد ذلك أبداً، لكن متاهات الحوادث القدرية قادتني إلي هناك مرة ثَانية، في تلك المرة التي تَكشف فيها لي جزء كبير من الحقيقة، حملت الكاميرا ووضعتها أمام ريم وهذه المرة لم يكن هناك كلب، ولا سجائر، بل ريم فقط وعلى رأسها حجاب، وفي عيونها رأيت انعكاس الظل لما هو قادم وأدركت أي كارثة  قد دفعت فيها سفينتي.

علاقتنا لم تنقطع، بقي الود وقدر من الحنين. حب مدخن كسمك الرنجة.

*       *        *

أحياناً أفكر أن كل ما حدث لي طوال حياتي كان نتيجة لضغوط أبي الذي رباني على عبارة “عايزك تطلع من الأوائل” أغرق مُتذكراً حياتي، وأشعر بضيق بالغ. لماذا لا أشعر بالسعادةِ مثل بقية الناس؟

وهل يشعر بقية الناس بالسعَادةِ، سؤال أكثر اتسَاعاً، الخاص يَعكس العام، والعَام يفشخ الخاص، والاثنان يغرقان في التعاسةِ.

لكني أحياناً أشاهد زوجين في مكان عام، أو امرأة تحتضن طفلها، أو صديقين يتأملان واجهات المحلات ويضحكان على نكتة مشتركة. أجد إن الآخرين يشعرون بالسعادة، فأنظر لحالي، لمَ أنا؟ ولمَ لا؟

من بين الآخرين هناك من ينظر لك ويسألك لماذا لا تكون سعيداً مثله. يوماً ما حينما يقرر الله مكافأة الإنسان على شقائه في هذه الدنيا، فسوف ينتزع عنه البصر والبصيرة. يرده للسعادة.. للصفاء الروحى والسكينة النورانية.. بهيمة عمياء ترعى في حدائق الجنان الخضراء.. لا تعرف من المشاعر إلا سعادة إشباع الشهوات والاحتياجات. هكذا هى الجنة.

بينما هنا في تلك الحياة. صحراء شمسها شوكية. تائهون تبحث عنا الأشياء ونظن أننا من نبحث عنها. ريم مثلاً لم يكن لدي أي مشاعر تجاهها. كنت أراها حينما تأتي إلى المُنظمةِ الحقوقية التي عملتُ فيها بعد تخرجي لتنجز بعض مهام الترجمة. شهور مَعدودة هناك ثم فقدت أى نوع من الإيمان بالعملِ المدني، بصراحة كنت أعمل في هذه المنظمة لأني لم أتمكن من الالتحاق بوزَارة الخَارجية وفضلت مثل مُعظم زُملاء الدرَاسة المهووسين بالليبراليةِ الالتحاق بتلك المنظمة. وحينما ظهرت الفرصة للعمل كمعد أفلام تسجيلية ثم كمنتج فني بأجر لم أكن لأحلم به. ودعت العمل المدني. تَركت الشقةَ التي كُنت أعيش فيه مع اثنين من رفَاق الجَامعة، لأنتقل لشقة أخرى في مدينة 6 أكتوبر وقتها[1]. وحينما احتجنا في الشركةِ لترجمةِ أحد أفلامنا إلى الانجليزية بحثت عن رقم تليفونها ليحدث أول اتصال مُبَاشر بيننا.

تبع اللقاءَ الأولَ الرسمي، والذي شمل شرح أبعاد العمل المطلوب منها رسالةٌ وصلتنى منها بعدها بأيام على الموبيل. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل وكانت دعوة لشرب البيرة فوق سطوح فندق «أوديون» بوسط البلد. ذهبت وبعدها بيومين كنا نطبع آثار أسناننا على لحم كل منا أثناء ممارسة الجنس على أريكة منزلها.

 

.*       *        *

 

 

ثاني يوم غادرت فيه بيتها نهائياً تحت غطاء الليل تلقيت اتصالاً تليفونيا منها، نشبت بيننا مَعركة كلامية حَفلت بالكثير من الألفَاظ البذيئةِ ثم أغلقت التليفون في وجهي، لم أعرف لماذا تصرخ في وجهي، وما هو الموضوع، ولا أين يقع الخطأ. لكني أيضاً كنت أرد السبة بالسبة، والصرخة بالصرخة ولم يكن يعنينى ما سوف يحدث أو ما سيكون. كانت هذه النهاية وكنت أدير المحادثة بمنطق «كس أم الفيل والمنديل”. عَاهدت نفسي ألا أرد على مُكَالماتها بعد ذلك، وإمعاناً في تَحفيز النسيان بحثت عن اسمها على الموبيل «ريم” وبدلته بـ “X3” لتصبح النمرة الثالثة التي لا أرد عليها مهما تكررت مرات الاتصَال.

ظللت طوال اليوم مَشغولاً بالبحثِ عن إجَابة لما حدث. يمكنني أن أتحمل أي غباوة من غباواتها، أن أتحمل تلك النظرة التى تحمل قدراً من أمومة تَتسرب من بين يديها وأحسها مع لمساتها على وجهي. جرس إنذَار. كارت أصفر. تذكرني أنها أكبر مني بسبع سنوات، لكن في نفس الوقت هذا هو ما يجذبني إلى تلك العلاقة. إنها خرَاء مَشوى. قطعة إستيك مُجفف. شريحة جمبري غارقة في السمن البلدي. كل هذا مقبول، لكن لن أقبل أن استيقظ من النوم ولا أجدها بجواري. خصوصاً إذا كنت في شقتها، هذا غير أخلاقي، غير عاطفي، تصرف فج ووقح وهى تعرف ذلك جيداً. أنا أعرف أنها تعرف أنني أعرف.. يا لها من جملة. لهذا كان لا بد أن أترك شقتها، منزلها، لها. وكل هذه الفجاجة تحتاج إلى وقفة، لكنها فضلت أن تكون وقفة طويلة وللأبد.

في الليلة الأخيرة وقبل أن ننام كنا نستمع إلى موسيقى تنتمي إلى روك الستينات، شيء ما لليد زبلين، ماريسون واحد من هؤلاء الخراتيت العجائز، وكالعادة جرتنا هى لمُنَاقشة موسيقية أنهتها بعبارة:

بص يا بيسو.. الموسيقى ماتت في السبعينات.

قلبت الحوار وسألتها:

طيزك قرعة.. طيب والمقبرة دى فين؟ وين مقبرة الموسيقي؟ أين محراب الموسيقى حيث يرقد جثمانها الطاهر؟ جاوبيني أيتها الآلهة القاسية.. أين مقبرة الموسيكا؟

اكتفت وهى تطفئ الجوينت برسم ابتسامة خفيفة على شفاهها كأنها سحابة على وشك التبول فوق مدينة أوروبية. رددت عبارة موجزة قالتها ببطء وبصوت أقرب للهمس «بُص للمزبلة اللى حواليك» تبعتها بتنهيدة وعبَارة أقصر «بص للشوارع».

بعد مُكَالمة الانفصال فكرت كثيراً هل سبب كل ما حدث أنني استفززتها في حديث «هرتلة حشيش» عن مكان مقبرة الموسيكا؟

كل هذا الآن يبدو سَخيفاً وتفاصيل هامشية لا أعرف لماذا بدأت بها. لكني أعرف وأثق أن اللحظة الحقيقية لكل ما حدث هى اللحظة التى تلت هذا الانفصَال بأسبوعين حينما تلقت «ريم» تلك الرسَالة القصيرة على موبايلها باسمي. سوف أعلم بعد ذلك، أن هذا الرسَالة المُزيفة كانت أول اتصال بينها وبين «المنقذين» كما ستطلق على كافة أعضاء الجمعية الذين التقت بهم أو قابلتهم. تم استغلال اسمي في تحقيق هذا الاتصَال الأمر الذي يجعلني واثقاً أنهم كانوا على درَاية وعلم بالكثير من تفَاصيل علاقتنا.

وصلتها الرسالة:

“أحتاج 400 جنيه ضروري جدا. مطعم ماجو شارع شمبليون[2]. بكره الساعة1”

 

 

 

 

 

 

[1]           لم تكن 6 أكتوبر وقتها قد أصبحت محافظة، وبالطبع كان هذا قبل انشاء الميناء وتحول أكتوبر إلى ما ستكون عليه الآن. كانت أكتوبر لا تزال طفلة وليدة ترضع ناراً ودخاناً وحيوانات منوية من ثدي القاهرة.

 

[2]           على سبيل الفضول نقبت في نسختى الخاصة من الأرشيف عن سجلات الجمعية التي نجحت في الحفاظ عليها، كان من الطريف أن أعلم أن أخ شمبليون كان أحد الآباء الفاتحين الأوائل، والداعمين بعد ذلك لأفكار السمعانى.

 

عصر الزرائبية أو معنى حميدتى

 

155517365558800900

في واحدة من الفيديوهات التي وثقت لعميلة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم على يد قوات الدعم السريع. يظهر مجموعة من جنود الجيش السودانى الفخيم خلف القضبان الحديدة لسور صديء، كأسري حرب في معسكر اعتقال، بلا أسلحة، وأحدهم بلا حذاء. بينما ضباع الدعم السريع تطلق النار، تضرب المتظاهرين، تحرق الخيام، تغتصب الرجال والنساء، تحاصر المستشفيات، ترمى الجثث في النيل، و… غيرها من باقة الموبقات والجرائم العريقة المشهورة بها قوات الدعم السريع (الجنجويد) والتي مكنتهم من تخليد أسمائهم في محكمة العدل الدولية كواحدة من أقذر وأشرس الميليشيات المتخصصة في ارتكاب المجازر الجماعية وكافة الجرائم الجنونية الدموية.

تصلح تلك الصورة أن تكون أيقونة جديدة للحظة الراهنة وذلك المنعطف للثورة السودانية، وفي المستقبل سيتذكر الجميع أن مذبحة اعتصام القيادة العامة هى بداية النهاية لهذا الجيش قبل أن تكون الفصل الختامى للثورة السودانية.

تأسست الجيوش الحديثة كما نعرفها كجزء من لوازم إنشاء الدول القومية، يأتي الجيش مع العلم، والمتحف، والمدرسة، والنظام الصحي. يحتكر الجيش حق حمل السلاح، ويخلق في معسكراته وثكناته بوتقة لصهر أبناء الشعب من كافة الطبقات والتوجهات ليصبغهم بزى موحد وبأخوية السلاح وتقديس العلم.

وفي دولنا المقززة، فالجيش هو الرأس الكبيرة، والحاجب الذي لا يجوز للعين أن تعلوا عليه. سواء كانت تلك العين حزب سياسي، أو برلمان منتخب، أو رئيس منقلب. الجيش في الدول العربية هو مصدر السلطات ومنبع الشرعية، ببساطة لأنه ما من شرعية في الدول العربية إلا شرعية السلاح والاعتراف الدولى، وغير ذلك تدريبات ذهنية.

لكن في السودان انتج الوضع الذي خلفه عمر البشير، والتلاعب السعودى بالمشهد حالة مغايرة، فالجيش لم يعد “نمبر وان. بل أصبح حميدتى وعصابات الجنجويد هم “النمبر وان”. في حالة فريدة، يمكن تسميتها بالمرحلة الزرائبية.

الزرائبية من الزرائب، هو عنوان المرحلة القادمة في السودان، وهى حالة قابلة للتعميم والانتشار طالما استمر الدعم من امبراطوريات الرمال والنفط لكل الأنظمة المتخلفة في المنطقة العربية.

ولد محمد حمدان الشهير بحميدتى لأبوان عربيان من تشاد، حيث نشأ في إقليم دارفور. لم يكمل تعليمه الابتدائي حتي ثم تفرغ لتجارة المواشي والعمل في الزرائب. ومن الزريبة لبى نداء الوطن وقائده عمر البشير. فالبداية كانت بتشكيلة عصابة صغيرة من البلطجية لحماية زرائبه، ثم تطوع لحماية زرائب الآخرين. وحيث أن تجارة المواشي هي أنشط السلع التجارية بين تشاد، ومالى والسودان. فقد بدأ في تقديم خدماته لقوافل تجارة المواشي لحمايتهم من السرقة. طبعاً من لم يكن يدفع للحماية تتم سرقته.

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في دارفور، تم الاستعانة بالقبائل والعصابات التي يقودها حميدتى لقمع الانتفاضات الشعبية. في حالة بهيمية متكاملة الأركان لم يكن أحد قادر على انتاجها إلا البشير، حيث دفع مثل أى تاجر مواشي لحميدتى فتوة الزرائب لكي يحمى ملكه ويقمع انتفاضة دارفور. منح البشير حميدتى امتيازات حصرية لمناجم الذهب وأصبغ عليه الرتب العسكرية دون أن يدخل أى مدرسة عسكرية، ومنح عصابته اللقب الكرتونى قوات الدعم السريع والمعروفة شعبياً بـ”الجنجويد”. وهى الكلمة المستخدمة لوصف راكبي الخيل الذين يعيشون على السرقة والنهب، السلوك الذي ميز ميليشيات الجنجويد مضاف إليه التعذيب والاغتصاب وتجارة الأعضاء وغيرها من الجرائم المسجلة باسمها في أرقي المؤسسات الدولية والحقوقية في مختلف أنحاء العالم.

ولتميز حميدتى وخبرته في مجال الزرائب والمواشي، فقد ترقي سريعاً وحاز على ثقة البشير الذي كثيراً ما داعبه بلقب (حمايتى)، قبل أن يقلبه ويضعه في الحجز في مكان غير معلوم.

لكن طموح حميدتى ليس طموح عكسري، هو ليس جنرال يرضي بتركيب النياشين والترقي وتلقي الأوامر ممن هم أعلى منه رتبة. حميدتى تاجر مواشي، وليس جندى نظامى. ثقافته هي ثقافة الزريبة لا التربية العسكرية. لذا مع ترقيه انتقل من الأدوار المحلية إلى الأدوار العالمية ليقدم خدماته “الزرائبية” للأنظمة الخليجية، ويساهم في تصدير المقاتلين من تشاد والسودان إلى اليمن ليحاربوا فيما تخوضه السعودية وتسميه في مفارقة ساخرة “حرب دعم الشرعية”.

في سنوات قليلة، خلق حميدتى امتداد إقليمي له موازى لامتداد البشير والمؤسسة العسكرية السودانية. أصبح قائداً لأول ميلشيا معترف بها دوليا، وجنوده في اليمن يحملون الأسلحة الأمريكية الممنوعه حتى على الجيش السوداني.

ليس هذا فقط تعاون حميدتى مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وعملت قواته في السنوات الأخيرة علي إيقاف خطوط الهجرة من أثيوبيا وجنوب السودان التي تنقل المهاجرين لسواحل المتوسط في ليبيا. ومؤخراً حينما تزايدت الضغوط الدولية عليه هدد الاتحاد الأوروبي بايقاف التعاون وإطلاق جحافل المهاجرين عليهم.

لذا حينما تنحى  البشير وأعلن أحمد عوض بن عوف توليه زمام الأمور، صرح حمدتى  بعدم رضاه عن خطة عوف الانتقالية، وفي أقل من 24 ساعة تنحى عوف ليتولى حميدتى مقاليد الأمور واضعاً بجواره دمية على شكل جنرال يدعى برهان.

لأول مرة إذن نشاهد حالة لا يكون فيه الجيش رأس السلطات، بل ركع حميدتى الجيش وركبه، ويحكم فعليا بقوة السلاح في يد عصابته، وهى ميليشا غير مدربة عسكريا، ولا متعلمة، وليست نظامية، بل والعديد من أفرادها ليسوا إلا أطفال حروب يتاجر فيهم حميدتى، ويقودها  مجموعة من مربي المواشي والبهائم انتقلوا من سلخ الحيوانات لسلخ البشر.

ثقب الأمل لا يزال مفتوحاً، والمفاوضات والشد والجذب مستمر. وإن كنا كما نعرف “جميع الثورات تهزم”. لكن إن حدث واكتملت هزيمة الموجة الثورية السودانية الحالية، فستكون مؤشر لظهور نظام جديد نموذجى تسعي الدول الخليجية الداعمة لنشره، ويمكننا تسميته بالنظام الزرائبي.

وفي هذا النظام تتحول الدول بشعوبها وجيوشها ومؤسساتها الامنية والاقتصادية إلى زريبة كبيرة، يشرف عليها تاجر مواشي معين من قبل القوي الفاعلة في النظام الدولي ووظيفته السيطرة على قطعان الماشية في زريبته بما يتفق وأجندة الأنظمة الدولية، فهذا النظام لا يريد مهاجرين فيحرص تاجر المواشي على منع المهاجرين، وهذا النظام يرغب في رؤوس ماشية بشرية للقتل نيابة عنه في حروبه الفاشلة فيورد تاجر المواشي الرؤوس والأيدي المقاتلة.

في تصريح كاشف منذ أسابيع قال حميدتى بأن قوى الحرية والتغيير خدعتهم في المفاوضات ولا تريد سوى حكم مدني وإرسالهم لثكناتهم. لكي أين هي ثكنات حميدتى؟

لا ثكنات لحميدتى ليعود إليه، وفي سبيل بقاءه فهو مستعد لحرق ثكنات الجيش ومساكن المدنيين

حميدتى ليس عودة للحكم العسكري، حميدتى هو عودة لما قبل الحداثة، لما قبل الدولة والشرعية، لما قبل الاقتصاد الحديث، لعصر المقايضة والرعي والصيد والالتقاط. حميدتى ردة حضارية أثرها لن يقف عند السودان، بل قادر على إغراء أنظمة آخري مجاورة على تسريع خطوات التحول من شبه دولة إلى زريبة.

الشك باليقين -4- سلسلة هزلية غير مكتملة

تعالت أصوات الضجيج من الزنزانة المجاورة؛ آهات مكتومة وآخري مطلقة، وثالثة تحولت لصريخ، سباب، زئير، توسلات، صليل معدنى، صرخات ذكورية ثم صوت ضابط يسب الدين للجميع. حوار غير مفهوم التفاصيل بينه وبين أحدهم لكن على عكس المتوقع يبدو كأنما الضابط هو من يسعى لاحتوائه. ينفتح باب زنزانتنا ويقذفوا بشاب يحمل وجهه وسامة بعيدة. كفه الأيسر مربوط بشاش أبيض ملوث بالدماء وشورت وشبشب فلينى بصباع، أوساخ سوداء متراكمة تحت أظاهر القدمين الطويلة. ذقن نابته. وكف أيمن لوح بالسلام ثم ارتمى جالساً بجوار العجوزين.

عزم عليه العجوز المدخن بسيجارة وبدا كأنه يعرفه حيث خاطبه باسمه وكما سمعته كان “كسح”. انطلق في وصلة من السباب واللعن عن خناقة مع نزيل في الغرفة المجاورة، بينما العجوز الآخر غير منتبهاً لحديثه ومندمج أكثر في قرض أظافر يده بأسنانه. أخرجت سندوتشات عطية وتقاسمتها معهم كمحاولة لكسر الحاجز الجليدى وتوثيق المعرفة بالعيش والملح، سألنى أحدهم عن سبب وجودى هنا فحكيت باختصار بدو متأثرين. حسدنى كسح على النعمة حيث لن تطول إقامتى هنا حتى ينقلونى على السجن، أما هو فله هنا شهر ونصف في “قسم ابن وسخة، ومساجين أوطى من الموس على الأرض”. ثم مشيراً لحقيبة طعامى وملابسي نصحنى أهم وأول نصيحة لأيامى القادمة. “أنت جاى هنا، مش عارف هتخرج امتى، وكلمة لك يا زميل احسبها بالورقة والقلم، متعرفش ظروف اللى برا وإذا جت لك زيارة النهارده، متعرفش امتى ممكن تيجى لك حاجة ثاني.”

نصيحة رمتنى في حيرة التفكير في المستقبل في مجدى بيه وصاحب البار وعطيات التى وإن كان مد حنانها بحر فالجذر يضربه سريعاً. كما عرفتها ما أن تجد الباب مغلق أو الطريق شاقاً حتى تيأس وتلجأ لصرف الهم والغم عن نفسها بتسريحة شعر جديدة ونزهة في سيارى سريعة وقد تتذكر قصة حزينة –في هذه الحالة ستكون أنا- بشجن وثلج مشروبها يذوب وقدمها تهتز مع إيقاع أغنية قديمة.

ما الذي انتظره؟ وهل في الحياة غير ذلك؟

لم أعد ذلك الساذج الذي يثق بالإخلاص الزوجي مثلما خدعت لأول مرة منذ سنين، بالتالي لا يجب أن أعول الكثير على عشيقة وشيطانة كعطيات.

قام كسح متجهاً لزاوية الحمام. انزل الشورت الذي يرتديه، ثم قرفص عارياً وأخذ يحزق بلا مباله، حركت رأسي بعيداً لكنى انتبهت للعجوزان يراقبان بشغف حزق “كسح” ويده اللتى امتدت لمؤخرته تسحب طرف كيس بلاستيكى أسود خرج من صرمه. سحب الكيس كساحر يخرج منديل من قبعة خاوية. اتجه لصنبور الماء وغسل الكيس من قطع الخراء البنية التى علقت به ثم فتحه مخرجاً كيس آخر يحتوى على حبوب حمراء، وقبل أن يخرج حبة حمراء من الكيس انتبه لعيون العجائز التى كانت تدمع جشعاً وشهوة لا دموع، فأخرج حبة واحدة رماها باتجاههم “كل واحد نص”. ثم مد كفه الذي كان في صرمه نحوى قائلاً “تضرب يا زميل”. اعتذرت له بأنى ليس لى في أى نوع من المخدرات، وحينما بان التعجب في عينيه “ملكش في أى حاجة كدا”. خجلاً أجبت بصوت خافت “بيرة فقط”. مط شفتيه ورفع الحباية لفمه قائلاً “والله أنت جيت هنا غلط، حكومة بنت كلب ظالمة”.

* * *

فتحت الحقيبة، أخرجت لفافة وجبة المشويات. بلا اعتبار لنصيحة كسح بسطت الطعام وعزمت عليه هو والزملاء. هجم كسح وتبعه العجوزان بينما دسست يدى إلى قاع الحقيبة مخرجاً الأوراق المجموعة في غلاف بلاستيكى شفاف. تناول العجوز الصامت صباع كفتح، وهو يهمس مرحباً: حمد لله على السلامة زيارة سعيدة.

هل كانت زيارة سعيدة؟ كنت سعيداً لأنها أحضرت الأوراق وسيلة مقاومتى ونجاتى من ظلمات الجُب الذي رميت فيه. لكنى أحسست أنها قد تكون المرة الأخيرة التى أري فيها عطيات على الأقل حتى خروجى من هنا ..إن خرجت في يوماً غير معلوم.

حضرت عطيات الزيارة المسائية لوحدها وبعد أول عشر دقائق لم نجد ما نقوله. في مواقف سابقة صامتة مثل هذه كنت أعد لنا مشروب بارد يحتوى على البراندى أو تجذبنى نحوها وهى تخلع ملابسي عنى. لكن الآن خرجت من صمتها باقتراح متلجلج تلقته من مجدى بيه بأن تسافر معه إلى الساحل لتغيير الجو والخروج من ضغوط الأزمة. ثم أضافت “أحتاج إلى رأيك أولاً، هل اسافر معه؟ لا أريد أن اتركك لوحدك لكنى أشعر بالعجز.” لم أقاوم ظهور شبح الابتسامة على شفتي كانت عطيات عاجزة حتى عن تمثيل العجز أو الحيرة وحتى الحزن وهى تحدثنى. عملياً لا شئ يمكن عمله إلا انتظار تعاقب متسلسله الاجراءات البيروقراطية والقانونية. ربّت على كفها وكان بارداً وأخبرتها “أنا في السجن ولا فائدة ترجى من حبسك لنفسك” غيرت الموضوع وقالت:

-أحضرت لك أوراق روايتك الجديدة التى كنت تكتبها.

وضعت حزمة الأوراق أسفل منى. جلست عليها وتناولت الكباب والكفتة مع كسح ورفيقي السجن. وصدى صوت أغنية قديمة يتردد داخلى “ودع هواك وانسانى”.

ما أن انهينا الطعام وجمعنا البقايا في كيس بلاستيكى حتى فُتح باب الزنزانة ودخل اثنان من العساكر وميمون يحملان رجل مكبل اليدين والساقين في هيئة شنطة. ألقوه على ظهره ولم يفكوا حتى القيود. ساقاه مكبلان ويديه كذلك بقيود حديدية، وكلبش ثالث يغلق طرفه على الحديد الواصل بين الساقين والطرف الآخر على الحديد المقيد للذراعين. مرمياً على أرض الزنزانة عاجزاً عن الوقوف أو الجلوس وكدمات متفرقة في أنحاء جسده. لسانه خارج فمه والزبد يسيل منها مشكلاً بركة لعاب صغيرة على الأرض. بهيمة تفرفر في طلوع الروح.

أغلقوا الباب بينما اطلق كسح وصلة سباب فيمن أحضروا الذبيحة وفي المباحث والحكومة والظلمة والكفرة. انحنى هو والعجوز الصامت على البهيمة التى كانت انسان مقيد في هيئة شنطة. كان واضحاً أنه أتى من السلخانة لدى إدارة المباحث الجنائية لكن في الغالب لم يفلحوا في انتزاع أى شئ منه حيث لا يزال رغم كل العذاب الذي ترك آثاره على جسده غارقاً في غيبوبة داخل عالم آخر نتيجة ابتلاعه لكمية من حبوب المخدرات والصراصير. نثر كسح على وجهة قطرات مياة لكنه هز رأسه دليلاً على حياته وإن كان تائها في عالم آخر بعيد عنا.

لزم كلاً منا مكانه بحذاء جدران الزنزانة، في حين ظل الرجل الشنطة/الحقيبة مقيداً نائماً على جانبه الأيمن في منتصف الغرفة. بحركة غير ملحوظة -أو هكذا أوهمت نفسي- وضعت النقود التى أعطتها لى عطيات في جيب سري بالشنطة القماش التى تحتوى على ملابسي والصابون ومزيل العرق. تبقي الورق في المغلف البلاستيكى الشفاف، أخرجته وتصفحت الأورواق حتى وصلت لآخر صفحة كتبتها. قرأتها فعاودتنى كل تفاصيل العالم الذي وضعت أساسه وجدرانه وأنفاس أرواحه. أعدت الورق إلى المغلف. أثري وأهم ما أملك، لم أعده للحقيبة بل وضعته أسفل الفرشة التى تمددت فوقها مستلقياً. أخرجت كتاب إيزيس وحاولت القراءة لكن اضوء كان شحيحاً فأعدت الكتاب إلى الحقيبة، واستلقيت نائماً.

في سباتى غرقت في حلم كنت أطوف فيه حول منزل أبى فلا أجد الباب للدخول، لكن أشعر بسعادة لأن هذا يعنى أن الأب المتعنت السكير لم يعد له وجود، ثم أتذكر أنه مات منذ زمن بعيد وفجأة تلطمنى موجة من باطن الأرض ترفعنى لأعلى. انتبهت مستيقظاً من الحلم لأجد “كسح” يدق الباب الحديدى براحتى يديه وهو يصرخ “واحد بيموت يا حرس”. أحد العجوزين يشهق بصعوبه وصدره يرتفع للأعلى وظهره يتقوس مصارعاً جبال وهمية ليأخذ نفسه، بينما العجوز الآخر تناول منشفة وصنع منها مروحة ليهوى بها على الآخر. أما الرجل الشنطة فكان جسده ينتفض كأنما تيار كهربائي يعبر من خلاله.

جاوب أحد الحراس نداء كسح “في أيه؟”. فصرخ كسح “عم محمد العجوز مش عارف يأخذ نفسه.. واحد بيموت يا حرس”. أتى الرد ساخراً “وأنا أعمل أيه”.

“تعمل أيه” زعق كسح بالعبارة شاخراً وأخذ يخبط حديد الباب بكلتا يديه وقدميه. لثانية تساءلت وماذا عن الرجل الشنطة. لكن تبدد السؤال تحت حقيقة اكتشاف أن هذا الوضع الهيستيري حيث الموت واللا موت والعقاب ورائحة الروث والعرق وكوابيس النوم وأحلام الصحو هو لمحة من أيامى القادمة.

تجمدت في مكانى عاجزاً عن التفكير في شئ وكسح مستمر في الصراخ والسب والخبط بكف يده على الباب. همد كسح للحظة ثم مد يده لداخل فمه وأخرج شفرة من تجويف حلقه، وصرخ مخاطباً الحرس “هموت لك نفسي يا حرس، هموت نفسي عليك يا ناصر” ثم ضرب شفرة الموس في فخذه الأيسر فانبجس الدم من لحمه وتوالت ضرباته لتفجر الدماء وترسم خريطة للجروح على جسده وهو يضرب رأسه في باب الزنزانة. العجوز الذي كان يقوم بدور محرك المروحة بيده التى تمسك المنشفة توقف عن التهوية وأخذ يشارك كسح الصراخ والخبط على الباب.

أغمضت عينى وتكورت على جسدى متوقعاً الأسوء. لكن عكس ما توقعت استجاب الحرس وهرعوا تحت قيادة المدعو ناصر لفتح الباب. اخرجوا العجوز للخارج بينما قيدو كسح بعدما نزعوا الشفرة من يده. استدعوا سيارة الاسعاف وأخذوا الاثنان خارج الزنزانة وتركونى مع الرجل الشنطة والعجوز الذي كان مروحة. لاحظ الأخير الحيرة على وجهى ولأنه كان يعرف أنها تجربتى الأولى في السجن فلقد تطوع لشرح كل ما حدث بادئاً بوصله مديح لجدعنه ورجولة كسح، فعم محمد نزيه -العجوز الأخر- يعانى من الربو وأزمات تنفس ولأنهم يعرفون ذلك فكثيراً ما يتجاهلون أى شكوى تخصه لأن الأزمات أحياناً تنتهى ما أن يخرج للهواء الطلق أو من تلقاء نفسها. لكن قوات الشرطة في النهاية مسئولة عن المساجين وأجسادهم لهذا قام كسح بما قام به فاتحاً باب المشاكل والدوشة لهم. فالآن يجب على الضابط النبطشي أن يستدعى سيارة إسعاف في كل الأحوال لمعالجة جروح كسح، ولكى يمنحه الممرض تقرير طبي عن تلك الجروح لكى يضعه في محضر إثبات الحالة الذي يجب تحريره، ويجب أن يقوم الضابط ناصر باحتواء كسح حتى لا يقوم الأخير بتوجيه أى اتهامات لضباط القسم حينما يتم عرضه غداً على النيابة.فوتوغرافيا: Alvin Booths

لكن ماذا عن الرجل الشنطة الذي هدأت الآن انتفاضات جسده بينما استمرت آهاته خافتة.

كان هذا شنطة/حقيبة وليس انسان. فهو تابع لقوة جهاز المباحث والأرجح ليس مسجلاً على قوة القسم، بل المباحث في الدور الثانى هى من أحضرته وهؤلاء هم قوة الحقيقة ومن أجل الحقيقة لا نحتاج لأوراق أو تسجيلات إلا في المرحلة الأخيرة ما بعد انتزاع الاعترافات حيث تحضر الأوراق لتوثيق الحقيقة ودفترتها وإحالتها لسلطة القضاء الامبراطوري، وحتى الوصول لهذه المرحلة -إن نال شرف الوصول- فهذا ليس إلا شنطة/حقيبة.

 

تاريخ الحفر على الناشف

 

Mamluk_Muhammad_b_Qalawun_copper_fals_1310_1341
فلس نحاسي من عهد السلطان قلاون

 

موضوع الحفر على الناشف دا طلع تاريخيى، ابن إياس بيحكى عن كيفية بناء بيمارستان (مستشفي) الناصر قلاوون.
فبيقول أن السلطان تغيير خاطره على الناس (صحى متضايق يعنى) فأمر المماليك أن يعملوا السيف في الناس (يعنى شغل قانون الطوارئ ونزل امناء الشرطة والجيش يضربوا نار ويهدوا البيت ويعملوا اللى هما عايزينه زى ما احنا شايفين وعايشين لنا خمس سنين). وبعدين صعد العلماء والمشايخ للسلطان ورجوه ان يخف ايده ويهد اعصابه،
فبعد شوية ندم وقرر يبنى المارستان ويوهبه للناس، فوكل الأمير سنجر ( كامل الوزير) بأنه يبنى المارستان، فراح صادر دار عامرة، وامر جميع الصناع والحرفيين بانهم يشتغلوا في بناء المارستان، لدرجة ان اى رجل كان بيعدى عليهم وهم شغالين كان لازم يجبروه ينزل من على فرسه ويساعد معاهم حتى لو هيرفع حجر
أو كما يقول ابن إياس:
” وعابوا علي المارستان لكثرة عسف الناس في عمله، وذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانًا، ندب الطواشي حسام الدين بلالًا المغيثي للكلام في شرائها، فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها، على أن تعوض عنها بدار تلمها وعيالها، فعوضت قصر الزمرد برحبة باب العيد مع مبلغ من المال حمل إليها. ووقع البيع على هذا، فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعي للعمارة، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، وأخذ ثلاثمائة أسير، وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلًا وشدد عليهم في ذلك، وكان مهابًا، فلازموا العمل عنده، ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوان والرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك. وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم، وأوقف مماليكه بين القصرين، وكان إذا مر أحد ولو رجل ألزموه أن يرفع حجرًا ويلقيه في موضع العمارة، فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك، فترك أكثر الناس المرور هناك. “

متعة ما بعد الجنس

في ستينات القرن الماضي بدأ د.ويليام ماسترز وفيرجينيا جونسون أبحاثهم حول الجنس لدى البشر، وهى الأبحاث التى أحدثت ثورة في فهمنا للجنس ونتج عنها علاجاتهم المبتكرة لاضطرابات الدورة الجنسية لدى البشر.

توصل “ماسترز وجونسون” إلي التقسيم العلمى المعتمد للدورة الجنسية لدى البشر، وهى تبدأ بمرحلة الرغبة نتيجة حدث مثير جنسياً، ثم الإثارة أو “البلاتو” وهى التى تشهد انتصاب القضيب وزيادة الإفرازات المهبلية. كما رصد ماسترز وجونسون في تلك المرحلة بعد التغيرات البيولوجية كتغيرات لونية في الأعضاء التناسلية نتيجة تدفق الدم لها، تضخم الخصية لدى الذكر وارتفاعها، وتزايد الانقباضات في بعض عضلات الجسم خصوصاً الحوض والفخذين وزيادة النبض. ثم تأتى مرحلة النشوة أو “الأورجازم” كا يعرفها بعض البشر، في حين نبهنا ماسترز وجونسون أن بعض البشر لم يعرفوا “الأورجازم” في حياتهم فالجنس لهم ينتهى عند المرحلة الثانية “البلاتو”.

أخيرا تأتى المرحلة الرابعة والأخيرة وهى الإبراء أو بالانجليزية “Resolution”. وقد فحصها وحللها ماسترز وجونسون بدقة حيث رأوا أنها تنقسم لدى الذكر لمرحلتين في المرحلة الأولى يعود النبض إلي مستواه الطبيعي  ويتقلص حجم القضيب المنتصب بنسبة 50%، وفي تلك المرحلة يمكن في بعض الحالات أن يعاود الذكر الانتصاب. أما المرحلة الثانية فيتضاءل حجم القضيب، ويؤكد ماستر وجونسون استحالة انتصاب الذكر قبل انتهاء تلك المرحلة. أما الإبراء لدى النساء فلا ينقسم لأى مرحلة، ويمكن للمرأة أن تصل للنشوة مرة آخري دون الحاجة للمرور بمراحل الإبراء المختلفة، بل وبامكان بعض النساء الحصول على رعشات متتالية بعد الرعشة الأولى.

أهمية دراسات ماسترز وجونسون أنها كانت أول دراسة معملية عن الجنس. توصل ماسترز وجونسون لتلك النتائج من خلال دفع المال لرجال ونساء لإجراء التجارب عليهم وتوصيلهم بآلات طبية للاستشعار وقياس النبض والمؤشرات الحيوية المختلفة ثم مراقبتهم أثناء ممارسة الجنس وتسجيل الملاحظات والمؤشرات الحيوية. ثم ذات مرة اقترح الدكتور ويليام ماسترز على مساعدته فيرجنيا جونسون إخضاع أنفسهم للتجربة المعملية وأن يقوما بالتجربة العلمية بأنفسهم ويمارسوا الجنس.

توماس ماير كاتب السيرة الذاتية للباحثين، يحكى أن الجنس بدأ بين الدكتور ماسترز ومساعدته بشكل مهنى بحت. كانا يوصلان الآلات بأجسادهم ثم يبدأون بممارسة الجنس، وتسجيل انطباعاتهم وملاحظاتهم بعد كل ممارسة. حتى تطور الأمر إلي الاستلقاء في حضن بعضهم البعض بعد ممارسة الجنس. ثم تطورت علاقة ماستر وجونسون بعد ذلك من العمل إلي علاقة غرامية كاملة، استمرت في السر لما يقرب عشرة أعوام قضي خلالها د.ماسترز مع فيرجينيا وقتاً أكثر مما كان يقضيه مع أولاده وزوجته، الزوجة التى اكتشفت الأمر في النهاية وطلبت الطلاق لينفصلا ويتزوج ماسترز بفيرجينيا. المهتم بمعرفة المزيد عن تفاصيل حكاية وأبحاث ماستر وجونسون يمكنه مشاهدة المسلسل التلفزيونى Master of Sex. لكن موضوعنا هنا هو المرحلة الرابعة من الدورة الجنسية لدى البشر، الإبراء حينما ينتهى الانفعال والإثارة، وتتبدد الغشاوة من على العين فتطفوا على السطح المشاعر والانفعالات الآخري. أو ما هو أفضل لا تطفو أى مشاعر بل يغرق الاثنان في حالة سلام صامت كما اللون الأبيض، وتتمنى لو بالامكان تمديد لحظة السلام والسكينة تلك حتى تصبح أبدية.

في فترة المراهقة حذرنى صديق من تلك المرحلة. كنا لم نتجاوز الثامنة عشر بعد، وكان صديقنا قد مارس الجنس أكثر من مرة، وبالتالي فدائماً ما استعرض معرفته العملية علينا، أو آثارنا بحكاياته ومغامراته الجنسية. ثم ذات مرة حذرنا أن ممارسة الجنس ليست كما تبدو في الأفلام أو كما يحكيها لنا. على حد تعبيره الذي لا يزال مطبوعاً في ذاكرتى “بعد الواحد بتحس بفراغ تام”.

هذا الفراغ هو ما يدفع البعض بعد ممارسة الجنس إلي البكاء والإحساس بالذنب والندم، فثقافتنا الإجتماعية الشرقية الحبوبة تصم الجنس بالنجاسة سواء تم داخل إطار الزواج أو خارجه. ممارسة الجنس والقذف تعنى تحول الانسان ذكر أو أنثي من حالة الطهارة إلي الجنابة وهو ما يتطلب الإغتسال مرة آخري. أما ممارسة الجنس خارج إطار الزواج فهى كبير من الكبائر  تتطلب التوبة بالدموع.

بدأت قصة حب د.ماسترز وجونسون لأنهما مكثا في حضن بعضهما البعض بعد ممارسة الجنس، بينما هنا أعرف قصصاً تحطمت وتشوهت قبل أن تبدأ بسبب أن أحد الطرفين انفجر في البكاء بعد انتهاء الجنس لأنه لم يتحمل إحساس الذنب. آخرون لم يبكو لكن تملكهم إحساس الفراغ والاشمئزاز من النفس ومن الشريك، فكانت النتيجة إحتقار النفس واحتقار الآخر والتعامل مع الجنس كحمل ثقيل يسير به منتظراً الفرصة للتخلص منه مشمئزاً في أقرب حفرة.

يشوه الذنب مرحلة ما بعد الجنس وبدلاً من أن تكون مرحلة “إبراء” تصبح مرحلة جلد للذات تكفيراً عن ممارسة فعل بيولوجى طبيعي تمارسه كل الكائنات. وفي هذا السياق تتشوه كل الملذات، ويستحيل الحب إلا في إطار اعتباره مهمة مقدسة انجازها للآسف يتطلب فقدان الطهارة وإعادة الاغتسال والوضوء.

لا توجد حبة سحرية لتجاوز الأمر، وللآسف فدكتور ماسترز وجونسون لم يقدما لنا حلاً لتجاوز اضطراب الإنسان العربي المسلم في مرحلة الإبراء. لكنى أعدك يوماً إذا تجاوزت الذنب، إذا لم تقم فزعاً بعد النشوة من السرير، إذا لم تهرول للحمام بعد الجنس، إذا لم تشمئزى من السوائل التى تغطى جسدك وتسرعى بمسحها. خلف كل هذه الأشباح يوجد عالم آخر وسعادة لما بعد الجنس. توجد الحميمية بين إثنين التى قد تتسع لتشمل العالم، يوجد الحديث الذي يتعارف فيه اثنين عاريين على بعضهما البعض، يوجد تلك الحرارة التى لا توقظ نار الجنس ولكن توثق التواصل الانسانى لجسدين منحا الحب، ويستلقيا متعانقين بينما يغطيهم الوسن.

لا تسمح للذنب أن يركبك. ولا تنزع نفسك من شريكك. أمكث على الأقل مكانك وتمتع بمراحل عملية الابراء، من يدري ربما يكون هناك انتصاب آخر في الطريق وإن لم يأتى، فاستمع لنبض شريكك وانتظام نفسه. الآن وقد تخخفتما من حمل الاثارة الجنسية يأتى دور الحديث، التعرف على الأخر لا بصفته شريك جنسي. استكشاف الاحتمالات والفرص لمشاريع أخري، والأهم رى الحب حتى لا تذبل شجرته

Food: Pleasure Becoming Guilt

Yasmeen cried because she could not breastfeed our daughter, Sina, on her first day in this world. Sina cried as well. As I was held captive with both of them in the hospital room, I had no idea what should be done. I called for the nurses’ help. A nurse came and offered to help Yasmeen breastfeed. It was in vain. The milk did not come, and the crying persisted. The nurse suggested using formula, made especially for new-borns. That made Yasmeen cry even more, feeling the failure.

In her first day as a mother, Yasmeen detected the essence of it: An everlasting feeling of guilt.

 

fish by Seif wanly

The nurse asked me to sign some legal and executive papers to confirm our consent to give formula to our hungry baby daughter. For the hospital to get involved in the bond between a mother and an infant, they need the mother’s informed consent or else this interference would be considered a crime. By all powers of biology and modern law, only the mother is responsible for feeding the infant.

A few days later, Yasmeen’s breasts supplied milk. Each time she breastfed the new-born, despite all the physical pain, her face lit up with a smile. She tried to explain how she felt, but words failed her. She spoke of energy, of something that runs through the inside of her, along with milk, to the inside of Sina. It is believed that this is the maternal bond.

We come into life incapable of consuming solid foods. We can only suck our mother’s milk. The first sign of a human infant’s growth is their ability to keep their heads upright, so that they can swallow. Only then some sustenance can be offered. The second sign of growth is weaning. When babies are not breastfed anymore, they shift from being infants to becoming toddlers.

The older we get, the more distant we are from her. We are weaned off the mother’s milk only to eat what her hands offer us. Our palate is shaped by our mother’s food, and we spend years believing that the best food is that cooked by mom.

Regardless of how bad a mother’s cooking might be, children do not realise it. On the contrary, they genuinely believe this is how normal, even excellent, food tastes!

This is known as Mother Culture. It extends not only to include the taste of the mother’s cooking, but also the customs of cuisine taught to us by our mothers. Some mothers raise their children with a must finish your plate rule; others are raised encouraged by mothers to leave a bite or two on their plate. In Egypt, this is known as “the Cat’s Share,”the idea being to help out cats and dogs that live off of garbage.

The mother instructs us as to what we should and should not eat. As such, ever since I was a little boy my mother declared all types of sausages (Egyptian-style street food sausages/ frankfurters/ hotdogs) FORBIDDEN at home. Throughout my childhood we were warned not to eat them outside behind her back.

We listened to Mother because she, definitely, knew our stomachs better than we did. Over time, we grew, left the house more often, we rebelled against Mother’s culture and we began to explore the world…and the hotdog.

I fell in love with all types and shapes of sausages at first bite, when I was nineteen. I went back to my mother asking her, ‘Why did you forbid us from eating hotdogs’? She answered that, as a kid, she stopped once in front of a shop that sells sausage sandwiches and, for some reason, the smell of sausages on the grill upset her so much that she passed out. Ever since that day, she’d hated sausages and everything related to them. So, the ban in this case was never for health reasons. It was merely our mother’s own palate.

Our bodies are a record book signed by time. On the surface it’s all flesh, blood and bones which are the result of what we eat. Our bodies, and what we eat, reflect all that shapes our identity.

We take control of our own selves and reshape our identity when we rebel against the cuisine of Mother Culture. I come from a world where pork is defiled, Haram. I had to travel at the age of twenty-three to know what pork tastes like. I loved the juicy taste of the pink meat. However, when I go back to Cairo, it’s hard for me to find restaurants or shops that serve pork. This made the joy of eating this pink flesh feel like forbidden fruit. I had to wait until I travelled to keep eating it in all its possibilities.

We rebel against Mother Culture.We drift away from Mom’s cuisine only to explore the facts of life.

Some cannot take the taste of truth. They refuse to eat food which they cannot recognise and hold onto the palate shaped by the mother’s cuisine. Others take in everything with mouths wide open, realising that Mom’s food is not necessarily the best there is. However, the taste of nostalgia in Mom’s cooking cannot be found any place else.

One’s palate is similar to one’s identity. It is not a frozen image, but one that changes as a result of what time does to our physical forms. Until the age of twenty-eight, I could not stand eating salad or fruit. I still have a memory of many full years having past in my life without me eating a piece of fruit. All of a sudden, with the age of thirty approaching, my palate changed as a result of my body’s needs and abilities having changed. Today, I seek out salads, in fact some of my meals are all salad and vegetables.

It had started as a call from a secret place in my body. Eating meats and carbohydrates gives me a heavy body and a lazy, slow capability of moving and thinking. After the age of thirty, health problems in my digestive system just blew up in my face.

I went to see a doctor, complaining from difficulty in urination and rectal pain. He asked me to sleep on the bed with my knees held tight against my chest, then he inserted two fingers into my rectum.

‘Anal fracture’, announced the doctor, as he was prescribing some analgesic ointment and telling me that the best remedy for me is to change my diet: Stay away from pastries, pizza, pasta… etc. and to eat more vegetables and fruits.

It was only then that I realised that a new phase of maturing and growing old has started, one where you choose your food not based on your Mother Culture, or your personal palate, but based on medical recommendations and the needs of your digestive system that is starting to go downhill.

I moved, a few months ago, to live in the States, carrying on a digestive system that cannot take in pink meat and other indulgences of American cuisine on a daily basis. Only a small amount of these are now allowed to me.

I feel guilty every time I cheat on my diet. I eat pizza, enjoying the taste, but simultaneously thinking of the pain I go through as I defecate. If, by any means, I managed to silence my conscience, the way food is shown and marketed here in America is basically designed to make you feel guilty.

When you go to any restaurant, whether fast food one or fine dining, you will find the name of the plate, a brief description of the ingredients, pri ce and the number of calories. So, while you are choosing your food, you will not only be thinking of the aroma of the main dish, or the taste of the food, but rather about the number of calories entering your body and coming out of it. If the food was good and you could not resist eating more, you will keep eating as the calorie counter in your head keeps adding.

You finish your meal trying to get over your feeling of guilt and enjoy the warmth of a full stomach, only to find yourself surrounded by articles of nutritional education and posts of friends who promote different diets to target weight loss and health.

Food is now tasteless. It is more of a medicine that has to be taken to stay alive in a fatless, sugarless, flavourless, and odourless existence.

Two or three days a week, I let go my food cravings. I eat pastries, pizza and/or pasta. I enjoy marinating beef myself and eat it medium rare, delighting in the red colour of the meat. The sound of boiling oil frying potatoes and chicken breaded with flour and that secret recipe is music to my ears. For the rest of the week, I eat leaves and vegetables, just like rabbits. I watch my weight and examine my urine, trying to keep a minimum level of fitness and maintenance of my digestive system, not because I want to be slim or to live a long healthy life, but because I want to still be able to enjoy all types of delicious unhealthy food, forever.

Braque

Normal- (Short Story/ Translated be Mona Karem

One time as I was heading back to Sixth of October city, a prostitute showed up on the way dressed in the official uniform, a black cloak without a headscarf, and instead she had bangs and black hair falling over her shoulders. She was carrying a huge neon bag.

Just to be sure, I drove past her slowly and watched her in the mirror as she looked my way. I stopped and went back. I turned off the music and rolled down my window. With the innocence and politeness of a child, I said: “Are you going somewhere madam? Would you like a ride?”

She got in, she was heading to Neighborhood 12, which is far out of my way, it is where I lived for years during college. I felt a longing to visit the good old scenes of my youth. I asked her: “Where in neighborhood 12?” She responded while reaching for something in her bag: “by the green kiosk.”

My glance fell on her big breasts, showing through the cleavage. I redirected my eyes back on the road to avoid the sudden appearance of any speed bumps, either down there or up there. I felt something when the hoe pulled a knife on me and poked me in the stomach as she shouted: “Stop the car you son of a bitch!”

I looked at the knife, then to her and just like in the movies, I smiled, all confidence and kept on driving calmly: “What’s this for sugar?” and with her big knife she kept poking me in the waist, making her way through my thighs, stopping exactly between them, her sharp tip prodding my shrunken trembling dick.

painting by Adel El-Sawie