لكن منير ليس مسؤولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

 

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

لكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

مدينة العابر المقيم، 6أكتوبر

نشرت في مجلة شاهد للدراسات والمقالات العمرانية سنة 2013

The_Sorrows_of_the_King
اللوحة لهنري ماتيس

هناك مخيمات للاجئين، منازل إيواء للمهاجرين، لكن كيف يمكن للاجئين والمهاجرين أن يؤسسوا مدينة. لقد كنت محظوظاً حيث أعيش في واحدة تدعى مدينة “6أكتوبر”. هي بامتياز مدينة اللاجئين والمهاجرين من مدن آخرى داخل مصر ومن خارجها.

تحمل أغطية البلاعات في 6أكتوبر تواريخ متفرقة من سنوات الثمانيات، مما يدل على أن أعمال البنية التحتية بدأت في المدينة في تلك الفترة بغض النظر عما تقوله الأوراق الرسمية. بعد وضع أغطية البلاعات بعقد من الزمن بدأت نواة المدينة السكانية في التشكل مع منتصف عقد التسعينات وبداية الألفية حيث افتتحت فيها أكثر من جامعة خاصة.

مثل الطلبة النواة الأساسية لسكان المدينة، معظمهم من محافظات مختلفة من مصر وطلبة عرب منحتهم الجماعات الخاصة الفرصة لتحقيق أحلام الطبقة الوسطى في الحصول على شهادة في الطب أو الهندسة وحتى إن لم تكن درجاتهم في الثانوية العامة كافية، ظهر العمال أيضاً في الأحياء الشعبية للمدينة حيث يعملون في المنطقة الصناعية. لكن أماكن تركز الطلبة والعمال ظلت في أحياء محددة معظمها ذات نمط معمارى واحد انشأته الدولة. لكن الموجة الأهم كانت بعد حرب العراق الأخيرة حينما تزايد عدد اللاجئين والهاربين من الحروب الطائفية والتفجيرات في العراق.

وضع جهاز المدينة مجموعة من الشروط التي تحكم الأبنية والبناء في أكتوبر، فهناك معيار محدد لعدد الأدوار في كل حى، ويتدخل الحى في حالة مخالفة شروطه وإزالة الطوابق الزائدة، لدى الجهاز أيضاً قائمة بالألوان التي يمكن استخدامها في طلاء المنازل والبنايات من الخارج، بالتالى فمساحة التغيير والتعديل في عمارة المدينة تظل محدودة بشروط الدولة المصرية.

لكن مع الحرب أضفي العراقيون على المدينة الكثير من محلات الطعام العراقي والخبز العراقي، ارتفعت الإيجارات بشكل ملحوظ لكن لم يعرب أحد عن ضيقه، اللاجئون القادمون للمدينة ليسوا كلاجئين المخيمات ولا يتسولون صدقة من أحد، بل جاءوا هاربين بكل ممتلكاتهم لتأسيس مدينة جديدة. ومثلت موجات العراقيين ثم السوريين بعد ذلك أوقات انتعاش لاقتصاد المدينة، تكرر مع الموجة السوريا التى بدأت منذ حوالى سنة. الشارع الذي أسكن فيه منذ حوالى أربع سنوات أصبح يمتلئ بالمحلات ذات اللافتات السوريا، الجزارة الشامية، مخبز دمشق، حلويات حلب، وأخيراً مطعم الجنانى. اختفت من الحى الثانى تقريباً جميع اللافتات المصرية حتى أصبح المكان كأنك تعيش في جيتو سورى صغير.

عدم وجود هوية للمدينة سهل على اللاجئين والمهاجرين استدعاء ذكرياتهم ومدنهم التي تركوها لإحلالها في الفراغ “الأكتوبري”. وضع مطعم الجنانى لافتة كتب عليها “فرعنا الأساسي دمشق ميدان دوار باب مصلى، فرعنا الثانى مصر الحنونة 6 أكتوبر”  يقدم المحل الوجبات الشعبية فول وفلافل لكن بالطريقة السوريا حيث الاعتماد الأكثر على الحمص، بالتالى يأتي الفول والفلافل مختلف تماماً عما تعود عليه المصريون منذ أجيال طويلة. يعمل العاملون ومعظمهم سوريون في مطعم الجنانى أيضاً بالطريقة السوريا. فهناك معلم مسئول عن طاسة الزيت وآخر يتولى عملية تغليف السندوتش وآخر يشرف بنفسه على وضع مكوناتها، ويرفض أن يمس أي من مساعديه الخبز أو مكونات السندوتش بل يتولون عملية التغليف فقط. وبدلاً من السلطة والطحينة التي تشكل الإضافات الوحيدة على السندوتش المصري. يتحرك المعلم السورى بين تشكيلة متنوعة من الإضافات تبدأ من المايونيز والثومية والطحينة وشرائح البطاطس مقطعة في أوعية منفصلة، وبالتالي يضاف إليك ميزة اختيار مكونات السلطة.

ذات يوم وبينما كنت انتظر سندوتش من المعلم في واحدة من لحظات الذروة، تابعت حيرة المعلم ومساعديه وإصرارهم على اتباع نظامهم في العمل أمام الزحمة وتدافع الأيدى عليهم، كان العاملون يتحركون بتأنى بالغ في إعداد كل سندوتش الأمر الذي يستغرق وقتاً أطول وبالتالي يشعر الزبائن المحشورون في الزحام أمام الشباك بالضيق والتبرم ويبدأون في الصياح مطالبينه بالأسرع. ظهر وسط الزبائن شاب عراقي أخذ يراقب المعلم السورى لدقائق ثم خاطبه بلهجة مصرية ذات مخارج حروف عراقية “يا معلم مش هينفع هنا في مصر الشغل دا، مش لازم تعمل كل سندوتش بنفسك، هنا الدنيا زحمة”.

كان العراقي ينقل له في جملة بسيطة جانب من خبرته التي اكتسبها من سنوات إقامته للمعلم الحائر الذي يبذل جهداً في الحديث مع الزبائن باللهجة المصرية. تبدت لى الروح الجديدة للمدينة التي عرفتها منذ أن كانت مساكن خاوية. روح قلقة لكنها ساكنها تبحث عن إقامة وتبنى مدينة لا تعرف هل تكون مدينتها بقية حياتها أم يكون للعودة موعد قريب.

أعداد السوريون في  6أكتوبر، تتجاوز تلك التي عرفنها مع العراقيين، وبينما كثير من العراقيين استغل 6أكتوبر كمحطة في تغريبة طويلة، يبدو السوريون مطمئنين أكثر للمدينة، يشترون البيوت ويتوغلون في قطاع العقارات، يفتحون المحلات ويعقدون شراكات طويلة مع آخرين مصريين، أمام محلاتهم يمدون النجيلة الخضراء المزروعة، لمسات السورى في فراغ المدينة تبدو واضحة، يتعاملون براحة كبيرة مع الفراغ، حتى مؤخراً في المناسبات الدينية أصبحوا يغلقون بعض الشوارع وينصبون مسرح في الشارع تغنى عليه فرقة حلبية موسيقي شرقية تراثية، يذهب الأطفال إلى المدارس ويكبرون عاماً في المدينة، ومن النافذة تأتى أصوات لهوهم تختلط فيها اللهجات مع بعض الكلمات الإنجليزية.. روح جديدة، وشيء ما يحدث هاهنا في 6 أكتوبر.

تجربة شارع مصدق: التحرش بين ضفتين

نشرت في المدن عام 2013

 

يقع مقر عملي الذي أمارسه طوال العام الماضي في شارع مصدق بحي الدقي في القاهرة، على جانبي الشارع تمتد مبانى عشرات الشركات الكبرى بداية من مجموعة طلعت مصطفي وحتى أحد مكاتب مجموعة “هيرمس” إلى جانب البنوك والكافيهات المتنوعة. هذه ليست منطقة برجوازية لكنها منطقة مَال وأعمال، ورواد الشارع في الغالب من “الناس الشيك”.

لكن نظراً لظروف عملي التي تفرض العمل حتى وقت متأخر حتى بعد منتصف الليل أحياناً، فقد لاحظت كيف وبانتظام يومي بعد الساعة الثامنة مساءاً تظهر فتاتان أو أكثر وتقفان في زَاوية ثابتة من الشارع. أحياناً تظهر واحدة وأحياناً يظهرهن في مجموعة من ثلاثة أو أربعة. تمتد الوقفة في أيام إلى السَاعةِ الواحدة بعد منتصف الليل.

بدا واضحاً طبيعة المهنة التي يقومن بها، والغرض من وقوفهن في هذه الزاوية، لكنى اندهشت من تواجدهن المستمر ليلاً، ومعظم الوقت بدون أي حماية يوفرها ذكور كما تقتضي تقاليد هذه المهنة العريقة. وحتى العاملات في هذه المهنة في مصر لا يقفن في الشارع بمثل هذه الطريقة، لكن شارع مصدق كشف لي أن هذا المجتمع من الصعب معظم الوقت التنبؤ بردود أفعاله.

من نافذة مكتبي تابعت كيف ينصرف الجمهور عن فتيات مصدق، أحياناً كان يصل الأمر إلى أن الفتاة هي التي تطارد شاب يسير في الشارع وتتحرش بهم، أو توقف أحدهم لطلب سيجارة فيهرول هارباً. الطريقة التي يقف بها فتيات شارع مصدق كانت تجعل زبائنهن المفترضين يشعرون بالتوتر، فالواحدة منهن لا تنظر للأسفل بل عيونها تراقب كل حركة الشارع، وإذا مررت بجوارها فلن تصرف وجهها أو تتصنع البرود بل تنظر في عينك بنظرة مُتحدية.

لكن على الضفة المقابلة من الشارع يقع أحد مراكز خدمة العملاء التابعة لشركة اتصالات “وكافية” فخم بالتالى تعج الحركة بفتيات الطبقة الوسطى محجبات وغير محجبات يسيرن كما تفرض عليهن مدينة القاهرة، الأكتاف مضمومة، الظهر من أعلى متقوس، الرأس لأسفل والعين في الأرض تنظر فقط لموضع قدميها. وبينما تعبر الطريق أو تدخل أو تخرج من أحمد المحلات، ينطلق سيل التحرشات المختلفة من العابرين في الشارع، شاب يلقي بكلمة بذيئة بصوت عالي، آخر يبطء من سيارته ويخرج رأسه ويلقي بكلمة آخر، ثالث يعبر فوق درَاجة نارية فيمد يده ويمسك قطعة من جسد الفتاة.

تابعت على مدار عام هذا التناقض بين ضفتي شارع مصدق ليلاً، ففي جهة تقف فتيات يحترفن الدعارة ولا يجدن زبائن، وفي الجهة الآخري فتيات لا يفعلن شيئاً سوى مُحَاولة عبور الشارع فتتحول إلى مُغَامرةِ خطرة لتجاوز المعاكسات والتحرشات.

بل شاهدت ذات يوم راكب دراجة نارية اقترب من فتاة وكان على وشك الاصطدام بها ثم مال يساراً في آخر لحظة ليتفاداها، وأطلق جملة معاكسة سخيفة. نفس الراكب استدار عند نهاية الشارع إلى الضفة الآخري وحينما أوشك على العبور بجوار “فتيات مصدق” الواقفات في ملل أبطء من سرعته وهو يتأملهن متوجساً، وما إن اقتربت واحده منهن وهى مبتسمة حتى ضغط على البنزين وانطلق بأقصي سرعة مبتعداً.

ليس لدى استنتاجات كبيرة أو عميقة تفسر لماذا يهرب الذكور المتحرشين من فتيات شارع مصدق العاملات في مجال الخدمات الجنسية؟ ولماذا نفس الذكور يستعرضن بذائتهم وفحولتهم بالتحرش بفتيات يتلبسهن الخوف منذ خروجهن من بيوتهن وحتى عودتهن.

ليس في الأمر علاقة بالكبت الجنسي، وبالتأكيد هو بعيد تماماً عن غياب التربية وضعف الأخلاق والقيم الدينية إلى آخر هذه الخرافات التي يتم الترويج لها كسبب من أسباب التحرش. وليس لدى إجابات الصراحة، وإن كانت تجربة مصدق معمل اختبار يمكن أن نفهم منه شيء ما..

علي طالباب: الكلام الكبير للمعاني الواضحة

أنا الديك اللي باض، والثور اللي اتحلب

القانون اللي اتركن، والدستور اللي انكتب

أنا القاضي والمحامي والمتهّم القتيل

أنا الراجل اللي بشنب بالل نفسه على السرير

علي طالباب

يبدو الجدل والصراع بين الثنائيّات المختلفة الذي شهدته العقود الأخيرة في التاريخ الثقافي المصري بعيداً الآن، فلا أحد يفاضل بين قصيدة النثر والشعر الموزون، أو بين الذاتيّة في الإبداع والمسافة مع البروباغندا الأيدلوجيّةهنا تحديداً، وبينما يأخذ إم سي أمين الراب نحو الشارع وتصعد موسيقي الراب والمهرجانات من الشوارع الضيّقة التي يصل بينها التوك توك، يظهر على طالباب مطوّراً تقنية رص الكلام” من الراب نحو ما يصفه أحياناً بـروايات شعريّة“.

لا يجد طالباب مشكلة في المزج بين العاميّة والفصحى في أغانيه، أو أن تأتي بعضها فصحى تماماًولا يبدو له أن هناك أي تناقض بالاستعانة بصوت أمل دنقل يلقي قصيدة الكمان” في إحدى أغانيه، وأن يستخدم صوت يوسف رخا – أحد المحاربين القاسيين في قصيدة النثر الحديثة لكل ما يمثّله أمل دنقل – في أغنية آخرى مضاجعة الوقت“.

على المسرح، لا يقف علي طالباب مثل بقيّة مغنى الراب أو المهرجانات وخلفه دي جيه، بل فرقة صغيرة عمودها الأساسي البايس غيتار” والدرمز“. لا يخجل طالباب من التصريح في أغانيه بأن الاشتراكيّة هي الحل، ولا يخفي أحياناً هذه التوليفة الصوفيّة التي تظهر في أغانٍ أخرىلكن أعمال طالباب ليست موجهّة فقط في البصق” حرفيّاً على كل رموز السلطةمن العسكر حتى تجّار الدين، بل يبدو واضحاً أن الغضب داخل أعمال طالباب يتوجّه أكثر نحو ذلك البؤس المتزايد في الشوارع الخلفيّة في المدينة.

تفتح آهات أم كلثوم في كلمة حبيبي” السرديّة الصوتيّة الطويلة لعلي طالباب (14 دقيقة)، يليها طنين بعيد مولّف إلكترونيّاً، ونغمة بسيطة تخفت في الخلفية، ثم يدخل صوت يوسف رخا: “كل هذه السنينيا صاحبيوكأنّنا هنا عن طريق الخطأننتظر حتى تفرغ الشوارعلنقود مركباتٍ غير مرّخصةونواجه جنود المعابر بالضحكة الصفراء والنقودنحلم بأماكن ولو وجدت/.. نحن لا ننفع لها، يا صاحبي“.

وكما في أعمال أخرى لطلباب، فالغلظة وخشونة الألفاظ ووحشيّة الصور تنتشر في السرديّةوجه آخر لخشونة الثورة. إنّه الغضب الانفعالي وما يصفها الخبراء والمحللين السياسيين بـالمراهقة الثوريّة“.

روح جديدة لا تفهمها النخبة السياسيّة ذات الشعر الأبيض التي تتصدّر المشهد، ويستمرون في ترديد أسئلتهم الحائرة أمام هذا الغضب المراهق، يتساءل السياسي ما الذي يريده الأولتراس؟ ما الذي يريده شباب الثورة؟

يعطيهم على طالباب إجابة مختصرة: “بالنسبة للدولة، إرداة إلهيعنى ملكيش ديّةخليها تتحرق بعشوائياتها بعششها في الضواحيبشحاتينها مشوهّينهاباللي حاكمنا في برج عاجيخليها تنطبق بلجانهابلوائحهاومجالسها/ونظامها الضريبيخلى سمواتها السبع فوقها تنفجر“.

رشيد طه: عجوز يتأمّل تفتُّح الورود من سقف العالم

يختتم رشيد طه عشرين عاماً من التجارب واللّعب والغناء منذ أول أسطوانة له (1983) “Carte de sejour” بأسطوانة جديدة صدرت مؤخراً تحت عنوان “زووم“. بلهجة تقريريّة متواضعة، يقول رشيد في واحدة من أغاني الأسطوانة: “ومشروعي أنيق. أنيق، وصافي“. ربّما تغيب الأناقة عن بعض أعمال رشيد السابقة، إلا أن “الأناقة” هي الصفة الأهم التي تتمثّله هنا بما تحمله الكلمة من تناسق في التوزيعات والألحان وفي الحالة العامة التي تجمع أغاني الأسطوانة.

أناقة عجوز لا يخجل من الشعر الأبيض فيصبغه كمغنين آخرين، ولا ينجر بسهوله مع الغرور والصورة الأبويّة التي يفرضها التقدم في السن كحالة الشاب خالد، بل يعبر بخفة من حالة الشاب رشيد طه ليقدّم صورةً مغايرة للشيخ، الذي يجلس على كرسي في نافذة تطل على سقف العالم يتأمّل زهرة تتفتّح في وداع الشتاء.

وفي “زووم” ينعكس مشوار طه عبر عشرين عاماً، كأن الأسطوانة رحلة داخل مشروع طه ذاته، لا يفوته عبرها أن يوجه التحية لأهم الفنانين الذي كانوا دائماً مصدر إلهام له من شيوخ وشيخات الراي، حتى أم كلثوم وإلفيس بريسلي.

1

في عام 1981 كان أعضاء فرقة فريق “The Clash” يقوم بجولة صغيرة في باريس، حينما اقتحم شاب نحيف المشهد وقدم لهم شريطاً تجريبيّاً عليه بعض التسجيلات لهم، لكن أعضاء الفريق لم يعاودوا الاتصال بها. وبعدها بشهور قاموا بإصدار عملهم “Rock The Casbah”. الفتى كان رشيد طه، والشريط حمل أول تجاربه التي ستصدر في أول أسطواناته بعد ذلك. سيظل رشيد يكرر وحتى 2007 بأن “روك القصبة” التي غناها “فريق التصادم” كانت نتيجة استماعهم لأعماله.

الفرقة ستنفي بالطبع وستحكى قصة أخيرة عن مصدر إلهام “روك القصبة“. لكن Joe Strummer مصدر الإلهام الأول لرشيد المراهق سيتوفى، وستتفكّك الفرقة وتنقلب الأحوال. حتى أن مايك جونز سيعزف بعد ذلك خلف رشيد طه. لا دايم إلا وجهه الله، وهكذا الدنيا مثل المرجيحة يوم فوق ويوم تحت.

لكن رشيد في 2013 في أغنية “Algerian Tango” سيقول أنه لا ينسى: لا ينسي سنوات التجاهل الأولى، الرفض من شركات الإنتاج الفرنسيّة التي لم تكن تريد التعامل العرب. حتى هؤلاء سيذكرهم رشيد “مننساش العنصريين، مننساش العبوديين“.

2

من الثمانينيّات وحتى منتصف التسعينيّات، لم يكن الأمر كنزهة في الحديقة: العنصريين في أوروبا لم يكونوا المشكلة فقط: فهناك العبوديين والحجّارين والظلاميين في الجزائر وفي أماكن أخرى. ورشيد يعرف أنهم لن يتركوا قلبه صافياً. إلا أن معركته ليست معهم، بل معركة في غابة الموسيقى الحديثة المتشابكة. سارت رحلة رشيد بين المسارح والنوادي الليليّة من لندن إلى باريس، مازجاً بين الراي وأنواع موسيقى صاعدة من الراب حتى الروك والموسيقى الإلكترونيّة في التسعينيّات. معلّقاً بين عالمين يبحث عن أرضٍ خاصة به.

في 1997 سيصدر أسطوانة “Carte Blanche” ، ويعيد فيها تقديم رائعة دحمان حراشي “يا رايح وين مسافر“.

تنجح الأغنية عربيّاً وأوروبيّاً، وتصبح من الأغاني الرئيسيّة في موجة “راي” التسعينيّات. الجمهور العربي لن يلتفت لأغنية أخرى في ذات الأسطوانة، وهي “زبيدة“: قصّة استوحاها رشيد من فتاة جزائريّة تعرّف بها أثناء عمله في الصحافة في بداية مشواره. تجسّد الأغنية القصّة التقليديّة لفتاة عربية تزوّجت بسبب ضغوط الأب، وانتهت حياتها تحت سلطتين لم تختر أي منهما. لكن الكلمات الحماسيّة جاءت مصحوبة بلحن طفولي وتوزيع بسيط تقليدي.

سيعود رشيد لتقديم ذات كلمات “زبيدة” في 2013 في “زووم“، هذه المرة تحمل زبيدة اسم جميلة، لكن القصة لا تزال كما هي.

وهذه المرة تعلّم رشيد الدرس، ليقدّم “جميلة” في توزيعين: أحدهم مسجّل من حفلة حيّة، والآخر في استوديو، حيث يقدّم القصّة بصوته في البداية، وتصحبنا الغيتارات إلى داخل الأغنية مع تنويعات الكيبورد الشعبيّة الجزائريّة المميّزة للموسيقى التجاريّة، ويصعد الكورال ليضيف على الأغنية أبعاداً أسطورية.

تتحوّل “زبيدة” العاديّة في 1997 إلى “جميلة” أسطوريّة في 2013. وتتشكّل بين العملين المرحلة الجديدة لرشيد طه التي سينتقل فيها إلى مستوى الاحترافيّة، لتتضح أبعاد وحدود مشروعه الموسيقي الذي سيشكل اثنين أهم سماته:ستيفين هيغل، الموزّع الذي رافق رشيد منذ تلك الفترة حتى أسطوانة “تيك توا“، وحكيم: عازف المندولين المطور.

3

مع أغنية “جميلة“، يستقدم رشيد صوت فضيلة في أغنية “خلوني“. مؤكّداً على عمديّة مركزيّة مسألة المرأة بالنسبة له كما علمته “الماما ريمتي” بأنها حريّتها. فضيلة هي الأخرى شخصيّة مركزيّة في تاريخ الراي والموسيقي الجزائريّة.إذ كانت النجمة الأولى في نهاية الثمانينيّات، محقّقة شهرة أوروبيّة واسعة مع زوجها “صحراوي“، وقدّمت أول أغنية راي “فيديو كليب” “ما عندي زهر معاك“.

يصحبنا رشيد إلى قاع موسيقى “الراي” مع فضيلة. مطلقاً العنان للوحش الكهربائي في حنجرته، مستخدماً كل الحُلي الموسيقيّة الشعبية، من “الأوتو تون” حتى العواء الرتيب “للأورغ“. كأننا في لحظة من الزمن الذهبي لأستوديوهات الراي في تسعينيّات الجزائر. ومن خارج الاستوديو، يمكن أن نسمع صدى طلقات النار في الأغنية الذي ميّز حروب وصراعات سنوات التسعينيّات في الجزائر.

ربما خفت دوي الرصاص في الجزائر، لكنه يبدأ الآن في مناطق أخرى. ربما لهذا اختار رشيد هذه الأغنية، واختار تقديمها بهذه الروح: روح الراي الذهبيّة الخالصة.

4

في أسطوانة “أنت فاكر نفسك مينTékitoi“، يصل التعاون بين  رشيد ومنتجه الفني Steve Hillage إلى قمّته. هذا التعاون الذي بدأ بالتعارف بين الاثنين في منتصف التسعينيّات، ليشرف “ستيف” على الإنتاج الفني الكامل لمشروع” ‘1, 2, 3 Soleils‘,” بين رشيد والشاب خالد وفضيل.

ستيف صاحب البصمة الأبرز في مشروع رشيد، والذي فتحه أكثر على إيقاعات أكثر تنوعاً، تبدأ من الساحل الأفريقي في السنغال، وحتى الهند شرقاً والمكسيك يساراً. ومع ستيف، سيبرز براين إينو باستمرار، ويظهر في الحفلات إلى جوار رشيد حكيم، عازف آلة الماندولين أو الآلة الغريبة والمدهشة التي طوّرها حكيم بنفسها من الماندولين، وهي أكبر من الماندولين العادية وصندوقها الموسيقي الأعمق، ويحوّرها حكيم باستمرار لتقوم بدور وسط بين العود والغيتار.

بين الاثنين، تأتي أسطوانة رشيد “أنت فاكر نفسك مين” كصرخة في البريّة. كان ذلك العام 2005، والمياه الراكدة في المنطقة العربيّة تتحرّك وتتململ بفعل آثار غزو العراق وبروز شمس مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفي الشوارع أطفال يلهون على الانترنت بأصول الحكم. في 2006 قام رشيد بإحياء حفل موسيقيّ في القاهرة. مغنيّاً: “نحّوهم، حاسبوهم“، “ثقافتنا ما في شي ديموقراطيّة، الهدرا الهدرا ممنوعة“، “قلبي وقلبك مفتوح“، وأخيراً: “السلطان قال للبوجي مان، خدوا الطيارات، وطقوا البومبات على الناس المجرمين. اللي نكروا كلام السلطان“. (روك القصبة).

وها هي الطائرات تضرب ناكري كلام السلطان في 2013، وتنطلق حمى الثورة: بموسيقى الثورة، وأغاني الثورة.ويتبدّى الأفق لرشيد كأن الكل “قبض ريح“.

وبينما يتحدّث مغنيو الثورات والربيع بحماس وثقة مفرطة عن الثورة، وحق الشهيد والحريّة، يبتعد رشيد عن ستيف منذ أسطوانته السابقة  “بونجور“، ليختار هذه المرة التعاون مع مهووس آخر بالموسيقى العربية، والمزج بين التنويعات الشرقيّة والغريبّة: جاستن آدمز. يقف الشيخ رشيد في منطقة متشكّكة، كأنما يعيد النظر في مشروعه الأنيق. ويفتتح أسطوانة  “زووم”  بأغنية “ ويش نعمل“.

وتتصاعد موجات الأسئلة: “هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا قبيح؟“. وبدلاً من الحماس والعواء الذئبي المجنون الذي عرفنا فيه رشيد يصرخ: “برا برا النجوم طفيت ودلقت الشمس“، يقترح هذه المرة حلّاً آخر: “اليوم، اليوم إضراب. نسافر للنجوم مع حبيبي“.

5

في الأسطوانة الأخيرة، ومن بين كل أعمال رشيد طه على مدار عشرين عاماً، تأتي النجمة والجوهرة الفريدة التي يقدمها هنا تحت عنوان Now or Never. ليقدّم التحية لأغنية إلفيس بريسلي القديمة، مع توزيع يطوف بنا من جداول الماء حتى صوت Jeanne Added التي عرفناه سابقاً في بعض الأعمال مع توفيق فروخ.

لا تعليق يمكن إضافته غير إتاحة الفرصة لتأمل هذه الجوهرة الفريدة.

هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

نشرت على موقع معازف عام 2013

مقدمة موجزة للتأصيل التاريخي

قاد جمال عبد الناصر ورفاقه منذ الخمسينيّات عمليّة تغيير جذري، ليس فقط للنظَام العام للدولة وأجهزتها التنفيذيّة، بل للفضَاء العام والمجتمع ذاته من أجل تطويعه في آلة ضخمة لتحقيق مشروع ضخم لم تتضح أبداً معَالمه– وإن كنا عرفناه كأجيال لاحقة بـ“المشروعِ الناصري المُجهض“.

كان الفن والثقافة من ضمن تلك المجالات التي تعرّضت لعمليّة تطويع ضخمة شملت سيطرة الدولة على وسائل البث والنشر من إذاعة وسينما وتلفزيون بعد ذلك، وامتدّت لاحقاً لتشمل أدوات الإنتاج الثقافي والفنّي نفسها، ليتم تأميم الصحف وشركات الإنتاج الفنّي تحت ذرائع مختلفة.

تحرّكت دولة عبد الناصر في مجال الأغنية على مستويين أساسيين: المستوى الأوّل: امتلاك أدوات الإنتاج والبث، وبالتالي: التحكّم في الأغنية العربيّة والمصريّة، والمُسَاهمة في إضفاء تابع القدَاسة على نجومها المرضيّ عنهم، عبد الحليم وأم كلثوم نموذجاً، أو تهميش آخرين لانتمائهم إلى العهد البائد، صفر علي وفؤاد المستكاوي، أو لأن أغانيهم ليست أغانٍ هادفة، شكوكو نموذجاً.

pict0031

أما المستوى الثاني فقد كان جزءاً من خلق عملاق وزارة الثقافة، وقاده وقتها زكريا الحجّاوي الذي طاف المدن والأقاليم لجمع الفنانين الشعبيين من الموالد ومن الفضاء العام، وتحويلهم لموظفين يؤدّون فقرات ثابتة وجاهزة على مسارح الدولة.

لكن ومثلما تعملنا من “فوكو“: أينما وجدت السلطة وبدأت في ممارسة أدوات تسلّطها، وجدت المقاومة. لذلك، لم تمر عملية سيطرة الدولة على الأغنية من دون مقاومة التي برزت أوّل صورها في تجربة الشيخ إمام. لكن على هامش آخر، ومع نهاية الستينيّات، ظهرت مجموعة من الفرق الشابة المتأثرة بالتطورات النوعية التى حدثت في مجال الأغنية في أوروبا وأميركا. وتجلّت في عدد متنوّع من الفرق بداية من”The Rocket” و“The Black Coats”، ومشاريع إسماعيل توفيق الحكيم الذي مات منتحراً بعد ذلك في ظروف غامضة.

للآسف، لم تحمل تجارب تلك الفرق خلفها ميراث آيدولوجيّاً أو جماعة ثقافيّة مولعة بأمجاد التاريخ كاليسار لكى تحفظ لنا تجاربها الموسيقيّة. بينما توفّرت مثل هذه الظروف للشيخ إمام، الأمر الذي كفل لتجربته الاستمرار التاريخي كنموذج لما سيعرف بعد ذلك بـ“الأغنية الملتزمة“.

توسّع الهامش أكثر فأكثر مع سنوات السبعينيّات والثمانينيّات كنتيجة لتراجع تسلّط الدولة النسبي على مجال الفن والثقافة، ولظهور تقنيات بث ونشر جديدة أقل تكلفة وأوسع انتشاراً ويصعب السيطرة عليها كشريط الكاسيت، حتى أصبح هناك تيّار غنائي كامل يعرف باسم “الأغنية البديلة“.

لم يتّضح أبداً ما هو التعريف الدقيق للأغنية البديلة، لكن اصطلح على وصفها بالأغنية القابعة في الهامش بعيداً عن آلات البث الخاضعة لسيطرة الدولة التى تضخّمت لتصبح نظاماً وشبكات إنتاج خاصّة قد لا تكون تابعة للدولة، لكنها تمارس دور النظام الحاكم. لكن تسمية “الأغنية البديلة” لم تشمل أبداً الأغنية الشعبيّة بداية من أحمد عدويّة وسلالته، بل تم وضعهم في ركن منفرد، أو التعامل معهم كإفراز لحالة مجتمعيّة سياسيّة ملتبسة وغير مفهومة.

جاء ذلك في وقت تراجع فيه اهتمام الدولة مع الوقت بتأكيد سيطرتها على المجال الثقافي والأغنية، إلا في قضايا حساسّة، وللحفاظ على الخطوط الحمراء في الوقت ذاته. صحيح أن الآلة الإعلاميّة للدولة، والتي ظلت الأضخم والأوسع انتشاراً، حافظت على انحيازها للأغنية للرسميّة– لكن على حساب لتجارب الموسيقيّة المختلفة الشابة، أو حتى لتلك التي تحمل اسم الأغنية الشعبيّة، ناهيك عن استبعاد الغناء المحلّي، وكل ما هو خارج القاهرة من الطنبورةوحتى الغناء البدوي، والتعامل معها كمنتجات فولكلوريّة مكانها مساحة بسيطة في فرق الفنون الشعبيّة.

مشهدان وبضعة أسئلة

طوال أيام الاعتصام الذي أعقب مظاهرات 28 يناير، كان الميدان ساحة لإذاعة الأغاني الوطنيّة، بداية من تلك التي ظهرت مع المشروع الناصري المجهض، وحتى أغاني الفرق الشابة الجديدة التي تكرّر نفس التجارب القديمة، وتخلط هتافات المظاهرات بالموسيقى.

كان الميدان بالنسبة لكثيرين حالة من حالات الفن الجميل. وفي يوم 11 فبراير في ميدان التحرير، وفي إحدى الإذاعات، ومع ارتفاع موجات فرحة الجماهير وطوال أكثر من ثلاث ساعات، كانت الموسيقى التي يتم بثها هي موسيقى المهرجانات فقط: بداية من عمرو حاحا وفيجو وحتى 8%. لماذا اختفت حالة الفن الجميل مع الاحتفالات إلا من شرفة حزب التجمّع فقط التي كانت تبث أغاني عبد الحليم يومها، وتم استبدالها بأغاني المهرجانات، ومنها أغنية مهرجان “يا حسني سيبنا حرام عليك“؟ ولماذا بعد ذلك تقوم مؤسسة كالمورد الثقافي باستضافة نجوم المهرجانات كـ“إسلام شبيسي” و“عمرو حاحا” في مسرح الجنينة؟ بينما تستضيف البرامج الحواريّة على التلفزيون الرسمي والقنوات الفضائيّة فرق كـ“إسكندريلا” وغيرها؟

جرت العادة أن تختار شركات المشروبات الغازيّة نجماً غنائيّاً عالميّاً وعربيّاً ليقوم بحملتها الإعلانيّة السنويّة. وكانت بورصة النجوم تتغيّر تبعاً للنجم الذي ستختاره الشركة كل عام. اختيار نجم ما لإعلان واحدة من شركتي المشروبات الغازيّة يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام.

بعد عام من الثورة، اختارت شركة مشروبات غازيّة فريق “وسط البلد” للقيام بحملتها الإعلانيّة، بينما اختارت الشركة الأخرى فريق “كايروكي“. تنتمي الفرقتان للأغنية التى ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافيّة المستقلة التي كانت تستضيف حفلاتهم، أو من خلال تسجيلاتهم التى كان يتم تبادلها مجاناً على الإنترنت. لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية؟ لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلالأو محمد فؤاد، رغم أن الثلاثة قدّموا أغاني للثورة؟ وهل يمكن استمرار وصف الأغنية التى تقدمها فرق موسيقيّة تقوم بعمل إعلانات لشركات مشروبات غازيّة بأنها أغنية بديلة أو مختلفة أو مستقلة؟

“التطوّر الطبيعي للحاجة الساقعة“

في كتاب عبد الله كمال وابراهيم عيسى عن الأغنية البديلة الذي صدر في طبعة واحدة تقريباً على نفقتهما في الثمانينيّات، يبدي جميع الفنانين الشباب الذين يقدمون ما اصطلح عليه المؤلفان باسم “الأغنية البديلة” استياءهم من اضطرارهم للغناء في كباريهات شارع الهرم. مصطلح الأغنية البديلة في الثمانينيّات كان يعني تجارب علي الحجار ومحمد منير وجيلهما الذي حارب في سنوات “العدم” من أجل وجود مكان وشركات إنتاج تتبنى تجاربهم الغنائيّة.

لكن مع بداية الألفيّة، ومع سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التي سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها تلك التي تركز على التنمية الثقافيّة، تغيّر المشهد ليصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمّى بـ“الفن البديل” في كل المجالات ومنها مجال الأغنية.

سمحت هذه المنظومة بتكاثر الفرق الغنائيّة الشابة، وبتوفير المسارح وخيارات الدعم. لكن ظلّ معيار استحقاق دعم الفن، لدى هذه المنظّمات، مقتصراً على تلك التجارب الغنائيّة التي تتكئ على تراث مشاريع الأغنية البديلة منذ الستينيّات. لهذا، حمل قاموس الكلمات والجمل اللحنيّة في تلك التجارب الغنائيّة أطياف وأرواح تجارب سابقة، بل وأحياناً بدت بعض تلك التجارب استنساخاً لما كان.

لم تكن منظومة إنتاج الفن المستقل، التي وفرتها مؤسسات التنمية الثقافيّة المختلفة، تتحرّك أيضاً بالحريّة الكافية:إذ حافظ ظل الدولة ونظامها وخطوطها الحمراء على التواجد، ثم ظل الخطوط الحمراء بالنسبة للمجتمع والذوق العام. الأمر الذي أثّر بدوره على طبيعة تلك التجارب الفنيّة، فابتعدت عن المحظورات السياسيّة والاجتماعية أو الحسيّة. وخارج هذه الخطوط، لن تجد لك مكاناً تحت ظل صناعة الفن المستقل.

لكن التطور التكنولوجي في تلك الفترة أيضاً فتح أبواب لعالم آخر من خلال الإنترنت. فحتى إذا كنت بعيداً عن منظومة الفن البديل، ولا تمت بأي صلة للفن الرسمي، وحتى إذا كان ما تقدمه محاولة للتجريب أو التخريب أو العبث، يمكنك من خلال الإنترنت نشر تلك التجربة بدون اشتراط الكشف عن الهويّة عليها إذا كانت لديك تخوّفات من ردود أمنيّة أو اجتماعيّة.

سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة. وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم.لهذا، لم يجد مكان مثل “الساقية“، الذي كان يرفض في بدايته استضافة حفلات الفرق التي تقدّم موسيقيي “الراب“، أمامه بعد فترة إلا القبول بهم، خصوصاً بعد أن تحوّل بعضهم بفضل الانترنت إلى أسماء لديها جمهورها.

نهاية العالم القديم

خلق تكاثر وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة من قنوات فضائية لإذاعات لصحف معادلة أخرى: الحاجة إلى منتج لتغطية كل ساعات البث والصفحات البيضاء، وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام بالشأن السياسي. هنا، يزداد الطلب على الأغنية الوطنيّة، وتصبح المطالبة برد الاعتبار للفن البديل في تصوّر البعض نوعاً من الانتصار لوجهه نظر سياسيّة.ناهيك عن استخدام الأغنية في خدمة العمل السياسي كنوع من البروباغندا الإعلاميّة. وفي هذا الحالة، لا يصبح التقييم الفنّي – الذي هو بطبعة مسألة نسبيّة– مسألة تقتصر على مستوى مكوّنات العمل الغنائي، بل تمتد لتشمل طبيعة رسالته السياسيّة والآيدولوجيّة، ومواقف الفنان السياسيّة.

لكن المدهش أنّه بدلاً من أن يدفع هذا الأمر إلى تطوير الأغنية السياسيّة والوطنيّة تطوّراً نوعيّاً ينعكس على فن البروباغندا السياسيّة، تأتي تلك الأغاني خالية من أيّ طموح للاختلاف أو التجريب. بل يجمعها المباشرة والإصرار على استخدام القوالب الموسيقيّة الجاهزة، وبالتالي يختفي الفرق بين أغنية “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير” لحمادة هلال، وأخرى يقدّمها فريق “كايروكي” مع عايدة الأيوبي “ياه يالميدان كنت فين من زمان بتجمعنا“.

لم يعد الغناء البديل بديلاً لأي شيء. فقد روحه التجريبيّة وخياله غير المؤطّر، لكنه احتفظ بالختم التى حمله قبل الثورة: بوّابته الحاليّة نحو العالميّة والتجارويّة.

وفي هذا الحالة، لا يقتصر التحدّي فقط على الفنانين الموسيقيين بخروجهم من العباءة الهلاميّة لذائقة الفن البديل، بل أيضاً على تلك المؤسسات الثقافيّة التى رعت هذا الفن طوال السنوات الماضيّة، والتي يبدو واضحاً تخبطها أكثر من الفنانين أنفسهم في العام الماضي من حيث استضافة فرق موسيقيّة في تظاهرة كـ“الفن ميدان” في الشارع، واستضافة إسلام شبيسي على مسرح الجنينة.

وهو تخبّط يكشف ضمن ما يكشف أن مؤسسات الدولة الثقافيّة والفنيّة ليست الجهة الوحيدة التى تحتاج إلى إعادة هيكلة والتفكير في طبيعة رسالتها، بل أيضاً مؤسسات رعاية الفن البديل والمستقل والجديد حتى لا تسقط في حالة المهرجانات فقط.

النوايا الطيبة والإعلانات السيئة

نشرت في المصري اليوم في صيف 2013

تضايق بعض المسؤولين في جمعية «رسالة الخيرية»، بسبب الشائعات التي طالت الانتماءات السياسية لبعض كوادر فريق الإدارة وعلاقاته بقيادات جماعة الإخوان المسلمين. «رسالة» لم تكن لوحدها، فمعظم الجمعيات الخيرية التي طالما تلقت تبرعات من رجال أعمال من كل التيارات، ومنهم الإخوان، وتطوع فيها آلاف الشباب، ومنهم شباب الإخوان، سارعت إلى إنكار أي صلة لها بالإخوان. في سلوك يعكس مقدار جُبن قيادات هذه الجمعيات من الشائعات الإعلامية، لأنهم ببساطة يعتبرون ما يقدمونه عملًا في مجال الدعاية والتسويق، لا مجال التنمية وإدارة المؤسسات الخيرية.

 بدلاً من إنكار صلتهم بالإخوان، لماذا لا تتبع هذه الجمعيات أسلوبًا أكثر شفافية يكشف عن مصادر تبرعاتها وأوجه إنفاقها، وبدلاً من إعلاناتهم السخيفة القائمة على الابتزاز العاطفي، فنشر تلك الجمعيات لميزانيتها جدير بنيل ثقة المتبرعين وجذبهم.

لا نعلم عن تلك الجمعيات التي تجمع الملايين سوى العبارات الدعائية التي يعلنون عنها، ولا أُشكّك في نزاهة القائمين عليها لا سمح لله، بل أطرح أسئلة حول أوجه إنفاق أموال المتبرعين في تلك الجمعيات. يكفي أن تفتح التليفزيون أو الإنترنت أو حتى تمشي في الشارع لترى بنفسك إعلانات تلك الجمعيات التي تُقدّر حملات بعضها خلال شهر رمضان بالملايين.

عرف المجتمع المصري الجمعيات والمؤسسات الخيرية بأشكال متعددة وكانت دائمًا يد إنقاذ لملايين المحتاجين في مصر، وحكمها باستمرار مجموعة من المعايير الأخلاقية أبرزها أن تنفق بيمينك ما لا تعلمه يسارك، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت أشكال جديدة من تلك الجمعيات، تتم إدارتها بمنطق وأدوات المؤسسات الرأسمالية، فأصبحت الدعاية والإعلانات جزءًا أساسيًا من ميزانياتها. وهنا من حقنا أن نسأل: أين تذهب أموال المتبرعين بالضبط؟

 فزكاة المال وزكاة شهر رمضان مثلًا هناك جهات صرف في الشريعة الإسلامية محددة لها بدقة ووضوح، وهناك في مصر ملايين الأفراد في أمس الحاجة لأي قدر من المساعدة، لكن تخيل مثلًا أن «عشرة آلاف جنيه» من أموال المتبرعين لجمعية خيرية يكون مصيرها بدلاً من الذهاب إلى المحتاجين أن تذهب إلى إحدى القنوات الفضائية لشراء خمس ثوانٍ وسط مسلسل غادة عبد الرازق لعرض إعلان لتلك الجمعية.

لطالما كانت السرية في التبرع وفعل الخير بعيداً عن أعين الناس وسيلة لدفع الرياء والتفاخر حتى يكون الخير خالصاً لوجه الله، والآن يدافع المسؤولون في تلك الجمعيات عن حملات الإعلانات الباذخة بأنها وسيلة لجذب متبرعين ومتطوعين أكثر، ورغم أن وظيفة تلك الجمعيات مساعدة المحتاجين لا جذب مُتبرعين أو رفع رأس مال تلك الجمعيات، فهناك عشرات الأسئلة التي تحيط بأوجه التخطيط الإعلاني لتلك الجمعيات. فدفع كل هذه الأموال من أجل إغراق موقع «يوتيوب» مثلًا بإعلانات جمعية رسالة يفتح الباب للكثير من الأسئلة حول نوعية المتبرعين المستهدَفين، وهل يجذب اليوتيوب هذا القدر حقاً من المتبرعين؟

 ناهيك عن الدور الذي يلعبه القائمون على التخطيط الإعلاني في تلك الجمعيات في صب أموال المتبرعين في قنوات إعلامية محددة. لماذا مثلاً تحصل القناة (س) التليفزيونية على كل هذه الأموال من إعلانات الجمعية الأخرى، ولا تحصل القناة (ص)، وحينما يظهر مدير الجمعية في عشرات المناسبات والصور مع إعلاميين وأصحاب قنوات محددة لا يتم توجيه أموال الإعلانات إلا إلى برامجهم وإعلاناتهم، ونفس الإعلاميين يظهرون في إعلانات الجمعية ويدافعون عنها، فنحن هنا أمام «لوبي» وشبكة مصالح وعلاقات غير واضحة المعالم.

إذا كنا نطالب بمجتمع أكثر شفافية وانفتاحًا، يمارس فيه الشعب الرقابة على ثرواته ومقدراته، فالأولى بتلك المؤسسات الاجتماعية أن تكون أكثر شفافية، ويكون لديها ميثاق مهني أكثر رقياً وأخلاقاً. فهناك عشرات الأسئلة والملاحظات حول الرسائل التي تحملها تلك الإعلانات، على سبيل المثال واحدة من المؤسسات الطبية الخيرية تقوم كل رسائلها الإعلانية على انتهاك خصوصية الأطفال المرضى، وبينما تمنع المواثيق الطبية الأطباء والمؤسسات العلاجية الإفصاح عن أي بيانات خاصة بالمرضى، تقوم المستشفيات الخيرية بعرض صور الأطفال المرضى وأسمائهم، وتصويرهم في أكثر الصور بؤساً بشكل يستغل حاجتهم ومرضهم.

نعرف جميعًا هشاشة الوضع الاقتصادي المصري وافتقاده للعدالة الاجتماعية، ونرى بوضوح كيف يقوم الاقتصاد المصري على «الشحاتة» والتبرعات من الأشقاء العرب، بل حتى الدولة المصرية التي تجني الضرائب وتمتلك حق إدارة الثروات الطبيعية تمارس تلك «الشحاتة»، وكل فترة يروّجون لرقم حساب بنكي تبرع عليه حتى تنقذ اقتصاد مصر. كأن الاقتصاد هو خزنة إذا امتلأت بالمال فسوف يكون كل شيء على ما يرام، لا سياسات أو مناخ يكفل استمرار ونمو المجتمع. طبعاً نحن شعب بذاكرة سمكة، وننسى سريعاً ولا نسأل المذيعين أو الشيخ محمد حسان أو رئيس الوزراء أين تذهب أموال تبرعات إنقاذ مصر. مثلما أيضاً لا نسأل مثل تلك الجمعيات لماذا تنفقون أموالنا في مقرات زجاجية فخمة في أرقى أحياء القاهرة أو توجهونها لمنتجي المسلسلات من أجل مساحة إعلانية.

يمكن أن يستمر الوضع هكذا مثلما كان وسيكون، تجلس أمام التلفاز فيعرضون لك إعلاناً يتاجر بآلام المرضى والفقراء، ضميرك يوجعك، فتذهب للتبرع، ينفقون مالك على إعلان جديد يخبرك بأن هناك وجوهًا أخرى لإنفاق مال الزكاة ويقدم لك حالة بائسة أخرى، فتتبرع مرة أخرى. هذا حل لطيف يحافظ على وجود الفقراء حتى يتم استغلالهم في التصوير وتستمر تلك الجمعيات في شراء الأتوبيسات ورفع رأسمالها وإنتاج الإعلانات وتوزيع الأموال على القنوات التليفزيونية، وكلما وجعك ضميرك تُخرج مالًا وتعطيه لهم. أو حل آخر أن نبدأ في طرح الأسئلة والبحث عن وسائل أكثر نزاهة وفاعليه لإنفاق وإدارة ملايين التبرعات الخيرية.

 

كروش ونعوش

نشرت في المصري اليوم في 2013
مهما تناولوا من مشهيات، وسلاطات، وبابا غنوج وحمص وشاورما سوري وكباب وكفتة وسيارات فارهة ومنازل بحدائق وخدم وحشم، لا تمتلئ أبداً كروش «الشيوخ».
وفي هذا يقول ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا». والحمد لله لم يعد في عصرنا أمراء، بل أمير واحد هو الرئيس باراك حسين أوباما ومعه مجلس الكونجرس الموقر، وهم  في العاصمة «واشنطن دى.سي» لا يفتحون الأبواب للعلماء بل يصدرون إليهم الأوامر فيطيع الشيوخ الأمر ويهبون لتنفيذ رغبات أمير المؤمنين.
رأينا كيف ما إن وافق الكونجرس الأمريكي على تسليح المعارضة، كيف هب شيوخ الكروش من كل مكان ليطرقوا أبواب السلطان، القرضاوي في السعودية، والعريفي يدعو لمرسي في مصر، وأخيراً كل نخبة كروش الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح المعروفة باسم تكية شهبندار التجار خيرت بيه الشاطر الزغلول الكبير.
يقف العلماء أمام مرسي لا يسألونه عن ضحايا التعذيب الذين يموتون على يد جنده وضباطه في وزارة الداخلية، ولا يعاتبونه على كذبه المستمر بل ينافقون ويمدحون ويتغزلون في حلاوة دمعته ويقبلون الأيادي أمام الشاشات.. إذا لم يكن هؤلاء هم علماء كروش السلطان، فماذا يكونون؟
أوباما يعطي الأوامر، ملوك النفط في الخليج يدفعون، يلبي الشيوخ بكروشهم وألسنتهم الملتوية يزيفون الحقائق ويخدعون الناس لمصلحة السلطان. أو كما قال أحمد عدوية «هما الإدارة يا ليل.. واحنا الحيارى يا ليل». لكن كروش الشيوخ لا تشبع ولا تمتلئ مهما منحهم السيد الأمريكي من سلطة وتطمينات، ومهما انهال عليهم أمراء الخليج بالقروض والودائع، لا تمتلئ كروش الشيوخ إلا بالدم ونعوش الشباب الذين يدفعونهم نحو الموت باستمرار وإصرار وعزيمة لا تلين. فقط النعوش تملأ كروش الشيوخ.
كيف إذن يحصل شيوخ الكروش على نعوشهم؟
من خلال لعبتهم، التدليس، والنفاق، وتزييف الحقائق. فيصبح الاختلاف السياسي والمظاهرات أو التمرد يوم 30 يونيو فرصة للتكفير ودعوة للشباب للجهاد ضد الكفار المتمردين، كما يقول محمد عبد المقصود الشيخ المهاجر من ضيق السلفية وشحها إلى رحابة الفتة والمشويات في كرش الزغلول الكبير. يحب كرش عبدالمقصود دماء المتظاهرين السلميين الكفار العلمانيين والرافضة الشيعة.
أما علي السالوس ومحمد حسان، فكروشهما لا تكفيها هذه الأمور التافهة، وهم مستعدون للتلاعب بآيات الله، والمصطلحات الفقهية بحيث يتحول «رد الفئة الباغية» إلى «جهاد في سبيل الله»، وبحيث يتحول الصراع في سوريا لا بين شعب يحلم بدولة آمنة ديمقراطية متعددة الهوية والعرقيات، بل صراع بين فئتين سنة وشيعة رافضة، والنصر بالنسبة لحسان والسالوس لا يتحقق إلا بالذبح والنحر، وإبادة كل الرافضة الشيعة ورفض الحوار معهم ومنعهم من دخول البلاد.
يخاطب حسان والسالوس المواطن الجالس بلا كهرباء ولا ماء، يعددون فضائل وخيرات سوريا، ثم يدعونه إلى الجهاد، فإما الشهادة وإما الغنائم من خيرات الشام.
ومثلما ارتوت كروش شيوخ قبل ذلك بدماء الشباب المصري الذي تم إلقاؤه في الجحيم الأفغانى الذي كان حلالا وقت الجهاد ضد السوفيت وحرامًا الآن ضد الأمريكان، تنتظر كروش الشيوخ في تكية خيرت بيه الشاطر (هيئة الحقوق والإصلاح) النعوش التي ستأتى من سوريا وتروي وتملأ كروشهم. لن يتحرك أحد منهم بل سيدعون للجهاد من القاعات المكيفة في فنادق القاهرة كيهود موسى حينما قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فلدينا كروش نحتاج لملئها بالدماء والنعوش.
ورغم أنهم في السلطة ورئيسهم المنتخب كان حاضراً، ومجلس الشورى في يدهم. فهم لن يختاروا الطريق العلنية. لن ينادوا بخطة معلنة لتدريب الشباب أو تأمينهم أو حتى مشاركة القوات المسلحة المصرية فيما طالب به الرئيس مرسي من فرض لحظر طيران. بالطبع لا، للشيوخ طرق ملتوية أكثر تعبر عن نفسها ببجاحة حينما يهاجم الشيوخ الغرب الكافر والملحد وفي الوقت ذاته يطالبونه بأن يقف بجوارهم ويدعم السنة في سوريا ضد الرافضة الكافرين!
  أما هم فهم قاعدون على مؤخراتهم التي تأخذ يوماً بعد يوم شكل مقاعد مهرجى السلطان، ينتظرون الشباب الصغير ويرتبون طرق شحنه إلى سوريا في معركة بلا تدريب ولا تأمين ولا يعلم الهدف منها ليموت ويعود في نعش يغذي كرش الشيخ الجالس يسبح بحمد الرئيس في ظل خيرات الشاطر.

مسيرة الديك

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

2012-12-10 13.08.36
من تصويري 2012

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة”. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز”. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

n540375930_498819_4339
من حفل توقيع إطلاق رواية روجرز 2007

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

2953130374
جورج وسوف

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

boris-mikhailov.jpg
فوتوغرافيا: boris-mikhailov

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة”

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

10441419_10154259881305541_553298798796366136_n
من أرشيف مظاهرات التحرير من 2011 – 2012

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

The_Sorrows_of_the_King
لوحة لـ : Henri-Matisse-

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

 

A Sad Melody at the End of the Road

Published for the first time on the old blog at Aug. 2013

The time for retreat is past and all the chances to avoid this path have been burned up. The incendiary speeches are escalating from every side and are morphing from incitement to war speeches. The television stations put up the slogan “Egypt is fighting terrorism” written in English and no one tells us who and what terrorism we are fighting? Are they Al-Qaeda? Ansar al-Sharia? The Al-Nusra Front? The Brotherhood? A little of this and a little of that?

8 (6)
Military Supporters

We don’t know, and the soldier who is only twenty-one years old doesn’t know, but he obeys the orders of the gunman who directs him to get out of the bus so that he can be executed from behind. Likewise, someone else is led to the hearse, better known as the police truck, to die of asphyxiation.

No one stops to ask questions or demand accountability. War has its rules, but civil war falls outside the rules and the ethics of opposing armies.  Civil war has its own clear goals, and they are usually ethnic cleansing and the siege of one faction or group. This always fails. For proof you can look around yourself or in history books, or look at the performance of the Egyptian military state since July 23, 1952 to confirm for yourself that prison and prohibition have never been useful in eliminating the Brotherhood or other supporters of religious despotism.

Why, then, do we repeat the same mistakes that were made thirty years ago when Islamist groups were first released from Pandora’s box in the seventies?

The same old story that happened in the seventies is being played out right now. The military power in the seventies used the Islamist groups to get rid of the remains of Nasserism and the revolutionary left and, once it had accomplished that, the Islamist groups became a danger to this military power and it decided to take them on by force. Throughout the eighties and the nineties we saw how the state fought with unparalleled failure. The same story is being repeated by the military council and the security apparatus who refuse to try any other approach, and if anyone opposes their approach, the result is accusations of treason.

The state did not adopt any program against the ideology of religious despotism. Instead, it exploited this ideology, working to stay one step ahead of the Islamists. The most obvious evidence of this is the second article of the constitution, which Sadat put into place as part of this exploitation. In the same way, the civil state constitution will be written, under the presidency of Adly Mansour, with its sectarian articles and their comprehensive sources.

At the same time, the state left room for a faction of the Islamists to participate in the political process, run in elections, and share in power. In the eighties, this faction was the Brotherhood and now it appears that it’s the Salafi’s turn. It’s obvious that Dr. Yasser Al-Burhami is sitting back confidently waiting to gather the spoils.

In the eighties a large group of intellectuals, writers, and artists joined the state’s battle. At that time, the slogan was enlightenment fighting the forces of darkness. This proposed option of enlightenment was nothing more than a group of theses on renewing the religious discourse and leaving everything to a deeply corrupt regime without a position or a message. Now, some people are using slogans about fighting religious fascism or accepting the authority’s oppression and violence because it is the only way to stop religious violence.  But in the morgue, clothes are removed from the bodies and it becomes difficult to tell the soldiers from those who are called “terrorists” or from people who were just passing by at the time of the clashes. Even more importantly, the path that the current authorities are on has no indication of leading us over this ocean of blood to a civil state in which citizenship and equality are achieved. The committee that is working on amending the constitution decided to keep the sectarian articles that restrict citizens’ freedom of belief. Not only that, but the committee added, on the suggestions of some, an article to protect the office of the president of Egypt from protests, as though an article in the constitution could protect the president or any authority from the public’s anger.

Fighting terrorism or groups devoted to religious despotism is not a battle that we can win by liberating a piece of land or killing and arresting the largest possible number of people. It is, fundamentally, a battle of ideas and of a way of life that the Egyptian middle class chose to defend on July 30. Accepting the authority’s violence and illegal violations, and the nonsense that is taking place right now vis-à-vis the constitution means complete defeat in the battle against “terrorism” even if the Brotherhood’s Supreme Guide and the entire Guidance Office is arrested.