ثلاث حلقات مع بلال فضل

الآن اتكلم. شاهد على العصر افتح خزينة الأسرار واليوميات وكيف جري ما جري. كيف يتم تجنيد شباب الارهابيين داخل السجون؟ ما سر حجم القضيب الهيستيريا؟ من هى المرأة التى أكلت زوجها؟ ولماذا حكم القاضي عليّ بالسجن لمدة عامين؟ ومن هو وكيل النيابة الذي تسبب في هذه القضية؟ ما هى الكتب المسموح بها في السجن؟ لماذا أكل أبناء مصر بزاز مصر؟ ماذا تفعل بالمنفي؟ ماذا تصنع بالوردة وكيف تشم القنبلة؟ هو صحيح الهوى غلاب؟ كيف كانت الأيام مع علاء سيف؟ ما هو الغرض من الرقابة في مصر؟

كل هذه الأسئلة وأسئلة آخري تجدون إجابتها في ثلاث حلقات حوارية تشرفت أن أكون ضيفاً فيها في برنامج “عصير الكتب” مع بلال فضل على قناة العربي. أتمنى أن أكون ضيفاً خفيفاً




موسيقي الراب العربي والفلوس

مصر من الأحلام الكبيرة إلي الإعلانات والتنمية البشرية.

في بداية عام 2013 كانت الفوضى الخلاقة في أبدع صورها. الإخوان في السُلطةِ ومرسي يصدر أغرب الأصوات والقرارات والإعلانات الدستورية مُتقمصاً دور الديكتاتور المجنون. الشارع يموج بالمظاهرات والحركات السرية والعلنية، الخدمات العامة متهالكة، الكهرباء تنقطع لساعات طويلة. الجميع ضد الجميع وأنا أحاول استعادة عافيتى بعد شهرين قضيتهم في الفراش نتيجة لخضوعى لعملية جراحية. في مثل هذه الظروف قابلت هشام أو كما يعرفه الجميع “سفنكس” القائد والعقل المدبر لفريق “أرابيان نايتز (فرسان العرب)”. لم يكن اللقاء الأول لكنهم كانوا قد أصدروا اسطوانتهم التى حملت اسم   Uknighted State of Arabi في تلاعب لفظى يجمع بين كلمتى الاتحاد والفرسان لتكون النتيجة “الولايات المتحدة العربية”.

اندهشت أن يختار فنانى “رابرز” مصريين في لحظة عشوائية كتلك أن ينتجوا ألبوم يدعو للوحدة العربية. اذكروا أن المناقشة بينى وبين “سفنكس” احتدت وأنا أسئلة ما المقصود بالولايات العربية فحكى لى حلمه أن تتحد الدول العربية لتصبح مثل الولايات الأمريكية لكن تصبح الولايات المتحدة العربية. حينما سألته وما الفائدة من هذا؟

ردد خطاباً عن القوى والعظمة وهلاوس شوفينية آخري كل هذا الحديث كان بالانجليزية، لأنه ولد وعاش معظم حياته في الولايات المتحدة الأمريكية حتى جاء إلي مصر شاباً حيث ألتقي بمعظم أعضاء الفريق وشكلوا فريق فرسان العرب عام 2005 وبالتالى فقدرته على التعبير بالانجليزية أفضل كثيراً من عربيته. بدا لى سفنكس كواحدة من حالات اضطراب الهوية لدى أجيال المهاجرين العرب. يحلم بإتحاد فيدرالى عربي قومى لكى تكون قوة عظمى رداً على وطنه الأمريكى القوى العظمى التى بالتأكيد همشته بسبب أصوله العرقية والعربية.

10731106_10152854933824185_3991236700209815882_n
أرابيان نايتس.. أثناء أداء حى في واحدة من حفلاتهم

في هذه السنوات شاهدنا آلاف مثل هؤلاء كانوا يأتون من أوروبا وأمريكا ليساعدوا في بناء مصر بعد الثورة من خلال مشاريع تنموية مغرقة في استشراقها، ومع أول فشل لمشروعهم لتدوير المخلفات، أو استخدام الطاقة الشمسية لإضاءة العشوائيات، يصابون بالاكتئاب ويغرقون في حزن وجودى على بلدهم الأم الذي لم يستطيعوا استعادة الأوصار معه.

سفنكس كان مغترباً بشكل كامل، مغترب عن السياق السياسي لمصر والمنطقة، ومغترب عن السياق الفنى. لكن لديه عزيمة وإصرار كبير، وقدرة على إنشاء شبكات من العلاقات الاجتماعية فائقة التنظيم. فمن فريقه “أرابيان نايتز” خرج تحالف “أراب ليج” وهو تحالف يضم عشرات من فنانى الراب في مختلف الدول العربية، سمح التحالف بخروج أغانى هيب هوب يتعاون فيها فنانين راب من لبنان مع آخرين مع تونس، ومن مصر مع السعودية، وجميعهم قدموا ما يشبه أوبريت “هيب هوب” بدا كمحاكاة بموسيقي الهيب هوب لأوبريتات الوحدة العربية، التى كان يقدمها اللواء محمد عبد الوهاب في الزمن الذهبي للبروبجندا القومية الناصرية.

من تحالف “أراب ليج” خرج تحالف أوسع وهو تحالف نجوم العرب “آراب أول استار” والذي ضم مصوريين، فنانى جرافيتى، مصممى ملابس، منتجى موسيقي، كتاب، صحفيين، شباب من مختلف الطبقات والجنسيات تجمعهم ثقافة الهيب هوب والهالة الفنية التى صاغها “سنفكس” لفريق الأرابيان نايتز.

عرفت الساحة الموسيقية العربية الهيب هوب منذ التسعينات، كان هناك محاولات فردية تظهر وتختفي سريعا، تجارب خافتة لم يستطع أصحابها الاستمرار. عالم الموسيقي التجارية لم يكن يتقبلهم، ولم يكن لديهم موقع في عالم صناعة الموسيقي الشعبية والأفراح وحفلات الشارع. المناخ كان جافاً جداً والأرض يابسة. لا مسارح مفتوحة، ولا وسائط لتوزيع المنتج الموسيقي إلا عبر شركات الانتاج. وكلها لم تتقبل الهيب هوب العربي، وفي أحسن الأحوال اعتبرته حلية موسيقية وسط أغانى زمن الفيديوكليب العاطفية. الاستثناء الوحيد كان تجربة فريق “MTM” بألبومهم الغنائي “أمى مسافرة”(2003) حقق الألبوم نجاحاً تجارياً معقولاً، سحب الهيب هوب إلي منطقة الغناء الكوميدي وقدمه كجزء من ثقافة “الروشنة” لهذه الفترة.

8548769641497707679
فريق MTM

لكن لم تكتمل تجربة الفريق، ففي ظل غياب المسارح الغنائية أو تنظيم الحفلات الموسيقية تظل الأفراح أو الغناء في صالات الفنادق الفخمة هو مصدر الدخل الرئيسي لمعظم العاملين في صناعة الموسيقي. وفي ذلك الزمن لم يكن أحدهم ليستدعى فريق “هيب هوب” عربي ليغنى في فرحه، وصالات الفنادق لم تكن تسمح بدخول هذا النوع من الموسيقي.

في هذا السياق لم يكن”آرابيان نايتز” مجرد تجربة موسيقية، بل نواة تأسيسية لعائلة الهيب هوب العربي. فطموح وتخطيط “سفنكس” لم يتوقف عند الغناء وإصدار ألبوم بل بناء قاعدة جماهيرية لثقافة وموسيقي الهيب هوب، فالفريق يكبر ليصبح عائلة والعائلة تتمدد لتشمل “الوطن العربي الأكبر”. تحقق حلم سفنكس بوحدة “الهيب هوب” العربي، لكن لم يدم الحلم طويلاً، فكعادة تجارب الفرق الموسيقية انفجرت الخلافات بعد فترة وتنوعت التوجهات، وظهر التباين في مستوى النجوم.

سنوات ما بعد 2011 هى “أيام المجد” للهيب هوب العربي. الايقاع اللاهث المتلاحق للأحداث السياسية لم يكن هناك ما هو مناسب للتعبير عنه مثل “الهيب هوب”. قبل 2011 كانت الفرق الهيب هوب الفلسطنية واللبنانية مثل “كتيبة5” وغيرها هم من يحتكرون الخطاب السياسي الذي كان يركز على حياة المخيمات والأبعاد المختلفة للقضية الفلسطينية، طبعا مع الحفاظ على المحظورات الفلسطينية التاريخية فحتى الآن يستحل ويندر أن نجد في أغانى الهيب هوب الفلسطينية انتقاد للقيادات السياسية أو الفصائل المتنازعة. لكن مع هبوب رياح الربيع العربي سقط هذا الحاجز، كان “الهيب هوب ” العربي في صدارة ما يعرف بموسيقي الثورة.

أغانى مثل البوليسية كلاب في تونس أو الثورة مستمرة في مصر لم تكن جزء من الإيقاع الموسيقي لزمن الثورات، بل مثلت في حد ذاتها ثورة على الحدود المتعارف عليها في الموسيقي العربية سواء من جهة مباشرة الرسائل السياسية وعنفها، أو على مستوى اللغة التى لم تعد تجد حرجاً في استخدام الكلمات المنبوذة أو الموسومة بخدش الحياء.

منح الربيع العربي للهيب الهوب الحرية، لا في استخدام الكلمات والرسائل السياسية والاجتماعية العنيفة، بل حرية اختراق المجال العام والسوق التجاري. أصبحت هناك مساحات مختلفة تستوعب هذا الحراك وموسيقي الشباب، أصبح بإمكان مغنى الراب والهيب اعتلاء المسارح التى تكاثرت لتشكل ركن أساسي في منظومة اقتصادية تساعد على توسع قاعدة انتاج موسيقي الهيب هوب.

أتذكر في وسط البلد كان هناك “جراج” للسيارات مقابل لأتيلية القاهرة، ذات يوم أغلق الجراج ولم يستقبل أى سيارات، وعلى عجل تم دهن جدرانه بعشرات من رسومات الجرافيتى المتنوعة، ونصبت بين عمودين خشبة مسرح بإمكانيات بسيطة وتوافد الشباب بالمئات من كل أنحاء القاهرة ليحضروا واحدة من أشرس حفلات الهيب هوب المصري. في تلك الحفلة كانت الأغانى تنادى بإسقاط الحكم العسكري، وتتوعد المشير طنطاوى بمصير مثل مصير القذافي.

ثقافة عصابات الساحل الغربي التى شكلت موسيقي “الهيب الهوب” العالمية في الثمانيات والتسعينات  انتقلت إلي العالم العربي لتشكل عصابات مُنخرطة في نشاط ثورى أكثر عنفاً من أنشطة لوس انجلوس. كان الشرطة التونسية هى الأعنف في ردها على موجه “الهيب هوب” الصاعدة، بينما تم تركيع وتطويع الهيب هوب المصري بالمال والإعلانات وبقوانين الصناعة الفنية.

ظهر التباين سريعاً بين نوعين من أغانى الراب، قامت مؤسسة الانتاج الموسيقي بتدجين موسيقي الراب سريعاً، ففي ذلك الوقت كانت –ولا تزال- شركات الاعلانات وشركات المحمول هى المنتج والموزع الأكبر للموسيقي وفرضت تلك الشركات حدودها على موسيقي الراب فلم تقبل إلا بالراب الايجابي، الذي يتحدث عن الحب، السلام، البالية، التنمية البشرية، الحلم، السعادة، بكرة أحسن. سارعت بعض فرق موسيقي الراب والمغنين إلي ركوب تلك الموجة مثل شادى الحسينى، فريق أسفلت، أو مغنى راب التنمية البشرية زاب ثروت.

من لم يدخلوا لجنة الإعلانات، عاشوا اعتماداً على عائدات اليوتيوب الشحيحة والفرص العابرة لتحقيق أى عائد من الموسيقي والأغانى التى ينتجونها، لكنهم على الأقل احتفظوا بحريتهم في تقديم ما يرودنه مكنتهم هذا الحرية من الاستمرار كجزء من الحراك الثوري فعنى أم.سي أمين عن الخرفان منتقداً مرسي، ثم استمر معلنا الموجة الرابعة بأغنية مبروك عليك يا سيسي.


منحت الحرية كذلك ام.سي أمين القدرة على الانفتاح على أنواع موسيقية آخري منبوذة مثل الهيب الهوب ومحاولة الخروج بتجارب موسيقية جديدة، بينما كان زاب ثروت يقبل أن يكون بغبان يملأ الفراغات الموسيقية مع موسيقي الروك لفريق كايروكى، وشادى الحسينى الذي بدأ كفارس مع “أرابيان نايتز” يتحول لاكسسوار في ملابس تامر حسنى، فقد انطلق أمين محاولاً مزج موسيقي الهيب الهوب بموسيقي المهرجانات مقدماً ما عرف بالرابجية، ليقدم مع نجوم المهرجانات السادات العالمى وعلاء فيفتى عدد من الأغانى الناجحة مزجت بين الراب وموسيقي المهرجان الشعبية. أكدت السادات في تلك الأغنية أنهم “ملوك الأغنية الشعبية/  بنطلعها بلاش لولاد بلادنا الشعبية“، أما أمين فقد تمسك بأن حتى الرابجية ثورين ولديهم قضية. تمكنت موسيقي المهرجانات من الاستمرار لأن لديهم منظومتها الاقتصادية القائمة على حفلات الأفراح وليالى الحظ، وافلام السابقة، حتى وصلت لفرض نفسها على شركات الإعلانات. أما موسيقي الراب الثورية مثل أعمال أم.سي أمين فما أن غنى الموجة الرابعة محذراً السيسي من الموجة القادمة، حتى بدأت مياة الراب الثورى في مصر في الانحسار والتراجع.

على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة
على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة

أعلن على طالباب أبرز الأصوات الثورية بعد 2011 عن اعتزاله/ توقفه في 2015 الغناء، عاد بألبوم واحد “وحوش بدون أسامى” في 2017 من أربع أغانى قائلا مش هتمدوا ايدكوا على فلوسنا … “ممكن أحس بالتواضع/ امسك سلاح واحارب/ اقتل أو اتقتل/ ما الدولة لسه قايمة/ خليها مرة تحاسب/ ممكن أحس بالأغانى تانى/ أو صديق يتحبس بين الحيطان/ ممكن أرجع تانى” لكن على لم يعود بل سافر لاستكمال دراسة الماجستير في الخارج.

وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في مصر يبدو أدق تمثيل للخيارات المتاحة والموضوعة أمام جيل شباب ثورة يناير ومن تبعهم. فالحالمون الذي كان يتبعهم صوت الكمان مثل على طالباب اضطروا للانزواء أو الخروج من الدائرة الخانقة في البلاد. وحتى من هم أكثر عنداً مثل “ام.سي. أمين” فقد انطفأت الأضواء من حولهم ومر العمر ووجدوا أنفسهم يكبرون وتكبلهم المسئوليات الاجتماعية، يحاولون البحث عن مكان لهم وسط إعلانات راب المشروبات الغذائية التى تكذب على المستمعين وتعدهم بغد أفضل لمجرد أن يتمسكوا بحلمهم بينما البيادة العسكرية تدهس رقبته.

الراب المصري الذي تمكن من الاستمرار هو من تمكنوا من الاندماج في المنظومة الاعلانية، أصبحوا يكتبون أغانى عن الشيبسي وكريم الشعر، زاب ثروت حالة أكثر ذكاءاً لم ينحدر لمستوى إعلانات البطاطس بل اكتفي بإعلانات برامج القروض الشبابية للبنوك، أو المشروبات الغذائية وعثر على ضالته مؤخراً في بيع الهوا للمؤسسات الدولية ومؤسسات المجتمع المدنى من خلال الحصول على تمويلهم لإنتاج أغانى يفترض أنها تحارب الهجرة غير الشرعية. مما يفتح له الباب ليغنى في حفلات موسيقية تحرسها الشرطة ويحضرها مسئولين الدولة، وتقربه أكثر فأكثر من القضايا التى يحبها الأوروبيون ويفضلون توجيه أموال المشاريع الفنية والثقافية لدعمها اعتقاداً منهم أن ذلك النوع من الأغانى الدعائية قد يساهم في التنمية.

بين خيار السفر الذي اتخذه على طالباب أو الغناء ضد السفر والهجرة لخدمة الأنظمة الحاكمة والمسيطرة الذي اتخذه زاب ثروت، يبدو هناك خيار ثالث. عالم كامل ممتلئ بمغنى الراب المصريين الشباب الذين يشكلون الموجة الجديدة التى ظهرت تحت حكم السيسي. هؤلاء لا يقتربون من الغناء السياسي ليس خوفاً من البطش الأمنى بل لأن العدمية هى الهواء الذي يتنفسوه، ولأنهم بدلاً من مقاومة الاحباط الذي خلقه المناخ السياسي والاقتصادى في البلاد قرروا الغرق في هذا الإحباط وتشربه. وبينما كانت أجيال الراب المصرية السابقة متأثرة بتجارب د.دراي Dr.Dre وفرق ومغنى الساحل الغرب الأمريكى مثل “توباك 2Pac” أو فريق N.W.A بأغانيهم التى تهاجم الشرطة وسلطة الرجل الأبيض. فأجيال الراب التى خرجت في زمن السيسي أكثر تأثراً بموسيقي وأساليب مغنين الساحل الشرقي الأمريكى بداية من كينى ويست Kanye West وحتى ليل وين Lil Wayne ناهيك عن داريك DRAKE  الذي يبدأ معظم مغنى الراب المصري الجدد في استنساخ تقنياته الغنائية قبل أن يصلوا لاسلوبهم.

يبدو التناقض بين الموجتين أوضح ما يكون حينما نستمع إلي تعليقات وحوارات أم.سي أمين وسفنكس عن “الراب الهادف”، بينما نجم الموجة الجديدة من الراب المصري “أبويوسف” يقدم نفسه تحت لقب “ملك الراب التافه”.

بينما كان “سفنكس” يحلم ويغنى للولايات العربية المتحدة، وأم.سي أمين يهدد السيسي بالموجة الثورية الرابعة، فأبويوسف يؤكد أن “الأغنية مش ممكن تغيّر مجتمع الصراحة.” ويري أن التغيير أو التأثير ليس دور الأغنية بل تكفي المتعة، في حواره مع معن أبو طالب محرر معازف يشبه أغنية الراب بالشيكولاتا وظيفتها أن تبسطك عند أكلها بغض النظر أنها ليست مفيدة.

لكن بدلاً من الانبساط فعالم “الساوند كلاود” المصري يمتلئ بالذوات المتضخمة التى تتصارع مع بعضها البعض. يتغذي مغنوا الراب المصري على مهاجمة بعضهم البعض من خلال الأغانى وهو تقليد معروف في تراث الراب عالميا، لكن بينما تقام مثل هذه المعارك في جراجات السيارات والمساحات المهجورة حيث يتباري مغنيوا الراب ويتنافسون في قدرتهم في الحفاظ على الايقاع تدوار معارك الراب المصري على منصات “ساوند كلاود” و “يوتيوب”. وبدلاً من المواجهة وجهاً لوجه، يدخل كل مغنى راب إلي الدولاب ليصنع بيئة عازلة للصوت ويرص قصيدة الهجاء الطويل في حروب مغنى الراب الكلامية من خلف الشاشات

ذهب الملك أو حديد السجن خيارات الراب المغربي

طاردت الشرطة التونسية مغنى الراب التونسي بمثابرة طوال أعوام 2011 و 2012. اعتقلتهم، ضربتهم، قاطعت وأفسدت حفلاتهم الموسيقي، القضاء التونسي أصدر في حقهم أحكام أحياناً تتجاوز العامين بالسجن. قضى مغنى الراب التونسي مثل “كلاي .بي” أو “ولد الكانز” سنوات ما بعد الربيع العربي مطاردين من الشرطة، يتخفون ويتنقلون من مدينة لمدينة.

حرب الشرطة التونسية على مغنى الراب لم تكن بسبب المعركة السياسية بين الطرفين فقط، بل سببها أن موسيقي الراب ثارت حتى علي القيم الاجتماعية المتعارف عليها. بعض مغنيوا الراب التونسي في تلك المرحلة كانوا أحياناً يخفون شخصياتهم لأنهم يغنون عن الزطلة (الحشيش بالدارجة التونسية)، وما يريدونه  ليس شرطاً أن يكون تغيير نظام الحكم أو مقاومة النظام العالمى أحياناً كل ما يريدونه قد يكون “سيب اللعبة” وحرية تدخين الحشيش.

في هذا الوقت كان مغنى الراب المصري يتقدمون الصفوف سريعاً، يظهرون في إعلانات شركات المحمول، تذيع القنوات التلفزيونية أغانيهم الثورية، ثم سريعا مع تغيير البوصلة السياسية واستقرار نظام السيسي انتهت كل هذه المساخر. لم يعد مسموحاً في مصر إلا بالراب الأخلاقي القائم على قيم التنمية البشرية، أما السياسية فلم يعد مسموحاً إلا بالقضايا السياسية تحت رعاية المنظمات الدولية كأن تغنى للهجرة غير الشرعية لمنظمة اليونسيف.

عاد الراب المصري سريعاً إلي المنتديات، والجحور السرية على موقع “ساوند كلاود”. والآن إذا أردت أن تستمع لراب مصري مختلف فليس أمامك سوى عالم راب “الساوند كلاود”. صحيح أنه راب مختلف، لكن فقره وعشوائية التجارب ظاهرة بشكل جلى، فمستوى التسجيل والإنتاج الصوتى أقل من راب التنمية البشرية والإعلانات، لكن في المقابل منحة حرية أكبر على مستوى المواضيع وطاقة التعبير واختيار الكلمات، لكن دون وجود قاعدة إنتاج تدعم الفنان تظل حتى التجارب المميزة لا تأخذ مساحتها، ويظل إنتاج المزيد من الأغانى لفنان راب الساوند كلاود عرضه لظروفه المادية والشخصية.

رغم الإعلانات والفيديو كليبات التى تغرق يوتيوب لراب التنمية البشرية، فراب الساوند كلاود يتوغل وينتشر ويصنع قاعدة في العالم السري لمحبي الراب. وربما من أكثر المشاهد والفيديوهات الدالة على العالم السري لراب الساوند كلاود هى تلك المعارك التى تنشب أحياناً بين مغنى الراب حيث تطور إلي تحدي ينتهى بلقاء في مكان ما على أرض الواقع، ينتشر موعد ومكان المعركة في الدوائر السرية للراب فيجتمع مستمعى ومحبي الراب يظهر المغنيان، يتقدم واحد من الجمهور يضم قبضتى يده على فمه ليصنع بأصوات الفم إيقاع (بيت بوكس…) وعلى ذلك الإيقاع تندلع المعركة بين كلا المغنين والمنتصر هو من يحافظ على الايقاع (البيت…) بينما رص الكلام معرياً الآخر. من أشهر تلك المعارك هى تلك التى نشبت بين “أبويوسف” و “عفروتو”.

في ظل غياب الفضاء العام، تقام معارك الراب في حدائق مهجورة أو على أطراف الأحياء السكنية، وبينما تكون الأعصاب مشدودة والآذان مشدوهة مع إيقاع الموسيقي والكلمات فالأعين تراقب الأجواء المحيطة حيث أحياناً ما تظهر الشرطة ليجري الجميع منصرفين، هرباً من مصير لا يمكن التنبؤ به إذا تم الامساك بأحدهم.

هذا الوضع المنبوذ والمطارد للهيب هوب في مصر يختلف  عن وضع الراب في بقية الدول العربية، فكما نعلم مصر ليست مثل تونس أو السعودية. معارك الراب التى تقام في أماكن مهجورة خوفاً من مداهمات الشرطة، تقام في لبنان في الساحات العامة وسط حضور بالمئات متنوع من الجنسين.

بينما انطلقت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس في وقت متزامن من عام 2011، فلا شيء يعكس التفاوت الكبير بين مسار كلا البلدين سوى وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في البلدين. فمغنى الراب الذين كانوا منبوذين في عام 2011 في تونس ومطاردين من الشرطة أصبحوا يحتلون المرتبة الأولى على مواقع توزيع الموسيقي في تونس ودول المغرب العربي، هم نجوم يظهرون باستمرار في التلفاز، جزء من إقتصاد الانتاج الفنى، وأسسوا لقواعد متينة لثقافة واقتصاد الراب.

المغرب كانت الأكثر احتفالاً بالراب منذ ظهوره في التسعينات، وقبل حتى إنتشار الانترنت ظهرت من مدينة سلا فرق الراب التى تغنى بالفرنسية، وفي بداية الألفية ظهر الرابر المغربي الذي عرف باسم “عود الليل”. فتحت الإذاعات للراب المغربي، وساهم الانترنت في إتساع دائرته. وعلى عكس بقية الأنظمة العربية التى سعت لمحارب الراب فالنظام المغربي افسح مجالاً على منصة الفنانون الرسمية للدولة للراب المغربي. الملك شخصياً عبر عن رضاه وكرم عدد من مغنى الراب بأوسمة ملكية تقديراً لتميزهم وجهودهم الفنية أبرزهم مغنى الراب المغربي “مسلم”.

maxresdefault
بوستر لمسلم مغنى الراب المغربي

جنة الملك المغربي لا تتسع للجميع، فقد دعم النظام المغربي تيار محدد من الراب المغربي، ومغنى الراب الشاطر هو من استغل هذه الفجوة التى سمح بها الملك ليتحول من مغنى راب الشباب إلى راب القصور. فمسلم الذي بدأ مشواره وهو ينتقد الأوضاع الطبقية والفروقات بين سكان القصور وسكان القبور في المغرب “المغرب غابة بسور/ ومور السور كاينة بحور/ تطفي فيها النور/ تحفروا فيها قبور/ قبل السور كاينة قصور/ فيها زهور/ فيها عطور/ فيها الحور/ تسكب في الكيسان خمور”. تحول لأغانى تنتقد الأحزاب السياسية، الديموقراطية، الانتخابات، والارهاب. وحينما انطلقت مؤخراً في المغرب حملة شعبية لمقاطعة السلع الغالية كالحليب وبعض المنتجات الغذائية، رفض الاشتراك في الحملة أو مهاجمة احتكار الشركات وسجل فيديو يقول فيه ما معناه “أنا رجل المهام الصعبة، لا يمكن أن اتورط في معارك المقاطعة، بل انتظر معركة أعمق وأشرس”.

المعارك الأشرس يقوده من السجون مغنيوا الراب المغربي من السجون، مثل “الحاقد”  الذي سجن لمدة عام بسبب المحتوى السياسي لأغانيه، وهناك مستر كريزى ذو السبعة عشر عاما الذي سجن لمدة ثلاثة شهور في سجن القاصرين بسبب محتوى أغانيه حيث تم اتهامه بإهانة مؤسسات الدولة والتحريض على تناول المخدرات.

لكن بعيداً عن الجدل السياسي والصدام مع السلطة، فالراب المغربي والتونسي ينمو اقتصاديا بثبات، ومعه تتسع قاعدة الجمهور وتجبر صناعة الموسيقي والترفيه على إتاحة مجال له في المشهد.   وينجح الكثير منهم في الحصول على تقدير السلطة والجمهور. فمسلم مغنى الراب المغربي حصل من ملك المغرب على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، وأغانى كلاى من تونس يتجاوز عدد مرات استماعها عشرات الملايين سواء على موقع يوتيوب أو منصة أنغامى، أما في لبنان فحفلات الراب جزء من إيقاع المدينة، وعلى عكس مؤسسات الانتاج الثقافي المستقلة التى تنبذ الراب في مصر فمؤسسات تمويل ودعم الانتاج الفنى والموسيقي في بيروت تحتضن أعمال معنى الراب المصري الذين يجدون صعوبة في المنافسة مع ملكات السيلكون اللواتى يتصدرن المشهد الفنى في لبنان. أما مغنى الراب في مصر فليس لهم إلا الساوند كلاود أو التسول أمام عتبات وكالات الاعلان.

مهما كان تمرد مغنى ومؤدى الراب، فقواعد الإنتاج الفنى والشروط الاقتصادية لسوق الموسيقي تفرض قيمها على محتوى ما يغنيه. لذا فبينما زاب ثروت يغنى أغنية مدعومة من المعونة الأمريكية، صندوق مكافحة الهجرة غير الشرعية، السفارة النرويجية، ومنظمة اليونسيف عن الهجرة غير الشرعية –لا أعرف ما هى علاقة اليونسيف بالهجرة- ويردد فيها منشورات الدعاية الحكومية قائلاً: “يا فارس دا انتحار/ ازاى لنفسك تبرر/ أهوال هتعديها ازاى في مركب صيد”. نجد كلاي من تونس تحتل أغنيته المرتبة الأولى بعدد مرات مشاهدة واستماع تتجاوز الـ 15 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط وبلا دعم أو تمويل من أى جهة حكومية يرد على أكاذيب زاب ثروت قائلاً: “ماشى نعوض عمرى اللى خسرته في بلادى/ ماشى نجيب اليورو ونفرح أخواتى…./ نمشى لبلاد الروم هايم/ وحدى في الغربة نعيش/ خليت لأمى حيرانة/ اتفكرت ولاد حموتى/ أهلى وأحبابي وجيرانى/ وحشة ما تفارق نومتى

لا أكاذيب في الراب التونسي، ولا داعى لتلبس خطاب السلطة وترديد جمل من نوع “بكرة هيبقي أحسن” على طريقة أسفلت، وأحمد مكى، وزاب ثروت. بل إيقاعات موسيقية أصيلة وكلمات قوية لا تخشي التعبير الحر. وقاعدة إنتاج تنمو بازدياد كل يوم وبينما لا تتجاوز أرقام أغنيات الراب المصري الآلاف، والملايين إذا كانت مدعومة من قبل شركات الإعلانات، فالراب التونسي والمغرب تتعدى عشرات الملايين بل بعضها مثل أعمال بلطى تتجاوز مئات الملاين. لا مجال أيضاً للمقارنة بين مستوى التسجيلات الرديء أو المتواضع لأغانى الراب المصري، ومستوى التسجيل والإنتاج الفنى بل وحتى إخراج الفيديو كيب لأغانى الراب المغربي. وإن كان الملاحظ أن سر النجاح الجماهيري للراب المغاربي يعتمد على المزيج ظهر في السنوات الأخيرة بين الراب والغناء الشعبي التونسي، وهو الخط الذي كان قد بدأه أم.سي أمين من مصر مع مغنى المهرجانات، لكن بينما لم تعد الساحة المصرية تتحمل الخطاب السياسي المعارض لأمين، فبلطى من تونس ما يظل يغنى /نعيش في سيستم يحكموه ولاد المتحايلة”.  

ينحشر مغنى الراب المصري خلاف الساوند كلاود، أما الراب المغربي فيحتلون اليوتيوب بمعدل انتاج شبه شهري، يندر أن تمر ثلاثة شهور دون أن نجد فيديو كليب لفنان راب من تونسي، والأجيال تتوالى سريعاً، فكلاي وبلطى حومانى الذين شكلوا رواد الراب التونسي بعد الثورة يواجهون الآن منافسة قوية من أجيال آخري مثل كاسترو وعلاء A.L.A تغنى على إيقاعات التراب، وتهاجم موسيقي وكلمات الأجيال السابقة باعتبارها ناعمة.

أما لبنان فنظراً لأن المنافسة في سوق الإنتاج الفنى شرسة بطبعها وسط نانسي عجرم وراغب علامة، فمغنى الراب في لبنان نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كفنانين مستقلين ويصبحوا جزء من الساحة الفنية التى تصف نفسها بالفن المستقل بينما تعيش على دعم مؤسسات الإنتاج الأوروبي. وهذا الأمر أنتج حالة نادرة في غرابتها. فبينما لا نجد المهرجانات الثقافية في مصر أو بيروت توجه الدعوة لمغنى راب مصريين أو مغاربة، فالراب اللبنانى والسوري من الراس إلي بوكلثوم يحتلون تلك التظاهرات، بأغانى وكلمات مناسبة للخطاب الثقافي وخطاب الصوابية السياسية الذي تدعمه تلك المؤسسات.

الراب السعودى مساجين الأمس مليونيرات اليوم

من لبنان للقاهرة لتونس لطنجة، رغم تباين المستويات من عام لعام تبعاً للأحداث السياسية والمتغيرات الاقتصادية، لكن السمات المشتركة  تجمع الراب في تلك البلدان. أما قصة الراب في السعودية والخليج العربي فهى فريدة في تطورها.

أولاً لدينا ثوابت تحكم الراب الخليجى، لن نجد أغانى سياسية في الراب الخليجى، ليس هناك حكام أو محكومين لا يوجد كذلك أغانى وطنية بالمعنى المفهوم في بقية البلدان العربية حيث البلاد الجميلة التى يحكمها اللصوص والقتلة كما في الراب المصري أو المغربي. أيضاً لا وجود لأغانى الصوابية السياسية في الراب الخليجى فلا حديث بالطبع عن الهجرة غير الشرعية، أو حقوق المرأة وغيرها من الموضوعات التى يتلقي مغنوا الراب من سوريا أو لبنان عليها الدعم.

يطوف الراب السعودى في مجرة كونية خاصة به، وحالياً يعتبر مغنوا الراب السعودى من الفنانين الأثرياء الجدد الذين أصبحوا جزء من منظومة الانتاج الفنى والموسيقي الثرية مادياً وفنياً. لكن من خمسة عشر سنة لم يكن المشهد كذلك. في بداية الألفية كان مشهد موسيقي الهيب هوب في الخليج من أعنف المشاهد والساحات الفنية.

نهض الراب الخليجى والسعودى على الهجاء. مهما سمعت من أغانى عنيفة في الراب المصري أو المغربي، فحتى الآن لم أسمع شخصياً أغانى في عنف ما قدمه مغنوا الراب السعودى في بداية الألفية تحديداً عبادى، وكلاش، ومجموعة وكر العصفور.

الهجاء في الراب السعودى والخليجى لا يعتمد على السباب وقوة المغنى في السيطرة على الإيقاع فقط، بل ينحدر إلي العنصرية والطائفية بأريحية.

في سنوات ما قبل الـ2010 يمكن أن نصف الراب السعودى بأنه الراب الأكثر عنصرية، فالمغنى لا يكتف بمهاجمة المغنى الآخر بل يهاجم عائلته وقبيلته، وجنسيته وأهله. وحتى إذا لم يجد مغنى الراب مغنى ينافسه فهو يخصص ألبومها لمهاجمة فئة من فئات المجتمع أو جنسية من الجنسيات التى لا تعجبه.

في 2009 مثلاً أشعلت مجموعة وكر العصفور حرباً إعلامية بين مصر والسعودية خرجت من ساحة منتديات الراب إلي قنوات التلفزيون في أغنيتهم نورت مصر، وهو الأمر الذي استدعى رداً من مغنى الراب المصري لكن أبداً لم تكن الردود المصرية في قوة الإهانة، كما أن مغنى الراب المصريين المحترفين لم يتورطوا في تلك المعركة، بينما خرج كبار مغنى الراب السعودى من هذا العالم، عالم الهجاء على طريقة الشاعر العربي القديم “وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً. وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً .”.

حالة كلاش نجم الراب السعودى الأكثر دلالة على رحلة الراب السعودى، فقد بدأ كلاش من العالم السفلي لمنتديات الانترنت حيث كانت أغانيه تنتشر على المنتديات ومن خلال تقنية “البلوتوث” على أجهزة الموبيل. شكل كلاش مع رابر سعودى آخر هو “عبادى” ثنائياً شهيراً في سنوات 2004 و 2005. أغانيهم هاجمت وسبت كل الجنسيات الخليجية طوائف وعائلات متنوعة من المجتمع السعودى وحينما ملوا لم يجدوا فئة فقد بدأوا في مهاجمة بعضهم البعض والتنافس بأغانى الراب في التنكيل ببعضهم البعض.

اختيار الهجاء أو “الديث” بلغة عالم الراب هو اختيار يحمل قدراً من الذكاء في بيئة قبلية كالمجتمع الخليجى. فيحنما تهاجم فلان، أنت تشعل معركة وفلان سيضطر للرد وحينما يرد فلان سيهاجمك أنت وقبيلتك وجنسيتك، بالتالي ستكسب أهلك في صفك بصفتك ممثل لهم ومطالب بالرد عنهم، وهكذا كلما اشتعلت المعارك كلما انتشرت الأغانى أكثر.

بالرغم من ابتعاد مغنى الراب السعودى عن الغناء السياسي أو انتقاد الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، لكن الهجاء والسباب جر الكثير من النقد المجتمعي على مجتمع الراب السري. في عام 2007 ألقت الشرطة السعودية القبض على كلاش نجم الراب السعودى، ووجهت له تهم السب والشتم والاستهزاء بفئات المجتمع وحكم عليه بحكم مخفف 3 أشهر سجن بعد التعاطف معه حينما تبين أن سنه وقتها 18 عاماً.

بعد خروجه من السجن ابتعد كلاش عن عالم الهجاء و”الديث”. وعلى ما يبدو قرر أن يحول غنائه الراب إلي مهنة لا كهواية يمارسها تحت اسم مستعار، بدأ كلاش يشارك في الفرق المسرحية السعودية ويقدم معها عروضاً في المولات والمسارح السعودية. شارك أيضاً في المسابقات المحلية التى تقام للراب في قطر والامارات، بدأ يظهر في البرامج التلفزيونية ويقدم الأغانى في المسلسلات الخليجة الشبابية. حتى ألتقطه صانع مجد الراب السعودى والخليجى قصى، وضمه ليصبح واحداً من مغنى شركته المعروفة بأساطير جدة أو “جدة ليجنيد”.

قصي خضر هو نجم الراب السعودى والعربي الأول لا بقدراته الغنائية، أو موهبته الموسيقية بل بسبب حاسته الفنية وملكة الانتاج الموسيقي لديه والوعى الذي يحركه بأهمية أن يقوم الفن على قاعدة اقتصادية تدعم وجوده وتدعم فنانيه، خصوصاً إذا كان فن مهاجر من الغرب إلي الشرق كالراب والهيب هوب.

في نهاية التسعينات كان قصي يكمل دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، جذبته  موسيقي الراب والهيب هوب في الساحل الشرقي، حيث تعرف على عدد من منتجى الموسيقي البارزين بعضهم أصبحوا شركاء له في المسيرة بعد ذلك مثل فريديرك. لكن مع بداية الألفية عاد قصي إلي جدة بعدما درس إدارة الأعمال في أمريكا. عاد  بطموح أكبر من أن يغنى الراب أو ينشر على الانترنت بعض أغانى الهيب هوب باسمه.

أسس قصي مجموعة “أساطير جدة” والتى تحولت إلي مظلة تجمع تحتها عشرات الأسماء من عالم الراب السعودى، لتصبح أهم وأعرق شركة إنتاج في المنطقة متخصصة في إنتاج موسيقي الهيب هوب العربية. رغم بداية غنائه بالإنجليزية لكن تحول قصي إلي الغناء بالعربية جامعاً بين اللغتين العربية والانجليزية. سعي قصي إلي التعاون مع فنانين آخرين من أنواع موسيقية مختلفة، انفتح على عالم الموسيقي التجارية. وفي سنوات تصدر واجهة المشهد الفنى السعودى والخليجي كصوت رخيم يستطيع أداء الميلودى راب كما يصفه جيمى هود، ومن الموسيقي انطلق إلي عالم التلفزيون ليقدم على مدى سنوات برنامج “أراب جوت تالنت”، ليمثل وجوده في البرنامج الدعم الخفي لكل المواهب التى تتقدم لغناء الراب والهيب هوب.

طموح قصي لا يقف عند المحيط السعودى والخليجى، فقصي أيضاً أحد العناصر الفاعلة في مجموعة “أرابيان نايتز” وقدم معهم ومع أم.سي أمين عدد من التجارب الغنائية. لدى قصي هذا الطموح الفنى الذي يدفعه إلي اكتشاف كل الأماكن غير المتوقعة. في 2015 فاجئ جمهور برنامج “اراب جوت تلانت” الأعلى مشاهدة باعتلاء المسرح بصحبة السادات وفيفتى مغنى المهرجانات مقدماً أغنية أم الدنيا في مزيج بين موسيقي الراب والمهرجانات.

لدى قصي هذا الحضور اللطيف والودود سواء أمام الكاميرا أو خلفه، وهذا الحضور جعله قادراً على فتح أسواق جديدة لموسيقي الهيب هو والراب العربي والخليجى. وبينما يعانى الراب في مصر من غياب المظلة الانتاجية وحصار الرقابة، وراب وهيب هوب الشام محصوراً في عالم الموسيقي والثقافة البديلة، فراب الخليج والسعودية خلال سنوات قليلة نجح في احتلال المشهد وكل يوم تحمله له الريح المزيد من الخيرات. فمؤخراً مع التغييرات الشكلية التى أقرها ولى العهد محمد بن سلمان تم السماح لهيئة الترفية بافتتاح دور العرض السينمائي كذلك إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وبسرعة نجح شباب الراب السعودى في إعتلاء المسرح وأصبحوا نجوم حفلات هيئة الترفية ووجه بارز من وجوه السعودية الجديدة. السعودية التى تقود فيها النساء السيارات بينما يقبض على النشاطات النسويات وتوجه لهن تهمة خيانة الوطن، السعودية التى تعتمد نظام الكفيل لكن تسوق للعالم مشروع أرض النيوم كأرض ومدينة الروباتات. السعودية التى تخوض حروباً على أكثر من جبهة بينما الجيل الجديد من مغنى الراب يغنون فيها “في بدايتى طفران/ أخبي ريالى واقعد جعان/ عالحديدة دا من زمان/… بديت بريال وصرت مليونير”.

السقف منخفضاً بكل تأكيد في راب السعودية، لكن الصناعة والبنية الاقتصادية قوية تجعل الأرض مناسبة لنمو الهيب هوب العربي، المدون ومقدم البرامج الإذاعية “بيغ هاس” المتخصص في موسيقي الهيب هوب مثلاً يقدم أهم برنامج إذاعى عربي عن الهيب هوب من داخل السعودية. قصي طموحه يتجاوز جدة ومستمر في اجتذاب فنانين ومغنين عرب وانتاج المشاريع والمغامرات الجريئة معهم. المشهد يموج بالثراء والتنوع، لكن لا مساحة له على الشاشات أو المسارح ليأخذ الهيب هوب العربي مساحته التى يستحقها.

 

The bourgeoisie, real estate & nation-building, or how the Egyptian & Middle Eastern art markets operat

In 1989, Egyptian billionaire businessman Nassef Sawiris walked in to a trade fair at the Marriott Hotel in Cairo. Various luxury goods were exhibited alongside high-end furniture and expensive antiques. An exhibition of works by important artists of the period occupied one corner. The portraitist and still-life painter Sabry Ragheb was the most prominent member of that group. The exhibition organizers, Shahira Idris and Ghada Shahbandar, were venturing their first steps into the world of collecting, buying, and selling art; Ragheb had loaned them one of his favorite paintings as a gesture of appreciation.

Sawiris fell in love with the work, a still-life of a red rose, and as with any love at first sight, the world was no longer the same. He asked to buy the painting. Shahbandar and Idris responded that the work was not for sale, but Sawiris insisted. At his urging, Shahabandar contacted Ragheb, who was angered by the request and refused. Still, Sawiris persisted. In response, the artist demanded a then unheard of sum for the work, equivalent to three times the standard market price: LE 10,000. Sawris’s response was quick and decisive: “Agreed.”

The sale set a new benchmark. According to Shahbandar, Ragheb’s painting represented the most expensive painting sold at the time by a contemporary Egyptian artist. In this period the market was in flux and prices, which previously had settled in the hundreds of Egyptian pounds, reached into the thousands. Urban sprawl led to the establishment of new satellite cities outside of Cairo. Saddam Hussein’s invasion of Kuwait in 1990 edged the last remnants of an ideal of Arab unity toward collapse. Maps were changing, and the Arab art market was taking its first shaky steps.

The world before 1989

In the 1950s and 1960s, the state nationalized artistic life in Egypt; the cultural administration was restructured and most significant artistic initiatives and cultural spaces operated under state supervision. In the 1980s, only a handful of private galleries were operating in Cairo. Prior to the sale of Ragheb’s work in 1989, says Shahbandar, the maximum amount paid for a painting was no more than LE 3000. According to her, the Safar Khan Gallery and Tareq al-Marsafi’s Arabesque Gallery represented the most prominent art spaces at the time. The audience for art was limited primarily to a short list of names of collectors who confined their purchases to the works of already prominent, well-established artists. Nevertheless, economic liberalization policies were already having an effect and art’s relationship to the market was beginning to change, witnessing a gradual increase in prices and the emergence of a broader public interest in the arts.

In this period, the state largely withdrew from the cultural sphere. In partnership with her friend Shahira Idris, Shahbandar invested her energies in interior design and dealing antiques and paintings. The two also began visiting art shows and meeting with artists. At the time, many contemporary artists in Cairo had work spaces in Wikalat al-Ghoury, a caravanserai constructed in the early 16th century, or in one of the several other historic buildings the state had restored and lent to artists as studios. Visiting such places helped Shahbandar develop a wide network with artists of all generations.

Despite its many flaws, the state system worked well in many ways, and was comprehensive, providing artists with an overarching framework of support. In addition to offering studio spaces, the state sponsored galleries and ran an acquisitions committee, as well as juries that awarded prizes to artists. In the 1980s, however, Egypt was transitioning to a free market system, efforts were made to “re-organize” the public sector, and state spending was cut from all sides. As international corporations entered the Egyptian market, private exhibitions were held at Cairo’s five-star hotels for the country’s new economic elite. It was at these shows that Shahbandar and Idris displayed works by contemporary artists for the first time. Their exhibitions attracted the attention of a segment of the public, and the two branched out, organizing shows lasting just over a week in private residences, often in the empty apartment of an acquaintance. Their clientele grew as a result, as did the circle of artists they worked with.

Shahbandar and Idris exhibited works by artists who had come to prominence after 1952 including Salah Taher, Hussein Bicar, Gazbia Sirry, Maurice Farid and Nagy Basilios, as well as younger artists active in the period, some of whom went on to pursue high profile careers such as Samir Fouad, while others, such as Huda Khaled and Fatima Rifaat, remained relatively obscure. Other artists, such as Hassan Soliman, refused to work with the duo because he objected to exhibiting in makeshift gallery spaces. He did, however, recommend artist-colleagues with whom he thought Shahbandar and Idris might be interested in collaborating.

Shahbandar was active in the art world from 1986 through the mid-1990s, making a name for herself as one of the scene’s most prominent figures. Nevertheless, the material returns were  modest, and she was unable to lease a place permanently and transform it into a fully equipped gallery. She continued to work on her own and began receiving various requests for consultancy services. The influx of international corporations to Egypt introduced new work habits and marketing strategies. These companies recognized art’s ability to serve as a foil for the identity of the company or corporation and as a long-term investment. The international corporations that had recently begun operating in Egypt, approached Shahbandar for assistance in selecting art for their offices. She chose works and arranged them in the local headquarters of several large companies including those of American Express and Carpet City. On occasion, she was asked to work on a smaller scale: for example, acquiring paintings for the office of a company executive or installing works on a single floor.

In 1990, Stefania Angarano arrived on an exploratory visit to found Mashrabia Gallery in downtown Cairo. Previously, she had worked at a number of Italian galleries specializing in contemporary art. Angarano recalls how, when she arrived in Cairo, some galleries were displaying and selling paintings paired with couches and other pieces of furniture. Her primary aim in coming to Cairo was to establish a space that presented art as an integrated whole, rather than as an element of interior design chosen to match the drapes.

Art enters the free market

The factors contributing to the transformation of the art market in the late 1980s were not limited to the entrance of international corporations. In this period, the government expanded construction projects and support for the capital’s new satellite cities, resulting in significant growth in the real-estate market, especially to the west and east of Cairo, with the construction of 6th of October City and areas around Nasr City and the Fifth Settlement. Within the city’s existing bounds, villas were being torn down to make way for apartment buildings, while on the margins, opulent mansions sprang up. An economic elite that had emerged on the back of the open-market, or infitah, policies introduced by President Anwar Sadat in the 1970s took to buying art as a means of generating (and flaunting) class distinctions; hanging original paintings and works of art in the home became a marker of social exclusivity. This was a period of great extravagance.

At the same time, many works by leading artists of the early 20th century, which had previously remained out of sight, became available during this period, including sculptures by Mahmoud Moukhtar and paintings by Mahmoud Said: perhaps the most celebrated of the “pioneer-generation” artists credited with founding a modern Egyptian art movement. In an emerging market lacking sufficient legislation and institutional oversight, counterfeits proliferated. Soon, Shahbandar found that in addition to her role as art dealer she was also compelled to act as an investigator: examining the authenticity of each painting. She tells the story of one incident in which she was asked to appraise a painting by Hussein Bicar. When she brought the painting to the artist for verification, he smiled slowly and told her that it was a good painting, but it wasn’t his; someone had imitated his style.

Nude with the Golden Bracelets and The Reciter

This hothouse climate in the art market tended to foster the sale of certain kinds of works over others. The depiction of nudity represented one of the primary factors informing the kinds of works circulating in the market after 1989. Sultan al-Qassemi, chairman of Barjeel Securities and founder of the Barjeel Art Foundation, recalls that images of nude paintings by Mahmoud Said published in an auction house catalog of the period were censored. At the same time Karim Francis, director of the Karim Francis Gallery in downtown Cairo, defends this approach, which he frames as a response to laws in Arab countries regulating the display of nudity rather than any rules imposed by the auction houses themselves. Shahbandar, for her part, believes that the moral basis for an assessment of the value of a work of art or the tepid reception of paintings of nudes can be attributed to the predominance of specific social values.

محمود سعيد
لوحة لمحمود سعيد

In the early 1990s, Shahbandar exhibited a painting by Said, which was priced at less than LE 100,000. The Institut du Monde Arabe in Paris had turned down the work — titled Nude with Gold Bracelets (1946) — preferring, instead, she reports, to purchase and display Said’s The Reciter (date unconfirmed). Representatives of the Institut claimed that the painting of the pious reciter of the Quran was more representative of Egyptian art than a painting of a nude, dark-skinned woman. According to Shahbandar, “In the 1980s and at the beginning of the 1990s, a general social climate prevailed that rejected paintings of nudes. This was not just due to the spread of Islamism; it involved all sectors of society.” Sitting in her home, Shahbandar gestures toward a painting by Sabry Ragheb depicting a girl applying makeup in front of a mirror and wearing a short, black nightdress. The painting had been purchased by a woman from a middle class, Coptic family. A few days later, the client returned, asking to exchange the work because her daughter would not tolerate having a painting of a nude in the home. What Shahbandar describes as mutable social mores came to inform the practices of cultural institutions, such as the Institut du Monde Arabe, that played a prominent role on the international stage and sought to influence perceptions of Arab identity abroad. The same values came into play in even the most basic forms of social organization, such as the family. Shahbandar tells of how she would use her own exhibition space to display nude paintings by Georges Sabbagh from private family collections because the children of the owners refused to display the works and approached her for help in selling them.

Others, such as Mohamed Talaat, the director of Misr Gallery in Cairo’s upscale neighborhood of Zamalek, believe that those social values that discouraged the exhibition of nudity have since changed. In 2012, for example, Misr Gallery exhibited various works created by Nadine Hammam over the course of the period following the January 25 revolution of 2011. The exhibition, titled Tank Girl, was composed of acrylic paintings representing the eponymous female nude who confronts the viewer from atop a tank with her legs spread, transforming the barrel of the gun into a larger than life size phallus. An explanatory booklet accompanying the exhibition framed the work in the following terms:

Through her work, which she has titled Tank Girl, the artist sets out to reconfigure stereotypes and established beliefs. Simulating this reformulation a combination of power inversions, a woman controls one of the most vicious war machines, the tank, as a symbol suggesting ‘woman’s’ ability to impose her power and prevail in the battle to assert their existence.

The booklet closes with a paragraph that explains: “Through her treatment of these complex symbols, the artist hopes to locate a more active role for modern women in the political and social scene. Here, Tank Girl represents every Egyptian woman.” According to Talaat, those collectors with an interest in buying art today are attracted to the more contemporary works in various media and don’t have a problem works that contain nudity or even erotic content, such as works in the Eros collection by el-Dessouki Fahmi, a portion of which was also shown at Misr Gallery.

New adventurers

Until the mid-1990s, there were no clear laws on the art market for setting prices and confirming the authenticity of works of art. An ethical code existed, but no supervisory body. Artists set their prices and the galleries exhibited their works, earning a percentage on sale. Some of the artists active in the 1980s harbored misgivings about this system and asked galleries to purchase their works instead of handing them over directly for consignment. At the same time, artists were not immune to questionable behavior, and cutting out the middleman by selling work at a lower price than that advertised in the gallery constituted one of the worst possible violations of the ethical code yet, apart from the latter, Egypt has no laws in place regulating the art market.

A case brought against the Aida Ayoub Gallery in 2005 (Case 2238/3) laid bare some of the flaws in Egypt’s art market. Aida Ayoub began working in the art world in the early 1990s, and sold her clients dozens of paintings forged by the late artist Yousri Hassan. After opening her gallery, Ayoub quickly established a broad network in Egypt’s art world and was awarded the honorary title “patron of the arts” by the Minister of Culture. The forgeries were only discovered when May Zaid, one of Ayoub’s clients, tried to insure some of the paintings she had purchased, only to discover the deceit. Due to the absence of Egyptian laws penalizing art forgery, the courts dealt with the case as an act of fraud.

The uptick in activity in the Egyptian art market stemmed from the drive among the new upper middle class to acquire artwork. Some of these individuals were encouraged to enter the market based on a business approach that relied on a logic of quick gains. Until the mid-1990s, most owners of private galleries in Egypt were women whose interest in art had prompted their entry into the field; the need to make a profit proved a secondary consideration. Sherwet Shafie represented another prominent art world figure. Shafie had opened the Safar Khan Gallery after leaving her position as a program presenter on Egyptian television in the 1960s. While Safar Khan Gallery still operates today, Shahbandar stopped working in the field in the mid-1990s due, she claims, to the type of clients who were beginning to take an interest in art. She recalls standing with the artist on the occasion of the opening of an exhibition she had organized, when they overheard a client saying she wanted to buy a painting because the colors matched her living room interior. The artist was insulted and pleaded with her not to sell the painting to that client. In 2005, Shahbandar would found Shayfeencom (We are watching you), a movement that aimed to uncover the corruption and electoral fraud of the Mubarak regime. She would later become one of the most prominent names in political activism, especially after the 2011 revolution.

Shahbandar withdrew from the field just as the new adventurers were entering. At the time, Karim Francis was embarking on a journey of self-discovery which took him from working in the import/export business to tourism, and, finally, to art. Francis devoted three years to reading about art and familiarizing himself with artists and various artistic practices before opening his own gallery. He held his first show in 1995 in an apartment he owns on Sherifein Street in downtown Cairo. The group exhibition, titled Identity, included works by artists such as Mohamed Abla, as well as literary works, displaying manuscripts belonging to the celebrated novelist Sonallah Ibrahim.

Sitting in his gallery, surrounded by sculptures by Sobhy Guirguis, Francis recalls his beginnings:

When I started working in the art world, most buyers were receptive to works by the older, well-established names. Quite simply, each buyer felt in touch with the artists of their generation. However, motivated by my own passion, I wanted to put new names and new ideas in art out there that had not yet been seen in the market. I held a series of group shows titled New Talents to introduce artists whose work was being shown for the first time, as well as to show artistic modes and experimentation that went beyond paintings hanging on a wall, including installation artworks and video art.

This spirit of innovation and embrace of the unfamiliar would come to define the direction of the art scene in the late-1990s and early 2000s. Francis, alongside other gallerists active in the period and espousing similar ambitions, helped provide a platform for the emergence of a number of artists who are often referred to collectively as “the 90s generation.”

The joy of the sale

In the 1990s, state financial policies continued to liberalize so as to integrate Egypt into the new world market, and Egypt signed many partnership agreements with the European Union. These agreements included articles explicitly referencing cultural cooperation; a number of foreign cultural institutions became active in Egypt. Initially, these institutions were viewed with a great deal of suspicion, and were boycotted by art critics: most prominently Osama Afifi, who understood the activities of foreign cultural and arts organizations to represent a form of interference with Egypt’s natural course and part of a larger plan to destabilize Egyptian national identity. From the Ford Foundation to the Townhouse gallery (to borrow Afifi’s examples), the arts organizations that played an important role in supporting contemporary artistic practices were subjected to attacks of treason and suspicion, to the extent that art critic Sobhi el-Sharoni described the role of these organizations as malicious in his book Encyclopedia of Egyptian Fine Arts in the Twentieth Century.

This model of arts organization does not rely on selling art but, rather, approaches art within a developmental framework, operating according to different economic rules. Despite various drawbacks, this approach proved to be an effective stimulus for contemporary art practices and provided young artists with the space to branch out and experiment with installation and video art. These media are difficult to sell, and works in this vein have not been well-received historically by government arts institutions; the 1990s generation of artists was marginalized and alienated from official institutions that continued to show and display art that was considered more representative of “Egyptian identity.”

In the midst of this struggle and the changes taking place in the art world, Karim Francis was attempting to create a third model, closer to that espoused by Stefania Angarano, the director of Mashrabia Gallery, who refused to work with artists teaching in arts academies or exhibit the paintings of deceased artists, preferring to focus instead on contemporary Egyptian art. Francis declined the opportunity to convert the gallery into an establishment that relied on outside funding and preferred to pursue his own path. He made this choice not because he believed that accepting funding would make him a “traitor,” as per the widespread accusations against institutions that relied on these sources, but for other reasons, which Francis enumerates as follows:

جاذبية سري

First, I’m not convinced by the idea of organizations that fund the arts. Personally, if I was given money, I wouldn’t work and struggle so hard to show and sell art. Also, the issue of “selling” in itself is the job of a gallery owner, not only for the sake of material gain but also because it lends the work an added sense of value. I feel a real joy when I sell a work of art. Second, the work model of funding organizations turns the artist and the gallery owner into employees who receive monthly funds. Selling art grants you a greater freedom. Third, working with these organizations is demanding, there is a lot of paperwork, routine procedures, and funding applications to fill out that contain questions that are, in my opinion, meaningless, yet you’re forced to answer them and say what the funders want to hear, or to clothe what you’re doing in their concepts and development terms. In a private gallery all you need is a license and commercial registration.

At the same time, Francis does accept funding from these organizations for the work of certain artists, especially for costly video art which cannot be sold afterwards.

The Karim Francis Gallery was one of the first places that opened its doors to the 1990s generation, many members of whom have now become internationally celebrated artists and whose works can sell for hundreds of thousands of pounds. Francis mentions that, in the 1990s, he showed a work of Ghada Amer priced at LE5,000, and no one was interested in buying it. Now the same work sells for US$165,000. He laughs, remembering the surprise on the faces of gallery visitors when they encountered works of installation art: “There were very few sales. So I thought, why don’t we open things up to new experiments and practices? The visitors did not understand what was going on and I was showing these experiments and works in an attempt to understand and absorb and to create a dialog around these new ideas.”

In this period, Karim Francis Gallery, Mashrabia Gallery and Townhouse played a vital role in posing alternatives and new paths for art practice. In 2000, the three locations collaborated to put on the Nitaq Festival; a second festival was held the following year and was designed to correspond with the launch of the Cairo Biennale. Negar Azimi  (a former employee of the Townhouse) describes this event in an article as: “the most palpable sign that the Egyptian art scene as we knew it had been shaken up.” According to Azimi, the festival was significant for:

the view it provided as to the tendencies of a new generation of artists working within idioms that defied prevailing notions of contemporaneity. Engineered to start on the very day of the 2001 Cairo Biennale’s opening, the second Nitaq in particular served as an ‘off’ version in every sense of the term. While the Biennale was characterized by a reliance on tradition both in concept and curation, Nitaq would prove most unconventional, shaking up stagnant conceptions surrounding the use of space, medium and the potential for dematerialization of the art object. Like true post-modernists, the preferred avenue of expression for the artists at Nitaq was multi-media installation executed with conceptualist tendencies. A number of the Nitaq artists, Lara Baladi, Amina Mansour, Hassan Khan, Wael Shawky and Mona Marzouk among them, have since gone on to exhibit widely internationally.

The event would come to represent a landmark in the history of contemporary art in Egypt: signaling the entrance of a new coterie of artists and institutions, and, with them, new practices and understandings of art.  At the same time, the market horizons for this work were expanding.

Auctioneers in the cities of the desert and bourgeois gold

In a recent interview, Sultan al-Qassemi noted the absence of a healthy demand for Egyptian art in the 1990s: “There was art, even in the 90s, but there wasn’t a market for art in Egypt, and there was a near total absence of Egyptian art outside of Egypt. Collectors of Egyptian art could be counted on one hand, most prominently Mohammed Said Al-Farsi, the mayor of Jeddah, and the emir of Qatar, Hassan bin Mohamed Al Thani.” Nevertheless, with the beginning of a new century, cities in the Gulf were rapidly acquiring international status, and the skyscrapers rising in Doha competed with those of Dubai. The entrance of auction houses at this particular moment would have a significant effect on the market for works from Egypt and the region.

Francis relates that at the start of the new millennium, he began to receive invitations and friendly advice to go to Dubai, where the art market was already strong and expanding as a result of the rapid growth of the real estate market. After ten years of involvement in the art world, he had made a name for himself both locally and internationally. During this period, Francis met a European interior designer working in Dubai and she began working with him in selecting art for her projects. In 2005, he was visited by members of a delegation from Christie’s auction house who sought to familiarize themselves with Egyptian and Arab art and art markets. Francis accompanied them to a number of studios, including those of the prominent artists Adel el-Siwi, Mohamed Abla, and Adam Henein. The auctioneers were undertaking their first exploratory visits of the Arab art market by visiting a number of Arab cities in preparation for the inauguration of branches in Dubai and the wider Gulf region.

In a 2012 study of the Middle Eastern art market, The Rise of the Middle Eastern Art Market Since 2006, author Taymour Grahne quotes Philipp Hoffmann, executive director of the Fine Art Fund Group, as setting the total value of the Middle Eastern art market at US$10 billion; this value was expected to triple in coming years. By the end of 2005, Christie’s had opened its first branch in the Middle East. Sotheby’s and Bonhams followed suite. The establishment of these auction houses had a transformative effect on the status of Arab art. Qassemi describes some of these changes:

These houses employed art scholars and experts to study and appraise Egyptian art and did reports to verify the proposed numbers. Sometimes, we’d hear about works selling for outrageous amounts but we had no way to verify these numbers; the houses worked to verify them. The auction houses reduced the number of fakes threatening the Arab art market, due to the passing off and sale of art forgeries without verifying their authenticity or history. The houses produced authenticated catalogs of Egyptian artists. There is a catalogue raisonné documenting all of the works of Mahmoud Said, Ramses Younan, and other greats, which became essential references for their work.”

When I asked Syrian artist Youssef Abdelke recently why people in Dubai, the Gulf and Cairo buy art at these prices, he replied, “everything the bourgeoisie touches turns to gold” — attributing the statement to Karl Marx. If auction houses aim primarily to generate more and more “gold,” a law governing the art market must first be established for pricing works of art. In a market where opinions and critical judgments are up for debate, the auction is one of the few institutions that leaves the task of determining the price of a work of art to the free market. On this basis, the work of a particular artist is assigned a monetary value that becomes, as Mohamed Talaat says, a reference point for future sales.

At the same time, Talaat explains that the art market and its main site of exchange in the Gulf-based auction houses possess blind spots which leave them open to manipulation. He tells of how some galleries might offer the works of young artists they represent to auction houses, only to turn around and purchase the same works for a high price at auction through an agent. As a result, the value of an artist’s work increases and art collectors are encouraged to seek them out. After prices have multiplied, the gallery re-exhibits and resells the artist’s work. However, Qassemi takes a different view regarding the manipulation of auction bidding to increase the price of an artist’s work: “This might have occurred at the beginning, but now it would be difficult for such a thing to happen because the market is very narrow, and if a gallery did such a thing it would be discovered immediately, because the market is small and we all know what’s out there.”

While warning against the misuse of the auction system, Talaat also complains of national biases perpetuated by gallerists in the region, claiming:

Iranian businessmen and millionaires mostly reside in Dubai, therefore, they buy works by Iranian artists, who have come to represent a large portion of the art market shared by Arab art. And the Iranians aren’t satisfied with just acquiring art; they also support projects promoting Iranian art in Dubai and the Arab countries. Galleries in Syria and Lebanon also have a clear bias against Egyptian art, to the degree that the director of a Syrian gallery announced a while ago in an interview that the only artists on the market are Syrian artists. On the other hand, there are galleries in Egypt that do not coordinate with each other at all.

Francis holds a different opinion, stating that he has held shows for Egyptian artists in Lebanon and Syria. He adds, “galleries might collaborate on a given project, but we can’t work together or coordinate with each other because, frankly, we’re competitors in the same market.” Whether at the auction house or in the gallery, the value assigned to works of art is often determined by a system that rewards the self-interest of those with a profit to make from the sale of work.

Ultimately, the market is supported by art collectors who invest heavily in particular names, acquiring the works of these artists with the goal of building savings and investing in property, as a painting that is worth “ten” today might reach a hundred in a few years. Such individuals seek to protect the market and enforce the rules governing it, so as to guard the value of their investments. The collapse of the market or any fundamental change in the laws of appraisal and pricing that regulating it, translates into a loss in the assets of art collectors and a collapse of their investments.

Modern art in the museum

Outside interest in acquiring modern Egyptian art originated in the 1960s, as students from Gulf states moved to Egypt to pursue advanced education or for various other reasons, and were exposed to the works of modern and contemporary artists. As Qassemi recounts, there were four major art collectors in the Arab Gulf as early as the 1980s. The most significant of these belonged to Mohammed Said al-Farsi, the mayor of Jeddah, and owner of the largest collection of works by modern Egyptian artists. The private art collection of Qatar’s Sheikh Hassan Al Thani would serve as the seed of Mathaf: Arab Museum of Modern Art. Currently, he claims, the Museum of Egyptian Modern Art still possesses the largest collection of modern and contemporary art in the region comprised of some 12,000 pieces. At the same time, the museum operates within an extremely limited annual budget of LE 2 million. While the National Public Museum of Modern and Contemporary Art, Algiers (MAMA) stands in second place with a collection of some 8,000 works, Doha’s Mathaf: Arab Museum of Modern Art is quickly closing in from behind.

نادين همام

Talaat graduated from Cairo’s College of Fine Arts in 1999. In addition to his work as an artist, he took an interest in organizing exhibitions. In 2005, he was appointed director of the Arts Palace at the Cairo Opera House, where he worked with the artist Mohsen Shaalan who was serving at the time as the head of the Fine Arts Sector in the Ministry of Culture. Talaat relates that in the period in which he served as director of the Arts Palace there was something of a boom in the art market in that a new breed of collector interested in young artists appeared on the scene and new Arab markets opened up, while state institutions continued to lag behind.

Gradually, however, the state began opening its doors to the so-called 1990s generation, which had been excluded from exhibiting their work at national venues in the years prior. This move represented a point of contention for artists of previous generations. The latter understood the works of these artists as alienated from the national identity of Egyptian art. In other instances, younger artists were accused of crossing red lines. Thus, for example, a number of artists and art critics demanded that Khaled Hafez and Wael Shawky be investigated for tatbia, or normalization of relations with Israel, as well as insulting national values.

The state’s newfound interest in these artists stemmed, in part, from the esteem their works enjoyed abroad, and was fueled by an attempt to recover its original position of influence in the arts sphere. Galleries such as the Townhouse served as international authorities on contemporary Egyptian art and were called upon regularly to nominate artists to participate in  initiatives outside of Egypt: a role historically monopolized by the Ministry of Culture. However, despite breakthroughs and attempts at change initiated by Shaalan, the Fine Arts Sector’s performance in this regard was limited by its restricted budget, and continued to weaken after 2010, Talaat claims. Eventually, Talaat grew discouraged with the rejection of many of his project proposals. His experience in the state arts’ administration qualified him to pursue work as an art consultant: developing collections for a number of real estate and tourism companies. He also launched plans to open his own space.

While the Egyptian government sector was scaling down its involvement in the arts, Gulf-state governments, and, in particular, Abu Dhabi, Dubai and Qatar, were becoming increasingly active players in the field and initiating construction on various museum projects. Yet, in doing so, they have pursued distinct aims and cultivated varying approaches. Thus, each state in the region pursues a different policy in acquiring art. According to Qassemi:

In the UAE, the government purchases and acquires works of art through a museums authority, which has a board of specialists who study paintings and determine what to purchase. There are regulations governing acquisitions, and certain museums don’t buy art from auction houses. In Qatar, the decision to purchase a work is instantaneous and is made quickly depending upon the market and what is on offer. Qatar also buys from auction houses. The most significant purchase it made at an auction was the painting Les Chadoufs by Mahmoudd Said, which sold for more than US$2.4 million.

Likewise, in a study titled Re-Inventing the Museum in Abu Dhabi and Qatar?, Laura Damême explains how these particular governments have used museums to achieve various objectives. In both Abu Dhabi and Qatar, the number of foreign workers and residents in 2010-2011 stood at over 80 percent of the total population. In Abu Dhabi, Damême claims, the government uses museums to present itself as a global capital offering international-brand museums such as the Guggenheim Abu Dhabi and Louvre Abu Dhabi. Meanwhile, in choosing to build the Museum of Islamic Art and Mathaf, Qatar approaches museums as a means of asserting the cultural specificity and Muslim-Arab identity of its citizens, which account for no more than 15 percent of the total population.

Qassemi adds another possible explanation for the considerable investments made by Gulf countries in the art market: Building museums carries a clear political message. The erection of important new centers of cultural and artistic preservation and display projects an image of these governments as capable of meeting the needs of their citizens, in addition to bolstering the terms of national and cultural identity.

The art market in the Arab world: At the intersection of real estate and oil money

Wealth in the Middle East is concentrated primarily within two markets: real estate and oil. Those familiar with the contemporary history of the arts and the art market in the region can see clearly how the money pouring in from these sources has played a key role in shaping and altering the market. The relationship of art to real estate originated in an understanding of art as an element of interior design. The separation of art from interior design required gallery owners to take significant risks on less conventional works of art. Art’s autonomy from the realm of décor also relied on the subsequent development of a greater appreciation amongst many buyers for the immaterial, as well as the material value of art. With the expansion of the real estate market and urban sprawl in the satellite cities popping up outside of Cairo, the interest of the Egyptian economic elite in acquiring works of art steadily increased. Art, and the acquisition of art, became important markers of social status amongst the upper and upper middle classes.

The relationship of art to real estate became salient again when art was taken up as a vehicle for re-branding the city of Dubai. In the past decade, art has played a central role in the formulation of the image of Gulf countries, which compete to acquire art collections in a race to establish museums that reflect a progressive image of these states, while also converting art into material assets, or a form of investment and savings.

However, despite the surge occasioned by this outside interest in the Egyptian art market, exhibition halls in Cairo have tended to privilege modern art over work by contemporary artists. Moreover, local cultural and social mores inform the processes of selling and appraising art. Works with sexual, religious or politically sensitive content are particularly likely to be excluded from the market. Nevertheless, the market’s relative upswing is related to the appearance of young art collectors who no longer possess the same inhibitions as their predecessors and who are more receptive to purchasing contemporary works of art that reflect some of the spirit of the present moment.

‏ ‏Viktor Dyndo’s uncut impressions‎

An overwhelming sense of excitement and familiarity arises the moment the viewer’s eye falls on Viktor Dyndo’s work. Familiarity is caused by the flag-burning image, which has become a political fetish crowding the Internet and television.

ألف ليلة وليلة- من أعمال فيكتور

On the other hand, excitement is associated with the intense appearance of symbols in an extraordinary atmosphere. However, Dyndo’s flag-burning image, which frequents television coverage of mass demonstrations, does not propagandise a message. The exception is, nonetheless,  his lampoons of ‘the liar Internet’ in several paintings. Perhaps, Dyndo’s paintings on display in this exhibition carry eluding messages; the artist has probably shifted this task to the viewer.  

Initially, the viewer has the impression that there is a kind of communication between him/her and the paintings. Although contemporary art has become more complicated, nebulous and  intriguing,  Dyndo’s introduced stereotyped images and symbols, such as the national flags, politicians popular on television, and controversial images recurring in the media.  

However, familiarity and excitement quickly subside, creating a perplexing atmosphere. The viewer feels that the ground is moving as s/he searches the painting for a keyword(s).  

Although Dyndo’s symbols and images are not extraordinary, they do not display signs, which could draw our attention to the artist’s political leanings. He must be inviting the viewer to examine his technique and colour so closely and attentively that s/he could come across the artist’s eluding message therein.  

Dyndo must be aware that visitors, while touring his exhibition, would not stop browsing through their mobile phones. He has concerns that the visitors would do likewise by mistaking his paintings for being downloads. Therefore, the artist seeks a technique of intrigue, which could appeal to the visual language of the contemporary Internet captives. He cleverly treated  his images to produce new values, which could persuade the viewers to associate them with images recurring day and night, such as the images downloaded on the Internet’s, news highlights on television, [YouTube] uncut videos, images associated with political propaganda or the visual icons of nationalist regimes.  

Despite the vogue for the conceptual art, Dyndo keenly sought a conventional medium—the canvas—to express his ideas. He deliberately sought oil colours—not acrylic—to create a sense of a halo around the image. 

Dyndo named his oeuvre in this exhibition “The Internet Telling Lies”. His oil paintings are horizontal; their dimensions are equal to the laptop’s or the dimensions of the book cover. As a result, the viewers find these paintings familiar, reminding them of the contemporary man’s first sources of images.

Nonetheless, Dyndo’s oil paintings and his isolated symbols reveal the vast distance between the work and the political meaning the symbol could bear. The artist is fully aware that symbols bear different meanings in different environments. For example, Eastern and Western cultures would appreciate the same symbol differently.

Dyndo’s artistic experiment is the product of two different cultures. The artist (b.1983) studied art in Poland and Egypt. He also exhibited his impressions in several Arab and Western countries.  An image of intersected Polish and Saudi flags gives an impression in Poland different from that, which an Arab culture would stir up.  The portrait of the Pope of the Vatican surmounting the statement “The Internet Telling Lies” must be stirring up a multitude of interesting interpretations.

Danod’s art provokes suspicions. Open-minded visitors should not close their eyes. They should pay close attention to the whirlwind of images and paintings. That Dyndo is maintaining that the Internet is telling lies should draw our attention to the fact that reality is not a mansion built in the middle of a garden; perhaps, reality is concealed under a brushstroke in the surface of the canvas.             

الشك باليقينن -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.


A Writer on the Swing of Fear

I was a young lad watching TV with my grandfather, who appeared full of sorrow when he followed a news segment that showed a frail, old man lying in a hospital bed with tubes attached to his body. My grandfather quipped that the old man was a good man and did nothing but write, not understanding why they had tried to kill him.

I found out from my grandfather that he was named Naguib Mahfouz. A few years later I would find out that the brief clips I saw were of Naguib Mahfouz becoming conscious after he survived an assassination attempt in 1994. It was a young man who hadn’t read any of Mahfouz’s works who stabbed him in the neck repeatedly, based on a fatwa where a few sheikhs deemed him an apostate because his novel spread blasphemous ideas.

I saw Naguib Mahfouz’s novels for the first time in my high school library, years later. I would escape from over-packed classes, the putrid stench enveloping the schoolyard, and would go the library replete with different kinds of books.

12246650_1706632769572193_2758035958698872619_n (1)

I grabbed a Naguib Mahfouz novel and went to the library manager to take it out. She sighed heavily, started to bismalah (invoking God’s name), and chased the devil away, then she said she wouldn’t let me borrow this novel or any other Naguib Mahfouz novel.

The teacher, doubling as the library director, explained to me that some ‘less than moral’ scenes in Naguib Mafhouz’s novels were not suitable for a teenager like me and that the novels also contained atheistic and blasphemous ideas. To settle it, she pointed to a shelf of Shakespeare’s plays translated into Arabic and she said you can take any book by him because he’s entertaining.

But I didn’t want entertainment, I wanted ‘fun’ instead. I hid a copy of Mahfouz’s The Thief and the Dogs under my shirt and walked out of the library, without her suspecting. I devoured it in one night and returned it the next day without her noticing. From this moment on, I realised the governing rules of literature in the country that I was living in. You needn’t be a dictator or a dissident politician to be assassinated. You can be a peaceable person with fifty novels under your belt, win a Nobel Prize for Literature, be ninety years old preparing for a serene retirement and still face an assassination attempt for a novel you wrote forty years earlier.

Even if you were a writer who does not oppose the government, like Naguib Mahfouz, and even if those in power celebrated your stellar achievements by putting your books in school libraries, that doesn’t make you immune from having a teacher prevent students from reading your writing. In her eyes, you are spreading kufr (blasphemy) and Shakespeare’s books are piously dripping with Islam.

Literature, then, is a secret activity. It must be practised away from prying eyes and with extreme caution.

Fear is a constant companion of the Arab writer. Fear is a compendium of varying degrees, one on top of the other. If you look closely to the writer or the book, there is fear of political authorities. Then there’s fear of religious authorities. And the most troubling of all, fear of the reader’s reaction, if they didn’t grasp what you’ve written or feel that you’ve unsettled national, religious, social or any other mores.

Therefore, early on, when I started writing, I decided to befriend this fear. For I would lose a war with it.

I am, ultimately, a son of this time and place and what happened in the past inevitably affects the present.

During the 60s, all forms of cultural media and production in Egypt were under the purview and control of the state, similar to other countries that followed the Soviet model of cultural management. In this period, the state enforced a set of literary rules and criteria that, if you wanted to bypass, meant not getting your work published.

The Ministry of Culture refused to publish a young Sonallah HYPERLINK “https://www.newyorker.com/books/page-turner/sonallah-ibrahim-egypts-oracular-novelist” Ibrahim’s seminal That Smell and Notes from Prison. Sonallah recounts that the culture minister asked to see him for a sit-down. In a long interrogation about one of the scenes, where the recently-released hero has sex with a prostitute and is unable to sustain an erection, the minister mockingly turns to Sonallah and asks him, ‘so are you like your hero, you can’t get it up’?

Sonallah’s novel was never fully published in its entirety until years later in Egypt.

However, Egypt was able to escape the Soviet shroud early on, specifically in the late 70s. The state’s grip loosened over cultural and artistic productions and censorship was limited. It still remained, though, in the hands of large, state-affiliated publishing houses and book distributors. This made private publishing unfairly doomed from the start.

Instead of state censorship, this was outsourced to religious institutions: Which were at once competitors and conspirators in the battle for political power from the 70s until Sisi’s ascent to the presidency.

This claustrophobic climate shaped the identity of contemporary Egyptian literature. We evil writers learnt to maintain the secrecy of our craft. We lived in secret societies on the margins of official public culture. Since the 70s, the best works were published at the expense of the author and the state curbed its public distribution until the book market opened up at the turn of the noughties.

The Internet appeared and suddenly publishing became easier and writers were able to write using pseudonyms. Gulf states pumped thousands of dollars into the book and publishing industry. More bookshops popped up, as well as publishing houses. Stylistically, new genres of writing blossomed – crime, horror and others that were stellar in their commercial success, but duly short-lived.

A florid style of writing took over the literary sphere, while the writers themselves were marching towards a stark reality. They were writing novels tracking class and social changes and, when the winds of the Arab Spring hit in early 2011, some writers who topped ‘best-seller’ lists became opinion-makers. For a moment, I felt that the spectre of fear had lifted its shadow from Arab literature. New identities were formed and with it a new vernacular sprang up that people used on the internet. Then suddenly everyone asked, where’s the revolutionary literature?

And before any revolutionary literature could rear its head, the revolution was crushed, as with all other revolutions, and the breathing space for Egyptian and Arab literature dwindled.

The authorities regained their control of the arms of artistic and cultural productions and currently the state holds 90% of all television channels, newspapers, magazines and news sites. The remaining sites are mostly blocked.

Currently, Egyptian and Arab writers are either imprisoned, exiled or prevented from writing and publishing their works. Saudi author and Arab Booker Prize winner Raja HYPERLINK “https://arablit.org/2018/04/25/why-raja-alem-is-publishing-sarab-in-translation-before-she-publishes-in-arabic/”Alem HYPERLINK “https://arablit.org/2018/04/25/why-raja-alem-is-publishing-sarab-in-translation-before-she-publishes-in-arabic/” announced recently that a translation of her novel, Sarab, would be published in German and English before the Arabic version. There is not even a date of when her novel in the original Arabic is set to be published.

The novel’s events take, as their starting point, the 1979 Kaaba (Grand Mosque) siege in Mecca, when a group of extremists surrounded the holy site. The siege ended in a series of mysterious, unruly bloody events that saw guns and tanks blot the holiest site for Muslims.

It’s only natural that Raja, a daughter of Mecca, writes about this incident that undoubtedly shaped her childhood. But this historical incident has become shrouded in mystery in the Kingdom. A red line encircling it, where no one discusses or even comes near it. This has forced Raja to delay publishing her novel in Arabic.

Egyptian author Alaa HYPERLINK “https://en.wikipedia.org/wiki/Alaa_Al_Aswany” Al HYPERLINK “https://en.wikipedia.org/wiki/Alaa_Al_Aswany”Aswany, who publishing houses were always racing to print, has also been unable to publish his latest work, The As If Republic. The reason is that the novel examines the January 25 revolution through a series of characters, including a military general. Egyptian publishers were scared to catch the ire of the authorities. His novel has been published in Beirut. Even though it is Egyptian through and through, the novel is banned in Egypt.

The latest victim of the games of censorship and stifling dissent is Ezzedine Choukri Fishere, the successful author whose novels have been turned into dramas on Egyptian television, including Abou Amro El Masry, which is on TV screens now. His name was taken off the credits and events were changed, in order to appease the political vision of the current regime.

There are new forms of censorship and narrowing of the public space daily. Censorship has become a looming spectre. Red lines dissolve and no one knows what is allowed or what is forbidden anymore.

The writer moves on the swing of fear, sometimes forcing him to hide what he thinks or alluding to it discreetly, instead of discussing it valiantly and truthfully. And sometimes fear drives him to the white noise of the internet and social media, turning him into a political megaphone critiquing and denouncing. And in the middle, artistic questions disappear. Talking points turn towards literature itself and its utilitarian aesthetics.

There is a mighty dark ghost, a spectre, haunting this country, and I am looking for a way to hide from its panoptic vision or running away from its grip.

Translated by Farid Farid

 

لغز المهرجان المشطور- قصة طويلة

1

عرفتُ الخبر من خلال “التايم لاين”. تقريبًا كل الحسابات الرسمية لمغنّيي المهرجانات وبعض العاملين في القطاع الفني تنعي الفقيد، النجم، الأخ، الصديق..إلخ إلخ.

مات “دادي”.

عمر قصير من الصداقة. فكرتُ وأنا استوعب الخبر، لكنني انتبهتُ أنني عرفتُ دادي منذ سبع سنوات، وليست هذه بالفترة القصيرة.

أحببتُ صوته وعشقتُ طاقته على المسرح وفي حفلات الشارع وأفراح الفنادق والأندية النقابية. مفجوعًا بالزمن حينما يداهمنا في صيغة أرقام  وأخبار قررتُ الذهاب إلي الجنازة، ربما لتوديع الزمن. لا أعلم هذه الأفكار الوجودية وظلالها العاطفية تصيبني بالتوهم وفقدان القدرة على التركيز.

أروي كل هذا لأقول كيف عرفتُ بشأن الجثة المشطورة والكبد المفقود، ظنًا منى أن هذه هي العناصر المثيرة، التي بذكرها تزدهر حكاية حياتي، وأنجح في جعلها طاووس متباهيًا بالأعضاء البيولوجية المبتورة والضائعة.

الأفكار الذهنية حتى في صيغة الخيالات العابرة مُهمة، لأنها تجعلنا نفهم القليل عن الدوافع البشرية كقرار الذهاب إلي الجنازة، ثم الاتصال بأي من رفاقه في المنطقة لمعرفة موقع الجامع ودار المناسبات، التي ستستضيف الجنازة.

رد عليّ “خمسينة” في المرة الثانية، وأخبرني أنه كان محتجزًا للتحقيق وخرج الآن فقط من القسم، وسيحاول حضور صلاة الجنازة.

الدنيا مقلوبة والمباحث مطلوقة.

 

16707287_1839752759645906_5683561314198454254_o

 

 

2

كنتُ مُراسلاً فنيًا لمجلة عربية، أنجز لهم قصة أو قصتين في الشهر. وبعد مُحَاولات وإصرار على الطلب وافقت مديرة المكتب على إنجاز قصة عما اسميته وقتها موسيقى الشارع.

صارحتني بعد ذلك حينما قدمتُ لها الموضوع مع عدد من الصور المشوشة سيئة الإضاءة التقطتها بكاميرا هاتفي البسيطة، التي لم تتعد جودتها 2 ميجا: “لا.. لا يا أحمد، مش دا الشغل اللي توقعته، أنا مقدرش انشر الكلام والصور دي، دا في صور لهم وهما بيشربوا مخدرات”.

لم أكن مصورًا جيدًا. لذا لم أفكر يومًا في امتلاك آلة تصوير.

انتظرتْ مديرة التحرير موضوعًا عن الفرق الشبابية من طلبة الجامعة، التي تغني في المراكز الثقافية الأجنبية وتقدم نفسها بصفتها غناء الشارع، بينما كنتُ أقدم لها مجموعة صور مشوشة لمراهقين من مدينة السلام يرتدون ملابسًا بألوان صاخبة ويتخذون وضعية العصابات عند التصوير وخلفهم تظهر برك المجاري الطافحة على طول الشارع والظلال المشوهة للمساكن الشعبية، التي بنيت على عجل بعد زلزال التسعينات.

بالنسبة للمخدرات فقط، كانت صورتان لـ “دادي” وهو يمسك جوينت حشيش مفلطحًا من نهايته تشتعل جمرته شمسًا صغيرة في الصورة. كان في الخامسة عشر من عمره، نحيفًا ولم يبدأ في حلق شعره رأسه، كما سيذكره الجمهور في فترة مجده الذهبي قبل الرحيل المفاجئ.

قيلت تأويلات فنية بعضها قرأته في مقالات كتبها زملاء أن “دادي” حمل لقبه الفني بعدما بدأ في المواظبة على حلق شعر رأسه بالموس، حيث اكتسب مظهر الأكبر سنًا بين جيله، الذي شكل الموجة التأسيسية الأولى من موسيقى المهرجانات. لكن في أول لقاء لنا لإنجاز هذا الموضوع الذي لم ينشر أبدًا، وداخل محل “فيجو” ضيق المساحة، ظللت أخاطبه مستخدمًا اسمه الرسمي “محمد عبد السلام”، بينما كان الجالسون ينادون عليه بدادي، وكان يربي شعره خشنًا مجعدًا، يفرده بكريمات الفرد، ثم يصففه باستخدام الجيل اللامع الدهني. تصورت أن اللقب يحمله كاختصار لاسم “عبده”، لكن كصحفي يتصنع التواضع لم أغامر في تخميني وسألته في هذا اللقاء. “لماذا ينادون عليك بدادي”. أخذ يلحن مقطعًا سأسمعه يغنيه بأشكال مختلفة في حفلاته: “انتي مع دادي/ ولا في النادي”، قطع جملته الغنائية ليقول: “طبعًا لازم تكون مع دادي”.

في هذا اللقاء سمعتُ أطيافًا أيضًا عن مغامراتهم مع الفتيات، عَرَضًا أشار دادي لمرة ضاجع فيها مع فيجو ذات الفتاة. لم يبد متباهيًا بمغامراته. لكن الحديث كله كان عن الصحاب، الموسيقي، الحريم، والغلابة في المنطقة. خرجتُ من اللقاء وأنا في حسد ودهشة من الحياة العاطفية الخفيفة والمليئة بالخيارات التي يحيون فيها. لم أشر لحياتهم الجنسية والعاطفية المنفتحة في التقرير وإن أشرت عرضًا للحشيش بصفته موضوعًا يظهر في بعض الأغاني. لم يُنشر التقرير. ولم يسألني “دادي” عنه بعد ذلك وإن شعرت أحيانًا بقدر من الخبث في عينيه حينما كنا نجلس بعد ذلك في جلسات استديو فيجو، ثم حاحا بعد ذلك، ليغني مقطعه: “صحوبية جت بندامة/ خلوا لي في قلبي علامة / نسوني الابتسامة”.

بعد سنتين من لقائنا الأول سأكون السبب في ظهور “دادي” على التلفزيون للمرة الأولى. سيفرح كثيرًا بهذا اللقاء، كل أهالي المنطقة سيشاهدون البرنامج ويزغردون مع ظهور “دادي”. سيرتفع أيضًا سعره في الأفراح، وياه على الدنيا والنفوس.

3

لم يكن “خمسينة” يبالغ. هناك حكومة حتى في العزاء.

لم ألتق بـ”خمسينة” يوم الجنازة لأنه لم تكن هناك جنازة في اليوم الذي تواعدت فيه مع “خمسينة” على اللقاء، حيث جمع الطب الشرعي الجثة وفحصها وأصدر تقريره بعد ذلك بيومين، ثم سلم الجثة لأهله لدفنها. وأقيم العزاء في مساء اليوم الذي دفن فيه الأهالي الجثة المشطورة.

حضر المأمور، الذي كان صديقاً لدادي، لكن هذا لا يبرر انتشارهم الملحوظ بهذا الشكل. ظننت أن خمسينة يبالغ حينما تحدث عن جثة مشطورة وكبد مفقود. لكن إشارته للعنف، الذي تمت به الجريمة جعلني أظن أن “دادي”، الذي غنى للبلطجة والخناقات والعنف والأصول والسلاح وكيف تزفر سكينك وكيف تطهره، قد قضى نحبه في خناقة. لكن الأحاديث، التي سمعتها في العزاء كانت متطابقة في حقائقها الأساسية. عُثرَ على “دادي” ميتًا في شقته الصغيرة في الدور الأرضي. جسده مشطور لنصفين، وكبده مفقود. انهارت أمه حينما عرفت الخبر ولا تزال في غيبوبة إلى الآن.

تأكدتُ أكثر من تلك الحقائق في ذات اليوم حينما وجدتُ أحد المواقع الإسلامية الداعمة لمرسي وضد الانقلاب وقد نشرت الخبر تحت عنوان “نفوق مغني المهرجانات المؤيد للانقلاب”. كان الكثيرون قد تشاركوا الخبر على “التايم لاين” برفقة تعليقات تسب الإسلاميين وحقارتهم، وحمل الخبر تفاصيل عن عملية التمثيل، التي تعرضت لها جثة دادي. تضايقتُ أنا الآخر، لكن لم أكن لأتوقع ما هو أقل من ذلك منهم، في أكثر من أغنية خصص “دادي” فقرات كاملة للسخرية من الخرفان، والشيخ الفتان، والإخوان.

4

ظلت الفكرة تداعب ذهني لأيام وأنا أتابع تكشف المزيد من الأخبار عن الحادثة. ثم أخيرًا هاتفتُ “خمسينة” وطلبتُ لقاءه، قال إنه مرهق من التحقيقات ويستدعونه كل فترة. ليس لديه وقت. ولم أضغط عليه في موضوع المقابلة. اهتممتُ أكثر بمعرفة الدائرة واسم وكيل النيابة الذي يباشر التحقيقات.

استعنتُ بزملاء صحفيين من القسم القضائي والحوادث لمعرفة تفاصيل أكثر، لكن قالوا إن القضية يحطيها تكتم كبير وإن كانت الإشارات تضئ بأنهم اقتربوا من معرفة القاتل والقبض عليه.

5

التقيتُ “علي البطة” في وسط البلد، حيث كنتُ في طريقي إلي مدينة السلام لزيارة منزل “دادي” بنفسي. البطة كان مدخلي منذ سنوات لهذا العالم لمغنيي وموسيقيي المهرجانات.

عالمي كان بعيدًا كل البعد عن مدينة السلام والمطرية. أنا ابن للطبقة الوسطى بلا طموح كبير لتغيير العالم، وبالكثير من الأحكام المسبقة عن كل ما لا يعرفه مما يجعله بلا فضول تجاه ما هو خارج طبقته الاجتماعية.

البطة، كان شابًا نحيفًا أسمر ذا جاذبية إيروتيكية تفوح حتى من رائحة عرقه أثناء الرقص على الأقل في ذلك الوقت حينما التقينا منذ أكثر من عشر سنوات. تعرفتُ عليه في مسرح روابط كراقص حديث. لا أعرف كيف وصل من مدينة السلام لوسط البلد، ولا كيف اكتشف عالم الرقص الحديث وتعرف عليه، لكنه كان عضًوا في فرقة تكونت في جراج قديم تم تحويله إلى مسرح. المكان والفرقة يتلقيان تمويلًا كريمًا من الاتحاد الأوروبي، لتدعيم حوار الحضارات والمركزية الأوروبية الفنية كراعية للفنون الحديثة مثل الرقص المعاصر.

أثبت البطة تفوقه، والآن، بعد كل هذه السنوات حينما التقيت به في وسط البلد، كان قد سمن قليلاً، يرتدى نظارة ذات إطار لونه أصفر وملابس بألوان زاهية، وشعره ينسدل على أكتافه، كان أقرب لشاب طري من الزمالك. سافر البطة ورقص مع عدد من الفرق المحلية والعالمية، وشارك في الكثير من الفعاليات والمهرجانات، حصل على منحة للرقص في فرنسا، استغلها لتعلم اللغة وأتقن الحديث بها، وإن كان ضعيفًا تمامًا في كتابتها أو القراءة بها، لكنه عرّف نفسه بعد عودته كمصمم رقصات، ونشر إشاعة عن حصوله علي دبلومة في تصميم الرقص. على كل حال، كان ينام مع مسئول العلاقات الثقافية الفرنسي، وكون فرقته الصغيرة للرقص التي كانت باستمرار تتلقى تمويلاً فرانكفونيًا كريمًا.

تصافحنا أمام تقاطع شارع محمد بسيونى مع شارع شامبليون. تبادلنا السؤال عن الأخبار ثم أخبرته أنني في طريقي لمدينة السلام لزيارة أهل عبد السلام حيث لم تسنح لي الفرصة لتعزية والدته، والتي غابت عن الجنازة حيث كانت منهارة في المستشفى. لم أخبره كذلك أنني كنت آمل في معرفة تفاصيل أكثر عن الحادث ومجرى التحقيقات. قال إنه سيأتي معي، وإنه سمع أن المباحث قد عثروا على القاتل. لكنه على الأرجح مجرد ضحية يتم تقديمها لإنهاء الجدل الإعلامي حول الموضوع.

قررنا القيام بالرحلة معًا، ركبنا أتوبيسًا مكيفًا نحو عين شمس، جلست أنا وهو متجاورين، أمامنا كانت تجلس سيدة ضخمة نموذج محاكاة لأم مصرية، غير أن أذنيها كانتا على شكل أذني أتان يخترقان الحجاب ويظهران بأريحية خارجه، لكن على العكس من أذني الحمار لا يحتويان على شعر يغطيهما، بل جلد بلون مماثل لبشرتها السمراء. فساد الأغذية والمبيدات المسرطنة التى تغلغلت في معظم التراب المصري، وارتفاع معدلات التلوث التى تضاعفت بعد التسرب الإشعاعي واستخدام الفحم في توليد الطاقة، أدوا لظهور خرائط جديدة من الأمراض والتحولات الجينية، وكامتداد لآلاف السنين من التكيف مع الطبيعة والسلطة تمكن المصريون من الحياة بأريحية مع كل ذلك.

علمت من البطة، أنه آخر مرة التقي بدادي في مارسيليا منذ حوالي عام حينما كان يشارك بالغناء في مهرجان ثقافي تحت شعار الربيع العربي والثورات التي تصنع المعجزات. رغم مظهره المهذب وقشرة الحداثة، كان أثناء حديثه  يتوقف ليشخر، ثم يجمع البصاق في فمه ويبصق على أرضية الباص المكيف. تصنعت عدم الانتباه وركزت على الهراء الذي كان يتلفظ به حول مشروعه لتصميم عرض راقص مبني على أغاني المهرجانات، والموضوع، الذي كان اختاره كتيمة لعرضه هو قصة صعود وحياة دادي، كمغني مهرجانات شعبي وصل للعالمية.

كان يأمل في الحصول على موافقة “دادي” لاستغلال أغانيه في العرض، لكن الآن وقد توفى فعلى الأرجح يسعى لتوطيد علاقته بالعائلة للحصول على اذن منها.

تذكرت بعد أول نصف ساعة معًا لماذا توقفتُ عن لقاء على البطة، كان مخوخًا ومع تقادم العمر فقد حسه الفكاهى وخفة دمه خلف نظَارة تصنع الوقار والعمق الفني الفرانكفوني. حينما التقيته كان لا يزال مُحتفظًا بالابتسامة على وجهه كمن يرتدي عدسات لاصقة، ويستعين بالفهلوة وخفة الدم لردم الهوة الطبقية بينه وبين عالم وسط البلد والراقصين الذين يتبادلون التحية والسؤال على بعضهم البعض بالانجليزية. كنّا نجلس على المقهى آخر الليل ندخن على الشيشة قطع حشيش صغيرة. ومن ثلاث مرات معدودة زرته في منزله في مدينة السلام، التقيت في واحدة منها للمرة الأولي بدادي، الذي كان وقتها مراهقًا في الرابعة عشر. يرقص مُقلدًا حركات مايكل جاكسون، مع مزيج من حركات الهيب هوب، يعمل أحيانًا في فرقة رقص وظيفته تسخين الأفراح، يذهب مع أصدقاءه إلي الأفراح، يصعدون المسرح خلف المُغنّى، يبدأون بالرقص وحمل العريس ورفعه لأعلى، ويتقاضى حوالي 50 جنيها عن الفقرة، إلي جانب وجبة عشاء.

ولعه بمايكل جاكسون ورقص الهيب هوب، قاده إلي الشغف بموسيقى وغناء الراب. أفكر الآن ربما كان لقب “دادي” الذي حمله بعد ذلك نسبة إلي مغنى الهيب هوب “باف دادى”. بعد أكثر من فرح تقدم “دادي” ليمسك الحديدة. كان يقود فرق الرقص أو يذيع التحيات يمينًا وشمالًا، وشمالًا ويمينًا. دادي أصبح نبطشي أفراح، لكن الطموح كان أكبر.

6

وصلتُ مع على البطة لمنزل عائلة دادي، شقة صغيرة وسط البنايات التي بنتها الدولة على عجل لإيواء منكوبي الزلزال في التسعينات. استقبلتنا والدته، التي عانقتْ البطة وصافحتني وهي تتمتم بكلمات العزاء. كان وجهها أصفر اللون بعيون ذات لون أحمر، لكن متماسكة ظاهريًا، لديها بنتان ودادي كان أصغر أولادها ورجلها الوحيد. في الصالة علقت صورة لدادي، يبدو في الصور بشعر قصير وبشرة نضرة لم تنمو فيها الذقن مبتسمًا بأسنان بيضاء. الصورة قديمة كإنما تنتمي للابن، الذي عرفته ماما قبل أن يصبح “دادي”. وشريطة سوداء في زاوية الصورة. صوت مشاري راشد يتلو القرآن يخرج من سماعات مكبر الصوت في غرفة دادي، التي دخلتها منذ سنوات وكانت مقرًا للقاء الرجال والتسجيل والعمل والبهجة والسعادة، قبل أن يتمكن من استئجار محل صغير في دور أرضي ويفتحه بعد ذلك على شقة من غرفة وصالة لتصبح مقرًا لإقامته الفنية مغطى برسومات الجرافيتي والألوان والأسلاك والسماعات وأجهزة التسجيل والهاردات والاسطوانات المدمجة.

جلسنا برؤوس منكسة ومشاري راشد يتلو القرآن سريعًا ملتزمًا بكل تقاليد التجويد مبتعدًا عن اللحن والشبهات، فتنطلق القراءة سريعة مُتعجلة لا تترك لنا ولو ثواني من الصمت لتأمل الآية أو الاندماج في لحظة المواساة. ومع ذلك جلسنا صامتين، وقبل أن ينطق البطة أو أنا انفجرت أم دادي بالبكاء. أخذ رجل بجلباب رمادي بجوارها في تهدئتها وهو يتمتم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله يا أختي. قدرتُ أنه خال دادي. ارتفع نحيب الأم وبدا الخال المُثكل كأنما يفقد السيطرة على الموقف، هرول طفل في الثانية عشرة على الأرجح نحوه بزجاجة ماء، ثم أشار الخال لنا بالدخول لغرفة دادي، وخرجت امرأة أخرى من الحمام وهي تفرد العباية السوداء المحبوكة على دهونها وتتقدم لتحتضن أم الدادي وتحيطها كحوت أسود يبتلعها قبل أن نلج نحن لغرفة الدادي بمصاحبة الفتى، الذي توجه نحو الكومبيوتر ليخفض صوت مشاري قليلاً.

7

تتكون غرفة نوم اليتيم نجم المهرجانات من سرير يتسع لشخصين، بمرتبة من القطن مهترئة وقاسية، كنبة خشبية مغطاة بوسائد قطنية صلبة وقمَاش مُزين بورود كبيرة، دولاب ببابين، والحائط الثالث من الغرفة تحتله طاولة الكمبيوتر ومعدات الصوت والتسجيل. كانت هذه المعدات، التي بدأ الدادي بالغناء والتسجيل عليها قبل التعرف على الدكتور، وقبل أن يجري القرش ويفتح المحل كمقر للعصابة ثم “التيم” بعد ذلك.

8

حينما جلستُ في الغرفة تذكرت أن آخر مرة دخل فيها علي البطة هذه الغرفة كان معي، بصحبه تلك الصحفية الفرنسية التي تعرفْ عليها، وتقاضى منها 50 دولارا، لكي يقودها في رحلة إلي مدينة السلام، لتقابل الدادي، الذي كان نجمه قد أخذ في الصعود. أخبرها أيضًا أنه يستطيع القيام بعملية الترجمة، وبدلاً من ذلك صحبني معه، ثم ورطني في القيام بعملية ترجمة أسئلتها لدادي وإجابات دادي لها. ولم اكتشف أنه تقاضى منها مالاً إلا بعدما أخبرنى “خمسينة” بذلك.

جلسنا في هذه الغرفة وخمسينة حاضر وشاهد. لا يقاطع الحوار، لكنه لا يتوقف عن إخراج ذيله الطويل من الشورت واللعب به أمامها.

خمسينة مستذئب. عضته سلعوة حينما كان صغيرًا، حاولوا في المستشفى إنقاذه وإعطاؤه حقنة “تيتانوس”، لكن المادة الفعالة كانت مغشوشة، فحدث له نصف تحوّل، حيث يمتلك أقدام وذيل ذئب وشعر كثيف وناعم يغطى ظهره، أيضاً يقال أن بإمكانه شم الخيانة. وحينما شمها أمسكني من يدي وأصر على المكوث بينما علي البطة يذهب بصحبة الفرنسية، وحينما أغلق دادي الباب خلفهما. قال له خمسينة “الواد دا مش تمام”. ورد دادي عليه وقد قرأه من عينيه: “عارف، قاريك يا صاحبي، محتاجين له برده، بس ابقى عيل نجس لو دخلته بيتي تاني”.

9

نزلنا من منزل دادي بعد عدة دقائق صامتة مع الخال، لم أعز حتى الأم إلا بجملة واحدة حينما دخلت، ولم أجرؤ على سؤال الخال وسط صوت مشاري راشد ونحيب الأم عن أحوال التحقيقات، عزمني البطة لتمضية السهرة معه في غية حمام أخيه فوق السطوح. لكن قدرتي على تحمل الملل والتقزز من صحبته خرقت حجر البنطلون. استأذنتُ منه ومشيتُ في شوارع  مدينة السلام، التي تحتل المساحة الأكبر منها برك من مياه الصرف نمت عليها طحالب وأعشاب طويلة لتشكل جزرًا خضراء تُغطي مياه الصرف لتتحول إلي مسطحات طحلبية في قلب المنطقة تعمل على تنقية الهواء والحفاظ على المساحات الخضراء في مدينة السلام.

مشيتُ باتجاه المحل، مكان اللقاء مع دادي في السنوات الأخيرة، ومسرح الجريمة. حينما وصلتُ وجدتُ الباب نصف مغلق وضوء أحمر قادم من الداخل. دفعتُ الباب بيدي فظهر”خمسينة”. كان المحل مقلوبًا وقد وصل خرطوم بصنبور المياه في الحمام، والماء يسيل متدفقًا على الأرضية ذات السيراميك الأسود. وخمسينة مشمرًا بنطلونه تندح المياه المخلوطة بلون أحمر إلي خارج المحل. لم نتصافح، لم نحتضن بعضنا البعض، سحب كرسيًا من فوق المكتب وعدله فجلستُ. فقد الكثير من وزنه. أخرجتُ قطعة حشيش من محفظتي، وبدأتُ في فرك الحشيش مع التبغ في كف يدي.

قال خمسينة إن الحكومة قبضت على القاتل،  واد اسمه حديدة، اتخانق هو ودادي في فرح من كام يوم. بعد الحادثة بعشرة أيام سلم نفسه وقال إنه هو اللي قتل دادي، لكن ملقوش الكبد. والواد نفسه بيقول إنه رمى الكبد.

بسبب موضوع الكبد، شكت الحكومة في خمسينة، بل الحقيقة شكوا في كل المستذئبين وأبناء الثعالب وأبناء أوى في المنطقة. هؤلاء هم الثلاث فئات المشهورة بحبها للكبد البشري. لكنهم وجدوا أخر مكالمة على تليفون دادي مع حديدة. وبالرجوع للسجلات تبين الكثير من السباب المتبادل والتوعد بنكح الأمهات والأخوات من الجانبين. مسكوا الواد ونزلوا فيه عجن. قاطعتُ خمسينة فجأة:

–        وانت كنت فين وقتها؟

10

“ربي أرحم أرواحًا اشتاقت أعيننا لرؤيتهم $$ يا رب آنس وحشتهم$$ ويسر حسابهم $$ يا رب قهم عذاب القبر واجعل قبرهم روضة من رياض الجنة”

وجدت العبارة السابقة كتحديث على الحساب الشخصي لدادي تظهر أمامي. بتلقائية أرسلتُ له على “الماسنجر”:  سلام يا صاحبي؟

أتاني الجواب في أقل من دقيقة، البقاء لله في محمد عبد السلام توفى. أنا ابن أخته، وفاتحين الحساب للأدعية والقرآن رحمة ونور على روحه.

اعتدلتُ في جلستي أمام الحاسوب وخاطبتُ حساب الرحمة والنور، لأسأله أي ابن اخت هو لدادي. كنتُ أعرف خالد المقرب أكثر لدادي، والذي كان كثيرًا ما يشركه في جلساتنا، لكن من يدير الحساب كان “حمزة” الذي قابلته حينما زرتُ المنزل لتقديم واجب العزاء مع علي البطة، ولم يسمح الظرف بالتعرف عليه أكثر.

هاتفتُ خالد، سألته عن أخباره وأحواله فقال إنه لا يزال حزينًا على خاله، لكنه بدأ يفكر في الغناء ويرغب في النزول إلي الأفراح، فاخترعت حديثًا مرسلًا، أنني أعد قصة عن عائلة دادي، وأنني أرغب في لقائه هو وحمزة في غرفة خالهما لتصويره والحديث معه. تحمس خالد وكان خاله الراحل كثيرًا ما يحينيي أمامه بأنني الصحافة والإعلام ودخلته للتلفزيون.

الباقي لم يكن صعبًا، كان حمزة يدير حساب دادي على الفيسبوك من خلال جهاز التابلت الخاص بدادي، حصلتُ على كلمة السر للدخول لحساب الفيسبوك، ولإيميله. في الحقيقة ولجتُ من التابلت على الحسابات وغيرتُ كلمة السر لكلمة أخرى. قلبتُ كذلك في بقية متعلقات دادي، التي كانت في الغرفة وأنا أدردش مع الفتيان، ثم انصرفت متقمصًا روح المفتش كرومبو.

11

لم أستطع استكشاف أرشيف مراسلات “دادي” حينما عدتُ للمنزل، صديقتي كانت في حالة نفسية سيئة وقررتْ زيارتي للحصول على حضن وحنان. ضاع المساء في صحبة حلوة وفي ضحكات وآهات.

في صباح اليوم التالي بعد انصرافها، كان أول ما فعلته إدخال كلمات السر الجديدة لحسابات دادي والاستغراق في قراءة مراسلاته وأرشيفه، وأنا أرتشف الشاي الأخضر الصباحي، في محاولة، تتجدد كل صباح للبدء في نظام الحمية الغذائية، تتبدد في المساء. من صندوق المراسلات اخترتُ أولًا محادثته مع خمسينة، وكان آخرها تقريبًا يومين قبل مقتل دادي. وبثقة أستطيع أن أقول أن أركان دوافع الجريمة كانت مكتملة، دون دلائل فعلية على تورط خمسينة في قتل صاحبه الشقيق ورفيق عمره.

لكن قلة فقط قد تفهم ما تعنيه المحادثات الأخيرة، ومن الصدف أنني كنتُ واحدا من هذه القلة حيث عشت تفاصيل الكثير مما ذكر في المحادثات الأخيرة.

12

جرت عملية إنتاج وتسويق أغاني المهرجانات في إطار إنتاجي مضاد لكل قيم السوق الإنتاجية. أولاً لم يعترف مغنو المهرجانات بحقوق الملكية الفكرية، وكثيرًا ما كان يستعيرون من بعضهم البعض الجمل، بل والأغاني كَاملة. لم يسجلوا كذلك أغانيهم، بل كانت مشاعًا إبداعيًا متاحًا للجميع يرفعونه على الإنترنت مجاناً ويتركونه مُتاحا للتنزيل لأي شخص فتنتشر الأغاني من التوك توك إلي أجهزة الموبايل، وأجهزة الكمبيوتر في نوادي الإنترنت والبلياردو.

مع تزايد الاهتمام الغربي والفرانكفوني بموسيقى المهرجانات، ظهر إسماعيل كرنب، خريج المدرسة الألماني، والمتمرد الفاشل على طبقته الاجتماعية، حاول لسنوات شق طريقه في عالم الموسيقى، لكنه أمضى سنوات في عزف أغاني الميتال باللغة الإنجليزية في حفلات ضيقة  وخاصة ومُتبَاعدة، ثم حينما تقدم في السن توفى والده فورث عنه مبلغًا من المال أسس به استديو صغير، حوله إلي شركة إنتاج “دواير”.

حمل إسماعيل لقب كرنب من سنوات لعبه موسيقي الميتال ولم أعرف ما أصل الاسم، لكن دادي كان يسخر منه في السر ويقول إنه بسبب حبه لتناول محشى ورق الكرنب، ورفضه تناول ورق العنب.

هبط إسماعيل كالباراشوت على على دادي وعلى شباب المهرجان، بحكم إجادته لأكثر من لغة أوروبية. عمل على تسويقهم في الخارج، ووفر لهم معدات تسجيل مُتقدمة، ووقع العقود مع يوتيوب وغيرها من المواقع، التي كان يبيع لها أغاني الشباب، وفي المقابل يمنحهم بضعة آلاف. نظرتُ للوضع دائمًا كاستغلال واضح وبيّن، ولم أرتح لرائحة كرنب أبدًا، لكن دادي كان ينظر إلي الأمر باعتباره أفضل ما يمكن الحصول أو الوصول إليه.

لا عقود في عالم المهرجانات بل كلمة لكلمة. وكلمة كرنب كانت أكاذيب متسلسلة. بعد عامين اكتشفوا أن كرنب كان يقدم نفسه بصفته مدير أعمالهم، ويتقاضى نسبًا من كل الحفلات والأعمال التي ينجزونها دون أن يخبرهم. وقتها كان فريق دادي قد توسع ليضم الدكتور حاحا، خمسينة، عفريت، وجماعات متعددة من الأصدقاء والمحبيين والتابعين.

أوقف دادي التعامل مع كرنب. ثم بعد أقل من عام ظهرت شركة صوت مصر، التي سعت لاحتكار كل الأصوات على الساحة بالفضة أو الرصاص. عارض دادي الانضمام لصوت مصر، وفضل العودة لجذور التسجيل الحر ورفع الأغاني على يوتيوب والاعتماد على عروض الحفلات والأفراح. لكن أمامي الآن توضح المراسلات أن خمسينة لم يرض بهذا القرار، وتشير المراسلات أن خمسينة قد وقع بالفعل مع صوت مصر، لكن “خمسينة” لوحده هو ظل “دادي”. هو الصدى لصوته، والقائم بأعمال “المردات” عليه حينما يغني. كما أن المراسلات بين الاثنين تشير لخلاف حاد وصل إلي التهديد، حيث أرادت شركة صوت مصر شراء كل حقوق أغاني الثنائي دادي وخمسينة، لكن دادي رفض التوقيع. كيف رأى خمسينة الأمر؟

رد عليه في أحد حواراتهما: “انت كدا شوكة في زوري يا شقيق،  وخاطف معاك كل شغل وسنين تعبي”.

لستُ محققًا جنائيًا، لكن اكتشفت كل تلك المراسلات والتهديدات من جانب خمسينة، والتي كان يرد عليها دادي بمحاولات الاحتواء، ورفضه التوقيع أو العمل مع صوت مصر. “لأنهم شركة عسكر ولو سلمت لهم إيدي النهاردا بكرة رجلهم هتبقي فوق رقبتي”، لذا بتلقائية شديدة رفعتُ التليفون واتصلتُ بخمسينة، الذي فاجأني بترحيب كبير وبدعوة لحضور حفل خطوبته.

13

العيشة ارتاحت. وصلت إلي مدخل الكمبوند، ذكرتُ اسم “خمسينة”، لم يعرفه أحد من رجال الأمن، أحدهم سأل: “حضرتك جاي الحفلة”. هززتُ رأسي بالإيجاب فوصف لي الطريق بعد الاطلاع على رخصتي وتسجيل بياناتها.

وصلتُ إلي الفيلا وأنا أحاول استيعاب أن كل هذا من المفترض أن يكون حفل خطوبة خمسينة، نجم المهرجانات وذئب الحديدة. لا شارع، لا مسرح، لا ورق بانجو، لا أضواء، بل “دي.جي” في زاوية من حديقة الفيلا، وحمام سباحة حوله ينتشر الحضور والضيوف. مبنى الفيلا نفسه بلون أبيض من ثلاثة أدوار على جدرانه حفرت أجنحة لطيور جارحة، وفي أعلى المبنى انتصبت على زاوية تماثيل بيضاء، كل واحد منها بطول متر يمثل النسر المصري الهزيل في وضع محير بين محاولة تصنع الشموخ ومظاهر الاكتئاب. في مقابل المبنى الأبيض ذي النوافذ والأبواب الخضراء يوجد مبنى آخر حديث، لكنه أصغر، من ثلاث غرف ودور واحد أقرب إلي أن يكون بيت حمام السباحة، لكنه مبنيٌ بطراز معاصر، حيث تتداخل جدران الأسمنت المصبوب مع الزجاج المعتم.

لم أشاهد أحدًا أعرفه بشكل شخصي، وإن كانوا جميعًا نجومًا من السينما والتلفزيون، وعاملين في قطاع الترفيه والإعلانات والصناعات الغذائية. ولا شئ من رائحة مجاري مدينة السلام.

لمحتُ الدكتور حاحا في زاوية. كان واقفًا وفي يده “جوب” يدخنه بهدوء في عزلة كما العادة. توجهتُ نحوه، لكن في منتصف الطريق، شعرتُ بحبل من الفرو يلتف حول ساعدي الأيمن ويمسكني، كان هذا ذيل خمسينة.

– صاحبي..

ابتسامته مفشوخة على وجهه من أقصي اليمين لأقصي اليسار. صافحته مهنئًا. لكنه حضنني في مبالغة عاطفية لم أفهمها. وقبل أن نبدأ فاصل السلامات والتحيات. سمعتُ صوت نهيق غريب تبعه نداء على خمسينة. ضحك معتذرًا: “الجماعة، تعالى لما أعرفك”، جرني من يدي فوجدت أن خطيبته، التي أصبح يناديها بالجماعة هى فاطمة الفقمة. الممثلة الكوميدية والمغنية.

ظهرتْ فاطمة منذ سنوات كممثلة كوميديا. كانت ذات جسد نحيل وعظام بارزة ومعظم أدوارها تعتمد على السخرية من جسدها، ثم قررت تغيير كل هذا والقيام بسلسلة من عمليات التجميل. أحدث الصرعات وقتها كانت استخدام دهن حيواني مستخرج من الفقمة بدلاً من السيلكون، لكن لسبب ما تسببت العملية بعد فترة في تحورات جينية لفاطنة، التى غيرت اسمها ليصبح فاطمة وبعد التحولات الجينية منحها الجمهور لقب فاطمة الفقمة، حيث نمت أعضاؤها الأنثوية، وظهر لها لغد تحت ذقنها، كما تغير صوتها ليصبح ذا إمكانيات غنائية وموسيقية حققت نقلة جديدة لها في مشوارها الفني، حيث احترفت إلي جانب التمثيل الغناء الأوبرالي والخليجي، والآن ها هي على الطريق للزواج بخمسينة، نجم المهرجانات الصاعد والذي يصغرها بأكثر من عشرة أعوام.

14

في سلسلة أفلام الأب الروحي كانت الاحتفالات الدينية والعائلية كما في تقاليد المسرح الشكسبيري هي الفضاء المكاني والزماني، الذي تقدم من خلاله الشخصيات وتظهر البذور الأولى لطبيعة علاقاتها. وقد بدت حفلة خطوبة “خمسينة” بداية لفصل في عالم جديد، ربما كان موجودًا من قبل وجودي حتى، لكن سمح لي بدخوله لأول مرة في تلك الليلة.

ارتفعت الموسيقى بعد مُنتصف الليل، لكن من دَاخل البيت الصغير الملحق بحمامِ السباحةِ يمكنك مُشَاهدة كل شيء في الحديقة دون أن يصلك أي صوت بسبب العوازل الصوتية والزجاج المضاعف على الأرجح. بدا المنظر جذابًا أن تشاهد كل هذه الجموع وبعضها يتحرك منفعلاً مع الموسيقى والأغاني دون أن يصلك أي صوت، فقط خرير المياه من الصنبور في الحمام الملحق بالغرفة الواسعة.

صمت صوت الخرير، وسمعتُ صوت كعب عال على السيراميك، ثم صوتها قاطعني من السرحان مع مشهد الرقص الصامت :

–  مضاد للرصاص وعازل للصوت والحرارة كمان.

في الغرفة كان هناك سرير واسع، كرسيان من تلك التي يمكنها أن تتصل بتطبيق على جهازك المحمول لتتحول لوضع تدليك عضلات ساقيك وظهرك ومؤخرتك كذلك، أمامهما طاولة زجاجية وأريكة وثيرة يجلس عليها الدكتور حاحا. على الطاولة كانت هناك سطور من مسحوق أبيض، لكن الدكتور كان يفضل الجوينت مشتعلاً في يده وصفيحة البيرة المعدينة في اليد الأخرى. في الزاوية المقابلة يوجد مكتب بسيط الطراز، خلفه جلس الأستاذ بركات في بدلة واسعة عليه، كما سيظل منذ أول لقاء، وإلي أن يدفنوه على الأرجح.

تقدمت د. فايزة نحوي وهى تمد يدها بالسلام، أحسست بالرطوبة في كفها وكنت لا أعلم لماذا أنا هنا، ومن هى د.فايزة سوى أن اسمها يظهر كعضو منتدب في تكتل شبكات وقنوات الحياة والتحرير والتنوير. كما أعرف أنها شريكة في أكبر شركة إعلانات في السوق، التي تحتكر صناعة الإعلانات الإلكترونية ورعاية المواقع الإخبارية. لا أعرف أيضاً ما الذي كانت تقصده بالمقدمة الطويلة التي تحدثت فيها عن التكنولوجيا وانترنت والعالم الجديد والسوق المليء بالفرص، وموقع يوتيوب، الذي يريد أن يسرق عَرَقَنا وشقانا ويمتص الطاقة من أرواحنا ثم يرمي لنا بالملاليم. أخذت تتحدث وأنا أهز رأسي أو ابتسم، وحينما توقفت لثوان لالتقاط أنفاسها بين جمليتن، نظرتُ لدكتور حاحا بمعنى، “إيه يا صاحبي مفيش حاجة علينا”.

ناولني الدكتور نصف الجوينت مشتعلاً، ويبدو كأن د. فايزة فهمت الأمر كإشارة على تململي. فانتقلت إلي كرسي المساج وجلست عليه، وقد أخرجت هاتفها ايفون وهي تخاطبني:

–        شوف يا أحمد باختصار، أنا عايزة منك خطة مكتوبة ومنظمة لطريقة عمل. إزاي نقدر ننقذ صناعة المزيكا في مصر ونحتوي الشباب اللي على الإنترنت.

هبط صمت على الغرفة. رفعتُ هي الهاتف وهي تكتب شيئا ما على شاشته، ثم أدارات رأسها نحو حاحا قائلة :

–   يعني مثلا تقدر تفهمني إزاي مفيش ولا أغنية مهرجانات وطنية، ولا حاجة لجيش مصر.. ينفع كدا، عايزين الناس تحبكم وأغانيكم تظهر في التلفزيون وتكسبوا فلوس إزاي طيب؟

هدأت أعصابي وارتخت عضلاتي بعد ثالث نفس من الجوينت، وقلتُ هذا حسن.

15

لم يتجاوز حسابي في البنك طوال حياتي الـ12 ألف جنيهًا، لكن بعد شهر واحد من العمل الخفيف القائم على الاجتماعات والتخطيط مع د. فايزة، كان سجل البيانات في الحساب يظهر كيف تجاوز الرصيد الخمسين ألف جنيهًا، كل هذا في شهر واحد فقط. تذكرتُ صيحة شاعر الغية في مهرجان نسيتُ اسمه “نسرق يعنى ولا نبيع بودرة”، في الحالتين لم يكن بامكان أن تجني خمسين ألف جنيهًا في الشهر، وكنتُ أعرف أن هذه هي البداية، لأنه ما أن يبدأ العمل الحقيقي وترتفع المبيعات وتنهمر أموال الأرباح سأحصل على نسبة من الأرباح، لا على أجر شهري فقط.

لم أدر ماذا أفعل بخمسين ألف جنيهًا. أوقفتُ تاكسي، وطلبتُ منه التوجه إلي فندق المواسم الأربعة، قررت منح نفسي جلسة مساج وحمام مغربي وتنظيف وتدليك وباديكير.

16

اعتمدتْ خطة التسويق على عدة مسارات. كنتُ أعلم أن مسار عوالم الليل والأفراح وليالي الحظ في جيبنا، تبقى لديّ مسار كيفية الوصول إلي الطبقة الوسطى وإشعارها بالانتماء وأن موسيقي المهرجان لا تظهرها بمظهر أقل من مكانتها الاجتماعية، إلي جانب الوصول إلى سياق يمَكّن السلطة السياسية وآلات إنتاج الخطاب الوطني من مسار يمَكُنها من التعامل مع هذا الفيض، وهذه الطاقة “الفرتكة” الكامنة في إيقاع المهرجان.

استلهمت مسيرة مغنّيي الراب الأمريكان، وكان المسار هو خلق أيقونة غامضة مليئة بالإشاعات من وفاة دادي، والتي فشل الأمن في تلفيقها لأي شخص وتم قيدها ضد مجهول. وزعت في محطات الميكروباص وأمام المدارس الثانوية والإعدادية بوسترات تضم “بوب مارلي، تو باك، ودادي”. ثم بوسترات متعددة لدادي.

قبل كل هذا بالطبع أقنعتُ الأم الثكلى لدادي والخال، الذي هبط على الأسرة مُقيمًا لدور الذكر الحامي في البرية، بالتوقيع معنا بمقابل مقدم مادي كبير، وحصلنا بذلك على حق انتفاع واستغلال لكل أعمال دادي، التي لم تكن مُسجلة. تولت د. فايزة والأستاذ بركات عمليات شرعنة موسيقى المهرجان ومنتجاتها، تمّ ترسيخ قوانين الملكية الفكرية، رفعا أكثر من قضية على محمود مطبعة، وطاردت مباحث المصنفات “الدي جي”، الذين يشغلون أغاني المهرجانات دون الحصول على تصريح.

في العالم الجديد لم تكن هناك مساحة للمنتجين المغامرين الصغار، كمطبعة أو استديو كانكا. في العالم الجديد منتجات موسيقي المهرجانات تشمل الموسيقى والأغاني، وخطوطًا لإنتاج الملابس والسلاسل والإكسسوارات، إلي جانب البوسترات وإكسسورات السيارات والتوك توك، بل وصل الأمر إلي تصنيع برفانات شعبية بأسماء الأغاني الشهيرة ومغنّيي المهرجانات نجوم العالم الجديد، ثم دون قصد مباشر، غرق الإنترنت بصور وأغاني دادي. كان الصغار يحبونه، وتحوّل بسبب وفاته شابًا، وأغانيه التي امتلأت بالعنف وسرد أحداث العراك والخناقات، إلي جانب الروح الواثقة من نفسها وبأن “المزيكا من راسي لكعبي/ تسمع راب أو تسمع شعبي / أجيب المضمون في الكون بكعبي” أصبح ارتداء التي- شيرت، الذي يحمل صورة لدادي وهو يفتح مطواة وجوينت في زاوية فمه من أيقونات الملابس التي يقبل الجميع على ارتدائها، وعادت الموسيقي القديمة للحياة، لكن هذه المرة لم تكن متاحة للجميع مجانًا على انترنت، بل يمكنك تحميلها بـنصف جنيه من على انترنت. وفي الأعياد والمواسم هناك عروض خاصة يمكنك فيها تحميل الأغنية بعشرة قروش.

خلقنا كذلك خطوط إنتاج جديدة شملت إعادة بعث للمغنين القدامى. خمسينة مثلا أنتجنا له ألبومًا مع عدد من نجوم الغناء العرب. قام بتوزيعه الدكتور حاحا وتحول الألبوم إلي قدس الأقداس في ليالي الأفراح والرقص. شمل الألبوم أغاني حققت تزاوجًا بين المهرجانات والغناء الخليجي وأقبل عبد الله بالخير، حسين الجسمي، وعد، وغيرهم من مغنّيي الخليج على موسيقى المهرجان. كذلك ظهرت أغان كسرّت الدنيا وولعت في سقف المكان، شملت تزاوجًا بين الموسيقى البدوية الشامية وموسيقى المهرجانات. كان المال يتدفق والسيادة تترسخ، وحافظنا في الوقت ذاته على وجود المعترضين والمهاجمين حتى يظل موضوع موسيقى المهرجانات حاضرًا كموضوع للنقاش في برامج التوك شو، والنقاشات الإخبارية، وفي كل برنامج يستضيف موسيقيًا أو مغنيًا من مغنّيي شركتنا، كنتُ أصر على ضرورة الاتصال بحلمي بكر، لكي يقدم مداخلة يهاجم فيها مغنّيي المهرجانات.

مثل هذا الاعتراضات تقوي من شخصية الموسيقى وترسخ انتماء الأجيال الشابة لها، وتجعلها وسيلة للإعلان عن الهوية والاستقلالية في مقابل أمثال حلمي، تمهيدًا للغد الجديد، الذي لا يكون فيه مكان لحلمي سوى في مقبرته بينما يصعد نجوم السعادة.

أنا كذلك كنتُ أودع العالم القديم لحياتي، أبتعد عن الصحافة والكتابة، ويومي يضيع في اجتماعات وترتيبات لحملات إعلانية وحفلات وهلك واستهلاك للوقت والسجائر وآلام في الظهر من قلة المشي والحركة، ونصيحة من أستاذ بركات بضرورة المشي نصف ساعة على الأقل يوميًا، وتحذير من د.فايزة بضرورة المحافظة على لياقتي والتخلص من هذا الكرش، فذهبت إلي الجيم وتناولت البروتين والمكملات الغذائية، غيرت جسدي وازداد معدل استهلاكي للويسكي والكونياك، وكلما شعشعت الرأس ذَكَرتُكَ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِني وبِيضُ الهِندِ تَقطرُ من دَمي، قلتُ ألف رحمة ونور عليك دادي.

لكن مع كل ما صار عرفتُ في قرارة نفسي أن مهمتي لم تنته بعد، كأي فن وكأي نوع موسيقى، لترسيخه في التاريخ الرسمي والوجدان المصري يجب أن يحوز رضا السلطة ويتداخل مع نسيجها الوطني، ودعامته الأساسية هي الخطاب الوطني القائم على الانتصارات العسكرية، كانت هذه هي النقلة الأكثر تعقيدًا.

17

لا يمكن أن ترث الأرض وما عليها ولا أن تحصل على الأربع وعشرين قيراطًا. علاقتي العاطفية كانت تنهار تحت ضغط المشاغل واحتضار الشغف. جلسنا معًا في جلسة للبحث عن مخرج أو إيجاد أي نبض في هذا الحب المتسرب من أصابعنا. لكن رن الهاتف في منتصف الحديث فظهر رقم أستاذ بركات، ولأنني كنت أنتظر هذه المكالمة فقد أجبت، وأنا أقول لها دقيقة واحدة.

أعطيتها ظهري وأنا أجيب على الهاتف. كان بركات يخبرني بأنهم تمكنوا من عقد الاتفاق مع الهيئة لتنظيم احتفالية انتصارات أكتوبر الثورات المجيدة. سألته عن التفاصيل ونبضي يرتفع مع انهمار الأخبار التي كنتُ انتظرها، وحينما أنهيتُ المكالمة والتفتُ لأبحث عنها، لم أجدها في المكان.

18

شملت احتفالات النصر العظيم وثورات أكتوبر مشاركة قوات رمزية من كل الأسلحة، لصنع استعراضات ،مبهرة في ساحة الاستاد. قام الدكتور حاحا بتأليف وتوزيع كل الموسيقى في الاحتفال، من الألحان الشرقية التي صاحبت اللوحات التي صنعتها التشكيلات في الساحة مع تقاطعات أضواء الليزر.

حكت اللوحات قصة كفاح الأمة المصرية شعبًا وجيشًا من فجر التاريخ حتى أثمرت شجرة الوطنية، التي روتها دماء الشهداء. وعلى الشاشة الكبيرة، التي تحتل خلفية المسرح. مع سقوط آخر شهيد في اللوحة، التي تنفذها التشكيلات. ظهرت صورة دادي وهو يقف منتصب القامة مشدود الصدر، مؤديًا التحية العسكرية وعلم مصر يرفرف خلفه، والموسيقي تعزف النشيد الوطني، ثم فجأة تتداخل موسيقى النشيد الوطني مع صوت “البيز” وإيقاعات الطبول الإلكترونية، ويظهر خمسينة على المسرح وهو يصرخ بصوت أجش خشن: “أنا أوزع أنت ترزع / أنا أغني أنت تسمع / مصر بلدي فيك هتوجع”، إلي آخر مهرجان بلادي وبطلي كايد الأعادي، وأكدتُ عليه في هذه الحفلة بالذات أن ينظر ويشير بيده باتجاه الرئيس مع كل مرة يقول فيها بطلي. وفي منتصف الأغنية اقتربت الكاميرا من وجه الرئيس، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة بسيطة، ثم لقطة واسعة للصف الأول حيث يجلس بجواره كبار رجال ونساء الدولة، وبعيني لاحظتُ رِجْل الرئيس اليسرى تهتز مع الإيقاعات. كانت هذه اللقطة أهم عندي من المصافحة التي حظيت بها معه.

19

قررتُ قضاء يومين في المنزل بعد إرهاق تنظيم الحفل الذي استمر لشهور. استيقظتُ بعد نوم عميق. اتجهتُ للحمام وغسلتُ يدي ووجهي، فرّشت أسناني، وقررتُ حلق ذقني، التي لاحظتُ فيها بعض الشعيرات البيضاء.

لكن أولاً قررتُ طهو قطعة استيك مع مكرونة بالصوص الأبيض. خرجتُ من الحمام واتجهتُ للثلاجة لإخراج اللحمة حتى تفك أثناء حلقي لذقني وأخذ الدوش. فتحتُ “الفريزر” فوجدتُ كيس حفظ مغلق بإحكام وفيه ورقة كتب عليها “أنت مع دادي”، فتحتُ الكيس، كانت هناك شريحة لحم بنصف حجم كف اليد، لمستُها بطرف إصبعي. كانت حمراء قانية تقترب من اللون الأسود في بعض أجزائها. وضعتُ طرف إصبعي على أنفي، كانت عليه بقعة حمراء من أثر ملامسة اللحم، ما أن تذوقتها واضعًا إصبعي في فمي، حتى عرفت أنها جزء من كبد دادي.

Nurturing Love in Prison ‎

When thrown into prison, you realize that the hustle and bustle, the friends, all the pomp and fanfare, everything that has ever surrounded you all disappear into thin air. Nothing remains. The beloveds, the mothers, and the wives are the only ones who continue to linger, persistent. Diligently visiting, preparing food, bringing clothes and socks, and snatching a quick hug at the end of every visit as they bid you farewell.

In 2016, I was sentenced to a two year prison sentence because I simply wrote a novel. A civilian had filed the case against me, and the prosecutor had gladly found me guilty of “violating public morals”, an affront to Egyptian families’ sense of propriety, dangerously poisoning children’s minds. The court concurred, found me guilty and sentenced me to two years in prison, locking me up, ridding society of my imminent corrupting influence. I was reeling from a deep shock. It had never for a moment crossed my mind that I could be imprisoned for writing a novel. It was a precedent in the whole history of the Egyptian legal system. And here I am, trapped in the dark heart of the system.

IMG_1639

In the prison visiting areas, I have witnessed the strongest and most ferocious of men break down in front of their mothers and wives. Luckily, our visiting area was a little more humane in comparison to other prisons, as there was no wall separating the prisoners from the visitors. We would all sit in one room on marble benches protruding from the walls, harboring scurrying ants and cockroaches, their thirst quenched by the prisoners’ and families’ tears.

When I was first sent to prison, I wasn’t allowed any visitors for thirty days. As the first visit edged closer, one of my more seasoned cellmates explained to me the necessity of shaving my beard and properly combing my hair. One of the inmates lent me some hair cream to give my hair a less unkempt appearance, while another allowed me a few sprays from cologne that he kept in a plastic bottle. When your loved ones see you, you have to look shipshape, in tip-top condition according to most of the other prisoners. You don’t want to give your family reason to be alarmed, to increase their misery or anxiety, especially since in coming all the way out there to visit you, they too have endured hardship and have been waiting since the crack of dawn for hours at the gates in the scorching sun until they are allowed to enter.

With the nearing approach of every visit, rituals had been established: the “ironing” of my navy[1] prisoner’s uniform by placing it under the mattress, getting my hair cut by the prisoner’s barber in return for a pack of cigarettes, waking up early to shave my beard and take a shower: the preparations for a romantic date. These were the only moments of love available to us. Through perseverance and a focused attention on all the preparations leading up to the visit, you guard that love, water it and nourish it.

After the second visit, the investigations officer called me into his office. He told me that my fiancée had asked about the procedures and paperwork required to marry an inmate on prison grounds. With a smirk on his face, he said he wanted to make sure that I approved and wanted to marry her, and that he wasn’t putting the squeeze on me.

This particular officer, along with a bunch of others, seemed to admire my love for Yasmine, so they temporarily looked the other way regarding the rules that state only first-degree relatives are allowed visiting rights. Although no official legal status bound us, they let her see me, pretending she was my relative.

Yasmine and I weren’t even engaged back then. We had met a few months earlier in the desert of south Sinai, close to the area where the children of Israel had wandered for forty years. Until then our budding relationship had witnessed no disagreements or tribulations; we would look at each other, incredulous, astounded by how all this time had passed with no problems or misunderstandings to speak of. When the time came to go to court, Yasmine accompanied me to the hearing as a concerned human rights lawyer, and because never, in our wildest dreams, had we anticipated all that was about to happen, she had hurriedly left me to attend to another case, while I awaited my sentence. When my mother came to visit me at  the police station prior to my transfer to prison, Yasmine was there as “just a concerned lawyer”. By the first visit a month later, my mother began to suspect that Yasmine was not just my lawyer. Egyptian laws do not acknowledge any kind of relationship or social commitment between a man and a woman save marriage; it’s rarer still for society to accept non-marital romantic commitments. Strangely enough, however, the police officer accepted Yasmine’s prison visits and our claims that we were engaged, though we were not even wearing engagement rings.

Our misgivings remained, however, and continued to worry us. What if a sudden change in the Basha’s[2] or Bashas’ mood led them to call off Yasmine’s visits? It was then that Yasmine thought of marriage, since it would allow her the official legal rights to visit me. But we were apprehensive.  We knew that my time in prison, however long that would last, was a temporary situation and we didn’t want our wedding day memories to be saddled with the prison guards’ loathsome grins, be weighed down by metal handcuffs and blue prison uniforms with crawling cockroaches.

After the 2016 April Tiran and Sanafir island protests, a fair number of youth and political detainees were arrested and sent to the prison where I was, which led to a visible increase of the patrols and security level. With the increase of inmates, officers, plain-clothes detectives[3] and police guards all became more edgy and short-tempered. It was during that period, that I went down to the visiting area during a scheduled visit and was terrified when I saw that my mother was there alone, without my brother or Yasmine. A thousand and one thoughts raced through my mind. What could have possibly happened? A few minutes later, my brother came from the chief of the prison investigation’s office. My brother told me, “They aren’t going to allow Yasmine to see you.” The detainees’ families had been waiting at the prison gate, and the prison’s administration had arbitrarily decided not to acknowledge the validity of the visiting permits they carried. Being a lawyer, Yasmine had intervened to help the families and put pressure on the prison administration to allow them to see their loved ones inside. The prison’s administration was angry and, to spite her, predictably decided to enforce the visiting regulations so that she couldn’t visit me.

After my brother had talked to me, the officer called me in to see him. A long lecture ensued about how he had broken the rules and allowed Yasmine to visit me, due to his magnanimity, forbearance, and out of regard for our love for one another. However, he continued, Yasmine’s causing a commotion and raising a ruckus, and interfering in matters that are none of her business will force him to deal with her according to the rules. I stood there silently. It was a silly exercise and display of power; a game that the authority had played with thousands of Egyptians and political activists. He very well knew that if he talked to Yasmine directly, she would hold fast to the law, to her role as a lawyer and to the families’ right to visit their detained sons and daughters. However, he also knew that if used his authority as a jailor to address me as a prisoner, I would in turn ultimately end up using his language, logic and words when addressing Yasmine because I wanted to continue to see her during visits. I would emotionally pressure here into compromising and doing what he wanted. I felt totally powerless and helpless. The quiet futility of it all slowly swept over me. Holding my head up high for the first time when addressing him I said “do whatever you want in the future, but I do want to see Yasmine today.” He allowed Yasmine to see me for a few minutes at the end of the visit.

In the coming weeks, the chief of investigations and I reached an unspoken agreement. He had come to understand that three things were important to me: books, Yasmine’s visits and the letters that we sent each other. Everyone in the prison’s administration took pleasure in reading those letters, which reached me days later, after they had been examined and shown to the different security apparatuses. In turn, he took care that these three things remained so that he could use them to make me comply to what he wanted, either by allowing or by denying them. Every time he allowed me one of the books that were sent to me, he always used the telling phrase, “here’s your opium.”

In the visiting room, feelings, tears, laughs and the tension that underlies the feelings that haven’t yet been fully formed are given free rein and released. All this takes place right under the noses of the jailors, and the prisoners that watch one another. When the women visiting their husbands are Niqabis[4], things become increasingly complicated. One inmate confessed in a moment of weakness how during the past eighteen months, he never got to see his wife’s face once. The visits became an extension of his imprisonment rather than a relief from it. During the visit, just like in his cell, he recreates from memory his wife’s face with all its details.

Another colleague circumvented the visiting room’s regulations by having his sister hold up a little prayer rug, creating a barrier between him and his wife and the rest of the visiting area so that his wife could remove her face veil. In the beginning, the guards overlooked this, but with the passing of time one of them would loudly clear his throat and say “that is forbidden.” The sister would then bring down the prayer rug and the wife would cover her face once more, and that momentary feeling of privacy that they had tried to recreate would evaporate.

Prison laws state that visiting time is one whole hour. Yet, it was rare that we would actually get an hour. Depending on the officer’s mood, the visit’s duration would fluctuate and whenever the bell rang, it was time for goodbyes and hugs. Some prisoners were lucky. Those were the ones who had succeeded in establishing mutually beneficial relations with the prison administration. Those benefits could be based either on the prisoner’s connections or because they spied on their inmates telling the officers what they heard or saw, and in return they would get extra time during visits or according to one investigative officer they would get an “extra dose of emotional opium.”

During December of 2016, as a result of her work as a lawyer and a human rights activist, Yasmine was subjected to a fierce smear campaign carried out by pro-state propagandist media and security apparatuses. I never realized how vicious and defamatory the campaign was until my mother’s and brother’s visit. Yasmine was not with them. Mohamed, my brother succinctly explained just how ferocious the campaign was and that a number of lawsuits had been filed against her, accusing her of cooperating with terrorists because one of her 2014 clients had been accused of the 2016 St.Peter and St.Paul church bombing.  Some of Yasmine’s friends who were lawyers too, had advised her to stop visiting me in prison because the authorities might arrest or harass her if she did.

That day, at the end of the visit, the officer asked me, “So where is your fiancée?” I tersely responded, “ She is a little tired.” He smiled and nodded. I realized by his look that he had received new directives about Yasmine and me. I was no longer allowed either to receive or send letters to her. I feared for Yasmine. I sent her a message through Alaa Abd El Fattah who had a visit due a few days after mine. I told him to get word to her through his family that she mustn’t come visit me.

That night I slept feeling that I was falling from one prison into another, far darker and gloomier. I had been in prison for a year now. With Yasmine no longer able to visit me, I felt that everything that had preceded this was just a precursory phase to the real prison and its darkness; one without Yasmine and where constant worry and fear for your loved ones outside of prison sinks its claws into your heart. For the first time, my faith and trust in my ability to get through this ordeal had been shaken, for without Yasmine why even resist? I slept  in the prison’s darkness, isolated without an opiate capable of relieving the pain.

I kept counting the days, marking them in the small notebook I had managed to smuggle into prison. After 303 days, I was finally released and the rest of my two-year prison sentence was suspended. My case is still pending in the courts, however. Yasmine and I married and temporarily enjoyed our hard-earned happiness. But we knew it would be impossible to continue this way, seeing how things stood. My writing was implicitly banned, and the high appeal court was still looking into my case to determine if I should be cleared. We planned to leave Egypt in search for new opportunities, to expand our horizons, acquire new skills and knowledge. Soon after, Yasmine received a scholarship to study law in the states and moved there in June 2017 to pursue her studies. The plan was that I would soon join her. Upon arriving at the airport to catch my flight, I discovered I had been banned from traveling and was placed in custody yet again, but this time for a couple of hours.

Nearly a year and half after having been released from prison on December 20th, 2016, my case is still pending and my travel ban remains. Every time I tweet or publish an article harboring the slightest critique of the current regime in Egypt, I receive a menacing phone call. I live in a state of fear to which I have grown accustomed; I have convinced myself that for now fear is good…it makes you cautious, a helpful survival mechanism. More painful than fear is having to wait yet again. The seemingly endless waiting for Godot. A couple of weeks ago we joyfully learned that Yasmine is pregnant, yet I am more frustrated than ever that I’m not allowed to be with her during this time, yearning to be together even more. Every week, I make the journey to court asking if they have set a date for my trial. The answer is always the same: “Check in with us next week”. So I keep counting the days, nourishing the hope, nurturing the love.

Ahmed Naji

Translated by: Radwa El Barouni

[1] In Egypt, convicted criminals wear blue prison uniforms, while those in remand wear white prison uniforms. Those on death row wear red uniforms.

[2] Basha comes from the Ottoman title Pasha and is used in Egypt to refer to police officers. It has come to evoke the police’s arrogance, sense of entitlement and superiority, and mistreatment of people. Naji is using it both ironically and non-ironically here.

[3] Mukhbir:  a plain-clothes detective that is a feature of Egyptian public space as well as within institutions.

عشرين ألف جنيه غرامة

قضت محكمة الجنايات أمس بإدانة أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام، وتغريمه 20ألف جنيه مصري.

وقائع القضية تعود إلي عام 2014 حينما تم اتهامي وجريدة أخبار الأدب بخدش الحياء العام بعد نشر فصل من روايتى “استخدام الحياة”، حيث قضيت محكمة أول درجة بالبراءة، ثم استأنفت النيابة العامة فقضت محكمة الاستناف بالإدانة وحبسي لمدة عامين. قضيت منهم 300 يوم في السجن، قبل أن تقضي محكمة النقض بوقف تنفيذ الحكم مع المنع من السفر كإجراء احترازى، ثم قضت محكمة النقض بقبول النقض وإعادة المحاكمة.

في يناير 2018 قضت محكمة الاستئناف بعدم اختصاصها نظر الدعوة وبإحالتها إلي محكمة الجنايات التى أصدرت حكم الأمس.

لا يزال المنع بالسفر سارياً. سنتبع الاجراءات القانونية للتقدم بطلب لرفع المنع الذي كان إجراء احترازى مرتبط بنظر القضية. ونلتمس من العدالة الموقرة النظر بعين التقدير للظرف الانسانى الذي يستدعى ضرورة سفري في أقرب وقت ممكن.

 

مهما تمكنت من تعداد كلمات الشكر والثناء لا استطيع التعبير عن مدى شكري لفريق الدفاع الأساتذة؛ ناصر أمين، محمود عثمان، ومحمد عيسي على دعمهم ودفاعهم ووقوفهم معى على مدار ثلاث سنوات من عمر القضية. والشكر دائماً موصول إلي الأساتذة نجاد البرعى، خالد على وكل الأساتذة.

أدين بالفضل لقدرتى على الاستمرار إلي دعم ومحبة عائلتى، وكل الأصدقاء الذين أحاطونى بمحبتهم وهداياهم التى أتمنى أن استطيع رد ولو جزء بسيط منها. وإلي الروابط التى تجمعنى مع كل الشغوفين بالأدب والكتابة والمؤمنين بحرية الرأى والتعبير.

“ألف شكر.. ألف شكر” بصوت محمود الخطيب

ضد الجمال، ضد السلطة التنفيذية

 

7_henein
جورج حنين الشاب على رمال مصر في انتظار عبور القطار

 

في إطار مشروع بدأته منذ سنوات “بدأت في تجميع كل النصوص التى اتهمت يوماً، ونصوص تلك الاتهامات حتى لو كانت إدعاءات بخدش الحياء والذوق العام. أحلم يوماً بمتحف مخصوص للمواد الخادشة للذوق العامة. يمنع من دخوله ضعاف القلوب، من يعانون من أمراض الضغط، أو العاملين في قطاع أمن النفاق، وفضيلة الإدعاء.

من بين عشرات القصاصات التى جمعتها وجدت هذه القصاصة المرحة والتى تعود إلي ما يقرب قرن من الزمن. في عام 1935 كان جورج حنين مع ثلة من الشعراء والكتاب الشباب يصدرون مجلة باسم “أنيفور”. نشر حنين في تلك المجلة نصاً بعنوان “قاموس لاستخدام العالم البرجوازى” جاء النص مصحوباً برسوم كاريكاتيرية لكامل الديب. ووما جاء في ذلك القاموس المرح:

فوضى: انتصار الروح على اليقين.

جمال: سلطة تنفيذية.

كرامة: افتراض جاهز لأيام الاستقبال.

امرأة شريفة: احتكار جنسي.

فكرة: لعبة لا تنكسر، مجانية وأحياناً قاتلة.

شرعية: لجام الشعوب.

الأنا: الشئ الأكثر أهمية في العالم.

متحف: أكبر مزبلة معترف بها رسمياً.

عمل: كل شيء لا ترغب في فعله”

يخبرنى سمير غريب في كتابه عن السيرالية أن هذا القاموس أثار استياء عدد من القراء، بل أن كاتبة علقت على هذا القاموس المختصر في جريدة “البورص اجبسيان” بأنه كلام شباب مسكين بقلب ميت وروح جامدة. فرد جورج حنين بتهكم عليها قائلاً: “تأكدى من فضلك، أن نداءك المهزوز أثر بلا شك في الكتاب اللغويين الذين أوحت لك أخلاقهم بمثل هذه الاحتجاجات العنيفة. لقد كان هؤلاء المتوحشون الدمويون بالتحديد في طريق الغرق في الوحل، عندما وصلت رسالتك الثأرية لتنقذهم من ممارسة مهامهم”