لغز المهرجان المشطور- قصة طويلة

1

عرفتُ الخبر من خلال “التايم لاين”. تقريبًا كل الحسابات الرسمية لمغنّيي المهرجانات وبعض العاملين في القطاع الفني تنعي الفقيد، النجم، الأخ، الصديق..إلخ إلخ.

مات “دادي”.

عمر قصير من الصداقة. فكرتُ وأنا استوعب الخبر، لكنني انتبهتُ أنني عرفتُ دادي منذ سبع سنوات، وليست هذه بالفترة القصيرة.

أحببتُ صوته وعشقتُ طاقته على المسرح وفي حفلات الشارع وأفراح الفنادق والأندية النقابية. مفجوعًا بالزمن حينما يداهمنا في صيغة أرقام  وأخبار قررتُ الذهاب إلي الجنازة، ربما لتوديع الزمن. لا أعلم هذه الأفكار الوجودية وظلالها العاطفية تصيبني بالتوهم وفقدان القدرة على التركيز.

أروي كل هذا لأقول كيف عرفتُ بشأن الجثة المشطورة والكبد المفقود، ظنًا منى أن هذه هي العناصر المثيرة، التي بذكرها تزدهر حكاية حياتي، وأنجح في جعلها طاووس متباهيًا بالأعضاء البيولوجية المبتورة والضائعة.

الأفكار الذهنية حتى في صيغة الخيالات العابرة مُهمة، لأنها تجعلنا نفهم القليل عن الدوافع البشرية كقرار الذهاب إلي الجنازة، ثم الاتصال بأي من رفاقه في المنطقة لمعرفة موقع الجامع ودار المناسبات، التي ستستضيف الجنازة.

رد عليّ “خمسينة” في المرة الثانية، وأخبرني أنه كان محتجزًا للتحقيق وخرج الآن فقط من القسم، وسيحاول حضور صلاة الجنازة.

الدنيا مقلوبة والمباحث مطلوقة.

 

16707287_1839752759645906_5683561314198454254_o

 

 

2

كنتُ مُراسلاً فنيًا لمجلة عربية، أنجز لهم قصة أو قصتين في الشهر. وبعد مُحَاولات وإصرار على الطلب وافقت مديرة المكتب على إنجاز قصة عما اسميته وقتها موسيقى الشارع.

صارحتني بعد ذلك حينما قدمتُ لها الموضوع مع عدد من الصور المشوشة سيئة الإضاءة التقطتها بكاميرا هاتفي البسيطة، التي لم تتعد جودتها 2 ميجا: “لا.. لا يا أحمد، مش دا الشغل اللي توقعته، أنا مقدرش انشر الكلام والصور دي، دا في صور لهم وهما بيشربوا مخدرات”.

لم أكن مصورًا جيدًا. لذا لم أفكر يومًا في امتلاك آلة تصوير.

انتظرتْ مديرة التحرير موضوعًا عن الفرق الشبابية من طلبة الجامعة، التي تغني في المراكز الثقافية الأجنبية وتقدم نفسها بصفتها غناء الشارع، بينما كنتُ أقدم لها مجموعة صور مشوشة لمراهقين من مدينة السلام يرتدون ملابسًا بألوان صاخبة ويتخذون وضعية العصابات عند التصوير وخلفهم تظهر برك المجاري الطافحة على طول الشارع والظلال المشوهة للمساكن الشعبية، التي بنيت على عجل بعد زلزال التسعينات.

بالنسبة للمخدرات فقط، كانت صورتان لـ “دادي” وهو يمسك جوينت حشيش مفلطحًا من نهايته تشتعل جمرته شمسًا صغيرة في الصورة. كان في الخامسة عشر من عمره، نحيفًا ولم يبدأ في حلق شعره رأسه، كما سيذكره الجمهور في فترة مجده الذهبي قبل الرحيل المفاجئ.

قيلت تأويلات فنية بعضها قرأته في مقالات كتبها زملاء أن “دادي” حمل لقبه الفني بعدما بدأ في المواظبة على حلق شعر رأسه بالموس، حيث اكتسب مظهر الأكبر سنًا بين جيله، الذي شكل الموجة التأسيسية الأولى من موسيقى المهرجانات. لكن في أول لقاء لنا لإنجاز هذا الموضوع الذي لم ينشر أبدًا، وداخل محل “فيجو” ضيق المساحة، ظللت أخاطبه مستخدمًا اسمه الرسمي “محمد عبد السلام”، بينما كان الجالسون ينادون عليه بدادي، وكان يربي شعره خشنًا مجعدًا، يفرده بكريمات الفرد، ثم يصففه باستخدام الجيل اللامع الدهني. تصورت أن اللقب يحمله كاختصار لاسم “عبده”، لكن كصحفي يتصنع التواضع لم أغامر في تخميني وسألته في هذا اللقاء. “لماذا ينادون عليك بدادي”. أخذ يلحن مقطعًا سأسمعه يغنيه بأشكال مختلفة في حفلاته: “انتي مع دادي/ ولا في النادي”، قطع جملته الغنائية ليقول: “طبعًا لازم تكون مع دادي”.

في هذا اللقاء سمعتُ أطيافًا أيضًا عن مغامراتهم مع الفتيات، عَرَضًا أشار دادي لمرة ضاجع فيها مع فيجو ذات الفتاة. لم يبد متباهيًا بمغامراته. لكن الحديث كله كان عن الصحاب، الموسيقي، الحريم، والغلابة في المنطقة. خرجتُ من اللقاء وأنا في حسد ودهشة من الحياة العاطفية الخفيفة والمليئة بالخيارات التي يحيون فيها. لم أشر لحياتهم الجنسية والعاطفية المنفتحة في التقرير وإن أشرت عرضًا للحشيش بصفته موضوعًا يظهر في بعض الأغاني. لم يُنشر التقرير. ولم يسألني “دادي” عنه بعد ذلك وإن شعرت أحيانًا بقدر من الخبث في عينيه حينما كنا نجلس بعد ذلك في جلسات استديو فيجو، ثم حاحا بعد ذلك، ليغني مقطعه: “صحوبية جت بندامة/ خلوا لي في قلبي علامة / نسوني الابتسامة”.

بعد سنتين من لقائنا الأول سأكون السبب في ظهور “دادي” على التلفزيون للمرة الأولى. سيفرح كثيرًا بهذا اللقاء، كل أهالي المنطقة سيشاهدون البرنامج ويزغردون مع ظهور “دادي”. سيرتفع أيضًا سعره في الأفراح، وياه على الدنيا والنفوس.

3

لم يكن “خمسينة” يبالغ. هناك حكومة حتى في العزاء.

لم ألتق بـ”خمسينة” يوم الجنازة لأنه لم تكن هناك جنازة في اليوم الذي تواعدت فيه مع “خمسينة” على اللقاء، حيث جمع الطب الشرعي الجثة وفحصها وأصدر تقريره بعد ذلك بيومين، ثم سلم الجثة لأهله لدفنها. وأقيم العزاء في مساء اليوم الذي دفن فيه الأهالي الجثة المشطورة.

حضر المأمور، الذي كان صديقاً لدادي، لكن هذا لا يبرر انتشارهم الملحوظ بهذا الشكل. ظننت أن خمسينة يبالغ حينما تحدث عن جثة مشطورة وكبد مفقود. لكن إشارته للعنف، الذي تمت به الجريمة جعلني أظن أن “دادي”، الذي غنى للبلطجة والخناقات والعنف والأصول والسلاح وكيف تزفر سكينك وكيف تطهره، قد قضى نحبه في خناقة. لكن الأحاديث، التي سمعتها في العزاء كانت متطابقة في حقائقها الأساسية. عُثرَ على “دادي” ميتًا في شقته الصغيرة في الدور الأرضي. جسده مشطور لنصفين، وكبده مفقود. انهارت أمه حينما عرفت الخبر ولا تزال في غيبوبة إلى الآن.

تأكدتُ أكثر من تلك الحقائق في ذات اليوم حينما وجدتُ أحد المواقع الإسلامية الداعمة لمرسي وضد الانقلاب وقد نشرت الخبر تحت عنوان “نفوق مغني المهرجانات المؤيد للانقلاب”. كان الكثيرون قد تشاركوا الخبر على “التايم لاين” برفقة تعليقات تسب الإسلاميين وحقارتهم، وحمل الخبر تفاصيل عن عملية التمثيل، التي تعرضت لها جثة دادي. تضايقتُ أنا الآخر، لكن لم أكن لأتوقع ما هو أقل من ذلك منهم، في أكثر من أغنية خصص “دادي” فقرات كاملة للسخرية من الخرفان، والشيخ الفتان، والإخوان.

4

ظلت الفكرة تداعب ذهني لأيام وأنا أتابع تكشف المزيد من الأخبار عن الحادثة. ثم أخيرًا هاتفتُ “خمسينة” وطلبتُ لقاءه، قال إنه مرهق من التحقيقات ويستدعونه كل فترة. ليس لديه وقت. ولم أضغط عليه في موضوع المقابلة. اهتممتُ أكثر بمعرفة الدائرة واسم وكيل النيابة الذي يباشر التحقيقات.

استعنتُ بزملاء صحفيين من القسم القضائي والحوادث لمعرفة تفاصيل أكثر، لكن قالوا إن القضية يحطيها تكتم كبير وإن كانت الإشارات تضئ بأنهم اقتربوا من معرفة القاتل والقبض عليه.

5

التقيتُ “علي البطة” في وسط البلد، حيث كنتُ في طريقي إلي مدينة السلام لزيارة منزل “دادي” بنفسي. البطة كان مدخلي منذ سنوات لهذا العالم لمغنيي وموسيقيي المهرجانات.

عالمي كان بعيدًا كل البعد عن مدينة السلام والمطرية. أنا ابن للطبقة الوسطى بلا طموح كبير لتغيير العالم، وبالكثير من الأحكام المسبقة عن كل ما لا يعرفه مما يجعله بلا فضول تجاه ما هو خارج طبقته الاجتماعية.

البطة، كان شابًا نحيفًا أسمر ذا جاذبية إيروتيكية تفوح حتى من رائحة عرقه أثناء الرقص على الأقل في ذلك الوقت حينما التقينا منذ أكثر من عشر سنوات. تعرفتُ عليه في مسرح روابط كراقص حديث. لا أعرف كيف وصل من مدينة السلام لوسط البلد، ولا كيف اكتشف عالم الرقص الحديث وتعرف عليه، لكنه كان عضًوا في فرقة تكونت في جراج قديم تم تحويله إلى مسرح. المكان والفرقة يتلقيان تمويلًا كريمًا من الاتحاد الأوروبي، لتدعيم حوار الحضارات والمركزية الأوروبية الفنية كراعية للفنون الحديثة مثل الرقص المعاصر.

أثبت البطة تفوقه، والآن، بعد كل هذه السنوات حينما التقيت به في وسط البلد، كان قد سمن قليلاً، يرتدى نظارة ذات إطار لونه أصفر وملابس بألوان زاهية، وشعره ينسدل على أكتافه، كان أقرب لشاب طري من الزمالك. سافر البطة ورقص مع عدد من الفرق المحلية والعالمية، وشارك في الكثير من الفعاليات والمهرجانات، حصل على منحة للرقص في فرنسا، استغلها لتعلم اللغة وأتقن الحديث بها، وإن كان ضعيفًا تمامًا في كتابتها أو القراءة بها، لكنه عرّف نفسه بعد عودته كمصمم رقصات، ونشر إشاعة عن حصوله علي دبلومة في تصميم الرقص. على كل حال، كان ينام مع مسئول العلاقات الثقافية الفرنسي، وكون فرقته الصغيرة للرقص التي كانت باستمرار تتلقى تمويلاً فرانكفونيًا كريمًا.

تصافحنا أمام تقاطع شارع محمد بسيونى مع شارع شامبليون. تبادلنا السؤال عن الأخبار ثم أخبرته أنني في طريقي لمدينة السلام لزيارة أهل عبد السلام حيث لم تسنح لي الفرصة لتعزية والدته، والتي غابت عن الجنازة حيث كانت منهارة في المستشفى. لم أخبره كذلك أنني كنت آمل في معرفة تفاصيل أكثر عن الحادث ومجرى التحقيقات. قال إنه سيأتي معي، وإنه سمع أن المباحث قد عثروا على القاتل. لكنه على الأرجح مجرد ضحية يتم تقديمها لإنهاء الجدل الإعلامي حول الموضوع.

قررنا القيام بالرحلة معًا، ركبنا أتوبيسًا مكيفًا نحو عين شمس، جلست أنا وهو متجاورين، أمامنا كانت تجلس سيدة ضخمة نموذج محاكاة لأم مصرية، غير أن أذنيها كانتا على شكل أذني أتان يخترقان الحجاب ويظهران بأريحية خارجه، لكن على العكس من أذني الحمار لا يحتويان على شعر يغطيهما، بل جلد بلون مماثل لبشرتها السمراء. فساد الأغذية والمبيدات المسرطنة التى تغلغلت في معظم التراب المصري، وارتفاع معدلات التلوث التى تضاعفت بعد التسرب الإشعاعي واستخدام الفحم في توليد الطاقة، أدوا لظهور خرائط جديدة من الأمراض والتحولات الجينية، وكامتداد لآلاف السنين من التكيف مع الطبيعة والسلطة تمكن المصريون من الحياة بأريحية مع كل ذلك.

علمت من البطة، أنه آخر مرة التقي بدادي في مارسيليا منذ حوالي عام حينما كان يشارك بالغناء في مهرجان ثقافي تحت شعار الربيع العربي والثورات التي تصنع المعجزات. رغم مظهره المهذب وقشرة الحداثة، كان أثناء حديثه  يتوقف ليشخر، ثم يجمع البصاق في فمه ويبصق على أرضية الباص المكيف. تصنعت عدم الانتباه وركزت على الهراء الذي كان يتلفظ به حول مشروعه لتصميم عرض راقص مبني على أغاني المهرجانات، والموضوع، الذي كان اختاره كتيمة لعرضه هو قصة صعود وحياة دادي، كمغني مهرجانات شعبي وصل للعالمية.

كان يأمل في الحصول على موافقة “دادي” لاستغلال أغانيه في العرض، لكن الآن وقد توفى فعلى الأرجح يسعى لتوطيد علاقته بالعائلة للحصول على اذن منها.

تذكرت بعد أول نصف ساعة معًا لماذا توقفتُ عن لقاء على البطة، كان مخوخًا ومع تقادم العمر فقد حسه الفكاهى وخفة دمه خلف نظَارة تصنع الوقار والعمق الفني الفرانكفوني. حينما التقيته كان لا يزال مُحتفظًا بالابتسامة على وجهه كمن يرتدي عدسات لاصقة، ويستعين بالفهلوة وخفة الدم لردم الهوة الطبقية بينه وبين عالم وسط البلد والراقصين الذين يتبادلون التحية والسؤال على بعضهم البعض بالانجليزية. كنّا نجلس على المقهى آخر الليل ندخن على الشيشة قطع حشيش صغيرة. ومن ثلاث مرات معدودة زرته في منزله في مدينة السلام، التقيت في واحدة منها للمرة الأولي بدادي، الذي كان وقتها مراهقًا في الرابعة عشر. يرقص مُقلدًا حركات مايكل جاكسون، مع مزيج من حركات الهيب هوب، يعمل أحيانًا في فرقة رقص وظيفته تسخين الأفراح، يذهب مع أصدقاءه إلي الأفراح، يصعدون المسرح خلف المُغنّى، يبدأون بالرقص وحمل العريس ورفعه لأعلى، ويتقاضى حوالي 50 جنيها عن الفقرة، إلي جانب وجبة عشاء.

ولعه بمايكل جاكسون ورقص الهيب هوب، قاده إلي الشغف بموسيقى وغناء الراب. أفكر الآن ربما كان لقب “دادي” الذي حمله بعد ذلك نسبة إلي مغنى الهيب هوب “باف دادى”. بعد أكثر من فرح تقدم “دادي” ليمسك الحديدة. كان يقود فرق الرقص أو يذيع التحيات يمينًا وشمالًا، وشمالًا ويمينًا. دادي أصبح نبطشي أفراح، لكن الطموح كان أكبر.

6

وصلتُ مع على البطة لمنزل عائلة دادي، شقة صغيرة وسط البنايات التي بنتها الدولة على عجل لإيواء منكوبي الزلزال في التسعينات. استقبلتنا والدته، التي عانقتْ البطة وصافحتني وهي تتمتم بكلمات العزاء. كان وجهها أصفر اللون بعيون ذات لون أحمر، لكن متماسكة ظاهريًا، لديها بنتان ودادي كان أصغر أولادها ورجلها الوحيد. في الصالة علقت صورة لدادي، يبدو في الصور بشعر قصير وبشرة نضرة لم تنمو فيها الذقن مبتسمًا بأسنان بيضاء. الصورة قديمة كإنما تنتمي للابن، الذي عرفته ماما قبل أن يصبح “دادي”. وشريطة سوداء في زاوية الصورة. صوت مشاري راشد يتلو القرآن يخرج من سماعات مكبر الصوت في غرفة دادي، التي دخلتها منذ سنوات وكانت مقرًا للقاء الرجال والتسجيل والعمل والبهجة والسعادة، قبل أن يتمكن من استئجار محل صغير في دور أرضي ويفتحه بعد ذلك على شقة من غرفة وصالة لتصبح مقرًا لإقامته الفنية مغطى برسومات الجرافيتي والألوان والأسلاك والسماعات وأجهزة التسجيل والهاردات والاسطوانات المدمجة.

جلسنا برؤوس منكسة ومشاري راشد يتلو القرآن سريعًا ملتزمًا بكل تقاليد التجويد مبتعدًا عن اللحن والشبهات، فتنطلق القراءة سريعة مُتعجلة لا تترك لنا ولو ثواني من الصمت لتأمل الآية أو الاندماج في لحظة المواساة. ومع ذلك جلسنا صامتين، وقبل أن ينطق البطة أو أنا انفجرت أم دادي بالبكاء. أخذ رجل بجلباب رمادي بجوارها في تهدئتها وهو يتمتم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله يا أختي. قدرتُ أنه خال دادي. ارتفع نحيب الأم وبدا الخال المُثكل كأنما يفقد السيطرة على الموقف، هرول طفل في الثانية عشرة على الأرجح نحوه بزجاجة ماء، ثم أشار الخال لنا بالدخول لغرفة دادي، وخرجت امرأة أخرى من الحمام وهي تفرد العباية السوداء المحبوكة على دهونها وتتقدم لتحتضن أم الدادي وتحيطها كحوت أسود يبتلعها قبل أن نلج نحن لغرفة الدادي بمصاحبة الفتى، الذي توجه نحو الكومبيوتر ليخفض صوت مشاري قليلاً.

7

تتكون غرفة نوم اليتيم نجم المهرجانات من سرير يتسع لشخصين، بمرتبة من القطن مهترئة وقاسية، كنبة خشبية مغطاة بوسائد قطنية صلبة وقمَاش مُزين بورود كبيرة، دولاب ببابين، والحائط الثالث من الغرفة تحتله طاولة الكمبيوتر ومعدات الصوت والتسجيل. كانت هذه المعدات، التي بدأ الدادي بالغناء والتسجيل عليها قبل التعرف على الدكتور، وقبل أن يجري القرش ويفتح المحل كمقر للعصابة ثم “التيم” بعد ذلك.

8

حينما جلستُ في الغرفة تذكرت أن آخر مرة دخل فيها علي البطة هذه الغرفة كان معي، بصحبه تلك الصحفية الفرنسية التي تعرفْ عليها، وتقاضى منها 50 دولارا، لكي يقودها في رحلة إلي مدينة السلام، لتقابل الدادي، الذي كان نجمه قد أخذ في الصعود. أخبرها أيضًا أنه يستطيع القيام بعملية الترجمة، وبدلاً من ذلك صحبني معه، ثم ورطني في القيام بعملية ترجمة أسئلتها لدادي وإجابات دادي لها. ولم اكتشف أنه تقاضى منها مالاً إلا بعدما أخبرنى “خمسينة” بذلك.

جلسنا في هذه الغرفة وخمسينة حاضر وشاهد. لا يقاطع الحوار، لكنه لا يتوقف عن إخراج ذيله الطويل من الشورت واللعب به أمامها.

خمسينة مستذئب. عضته سلعوة حينما كان صغيرًا، حاولوا في المستشفى إنقاذه وإعطاؤه حقنة “تيتانوس”، لكن المادة الفعالة كانت مغشوشة، فحدث له نصف تحوّل، حيث يمتلك أقدام وذيل ذئب وشعر كثيف وناعم يغطى ظهره، أيضاً يقال أن بإمكانه شم الخيانة. وحينما شمها أمسكني من يدي وأصر على المكوث بينما علي البطة يذهب بصحبة الفرنسية، وحينما أغلق دادي الباب خلفهما. قال له خمسينة “الواد دا مش تمام”. ورد دادي عليه وقد قرأه من عينيه: “عارف، قاريك يا صاحبي، محتاجين له برده، بس ابقى عيل نجس لو دخلته بيتي تاني”.

9

نزلنا من منزل دادي بعد عدة دقائق صامتة مع الخال، لم أعز حتى الأم إلا بجملة واحدة حينما دخلت، ولم أجرؤ على سؤال الخال وسط صوت مشاري راشد ونحيب الأم عن أحوال التحقيقات، عزمني البطة لتمضية السهرة معه في غية حمام أخيه فوق السطوح. لكن قدرتي على تحمل الملل والتقزز من صحبته خرقت حجر البنطلون. استأذنتُ منه ومشيتُ في شوارع  مدينة السلام، التي تحتل المساحة الأكبر منها برك من مياه الصرف نمت عليها طحالب وأعشاب طويلة لتشكل جزرًا خضراء تُغطي مياه الصرف لتتحول إلي مسطحات طحلبية في قلب المنطقة تعمل على تنقية الهواء والحفاظ على المساحات الخضراء في مدينة السلام.

مشيتُ باتجاه المحل، مكان اللقاء مع دادي في السنوات الأخيرة، ومسرح الجريمة. حينما وصلتُ وجدتُ الباب نصف مغلق وضوء أحمر قادم من الداخل. دفعتُ الباب بيدي فظهر”خمسينة”. كان المحل مقلوبًا وقد وصل خرطوم بصنبور المياه في الحمام، والماء يسيل متدفقًا على الأرضية ذات السيراميك الأسود. وخمسينة مشمرًا بنطلونه تندح المياه المخلوطة بلون أحمر إلي خارج المحل. لم نتصافح، لم نحتضن بعضنا البعض، سحب كرسيًا من فوق المكتب وعدله فجلستُ. فقد الكثير من وزنه. أخرجتُ قطعة حشيش من محفظتي، وبدأتُ في فرك الحشيش مع التبغ في كف يدي.

قال خمسينة إن الحكومة قبضت على القاتل،  واد اسمه حديدة، اتخانق هو ودادي في فرح من كام يوم. بعد الحادثة بعشرة أيام سلم نفسه وقال إنه هو اللي قتل دادي، لكن ملقوش الكبد. والواد نفسه بيقول إنه رمى الكبد.

بسبب موضوع الكبد، شكت الحكومة في خمسينة، بل الحقيقة شكوا في كل المستذئبين وأبناء الثعالب وأبناء أوى في المنطقة. هؤلاء هم الثلاث فئات المشهورة بحبها للكبد البشري. لكنهم وجدوا أخر مكالمة على تليفون دادي مع حديدة. وبالرجوع للسجلات تبين الكثير من السباب المتبادل والتوعد بنكح الأمهات والأخوات من الجانبين. مسكوا الواد ونزلوا فيه عجن. قاطعتُ خمسينة فجأة:

–        وانت كنت فين وقتها؟

10

“ربي أرحم أرواحًا اشتاقت أعيننا لرؤيتهم $$ يا رب آنس وحشتهم$$ ويسر حسابهم $$ يا رب قهم عذاب القبر واجعل قبرهم روضة من رياض الجنة”

وجدت العبارة السابقة كتحديث على الحساب الشخصي لدادي تظهر أمامي. بتلقائية أرسلتُ له على “الماسنجر”:  سلام يا صاحبي؟

أتاني الجواب في أقل من دقيقة، البقاء لله في محمد عبد السلام توفى. أنا ابن أخته، وفاتحين الحساب للأدعية والقرآن رحمة ونور على روحه.

اعتدلتُ في جلستي أمام الحاسوب وخاطبتُ حساب الرحمة والنور، لأسأله أي ابن اخت هو لدادي. كنتُ أعرف خالد المقرب أكثر لدادي، والذي كان كثيرًا ما يشركه في جلساتنا، لكن من يدير الحساب كان “حمزة” الذي قابلته حينما زرتُ المنزل لتقديم واجب العزاء مع علي البطة، ولم يسمح الظرف بالتعرف عليه أكثر.

هاتفتُ خالد، سألته عن أخباره وأحواله فقال إنه لا يزال حزينًا على خاله، لكنه بدأ يفكر في الغناء ويرغب في النزول إلي الأفراح، فاخترعت حديثًا مرسلًا، أنني أعد قصة عن عائلة دادي، وأنني أرغب في لقائه هو وحمزة في غرفة خالهما لتصويره والحديث معه. تحمس خالد وكان خاله الراحل كثيرًا ما يحينيي أمامه بأنني الصحافة والإعلام ودخلته للتلفزيون.

الباقي لم يكن صعبًا، كان حمزة يدير حساب دادي على الفيسبوك من خلال جهاز التابلت الخاص بدادي، حصلتُ على كلمة السر للدخول لحساب الفيسبوك، ولإيميله. في الحقيقة ولجتُ من التابلت على الحسابات وغيرتُ كلمة السر لكلمة أخرى. قلبتُ كذلك في بقية متعلقات دادي، التي كانت في الغرفة وأنا أدردش مع الفتيان، ثم انصرفت متقمصًا روح المفتش كرومبو.

11

لم أستطع استكشاف أرشيف مراسلات “دادي” حينما عدتُ للمنزل، صديقتي كانت في حالة نفسية سيئة وقررتْ زيارتي للحصول على حضن وحنان. ضاع المساء في صحبة حلوة وفي ضحكات وآهات.

في صباح اليوم التالي بعد انصرافها، كان أول ما فعلته إدخال كلمات السر الجديدة لحسابات دادي والاستغراق في قراءة مراسلاته وأرشيفه، وأنا أرتشف الشاي الأخضر الصباحي، في محاولة، تتجدد كل صباح للبدء في نظام الحمية الغذائية، تتبدد في المساء. من صندوق المراسلات اخترتُ أولًا محادثته مع خمسينة، وكان آخرها تقريبًا يومين قبل مقتل دادي. وبثقة أستطيع أن أقول أن أركان دوافع الجريمة كانت مكتملة، دون دلائل فعلية على تورط خمسينة في قتل صاحبه الشقيق ورفيق عمره.

لكن قلة فقط قد تفهم ما تعنيه المحادثات الأخيرة، ومن الصدف أنني كنتُ واحدا من هذه القلة حيث عشت تفاصيل الكثير مما ذكر في المحادثات الأخيرة.

12

جرت عملية إنتاج وتسويق أغاني المهرجانات في إطار إنتاجي مضاد لكل قيم السوق الإنتاجية. أولاً لم يعترف مغنو المهرجانات بحقوق الملكية الفكرية، وكثيرًا ما كان يستعيرون من بعضهم البعض الجمل، بل والأغاني كَاملة. لم يسجلوا كذلك أغانيهم، بل كانت مشاعًا إبداعيًا متاحًا للجميع يرفعونه على الإنترنت مجاناً ويتركونه مُتاحا للتنزيل لأي شخص فتنتشر الأغاني من التوك توك إلي أجهزة الموبايل، وأجهزة الكمبيوتر في نوادي الإنترنت والبلياردو.

مع تزايد الاهتمام الغربي والفرانكفوني بموسيقى المهرجانات، ظهر إسماعيل كرنب، خريج المدرسة الألماني، والمتمرد الفاشل على طبقته الاجتماعية، حاول لسنوات شق طريقه في عالم الموسيقى، لكنه أمضى سنوات في عزف أغاني الميتال باللغة الإنجليزية في حفلات ضيقة  وخاصة ومُتبَاعدة، ثم حينما تقدم في السن توفى والده فورث عنه مبلغًا من المال أسس به استديو صغير، حوله إلي شركة إنتاج “دواير”.

حمل إسماعيل لقب كرنب من سنوات لعبه موسيقي الميتال ولم أعرف ما أصل الاسم، لكن دادي كان يسخر منه في السر ويقول إنه بسبب حبه لتناول محشى ورق الكرنب، ورفضه تناول ورق العنب.

هبط إسماعيل كالباراشوت على على دادي وعلى شباب المهرجان، بحكم إجادته لأكثر من لغة أوروبية. عمل على تسويقهم في الخارج، ووفر لهم معدات تسجيل مُتقدمة، ووقع العقود مع يوتيوب وغيرها من المواقع، التي كان يبيع لها أغاني الشباب، وفي المقابل يمنحهم بضعة آلاف. نظرتُ للوضع دائمًا كاستغلال واضح وبيّن، ولم أرتح لرائحة كرنب أبدًا، لكن دادي كان ينظر إلي الأمر باعتباره أفضل ما يمكن الحصول أو الوصول إليه.

لا عقود في عالم المهرجانات بل كلمة لكلمة. وكلمة كرنب كانت أكاذيب متسلسلة. بعد عامين اكتشفوا أن كرنب كان يقدم نفسه بصفته مدير أعمالهم، ويتقاضى نسبًا من كل الحفلات والأعمال التي ينجزونها دون أن يخبرهم. وقتها كان فريق دادي قد توسع ليضم الدكتور حاحا، خمسينة، عفريت، وجماعات متعددة من الأصدقاء والمحبيين والتابعين.

أوقف دادي التعامل مع كرنب. ثم بعد أقل من عام ظهرت شركة صوت مصر، التي سعت لاحتكار كل الأصوات على الساحة بالفضة أو الرصاص. عارض دادي الانضمام لصوت مصر، وفضل العودة لجذور التسجيل الحر ورفع الأغاني على يوتيوب والاعتماد على عروض الحفلات والأفراح. لكن أمامي الآن توضح المراسلات أن خمسينة لم يرض بهذا القرار، وتشير المراسلات أن خمسينة قد وقع بالفعل مع صوت مصر، لكن “خمسينة” لوحده هو ظل “دادي”. هو الصدى لصوته، والقائم بأعمال “المردات” عليه حينما يغني. كما أن المراسلات بين الاثنين تشير لخلاف حاد وصل إلي التهديد، حيث أرادت شركة صوت مصر شراء كل حقوق أغاني الثنائي دادي وخمسينة، لكن دادي رفض التوقيع. كيف رأى خمسينة الأمر؟

رد عليه في أحد حواراتهما: “انت كدا شوكة في زوري يا شقيق،  وخاطف معاك كل شغل وسنين تعبي”.

لستُ محققًا جنائيًا، لكن اكتشفت كل تلك المراسلات والتهديدات من جانب خمسينة، والتي كان يرد عليها دادي بمحاولات الاحتواء، ورفضه التوقيع أو العمل مع صوت مصر. “لأنهم شركة عسكر ولو سلمت لهم إيدي النهاردا بكرة رجلهم هتبقي فوق رقبتي”، لذا بتلقائية شديدة رفعتُ التليفون واتصلتُ بخمسينة، الذي فاجأني بترحيب كبير وبدعوة لحضور حفل خطوبته.

13

العيشة ارتاحت. وصلت إلي مدخل الكمبوند، ذكرتُ اسم “خمسينة”، لم يعرفه أحد من رجال الأمن، أحدهم سأل: “حضرتك جاي الحفلة”. هززتُ رأسي بالإيجاب فوصف لي الطريق بعد الاطلاع على رخصتي وتسجيل بياناتها.

وصلتُ إلي الفيلا وأنا أحاول استيعاب أن كل هذا من المفترض أن يكون حفل خطوبة خمسينة، نجم المهرجانات وذئب الحديدة. لا شارع، لا مسرح، لا ورق بانجو، لا أضواء، بل “دي.جي” في زاوية من حديقة الفيلا، وحمام سباحة حوله ينتشر الحضور والضيوف. مبنى الفيلا نفسه بلون أبيض من ثلاثة أدوار على جدرانه حفرت أجنحة لطيور جارحة، وفي أعلى المبنى انتصبت على زاوية تماثيل بيضاء، كل واحد منها بطول متر يمثل النسر المصري الهزيل في وضع محير بين محاولة تصنع الشموخ ومظاهر الاكتئاب. في مقابل المبنى الأبيض ذي النوافذ والأبواب الخضراء يوجد مبنى آخر حديث، لكنه أصغر، من ثلاث غرف ودور واحد أقرب إلي أن يكون بيت حمام السباحة، لكنه مبنيٌ بطراز معاصر، حيث تتداخل جدران الأسمنت المصبوب مع الزجاج المعتم.

لم أشاهد أحدًا أعرفه بشكل شخصي، وإن كانوا جميعًا نجومًا من السينما والتلفزيون، وعاملين في قطاع الترفيه والإعلانات والصناعات الغذائية. ولا شئ من رائحة مجاري مدينة السلام.

لمحتُ الدكتور حاحا في زاوية. كان واقفًا وفي يده “جوب” يدخنه بهدوء في عزلة كما العادة. توجهتُ نحوه، لكن في منتصف الطريق، شعرتُ بحبل من الفرو يلتف حول ساعدي الأيمن ويمسكني، كان هذا ذيل خمسينة.

– صاحبي..

ابتسامته مفشوخة على وجهه من أقصي اليمين لأقصي اليسار. صافحته مهنئًا. لكنه حضنني في مبالغة عاطفية لم أفهمها. وقبل أن نبدأ فاصل السلامات والتحيات. سمعتُ صوت نهيق غريب تبعه نداء على خمسينة. ضحك معتذرًا: “الجماعة، تعالى لما أعرفك”، جرني من يدي فوجدت أن خطيبته، التي أصبح يناديها بالجماعة هى فاطمة الفقمة. الممثلة الكوميدية والمغنية.

ظهرتْ فاطمة منذ سنوات كممثلة كوميديا. كانت ذات جسد نحيل وعظام بارزة ومعظم أدوارها تعتمد على السخرية من جسدها، ثم قررت تغيير كل هذا والقيام بسلسلة من عمليات التجميل. أحدث الصرعات وقتها كانت استخدام دهن حيواني مستخرج من الفقمة بدلاً من السيلكون، لكن لسبب ما تسببت العملية بعد فترة في تحورات جينية لفاطنة، التى غيرت اسمها ليصبح فاطمة وبعد التحولات الجينية منحها الجمهور لقب فاطمة الفقمة، حيث نمت أعضاؤها الأنثوية، وظهر لها لغد تحت ذقنها، كما تغير صوتها ليصبح ذا إمكانيات غنائية وموسيقية حققت نقلة جديدة لها في مشوارها الفني، حيث احترفت إلي جانب التمثيل الغناء الأوبرالي والخليجي، والآن ها هي على الطريق للزواج بخمسينة، نجم المهرجانات الصاعد والذي يصغرها بأكثر من عشرة أعوام.

14

في سلسلة أفلام الأب الروحي كانت الاحتفالات الدينية والعائلية كما في تقاليد المسرح الشكسبيري هي الفضاء المكاني والزماني، الذي تقدم من خلاله الشخصيات وتظهر البذور الأولى لطبيعة علاقاتها. وقد بدت حفلة خطوبة “خمسينة” بداية لفصل في عالم جديد، ربما كان موجودًا من قبل وجودي حتى، لكن سمح لي بدخوله لأول مرة في تلك الليلة.

ارتفعت الموسيقى بعد مُنتصف الليل، لكن من دَاخل البيت الصغير الملحق بحمامِ السباحةِ يمكنك مُشَاهدة كل شيء في الحديقة دون أن يصلك أي صوت بسبب العوازل الصوتية والزجاج المضاعف على الأرجح. بدا المنظر جذابًا أن تشاهد كل هذه الجموع وبعضها يتحرك منفعلاً مع الموسيقى والأغاني دون أن يصلك أي صوت، فقط خرير المياه من الصنبور في الحمام الملحق بالغرفة الواسعة.

صمت صوت الخرير، وسمعتُ صوت كعب عال على السيراميك، ثم صوتها قاطعني من السرحان مع مشهد الرقص الصامت :

–  مضاد للرصاص وعازل للصوت والحرارة كمان.

في الغرفة كان هناك سرير واسع، كرسيان من تلك التي يمكنها أن تتصل بتطبيق على جهازك المحمول لتتحول لوضع تدليك عضلات ساقيك وظهرك ومؤخرتك كذلك، أمامهما طاولة زجاجية وأريكة وثيرة يجلس عليها الدكتور حاحا. على الطاولة كانت هناك سطور من مسحوق أبيض، لكن الدكتور كان يفضل الجوينت مشتعلاً في يده وصفيحة البيرة المعدينة في اليد الأخرى. في الزاوية المقابلة يوجد مكتب بسيط الطراز، خلفه جلس الأستاذ بركات في بدلة واسعة عليه، كما سيظل منذ أول لقاء، وإلي أن يدفنوه على الأرجح.

تقدمت د. فايزة نحوي وهى تمد يدها بالسلام، أحسست بالرطوبة في كفها وكنت لا أعلم لماذا أنا هنا، ومن هى د.فايزة سوى أن اسمها يظهر كعضو منتدب في تكتل شبكات وقنوات الحياة والتحرير والتنوير. كما أعرف أنها شريكة في أكبر شركة إعلانات في السوق، التي تحتكر صناعة الإعلانات الإلكترونية ورعاية المواقع الإخبارية. لا أعرف أيضاً ما الذي كانت تقصده بالمقدمة الطويلة التي تحدثت فيها عن التكنولوجيا وانترنت والعالم الجديد والسوق المليء بالفرص، وموقع يوتيوب، الذي يريد أن يسرق عَرَقَنا وشقانا ويمتص الطاقة من أرواحنا ثم يرمي لنا بالملاليم. أخذت تتحدث وأنا أهز رأسي أو ابتسم، وحينما توقفت لثوان لالتقاط أنفاسها بين جمليتن، نظرتُ لدكتور حاحا بمعنى، “إيه يا صاحبي مفيش حاجة علينا”.

ناولني الدكتور نصف الجوينت مشتعلاً، ويبدو كأن د. فايزة فهمت الأمر كإشارة على تململي. فانتقلت إلي كرسي المساج وجلست عليه، وقد أخرجت هاتفها ايفون وهي تخاطبني:

–        شوف يا أحمد باختصار، أنا عايزة منك خطة مكتوبة ومنظمة لطريقة عمل. إزاي نقدر ننقذ صناعة المزيكا في مصر ونحتوي الشباب اللي على الإنترنت.

هبط صمت على الغرفة. رفعتُ هي الهاتف وهي تكتب شيئا ما على شاشته، ثم أدارات رأسها نحو حاحا قائلة :

–   يعني مثلا تقدر تفهمني إزاي مفيش ولا أغنية مهرجانات وطنية، ولا حاجة لجيش مصر.. ينفع كدا، عايزين الناس تحبكم وأغانيكم تظهر في التلفزيون وتكسبوا فلوس إزاي طيب؟

هدأت أعصابي وارتخت عضلاتي بعد ثالث نفس من الجوينت، وقلتُ هذا حسن.

15

لم يتجاوز حسابي في البنك طوال حياتي الـ12 ألف جنيهًا، لكن بعد شهر واحد من العمل الخفيف القائم على الاجتماعات والتخطيط مع د. فايزة، كان سجل البيانات في الحساب يظهر كيف تجاوز الرصيد الخمسين ألف جنيهًا، كل هذا في شهر واحد فقط. تذكرتُ صيحة شاعر الغية في مهرجان نسيتُ اسمه “نسرق يعنى ولا نبيع بودرة”، في الحالتين لم يكن بامكان أن تجني خمسين ألف جنيهًا في الشهر، وكنتُ أعرف أن هذه هي البداية، لأنه ما أن يبدأ العمل الحقيقي وترتفع المبيعات وتنهمر أموال الأرباح سأحصل على نسبة من الأرباح، لا على أجر شهري فقط.

لم أدر ماذا أفعل بخمسين ألف جنيهًا. أوقفتُ تاكسي، وطلبتُ منه التوجه إلي فندق المواسم الأربعة، قررت منح نفسي جلسة مساج وحمام مغربي وتنظيف وتدليك وباديكير.

16

اعتمدتْ خطة التسويق على عدة مسارات. كنتُ أعلم أن مسار عوالم الليل والأفراح وليالي الحظ في جيبنا، تبقى لديّ مسار كيفية الوصول إلي الطبقة الوسطى وإشعارها بالانتماء وأن موسيقي المهرجان لا تظهرها بمظهر أقل من مكانتها الاجتماعية، إلي جانب الوصول إلى سياق يمَكّن السلطة السياسية وآلات إنتاج الخطاب الوطني من مسار يمَكُنها من التعامل مع هذا الفيض، وهذه الطاقة “الفرتكة” الكامنة في إيقاع المهرجان.

استلهمت مسيرة مغنّيي الراب الأمريكان، وكان المسار هو خلق أيقونة غامضة مليئة بالإشاعات من وفاة دادي، والتي فشل الأمن في تلفيقها لأي شخص وتم قيدها ضد مجهول. وزعت في محطات الميكروباص وأمام المدارس الثانوية والإعدادية بوسترات تضم “بوب مارلي، تو باك، ودادي”. ثم بوسترات متعددة لدادي.

قبل كل هذا بالطبع أقنعتُ الأم الثكلى لدادي والخال، الذي هبط على الأسرة مُقيمًا لدور الذكر الحامي في البرية، بالتوقيع معنا بمقابل مقدم مادي كبير، وحصلنا بذلك على حق انتفاع واستغلال لكل أعمال دادي، التي لم تكن مُسجلة. تولت د. فايزة والأستاذ بركات عمليات شرعنة موسيقى المهرجان ومنتجاتها، تمّ ترسيخ قوانين الملكية الفكرية، رفعا أكثر من قضية على محمود مطبعة، وطاردت مباحث المصنفات “الدي جي”، الذين يشغلون أغاني المهرجانات دون الحصول على تصريح.

في العالم الجديد لم تكن هناك مساحة للمنتجين المغامرين الصغار، كمطبعة أو استديو كانكا. في العالم الجديد منتجات موسيقي المهرجانات تشمل الموسيقى والأغاني، وخطوطًا لإنتاج الملابس والسلاسل والإكسسوارات، إلي جانب البوسترات وإكسسورات السيارات والتوك توك، بل وصل الأمر إلي تصنيع برفانات شعبية بأسماء الأغاني الشهيرة ومغنّيي المهرجانات نجوم العالم الجديد، ثم دون قصد مباشر، غرق الإنترنت بصور وأغاني دادي. كان الصغار يحبونه، وتحوّل بسبب وفاته شابًا، وأغانيه التي امتلأت بالعنف وسرد أحداث العراك والخناقات، إلي جانب الروح الواثقة من نفسها وبأن “المزيكا من راسي لكعبي/ تسمع راب أو تسمع شعبي / أجيب المضمون في الكون بكعبي” أصبح ارتداء التي- شيرت، الذي يحمل صورة لدادي وهو يفتح مطواة وجوينت في زاوية فمه من أيقونات الملابس التي يقبل الجميع على ارتدائها، وعادت الموسيقي القديمة للحياة، لكن هذه المرة لم تكن متاحة للجميع مجانًا على انترنت، بل يمكنك تحميلها بـنصف جنيه من على انترنت. وفي الأعياد والمواسم هناك عروض خاصة يمكنك فيها تحميل الأغنية بعشرة قروش.

خلقنا كذلك خطوط إنتاج جديدة شملت إعادة بعث للمغنين القدامى. خمسينة مثلا أنتجنا له ألبومًا مع عدد من نجوم الغناء العرب. قام بتوزيعه الدكتور حاحا وتحول الألبوم إلي قدس الأقداس في ليالي الأفراح والرقص. شمل الألبوم أغاني حققت تزاوجًا بين المهرجانات والغناء الخليجي وأقبل عبد الله بالخير، حسين الجسمي، وعد، وغيرهم من مغنّيي الخليج على موسيقى المهرجان. كذلك ظهرت أغان كسرّت الدنيا وولعت في سقف المكان، شملت تزاوجًا بين الموسيقى البدوية الشامية وموسيقى المهرجانات. كان المال يتدفق والسيادة تترسخ، وحافظنا في الوقت ذاته على وجود المعترضين والمهاجمين حتى يظل موضوع موسيقى المهرجانات حاضرًا كموضوع للنقاش في برامج التوك شو، والنقاشات الإخبارية، وفي كل برنامج يستضيف موسيقيًا أو مغنيًا من مغنّيي شركتنا، كنتُ أصر على ضرورة الاتصال بحلمي بكر، لكي يقدم مداخلة يهاجم فيها مغنّيي المهرجانات.

مثل هذا الاعتراضات تقوي من شخصية الموسيقى وترسخ انتماء الأجيال الشابة لها، وتجعلها وسيلة للإعلان عن الهوية والاستقلالية في مقابل أمثال حلمي، تمهيدًا للغد الجديد، الذي لا يكون فيه مكان لحلمي سوى في مقبرته بينما يصعد نجوم السعادة.

أنا كذلك كنتُ أودع العالم القديم لحياتي، أبتعد عن الصحافة والكتابة، ويومي يضيع في اجتماعات وترتيبات لحملات إعلانية وحفلات وهلك واستهلاك للوقت والسجائر وآلام في الظهر من قلة المشي والحركة، ونصيحة من أستاذ بركات بضرورة المشي نصف ساعة على الأقل يوميًا، وتحذير من د.فايزة بضرورة المحافظة على لياقتي والتخلص من هذا الكرش، فذهبت إلي الجيم وتناولت البروتين والمكملات الغذائية، غيرت جسدي وازداد معدل استهلاكي للويسكي والكونياك، وكلما شعشعت الرأس ذَكَرتُكَ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِني وبِيضُ الهِندِ تَقطرُ من دَمي، قلتُ ألف رحمة ونور عليك دادي.

لكن مع كل ما صار عرفتُ في قرارة نفسي أن مهمتي لم تنته بعد، كأي فن وكأي نوع موسيقى، لترسيخه في التاريخ الرسمي والوجدان المصري يجب أن يحوز رضا السلطة ويتداخل مع نسيجها الوطني، ودعامته الأساسية هي الخطاب الوطني القائم على الانتصارات العسكرية، كانت هذه هي النقلة الأكثر تعقيدًا.

17

لا يمكن أن ترث الأرض وما عليها ولا أن تحصل على الأربع وعشرين قيراطًا. علاقتي العاطفية كانت تنهار تحت ضغط المشاغل واحتضار الشغف. جلسنا معًا في جلسة للبحث عن مخرج أو إيجاد أي نبض في هذا الحب المتسرب من أصابعنا. لكن رن الهاتف في منتصف الحديث فظهر رقم أستاذ بركات، ولأنني كنت أنتظر هذه المكالمة فقد أجبت، وأنا أقول لها دقيقة واحدة.

أعطيتها ظهري وأنا أجيب على الهاتف. كان بركات يخبرني بأنهم تمكنوا من عقد الاتفاق مع الهيئة لتنظيم احتفالية انتصارات أكتوبر الثورات المجيدة. سألته عن التفاصيل ونبضي يرتفع مع انهمار الأخبار التي كنتُ انتظرها، وحينما أنهيتُ المكالمة والتفتُ لأبحث عنها، لم أجدها في المكان.

18

شملت احتفالات النصر العظيم وثورات أكتوبر مشاركة قوات رمزية من كل الأسلحة، لصنع استعراضات ،مبهرة في ساحة الاستاد. قام الدكتور حاحا بتأليف وتوزيع كل الموسيقى في الاحتفال، من الألحان الشرقية التي صاحبت اللوحات التي صنعتها التشكيلات في الساحة مع تقاطعات أضواء الليزر.

حكت اللوحات قصة كفاح الأمة المصرية شعبًا وجيشًا من فجر التاريخ حتى أثمرت شجرة الوطنية، التي روتها دماء الشهداء. وعلى الشاشة الكبيرة، التي تحتل خلفية المسرح. مع سقوط آخر شهيد في اللوحة، التي تنفذها التشكيلات. ظهرت صورة دادي وهو يقف منتصب القامة مشدود الصدر، مؤديًا التحية العسكرية وعلم مصر يرفرف خلفه، والموسيقي تعزف النشيد الوطني، ثم فجأة تتداخل موسيقى النشيد الوطني مع صوت “البيز” وإيقاعات الطبول الإلكترونية، ويظهر خمسينة على المسرح وهو يصرخ بصوت أجش خشن: “أنا أوزع أنت ترزع / أنا أغني أنت تسمع / مصر بلدي فيك هتوجع”، إلي آخر مهرجان بلادي وبطلي كايد الأعادي، وأكدتُ عليه في هذه الحفلة بالذات أن ينظر ويشير بيده باتجاه الرئيس مع كل مرة يقول فيها بطلي. وفي منتصف الأغنية اقتربت الكاميرا من وجه الرئيس، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة بسيطة، ثم لقطة واسعة للصف الأول حيث يجلس بجواره كبار رجال ونساء الدولة، وبعيني لاحظتُ رِجْل الرئيس اليسرى تهتز مع الإيقاعات. كانت هذه اللقطة أهم عندي من المصافحة التي حظيت بها معه.

19

قررتُ قضاء يومين في المنزل بعد إرهاق تنظيم الحفل الذي استمر لشهور. استيقظتُ بعد نوم عميق. اتجهتُ للحمام وغسلتُ يدي ووجهي، فرّشت أسناني، وقررتُ حلق ذقني، التي لاحظتُ فيها بعض الشعيرات البيضاء.

لكن أولاً قررتُ طهو قطعة استيك مع مكرونة بالصوص الأبيض. خرجتُ من الحمام واتجهتُ للثلاجة لإخراج اللحمة حتى تفك أثناء حلقي لذقني وأخذ الدوش. فتحتُ “الفريزر” فوجدتُ كيس حفظ مغلق بإحكام وفيه ورقة كتب عليها “أنت مع دادي”، فتحتُ الكيس، كانت هناك شريحة لحم بنصف حجم كف اليد، لمستُها بطرف إصبعي. كانت حمراء قانية تقترب من اللون الأسود في بعض أجزائها. وضعتُ طرف إصبعي على أنفي، كانت عليه بقعة حمراء من أثر ملامسة اللحم، ما أن تذوقتها واضعًا إصبعي في فمي، حتى عرفت أنها جزء من كبد دادي.

طرق لتجنب عذاب الجحيم

في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.

أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.

ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.

في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.

قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».

على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.

في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.

يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».

اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.

من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»

في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».

خطيئة الخيال الواسع

والحكاية أن حمودة من عائلة من أقدم سكان الدقي، من زمان كانت فيه أرض زراعية وقد ورثت العائلات عشرات العقارات المتنوعة التي تعيش حتى الآن على ريعها إلى جانب تجارتها في مجال قطع غيار السيارات. وفي سن السابعة بينما كان خاله يعلمه قواعد لعب الكوتشينة، اتفقا على اللعب على الهدوم وبالطبع خسر حمودة فخلع كل ملابسه، في النهاية قال له الخال الشاب: “معدش فيه هدوم بعد كدا، اللى يكسب “البولة” دى ينيك الثانى”.

كان حمودة يعرف أن النيك معناه أن يضع أحدهم شيئاً ما في مؤخرتك، وهو أمر يعزز المكانة الاجتماعية ومعيار للتباهى الذكورى والفشخرة. وبالتأكيد فخاله يهدده على سبيل الهزار، أو لعبة من لعب الكبار. لكنه خسر “البولة”. ابتسم الخال وطلب من الاستلقاء على بطنه على الأرض. أطاع الولد كأى ولد يطيع الكبار. لم يكن الخال رقيقاً، ففزع حمودة، حاول الصراخ لكن الخال كمم فمه بيده، فعض يده وهو يحاول تثبيته.

ذهب الولد باكياً وشرح لأمه ما حدث، لكن الأم لم تصدق ولأسباب تطول شرحها وتتعقد بالدراما الاجتماعية للأسر المُطلقة، فقد تخيلت أن  طليقها أبو حمودة هو من دفع الابن لعمل هذه التمثيلة كيداً فيها. أسكتت صرخته وهدأته ثم منحته جنيه لكى يذهب إلى “نادى رينالدو” حيث يمكنه أن يلعب الأتارى والبينج بونج. لكن عوضاً عن نادى رينالدو توجه حمودة لورشة الأب. كانت مشاعره قد هدأت وتعاملت الأم مع الأمر ككذبة، لكن الأب حينما سأل ابنه للمرة الثالثة: “أنت كويس ياض”. حكى لوالده كيف كان يلعب الكوتشينة مع خاله الشاب وخسر فجعله يخلع ملابسه وقال له “اللى هيخسر لازم يتناك”.

انفجرت القنبلة في عائلة “البلكى” والتي ينتسب لها الأب والأم المطلقان، وحتى لا يتطور الخلاف لما هو أعمق، وحيث أن حمودة كان معروفاً بالخيال الواسع ونسج المبالغات والأكاذيب، فقد تقرر الاستعانة بطبيب من العائلة للكشف على حمودة وتحديد إذا ما كان قد تعرض لاغتصاب أم لا. ولأسباب لا نعلمها مثل كل الأسباب في تلك القصة فقد أنكر دكتور هشام حدوث اغتصاب أو أي تحرش جنسي بحمودة، يمكن أن نخمن لصداقته بالخال أو حفاظاً على الشرف العائلي. هنا انهال العقاب عليه من الطرفين وعاش حياته للأبد في لعنة الكاذب. دون أن يبذل أي جهد لادعاء الصدق أو الكذب، لم يكن هناك أحد يثق في حمودة، لا وعوده، ولا حديثه، أو أخباره، كان حمودة الكاذب بألف ولام التعريف، ولم يجد هو بعد فترة أي سبب يدعوه لتغيير الأمر أو مكافحته، بل العكس انسجم مع الهوية الاجتماعية الممنوحة له ككاذب. وقد رأها صفة تحمى صاحبها من المشاكل وتكسبه الكثير من المميزات.

حينما سأل أدهم:

-أنت عرفت منين كل دا؟

هبت ريح باردة في الشارع، طوحت خصلات من شعر أدهم السوداء الطويلة، أزاحها ابن الصيدلى يتيم الأم، وقال:

-لم أطلب أن أعرف يا حمودة، لكنى رأيت.

 

Pieter_Bruegel_the_Elder_-_The_Cripples
لوحة: Pieter Bruegel : the Elder- The Cripples

ضبطية هانى شاكر

في الأصل، النقابات شرعت كشكل من أشكال التنظيم المدني للمجتمع وطوائفه. والغرض منها الارتقاء بمستوى ممارسي المهنة، وحمايتهم من توغل السلطة سواء كان سلطة صاحب رأس المال أو السلطة السياسية أو الدينية وحتى سلطة المجتمع. يحدث هذا في المجتمعات المفتوحة القوية والتي تستمد قوتها من تعددها، وتدرك أن محرك التقدم هو التنافس الصراع السلمى بين مكونات المجتمع، لا حشده تحت شعارات سلطوية من قبيل كلنا يد واحدة.

مثلما يضمحل المجال السياسي، ويكشف خواءه، ومثلما ينخفض يوماً بعد يوم سقف حرية الرأي والتعبير في مصر سواء على الانترنت أو حتى في الإعلام التلفزيونى، فحرية الإبداع يتم حصارها في تحالف بين وزير العدل سيادة المستشار الزند ورؤساء النقابات الفنية على رأسهم أشرف ذكى وأمير الأحزان هانى شاكر نقيب الموسيقيين.

jan von hollebn
فوتوغرافيا: jan von holleben

منح وزير العدل الضبطية القضائية للنقابات الفنية ومنها نقيب الموسيقيين هانى شاكرالذي أصبح يحمل الضبطية القضائية (هل هنأتم أخيكم هانى فقد صار ضابط). يعنى هذا أن الموكلين من نقابة المهن الموسيقية أصبح لهم سلطة مأمور الضبط القضائي، وحسب القانون فمأمور الضبط القضائي يحق له تقصي الجرائم ومرتكبيها وجمع الدلائل التي تلزم عملية التحقيق في الدعاوى والجرائم ويخضع كذلك لإشراف النائب العام، وله حق دخول جميع أماكن العمل وتفتيشها للتحقق من تطبيق أحكام القانون وفحص دفاتر الأوراق وطلب المستندات والبيانات من أصحاب الأعمال أو من ينوب عنهم.

الجزء الجيد في هذا الخبر أنك إذا أردت العمل في مجال الشرطة ولم تنجح في دخول معهد أمناء الشرطة، يمكنك الانضمام لمعهد الموسيقي، ثم الانضمام لنقابة الموسيقيين والعمل كأمين شرطة. بل وبرتبة أعلى من رتبة أمين الشرطة حيث سلطاتك أقرب لسلطات وكيل النيابة.

الجزء الكارثي من الخبر هو تحويل المؤسسات النقابية التي يفترض بها الدفاع عن أعضائها وصيانة وحماية حرية الإبداع،إلي جزء من السلطة التنفيذية والقضائية. تمتد الكارثة إلي أن سلطة هانى شاكر يمكن بسطها على كامل الأراضي المصرية وعلى كل أفرادها.

لإدراك سلطة هانى شاكر وما تعنيه. تخيل أنك بعدما تغربت وعملت وشقيت وأخيراً أكرمك الله ببنت الحلال وستحقق حلمك بعد طول انتظار لأن الحلال أجمل، وأخيراً ستتزوج وستقيم فرحاً بهيجا في مدينتك المحلية الإقليمية في محافظة الغربية على سبيل المثال. الآن والفرح مشتعل والأهل في فرح وسرور من حق هانى شاكر أو من ينوب عنه، أن يدخل الفرح ويطلب الاطلاع على كل أوراق الموسيقيين الموجودين على المسرح والتأكد من عضويتهم للنقابة، بل وإذا لم يعجبه الفرح ووجد فيه اسفاف فمن حقه القبض على الموسيقيين وسجنهم، وهدم الفرح عليك وعلى دماغ أهلك. لأن أمير الأحزان جنرال مملكة الدموع هانى شاكر يري أن الموسيقي التي ترقص عليها في فرحك إسفافا.

سيكون أمامك في هذه الحالة اختيارين إما أن ترضخ لسلطة هانى شاكر وعصبته، أو تدفع له أتاوة تشبع عينهم وتسكتهم وتجعلهم ينصرفون. الحل الثالث أن تستقدم هانى شاكر نفسه للغناء في فرحك. مثلما يفعل منتجو التلفزيون والسينما حيث يمنحون الأدوار في كل أعمالهم لأشرف ذكى نقيب نقيب الممثلين أو لزوجته أو أقربائه.

لكن إذا دعوت هانى شاكر للغناء في فرحة فسيكلفك الأمر الكثير من المال. فجنرال مملكة الدموع وملك البوتكس في الخدود بعدما كان يغرق في نهر الأحزان، أصبح نقيباً والكل الآن يقدم له فروض الولاء والطاعة، الرجل كذلك مشغول في لم الريالات والدراهم بعد ألبومه الخليجى. وبالمناسبة ففي حفل بهيج بدار الأوبرا المصرية بالمسرح الكبير حيث ممنوع ارتداء الجلباب، غنى هانى مؤخراً مجموعة من أغانيه الخليجية. ولا أعرف لماذا في الأوبرا وليس في فندق خمس نجوم حتى يتمكن جمهوره الخليجى من الدخول بالثوب التقليدي ورمى النقطة والدراهم.

في أقل من شهر على منح الضبطية القضائية يمكن أن نشاهد كيف سيستغل هانى شاكر سلطته، فأول قراراته كانت قرار بمنع فرقة “ابن عربي” للموسيقي الأندلسية والصوفية من الغناء في مصر، وذلك بسبب على شكوى تقدم بها صاحب شركة لتنظيم الحفلات. بدلاً من أن تدافع النقابة عن أبنائها وعن الموسيقيين وعن تنوع المشهد لموسيقي فهى تقف مع رأس المال، وتصدر قرارات بالمنع دون تحقيقات حتى بل فقط شكوي يتقدم بها مواطن.

هذا الحرص الغريب من وزير العدل على آذان المصريين وحمايتها من الاسفاف، وعلى دعم حملة هانى شاكر في مواجهة ما يعتبره هانى انحطاط الذوق بمنع فرقة غناء موسيقي اندلسية من الغناء في مصر. لا يقابله مثلا أي جهد للحفاظ على صحة المصريين أو أرواحهم. لم يمنح الزند الضبطية القضائية لنقابة المهندسين مثلا أو لنقابة الأطباء. وإعلانات علاج البواسير والشرخ الشرجي تغرق المواصلات العامة وشاشات التليفزيون، وتروج للخرافات والأعشاب والمراهم السحرية التي تعالج الشرخ الشرجى بلمسة واحدة. حيث يباع الوهم لمرضي الشرخ الشرجي دون أن يتحرك مأمور الضبط القضائي هانى شاكر أو يتحمس وزير العدل لمنح تلك الضبطية لنقابات آخري. بل أن أحد دجالين العلاج الطبيعي والأعشاب والمحكوم عليه في قضايا نصب سابقاً قد أصبح عضواً في مجلس الشعب ويظهر على التلفزيون ليهدد الأمين العام للأمم المتحدة بالضرب.

لن يغير هذا المقال ولا المقال الذي سبقه شئياً من حقيقة الوضع، الذي يتجه نحو كوارث أكثر وتوسيع أكبر لسلطات مأموري الضبط القضائي لمراقبة الشعب وتربيته على طريقة هانى شاكر، بينما يتزايد عدد حالات مرضي الشرخ الشرجى دون نقيب يدافع عنهم. ربما السبب أن آذان المصريين وما يسمعونه ويشاهدونه يمثل خطورة على سلطة الزند وهانى شاكر، بينما صحتهم وبواسيرهم لا تهمهم ولا تهدهم بالقدر نفسه

البحث عن شبح آية

نشرت في 2015

 ملك يحلم أن يكون فراشة، وفراشة تحلم أن تكون ملك. يتكرر الأمر هكذا في تبادل لا نهائي بلا فرار من الحلمين. يخلق هذا التكرار إيقاع موسيقي “لوب” مستقر، يشيد ببطء عالماً باطنياً من حلمين في منتهى البساطة.

tumblr_l0zk0miwlO1qaujolo1_1280

حينما يلتقي شخصان في مناسبة اجتماعية للمرة الأولي عادة تكون مواضيع الحديث لها علاقة بالطقس، من تعرف في المكان، ماذا تفعل، ماذا تشرب. المرة الأولي التي قابلت فيها آية كان موضوع الحديث كونديرا وماجريت وأفضل مكان في القاهرة لشراء قميص زهري اللون. كان هذا في وسط سأم القاهرة 2008. وكانت آية تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة، أخبرتنى أنها تغني قليلاً مع أصدقاء لها ثم اختفت.

سأسمع عن آية بعد ذلك تغني توزيعات مضطربة كأنها تدريبات دراسية لعدد من الأغاني معظمها لتوم وايتس. ستختفي آية، تُحرق مباني وأقسام شرطة وتسقط هيبة دولة،يحيي العسكر الشعب، ثم يحيي العسكر الإخوان، ثم يحيا الشعب العسكر. يخبو ويشتعل صراع ودورة تاريخ تعبر. وآية وسط ذلك في غرفة تمسك الجيتار وأمام كاميرا وصوت الكمبيوتر تغنى عن نجوم وشجر وزمن ساكن وصحوة بلا صباح.

ستتحرك آية في معظم الحفلات بذات الجيتار تغني في حفلات بأماكن تختارها بعناية. صوت وطبيعة تجربة آية في تلك الفترة كان يتناسب في أفضل حالاته مع أماكن كقاعة “استديو مائة نسخة” بوسط البلد أو “مكان” والاثنان لا يتسع الفضاء فيهما لأكثر من مائة شخص. في مكان حينما كانت تغني آية فهي تجلس في منتصف الغرفة لا يفصلها عن الجمهور مسافة ذراع. وفقط صوتها والجيتار. ليصعد لوب الأحلام بتوالي الأغاني والمقطوعات. تستعير آية معانى متناقضة وقاموسها لا يخلو من الفصحي ودائما هناك كائنات آخري تتحرك معنا في هذا العالم أشباح لشخصيات غائبة وأشخاص تتحاور برسائل مبتورة كأن هناك شيء موجع وساخر غائب تحت هذا اللوب الموسيقي الرتيب المميز لألحان آية، والذي يتحول في الأداء الحي بأماكن ليست ذات طبيعة مسرحية إلي سحابة كأن آية تدخلنا إلي عالمها الذي بنته لوحدها وبفرديتها المميزة.

18320687_1427149007344408_5512314696964294402_o

لا يمكن أن تصحب صوت آية معك بعد الحفلة، ولن تجده بسهولة في تسجيلات علي الانترنت. ولا تهتم كثيراً بتوثيق أعمالها، بل وكثيرا ما تحذف من أرشيفها. دوائر جمهورها الصغيرة والتي تعلق دائماً كيف “أنها دماغ لوحدها” تتداول أحياناً تسجيلات لها ترفعها من حفلاتها تعانى من رداءة الصوت.

 

ستخرج آية من قلعتها في حالات قليلة في البداية لكن على ما يبدو يتغير هذا حالياً. واحدة من المرات ستكون حفلة “كومبو” والتي أقيمت  في مسرح روابط عام 2012، بالمشاركة مع يسرا الهواري ومى وليد وإطلالة خاصة لبيري معتز على “الباص جيتار”. وقتها كان الحفل بمثابة إعلان مدوى عن وجود موسيقي جديدة وفتيات يلعبن ويجربن بآلات موسيقية فردية دون فرق أو أوركسترا تقديم حكايات وحالات موضوعه الأساسي هو الذات وخيبات العلاقات وطرق المقاومة المختلفة لإيجاد طرق ومسارات للحياة في مدينة قاحلة كالقاهرة.

بنات جيل آية من الموسيقيات والمغنيات، سعين إلي تطوير أنفسهم بسرعة، وصنعناً شعبية معقولة تنمو ببطء لكن بثبات. توسعن للعمل مع موسيقيين من بلدان وتيارات مختلفة أنشأن فرق فنية وأخذن قرار بإكمال التجربة إلي النهاية كمغنيات. لكن آية بعد كل حفلة كانت تضع الجيتار في حقيبتها وتجري قبل أن تقترب الساعة من الحادية عشر.

-رايحة فين يا آية؟

بصوت خافت مختلف عن صوتها أثناء الغناء ستكون الإجابة غالباً “بكرة مدرسة لازم أروح”. في الصباح تستيقظ آية في السادسة صباحاً لتذهب للعمل كمدرسة للأطفال، وفي فترة آخري بينما كان زميلاتها يسافرن حول العالم لإحياء الحفلات واستكشاف العالم والموسيقي الآخري، كانت آية تترك الموسيقي وتذهب لتتعلم لسنوات في مدرسة الرقص المعاصرة التي أسستها كريمة منصور.

17879852_1762120020764999_9087253803811318045_o

 تتوالي صور الأشباح عند البحث عن آية، من  العازفة والمغنية، لأية المدرسة، لآية الراقصة، لآية الشجرة، ثم آية على الفيسبوك والشبكات الاجتماعية التي تصرخ في جمهورها “أنا مش مغنية ومش بغني”. ولنفي أي محاولة للتصنيف تشاركنا من داخل قلعتها بفيديوهات تقوم فيها بأشياء بسيطة ككيفية غسل الأسنان بالفرشاة.

في البدايات حينما كنت أحضر لآية تغني لتوم وايتس أو لسيد درويش في حالات نادرة، ورغم أي ملاحظات أو هنات لكن كان من الواضح مساحة الصوت وقوتها الغريبة التي تختزنها آية، وفي التسجيلات والأعمال الأولي كان هناك مشكلة في السيطرة على هذه القوة والمساحات العريضة لكنها دربت هذا الصوت، مع الجيتار تحولت هذه القوة إلي جزء من “اللوب” الدائري لايقاع الحلمين وربما الأحلام المتعددة لشبح آية.

تتهرب آية من التصنيف ومن حصار المغنية أو الفنانة، لا تسعي للجمهور وخجولة في التجارب التي تختارها، تجلس داخل قلعتها وتفتحها لمن ترغب وتسمح له بالدخول. مؤخراً فقط بدأت في الانسجام أكثر فأكثر مع حالة آية المغنية. في سيناء في شهر سبتمبر الماضي مع فريق “كلاب المطر/ RainDogs” وعلى شاطئ المعجنة بينما الكلاب تلعب كانت آية طوال الحفلة تكرر آهاتها وجمل وكلمات وقصيرة كأنما الصوت تحول لآلة موسيقية تحمل نجوم سماء سيناء.

هذا الشتاء تخرج آية كثيراً لتحيي حفلات في مسارح وأماكن متعددة والجيتار الذي كانت تحمله أصبح يصحبه الآن مولف موسيقي إلكيترونية، حيث تستخدم النبضات والدفقات في أغانيها الجديدة. ليندمج الصوت مع الضوضاء كأنها تتحول لشبح يلوح لنا من عالم آخر.

21125447_1660396340699948_8014519751768400224_o.jpg

كان نائماً حينما قامت الثورة.. يا بختك يا عمدة

هناك طائفة سرية بدأت بالتشكل بدون وعي كامل بعواقب أفعالهم منذ منتصف التسعينيات. هذه الطائفة السرية تزايدت شعبيتها وعضويتها ومحبوها في العقد الأخير بفضل الإنترنت وبفضل اتساع دائرة من أتيح لهم معرفة جوهر الرابطة الخفي. تتبع هذه الرابطة آثار شاعر ومهندس فاشل للعالم يدعى عماد أبوصالح.

c03c6a495726988fb40c9c00bc568631

منذ منتصف التسعينيات وعماد أبوصالح يتحرك كما نسمة هواء لا يمكن رؤيتها بين الحديقة والمزبلة بحثاً عن الشعر. وخلال العشرين عاماً الماضية. أصبح عماد أشهر شاعر سري. يكتب الشعر بهدوء وملل وهو يقطع البصل بحب كما يخبرنا في ديوانه الأخير. يجمع قصائده في دواوين، ويرفض أن تطبع هذه الدواوين في دور نشر خاصة أو حكومية، بل يطبعها في نسخ معدودة على نفقته الخاصة، ويختار المحظوظين من جماعته السرية ليوزع عليهم دواوينه.

لا يظهر عماد في التلفزيون ليبتز الجماهير بقصائد تتوهم الفخر والانتصارات الجماعية لترويها. ولا أذكر أنى رأيته أو سمعت أنه ألقى شعره في أي مكان عام أو مناسبة مفتوحة. وفي ديوانه الأخير الذي صدر مؤخراً يخبرنا أنه «كان نائماً حينما قامت الثورة«.

وجدت قصائد عماد طريقها للإنترنت، فالمفارقة التي تشكل جزءا من بناء القصيدة لديه، يسهل تقطيعها وتصنيع جمل جذابة عند نشرها على الإنترنت. المفارقة هي الأخت الصغرى للإفيه. والاثنان من عوامل الجذب الأساسية على الإنترنت. ظهر جيل كامل من الشباب لا يعرفون عماد ولم يسبق لهم أن أمسكوا بكتاب من دواوينه ذات الأغلفة البيضاء. لكنهم يعرفون قصائده وينشرونها على الإنترنت. بل أحياناً يختارون صورا بالأبيض والأسود أو أخرى من صور الكيتش المختلفة ويضعون معها مختارات من أعماله.

عماد الخائف من الأضواء والذي سعى طوال عمره للابتعاد عن ماكينة الاستهلاك ودائرته، أصبح اليوم كاهناً لكنيسة سرية على الإنترنت. يكفي أن تكتب اسمه في جوجل لتظهر لك أبوابها وأعمدتها السبعة المتابينة.

** *

بعد الطلاق أو الانفصال لا تتكسر الآمال العريضة فقط. بل يترك الإنسان في العراء بلا أي أمل. يفقد البعض الإيمان بالعالم، وأحياناً الإيمان بأنفسهم وقدرتهم على النهوض من جديد. يقول سائق «التوك التوك» في استيتوس مؤثر على ظهر مركبته (الحب مات بسبب البنات).

الجموع التي اندفعت بالعواطف الحارقة والجياشة طوال السنوات الماضية، خبطت في جدار من الإحباط، ولم تستخدم مرهم لتقليل حرقان العواطف وهى تصرخ بالثأر وتمجيد الشهداء. أصبحت مثل الزوجة المخدوعة أو الزوج المتهور الذي رمى يمين الطلاق وجلس يعض أصابع الندم. وفي أوقات الندم يختفي أيضاً شعراء الابتزاز العاطفي، هؤلاء اللصوص الذين ينتحلون لقب الشعراء ويتغذون على القصائد القبيحة التي تداعب عواطف الجماهير. لا يهم المعنى، بل يهم الجماهير. يمكن للشاعر اللص أن يكتب اليوم قصيدة عن الميدان، وغداً عن ضحكة المساجين، وبعده مطالباً بحرق كل ما سبق ما دامت هذه رغبة الجماهير. وحينما تفقد إيمانك بالجماهير وتستيقظ من خدعة المثالية وأننا كلنا واحد، هنا تبرز أهمية شاعر كعماد أبوصالح.

في ديوانه الأخير وتحت عنوان «ذم الثورة» حينما يتحدث عماد عن البطل يقول:

يا إلهي

كم هو رائع

هذا الشاب هناك!

يتقدم الصفوف

ويفتح صدره للرصاص

يعالج الجرحى

ويتنازل عن طعامه القليل للجوعى

كأنه نبي

أنا معجب به

إلى كل طفل

يحلم أن يكون بطلاً،

تعلم منه

لتثور ضده

بنفس طريقته.

حين يصبح

ديكتاتور المستقبل.

فقط الشاعر الفاشل في هندسة العالم، هو من لا تخدعه هتافات أبطال البانجو وتجار الثورات، بل لا يستسلم لديكتاتورية الجماهير التي تطلب منه أن يكون مهرجاً يسليها كهويس الشعر، أو يداعب صورتها الشوفونية عن ذاتها كهؤلاء الذين يتغنون في عظمة مصر وشعبها. الحرية لا يمكن أن تكون في يد الجماهير الثائرة لأنها كما يقول عماد: «لكن الحرية عصفور/ يرتعب/ ويطير عالياً/ لئلا تمسك به/ كل هذه الأيدي/ لئلا تلتهمه/ كل هذه الأفواه الجائعة».

user9142_pic4033_1226538635
عماد أبو صالح في صورة شبه رسمية

يُرمى الشعراء بالمثالية والسفه العقلي الذي يجعلهم مروجين للشعارات المثالية التي لا تقبل التنازل. صرخة أمل دنقل لا تزال حتى الآن مرفوعة بل قد نرى ظلها في الجرافيتى على الحائط «لا تصالح.. أبي لا مزيد/ أريد أبي عند بوابة القصر». الآن وقد تبددت سحب العواطف الثورية والتشنجات والمزايدات الوطنية والتي يتضح مدى الأخطاء الفادحة التي دفعتنا هذه العاطفة لارتكابها. يأتي شاعر كعماد أبوصالح لا ليزرع الأمل أو ليعطينى حق الأحلام والشعارات المثالية. بل ليهندس خرائبنا ويذكرنا بضرورة أن نحلم لأنفسنا أولا لا لحكام يرتدون النظارات الشمسية حتى داخل الأماكن المغلقة لكى لا يبصروا سوى صورتهم فقط. ماذا عن أحلام عماد نفسه؟ يختم ديوانه بحلم واحد حينما يقول:

«لا أحلم بأن يشرب الذئب مع الخروف من وعاء واحد. هذا حلم كبير. لا أحلم بأن يتوقف الناس عن متعة القتل. إن هذا مستحيل. كان حلمي أن يظل القاتل قاتلاً والقتيل قتيلاً؛ دون أن يختلط علىّ اليد التي غرزت السكين والقلب الذي تلقى الطعنات. هابيل حبيبي. أفرح به حين يرفض مد يده، ليبادل ابن أمه طعنة بطعنة. قابيل حبيبي. أفرح به وهو يبكة من الألم حين رأى جثة أخيه عارية، محرومة الروح في العراء.

أحلم بالحياة، حلبة مصارعة، بالعدل، بين الخطأ والندم، لا منتصر فيها ولا مهزوم».

ضرورة الشعر في مزبلة الوعى الجمعي

نشرت في المصري اليوم 2015

1

انظر إلى الحملة على السبكى مثلاً. أنه مصلوب في أحلام وخيالات قطاعات عريضة من الجمهور كصانع للمتعة ومرتكب للخطيئة في ذات الوقت.

عموماً البعض يستمتع بالفن، والبعض لا يستمتع. لكن الجميع يشترك في تلك الرغبة الحارقة في توجيه الفن والفنانين وتحديد ما يجب أن يكون عليه. في السنوات الأخيرة تحديداً فالضغط على ما يجب أن يكون عليه شكل الفن في مصر أثمر صفر للسينما المصرية في مهرجان القاهرة الأخير وفي معظم المهرجانات العالمية، ورقابة يقودها هاني شاكر ومعهم السادة أمناء ونقباء الشرطة في النقابات الفنية، على كل من يتم ضبطه متلبساً بارتكاب الفن. كحملة مخططة لتجفيف منابع الفن، وحصار منتجيه.

2

يقولون للفنان أنت تسئ لسمعة مصر، كاره لمجتمعك وناسك لا تري ولا تظهر إلا القبيح. وإذا قدم منتجاً تربوياً يتثاءب الموزع في المشاهدة ويعرض عليه بيعه للتلفزيون المصري أو الشؤون المعنوية لتخزينه وسط غيره في المهملات.

يقولون للفنان عليك أن تري الجمال، أن تشعر جمهورك بالجمال والحب والقيم الإنسانية النبيلة. يطالبون الفنان أن يفقأ عينيه، ويثقب طبلة أذنيه، ويتحول لإنسان ينفث الجمال متوهمين أن ذلك وحده كفيل بخلق عالم جميل. مثلما يتوهمون لعقود طويلة أن ترديد الأغاني والأناشيد الوطنية ووصف كتابها بالشعراء الكبار وشعراء الضمير والقولون كفيل بجعل مزبلتهم بلداً، ودولة عظمى. يقودها كما أفسد ذوقنا شعراء القصائد الغنائية، قبطان/ فارس/ ريس/ مجدع. على اعتبار أن اصباغ الصفات الشعرية خلال عقود طويلة من زمن الجمهورية كفيل بنزع القوادة وإكسابه الجدعنة والفروسية.

3

يريدون للفن أن يكون متوقعاً. نسخة مما عرفوها قبل ذلك. محاكاة لما اتفقوا عليه فن راقي، وفن قومى، وفن يحمل اسم مصر. وهو الأمر المستحيل ببساطة لأن جوهر الرغبة في الابداع تنبع من مخالفة ما هو سائد، وهى مخالفة منبعها أن أصل الحياة حركة. والفن هو انعكاس للذات الفردية للمبدع وما ينطبع فيها من عالمنا. والاثنان العالم والفنان متغيران. والفن الممسوخ الذي تفرضه الآن السلطة برؤوسها الثلاثة في مصر (المال، الدولة، المؤسسة الدينية) هو انعكاس لأزمة رؤوس هذا السلطة، التي تحاول تجميد اللحظة طمعاً في خلود طمأنينة خادعة تعيش فيها متجاهلة حقيقة أن المزبلة قبل أن تكون واقع معاش هي في قلب وعيهم.

4

لنخاطب بعض ما تعرفه، حتى نصنع أحجية. مثل هذه الأحاجي تشكل الطعم الذي يتم اصطياد القارئ به.

بعض القراء قد يعرفون ما يعنيه الحرفين «أ.ص». نعم صديقتى، أنه أدهم صبري رجل من طراز خاص. يحمل لقب شعبي «رجل المستحيل» بمقداره التنكر في عدد من الشخصيات المختلفة، لكنه يصر دائماً أن تحمل شخصيته الحروف الأول من اسمه «ا.ص». إذا اختار اسماً لاتينياً سيكون «أميجوصاندو». إذا اختار اسم شاعر سيكون أدهم الصفتي.

الشعر يختفي تحت ثقل الأداء المسرحي والدرامي، حيث أصبح هناك شعراء مخصصون للشاشات يتلون ويغيرون النبرات ويفتعلون المحن بلا سبب مفهوم. إلى جانب شعراء الفيسبوك والسوشيال ميديا، آلهة «اللايكات». حيث القصيدة تبنى على المفارقة والأفية. و«الاورجازم» لدى الشاعر يتزايد مع كل «لايك» حتى ينفجر لحظة أن يري صورته «كافر فوتو» بصحبة قصيدة يخبرنا فيها كيف ذهب للجلوس على قهوة فجلس على الشاي الذي كانت تشربه الحبيبة.

لكن أدهم الصفتي ينتمى لفصيلة آخري، فصيلة على وشك الانقراض. على ساعده يحمل وشم بالانجليزية «Apocalypse» وترجمتها بالعربية لا تفرق كثيراً «أبوكالبيس». افهمها أنت كيوم القيامة، أو النهاية الكارثية. وفي ديوانه الشعري الذي صدر مؤخراً عن دار نشر «ابن رشد»خصص لوشم ذراعه أكثر من قصيدة لا تحذيراً من نهاية كارثية قديمة على طريقة الشاعر المتنبئ. بل ليفتح العيون المغلقة بمشرط.

5

شاعر نهاية العالم حامل أحرف رجل المستحيل، يخصص صفحة وقصيدة واحدة في ديوانه «مزبلة الوعى الجمعي« ليحدثنا عن الوفاق الوطني كاتباً:

«استعدنا عادة الضرب على الأقفية، وبنينا حضارتنا ثانية، كل احمرار يحمل ملهاة، وكل ابتسامة تحمل حجراً من سد، تشققت الأيدي وهى تحمل الصبار. وصارت الصحاري بلا شوك.

السفلة لم يستمعوا إلى! عادة ضرب الأقفية تقترن ببناء الحضارات. ودون كذب، ليس بالابتسام وحده يكون الوفاق الوطنى.«

6

شعر لا يبتذل نفسه من أجل تقديم محاكاة لجمال لم يعد موجوداً في عالمنا. في زمن أصبحت الرغبة ومجازات وصور السعادة هي المبتغي الذي يتم تسويقه لا الجمال ولا الطبيعة الرومانسية النائمة. ربما لأن الشاعر مثلنا جميعاً لم يعش طفولة سعيدة ولم يري الجمال الذي تتحدث عنه القصائد أو كما يكتب أدهم عن طفولته:

«لم أجر كأهبل نحو بائع حلوى، ولا ضحكت جداً لنكتة بذيئة

أبليت بلاء حسناً، فأنا الآن لا أحمل كل هذا الجمال على ظهري«

شعر لا ينافق أملاً في نشر قيم وصفت لقرون بالنبالة من قبل منافقين كتبوا الشعر كمزايدة أخلاقية. فقط أدهم الصفتي هو من يمدح صفة كالكذب وجماله كاتباً:

«الكذب هو أحمر الشفاه في وجه البنت. فستانها الذي يخفي عيوب جسدها، الكحل في عينيها الضيقين، هو الصورة المعلقة على حائط تقشر طلاءه. استقامة ظهرك حين تري رئيسك في العمل. نظرة الثقة في عينيك أمام ضابط الشرطة وهو يري بطاقتك، هو اللعبة الرخيصة الملونة في يد طفل، هو مباراة رديئة تتخللها مشاجرة يعلو بسببها صوت معلق التلفزيون

الكذب إشارة مرور خضراء تجعل الحياة تمر.«

7

وماذا إذن عن الحب أو الرغبة التي قد تتخفي في ثوب الحب يا أدهم..

«ربما يحضر منشاراً كهربائياً يصلح لشق طريق في جدار غرفته –التي أساساً تحتاج إلى رتق- يمر منه إلى غرفة جارته السمينة، التي يغنى لها كل صباح:

أنا ضائع دونك يا حلوة، مثل كلب لا يجد عظمته«