التنظيم السري

تدوينة من أرشيف المدونة تعود لعام 2011

شكلت مع مجموعة من الأصدقاء وزملاء أثناء المرحلة الجامعية “جماعة سرية” لم نسعي للحصول على تصريح من مكتب شئون الطلبة ولم نختر مشرفاً من أساتذة الجامعة. بنيناً تنظيماً قوياً وحديدياً. كان من الصعب أو المستحيل أن تشاهد اثنين من أعضاء التنظيم واقفين مع بعضهما. كنا ننادى بعضنا البعض بأسماء مستعارة، ونلتقي في أماكن سرية خارج وداخل الأكاديمية.

كنا نناقش في اجتماعاتنا أمور سرية للغاية ونتخذ قرارات سرية لا مجال للإفصاح عنها. نجحنا في تنفيذ الكثير من الأمور والأفعال السرية التى تخدم أهداف الجماعة السرية، وفشلنا في تحقيق بعض الأهداف الأخيرة. كان أمين الصندوق لفترة هو “دال” وكان يبدأ الاجتماع كل مرة موجهاً حديثه لى “خربان أنت والبلد خربانة”.

في هذا الزمن البعيد كنت أشرب دواء السعال لما يحتويه على مواد مكيفة وأدخن سجائر الكليوبترا الخشبية بكثافة، وادندن وأنا تحت الدش “الدنيا خربانة/ المنصورة خربانة/ يا أحمد يا كباكا خربانة“. العالم كله لم يكن يساوى خراء جاموسة علق في حذائي ولم أكن أهتم بأى شيء آخر إلا الجماعة وأعضاء الجماعة.

جاء “دال” ذات يوم، وفي مخالفة فاضحة لقواعد تنظيم العلاقات داخل الجماعة وقال “مان.. أنا سحبت فلوس من الصندوق” تصنعت أنى لا أنظر له وحافظت على تعبيرات وجهي جامدة “ليه؟!”

رد منفعلاً: زعيم الميتال دخل المستشفي وكانوا عايزين فلوس علشان يعملوا له عملية وينقذوا له حياته.

ملابسة دائماً سوداء، ويرتدى الكثير من الحظاظات والسلاسل. كان “دال” من الموغلين في عوالم موسيقي الميتال. في فترات فراغه كان يمكن مشاهدته في ركن منزوى ممسكاً بموس يجرح جلد ساعده به.

بتعمل ليه كدا يا “دال”؟

ينظر لك مذهولاً “مش هتفهموا… مش هتعرفوا لازم تشوفوا اللى أنا شفته.”

وكان “دال” يحب “زيزو” لكن هذه قصة آخري. القصة التى تهمنى أولاً يوم قاد زعيم الميتال سيارته البورش بصحبة صديقته حتي هضبة المقطم، ثم أخرج من حقيبة السيارة منشار كهربائي وقام بقطع صديقته لنصفين، ثم قطع السيارة البورش لنصفين، ورمى كل شيء من فوق هضبة المقطم، وفي طريق عودته مشياً على الأقدام صدمته سيارة ونقل على المستشفي وكان أول من حادثة ليطلب منه مال للمستشفي “دال”. بعد أن استمعت لتلك الحكاية الخرافة سألت “دال”:

سحبت كام من الصندوق يعنى؟

-بتاع خمسة آلاف جنيه.

أحه…. شخرت بصوت عالى ثم انصرفت وأنا اسب الدين لكل شيء.

تم الإعلان عن اجتماع طارئ في هذا اليوم، ذهبت مبكراً لمقر الجماعة السري وهناك وجدت شرموطتين جلبهم “ميم” و “مام”. كانت الشرموطتين بقمصان النوم ويتحركان في الشقة السرية والأوراق والمستندات السرية. دخلت لغرفة قيادة العمليات فوجدت احداهن بتبعبص في المروحة قالت لى “والنبي يا اخويا المروحة دى بتشتغل ازاى” من الصالة كان “ميم” يتسارع مع “مام” حول تشغيل شريط سميرة سعيد الجديد أو تشغيل شريط منوعات يضم أغانى أجنبية.

شعرت أن العالم كله انهار من حولى. على المكتب وجدت ملف مكتوب عليه عملية “فرجينا والف” سري للغاية. بعثرت الأوراق. وأخذت أكسر كل ما في الغرفة والشرموطة تقول “بسم الله الرحمن الرحيم.. صاحبكم اتجنن”.

خرجت من الشقة السرية ولم أعد مرة ثانية للجماعة.

كولاج بدائي
كولاج بدائي قمت بتنفيذة عام 2012

اهدأ أحمد تنشق رائحة ريم -نص يعود إلي عام 2006

يعود هذا النص إلي أرشيف المدونة عام 2006، أعيد نشره هنا لأغراض شخصية وللحنين إلي المستقبل القادم

ماذا الآن؟!

و هاأنا قد صرت أب. لدى طفلة جَميلة عُمرها ست أيام، و مهنة طَيبة، و حيَاة صَاخبة مَليئة بالقفزِ و الجري و المُشَاغبات و الاستفزاز و اللعب و المرح و الشجن الذي لا ينتهى، كيف من المفترض أن أصبح أب؟ هذه مشكلة لكن حكايتي شرح يطول.

السبت المَاضي، كان لدى عمل طويل و مهَام أكثر يجب إنجَازها، و في المسَاءِ حفلة وداع خَالية من الكحول لعدد من الأصدقَاء، و حين عدت للمنزل في السَاعةِ الثانية، نَظرت لي في تأنيب و أنا اكتشفت أنى قد نسيت شرَاء الدواء و الحضور بَاكراً لأن هناك طفله يفترض بعد سنتين أن تقول لي بابا؟ حسناً لدى الآن اعترَاف…لستْ نَادماً على شيء لقد عشتُ حيَاتي كما أحببت و قدمتُ التنَازلات و التَضحيات التي رأيت أنها لن تؤثر كثيراً على سلامي الدَاخلي، كرهت السبَانخ، و أحببتُ الفاصوليا و البامية، أكلت الكافيار و لم أحبه و فضلت الجمبري و البورى و كميات ضخمة من البطاطس المحمرة، لم أحب الكابتشينو و فضلت القهوة باللبن دائماً أحببت ثلاث فتيات و أبحرت في أربع علاقات عاطفية، و لم أنتظر كثيراً حتى أجد حبي الكبير المبنى على الهندسة العقلية و المدعم بالخيَالِ و المرحِ و المُنتج بعد ذلك للبهجة التي لا أزال أيعيش فيها إلى الآن.

أنا اعترف.. لا تقاطعني من الخطأ أن تقاطع مدون حين يبدأ في الاعتراف بحياته السرية التي لم يكتب عنها من قبل، أسمي أحمد و عمري 27 سنة، لست نادماً حتى الآن على نصف القرن هذا. لم أكره أحد بشكل مطلق فشلت في ذلك، انزعجت من بعض الأشخاص و اتبضنت من البعض، لكن من آذوني بشكل قاسي تلمست لهم العذر ..ماذا يمكن أن تقول مريض نفسي بقي هاهاهااه…

أصبت طبعاً بالاكتئاب و الملل و بصقت كثيراً في الشارع و رميت أعقاب السجائر و أكياس الشبيسي على الأرض، و لم أحب شيء في الحياة مثل حبى للصحبة الحلوة …و البركة في اللمة.

كثيرا ما اتبضنت من الرسائل التي يكتبها البعض لأولادهم، يعنى يبدأ الكاتب هكذا ((عزيزتي ريم- اسم ابنته- اكتب إليك هذه الرسالة و أنت لم تتعامى الكلام بعد لا أحد يعلم ما الذي قد يحدث في الغد ..{ثم فاصل من الابتزاز العاطفي للقارئ }.. أحبك قوى يا ريم، مثلما أحب مصر يجب أن تحبي مصر يا ريم ..{ ثم فاصل من الابتزاز لمشاعر الجماعة و الوطنية للقارئ} .. التوقيع بابا حبيبك)) ثم ينشرها في جريدة ما و بعد ذلك في كتب يضم أعماله الكاملة.. أقول لك يا ريم أن هذا خراء, و أبوك لن يفعل ذلك و لن يكتب أبداً هكذا.

سوف نتناول النبيذ معاً و حينما تكبرين سوف يكون دخلي المادي أكبر بشكل يسمح لنا أن نذهب سويا لتعلم الرقص و سوف أخبرك باعترافاتي السرية التي لم أطلع عليها أحد، بداية باكتشافي العادة السرية و انتهاء برأي في المشكلة  الفلسطينية الإسرائيلية، سأحكي لك عن الخليل الكردي الذي يحمل خطأَ الجنسية السوري و جمال الكشميري الذي يحمل خطأ الجنسية الباكستانية، و أحمد عبد الله الذى سيصبح وقتها لاعب كرة قدم أكثر شهرة من عماد متعب، و حماده الاسكندرانى، و حودة الجامد، و تامر تموره و عمو فادى و خالتو منى، حاتم العماوى و البطوطى و بالطبع الريس مهابوف، سنمضي وقتاً طويلاً و أن أحكي لك عن الأستاذ عبد الناصر و أقرب شخص لقلبي أحمد جيفو، و عبد النبي، و سعد القذر و نعمان المنذر، و هاجر، و سوسو الشهيره بثوثو، ربما جورج أو عادل أو يارا أيضاً لكن من المؤكد أن سأحكى عن بنش الصعيدي الطيب، و آل غربية و علاء و منال و سمورة التائه في أدغال شاشة حاسوبه المحمول و نيرمين الودودة التي تعرف كل شخص، و جاين الطيبة، و يسرا الشريرة، و نهال التي تظهر فجأة و تختفي فجأة.

 سوف نمشي معاً في الدقي و ستستغربين لم أحب هذا المكان، و إذا كان لا يزال حياً سوف أحدثك عن شريف و عبس و الساكن بين عيونى إيهابوف و بابا i.b، شادى، المليجى، الوكيل، الغمري، ممنوخ، حمكشة، السلطان، فوكس، الحاج راضي، أما الأخير فهو يخاف على حياته الخاصة لذا لن أتحدث عنه و أمك سوف تحكى لك عن شيراز و ليالي المنصورة.

هؤلاء هم أهلنا مثلما قال لينين، هذه العبارة الشعرية التي تسكن القلب محملة برياح المحبة كيف توصل لها هذا المحمل بثقل الأيدلوجية و جماعية الخطابة.. هؤلاء هم أهلنا.

آه حكايتي شرح يطول.. فأسمعي و أنصتي فأنا اكتب بلغة لن تريثها منى، و لن يكتب مثلها أحد بعدى، ليس لأني عبقري، بل لأنه ليس بالإمكان أن يعبر أحدهم النهر مرتين.

الحب

((أنت شايف الحب كله\ عيونى و همس\ لكن أنا شايف\ أحلى كلام عشاق يا حبيبي\ هو كلام الشفايف\ أنت ..)) هكذا غنى عبد الحليم حفظ في نبتدي منين الحكاية يا ريم . بإمكاني أن أكتب لك مجلدات ضخمة عن الحب لكن لا شيء قد يصل لقلب النار و مثلما كتبت قبل ذلك ليس بإمكاني أبداَ أن امسك الحب أو أعرف كينونته، من منكم يستطيع أن يصل لجسد الحب أن ينشب أظافره في لحمه، أن يجرح ساقه بسكين أو موس، أن ينزع قلبه أو يشوه وجهة… من منكم كذلك فليرمني بحجر و يكتب لريم.. هكذا يجب أن تقرأي الحب و أن تشاهديه.. خدعة لم يصل أحد لجسده أو يحدد وجوده، طبعاً ستجدي كلامي حديث أب مخرف، و في الأغلب لن تأخذي به… خوضي التجربة إذن و اركلي العالم في الحائط حتى ينزف أو ينكسر الحائط .

أمك الآن نائمة و أنت كذلك.. الأطفال في شهورهم الأولى ينامون بعمق لفترات طويلة، هكذا يقول الكتاب الطبي، الكتلوج الذي استعين به في التعامل معك هذه الأيام… حقاً معلومة قيمة!!

الأطفال في شهورهم الأولى ينامون بعمق لفترات طويلة.. كان ينقصها إضافة عبارة مثل، و الآباء الغير متكيفين نفسيين –مثلى- يسهرون يفكرون ما هى حقاً مشاعر الأبوة.. آه كم أتمنى لو أمزقك أيها الحب..

البضان

 

الجيل الذي انتمى إليه من حقه أن يَفتخر بأنه صَاحب هذا المنجز اللغوي الحقير، أعنى كلمة بضان ، هذه الكلمةُ الغول الذي أكل كل الصفَات و الحَالات الشعورية السيئة، عند الغضب نقول بضان.. عند الحزن نقول بضان.. عن الملل نقول بضان.. في حالة الظلم برضه بضان.. الإحسَاس بالوحدة بضان.. الرفض بضان.. عند الاكتئاب بضان.. في النهاية أكل البضان اللغة و أكلنا معها..

أصبح الكل مُعتقداً أن الحياة بضان و الكثير منا فقد القدرة على التميز بين الملل و الاكتئاب فالكل بضان، هناك المرَادف اللغوي الأخر لتلك الكلمة الخَاصة بالفتيات اللواتي يحملن أخلاق البرجوازية الصغيرة و هو مَخنوقة شوية، في كل الحالات الأمر خدعة ابتكرها هذا الجيل أنجى بنفسك من النَارِ و البضان.

يا ريم أوصيك بالدقة لا الوضوح، اصدقي الحديث مع نفسك و أتقني اللغة فهي لعبة الحياة، حين تحسين بالملل قول أنا اشعر بالملل و حين تشعري بالاكتئاب قولي أنك مكتئبة، أبداً أبداً لا تسلمي نفسك للبضان.. عيشي الحياة بكل تجلياتها لكن لا تنخدعي أبداً بالبضان فما هو إلا مرض ابتكره هذا الجيل.. خدعه مثل باقي الخدع فما الحياة إلا خدعة، عمك طوربارا يرسل إليك بقبلاته.

أحمد

 

هاهااهاها.. هل تعلمى من المفترض أن اسمي كان سيكون تامر، لكن القدر و التقاليد العائلية جعلته أحمد على أسمى جدي و خالي الأكبر، تخيلي لو كان اسمك ريم تامر …هاهاها

هيه يا ريم، لم أحب اسمي و لم أري فيه أي جاذبية، أنه ليس متفرد، لا يثير أى اندهاش، تعرفي شخص غير متكيف مثل أبوك بحاجة دائماً للفت أنظار الأخرين ليس طمعاً في الشهرة و لا الخلود بقدر ما هو حاجة إلى الدخول في حياة الآخرين، المودة اللم. إليك سر أخر هل تعرفي هذا الاسم ألف .. ليس المقصود هنا الألف كعدد بل الألف كحرف الـ(أ) ، أنه أول حرف من اسمي، و بالإمكان استخدامه كاسم مستعار، لكن حين انتبهت لهذا اللفظ الجميل و الاسم الملفت كان هناك بالفعل من يحمله..

هيه يا ريم، استخدمت الكثير من الأسماء المستعارة طوال حياتى لكن و لأنه بالأمس سجلت اسمك هكذا ريم أحمد فها أنا منذ الآن اكتب بذلك الاسم و أحمله… أحمد

تصدقي اسم جميل يا بنت…في هيرمونيه برضه، أوعى تكوني مش بتعرفي ترقصي شرقي!!

الزمن

 

سنة و اثنين و تلاته و هووب\ و الحلوة بكرة هتكبر و تحب.

للأسف لم نشترى أنا و أمك كاميرا ديجتال بعد لكي ألتقط صورة لوجهي الآن، يجب أن تري الابتسامة الزئبقية المرسومة على وجهي الآن، ((الحلوة بكره هتكبر و تحب)) … أحــيه على المسخرة ما هذه الرومانسية التي و اللغة المتدلعه التي أكتب بها، كأني الست نعامه أو عصفور متدلع، ياه على الزمن.. من كان يتصور؟!

خافي من الزمن، و اتقي شره بأن تبتعدي عن المطلقات و لا تصدري أحكام قاسية على نفسك، فليس هناك من يعلم ما الذي يمكن أن يحدث، في مرحلة ما قررت أن لا استغرق في علاقة عاطفية أكثر من سبعة شهور و لا أعرف لماذا؟، ثم التقيت بها، و لم نفكر أبداً في الزواج، عشنا حياة طيبة و ألعاب ايروسيه مرحة و رغم العوائق الاجتماعية لم نتعرض لمضايقات تستحق الذكر ما الحاجة إذن للزواج، لكنه الزمن و هاأنت قد حضرت للحياة… الزمن، الزمن، الزمن..  هذا درس يجب إضافته لكتاب دليل الآباء في تربية الأطفال من سن يوم لثلاث سنوات، الحياة تتغير و أنا أتغير حتى أنت ستتغيرين و سنة و اثنين و ثلاثة و هووب\ و الحلوة بكره هتكبر و تحب

 

هدئ السرعة هنا توجد ريم

 

ماذا حدث يا أحمد؟

لما تَكتبُ هكذا؟ و لما تَري الأمور على هذه الطريقة، قلبك خفيف يا ولد، خفيف، و أضعف من قلب فتاة محجبة ، هذه الإنسَانيةُ و التسَامحُ الذي تُمارس به الحياة من أين أتيت به، اهدأ يا أحمد و تنشق رائحة ريم..

 

التداوى بالماء والملح

SAM_0718.JPG
تصوير: أحمد ناجى

في الطريق إلى المسرح الوطنى مساء أمس بدأت أشعر أن هناك أمر ليس على ما يرام، أعرف هذا الاحتقان في الحلق، ونحن في شهر نوفمبر المخيف.

وصلت متأخراً إلى مسرح الوطنى بعد أن أخذت أكثر من 20 دقيقة، أبحث فيها عن الباب الصحيح. في النهاية أنقذتنى واحدة من طاقم المهرجان، قادتنى عبر دهاليز طويلة. عبرنا من قاعات صغيرة إلى قاعات كبيرة، مع كل ممر كنا نعبره كان صوت موسيقي مختلفة يرتطم بأذنى.

بدا كأن المكان غابة متشابكة معقدة ممتلأة بالبشر، لم أكن لأصل أبداً بمفردى، لكن بمساعدة السيدة مجهولة الاسم وصلت في الموعد المناسب إلى “قاعة النصر” حيث كان يجب أن اقرأ مع الكتاب والمترجمين الآخرين.

بعد انتهاء جلستنا في “قاعة النصر” خرجت بدون خريطة ولا أعرف إلى أين. كنت أحاول الخروج من المسرح، لكن في الوقت ذاته بدأت أشعر بإرهاق الانفلونزا، وارتفاع درجة الحرارة. فتحت باب ضخم وجدته أمامى فوجدت نفسي في الدور الثانى من المسرح الكبير، جلست على أحد الكراسي لاستريح ثم دخل مغنى كبير السن بصحبة عازف بيانو، كان يغنى بصوت حزين كأنه “سيلين ديون” تغرق فوق سفينة على مقربة من شاطيء لاهاى. درجة حرارتى بدأت ترتفع. الآن كنت متيقناً أنا أصبت بالانفلونزا، وسأقضي ليلية بين الفراش والحمام دون أدويتى، وسط الحمى وهلوساته.

لكن بدأت أشك في أن كل هذا حقيقياً. خرجت من القاعة بحثاً عن باب الخروج، لكن وجدت نفسي في قاعة آخري ترتفع منه إيقاعات موسيقية كأنها عازفين روك يحاولون أن يلعبوا موسيقي البلوز.

في زاوية ما كان هناك طاولة رصت عليها أسطوانات متعددة معظمها كان لفرق وموسيقيين هولنديين، لم استطيع قراءة الأسماء، لكنى أعتقد أن ظللت لأكثر من نصف ساعة أتأمل اللوحات والبوسترات، ثم انتبهت أن جميع جدران المسرح مغطاة بلوحات بعضها فوتوغرافيا وبعضها رسومات زيتية.

تضاعف احتقان الحلق، وبدأت اشعر وكأن هناك نهر صغير يخرج من أنفي. كل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى الفندق. أخذت أبحث عن مخرج، لكن كلما دخلت من باب وجدت نفسي في ممر يفضى إلى قاعة جديدة، أو مسرح صغير.

إذا هذا ما يبدو عليه الأمر بعد عبور الحدود، تختلط الحقائق بالخيال، تتوه معانى اللغات لكن تتبقي الصور التى تخلقها.

أخيراً، وجدت باب الخروج، لكن مع أول خطوة للخارج عطست بقوة. قضي الأمر. كان الجو بارداً لكنى وصلت إلى الفندق. استيقظت في الصباح كأن هناك حجر في حلقي، ذهبت إلى قاعة الافطار حيث قابلت وئام علمت منها أننى لست الوحيد في المجموعة الذي يعانى من أعراض البرد. لكن المشكلة أن أدويتى ليست معى. بعد ترددها المعتاد نصحتنى وئام بالغرغرة بماء دافيء مع ملح.

أشعر بحزن بالغ كنت أخطط اليوم للذهاب إلى البحر، لكن أقسي أمنياتى الآن استعادة صوتى الطبيعى استعداداً للقراءة مساءاً.

تأمين الحب

 

كتبت الكثير من الأعمال العظيمة والخفيفة حول الحب. شرارته الأولى، شبقه، استحالته، إخفاقاته، الفراق، الحنين، التراجيديا، الدموع والبعاد، الهجران والذبول ثم النسيان. الأخير اعتبره بورخيس الشيء الوحيد الذي لا وجود له.

 المدهش نُدرة الأعمَال العظيمة التي تتحدث عن استمرار الحب. ما بعد اللقاء. الفراغ الذي يملئ الصفحة بعد جملة وعاشوا في هناء وسعادة. يسكن الشوق باللقاء لكن لا دليل موثق لدينا أن الحب ينمو أو يسكن أو يتوقف عن بعث الآلام باللقاء. مهلوسي الميتافيزيقيا تحت دعوى التصوف قالوا يوماً “كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه”. لكن لا نعنى بالحب هنا ذلك الشوق لغائب لا يمكن تجسيده، بل لجسدين، لشوق وحب ينمو بين بشريين محصورين بعوامل الزمن وضغوط الحياة وتآكل الجسد تحت وقع ضربات الحياة والزمن. وإذا استمر الحب بين الاثنين، فلا تأمين أو ضمان للمدى الزمنى لتلك الاستمرارية. وما نقصده هنا لا يتعلق بضمان الولاء الذي يتبع اللقاء، بل بضمان استمرار تلك الرجفة والنشوة التي يبعثها تسكين الأشواق. هذا الأمر خطر يا أصدقائي، هناك صرعى، أناس تنتحر وأناس تموت بسبب الحب، وأحياء تسلب منهم نشوة الحياة، والإنسانية طورت نظم رعاية وتأمين على كل شيء من الأرداف وحتى ناقلات البترول، لكن لم يكلف أحدهم نفسه بوضع كتيب إرشادي لكيفية التعامل مع هذا الأمر الخطير، أو بناء شبكة ضمان وتأمين ورعاية للحب.

حياة الأوغاد

كتب أحدهم على جدار مواجه لقسم شرطة حى الزمالك –أحد الأحياء البرجوازية في القاهرة- العبارة التالية: “إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء النظام الخلقي الكونى، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام الكونى”. بجوار تتلك العبارة رُسم جرافيتى ضخم لوجه الأسطورة الشعبية “الهرم” وهو يلف بين أصابعه سيجارة حشيش بينما أحاطت برأسه هالة كهالة القديسين.

“الهرم” هو أحد الأساطير الشعبية المعاصرة في مصر، ويصنف في مناطق بصفته إله “الديلارات” والدهاء. وفي مناطق شعبية تباع أيقونات صغيرة “للهرم” عليها الآية القرآنية “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” حيث من يرتدى الأيقونة يحميه ظل الهرم من عيون ضباط الشرطة والأفراد الأخلاقيين وكلاب النظام الخُلقي الكونى.

لكن العبارة الفلسفية والعميقة المصاحبة للرسم، ليست من أقوال الهرم. ولم يعرف من صاحبها، ولما تستخدم بجوار أيقونة “الهرم”؟

كان هذا في الفترة التى تلت أحداث 25 و 28 يناير. وكانت جدران القاهرة تعج بآلاف الكتابات والرسومات معظمها ذات صبغة سياسية، لكن جرافيتى “الهرم” وبجواره العبارة الملغزة ظل شرخاً عميقاً في المشهد وهرمونية الروح الوطنية والثورية التى غطت البلاد في هذا الوقت.

** *

هناك أكثر من عالم.

ولكل مسألة أكثر من طبقة وزاوية. في النظام الخلقي الكونى هناك انشغال بالديمقراطية، الثورة، كرامة نبي، فيلم مسيء، كلاب تنبح، ديون وقروض ودول تشهر إفلاسها، صراعات تدور على الشاشة ونشرات الأخبار. لكننا هنا في حياة الأوغاد ندرك أن هذه الأوهام ليست سوى التمثيل الكاذب للحياة.

20091011(004)
صورة فوتوغرافية من تصوير أحمد ناجى، تعود إلي العام 2009

بينما يتحدثون في النظام الأخلاقي عن أهمية الأدب والموسيقي في التواصل الحضارى بين الشعوب وحوار الحضارات، ندرك أنه لا حاجة لهذا الدفع أو التوجيه من قبل “النظام” لكى يكون الأدب والموسيقي في هذا الاتجاه.

في مصر نمت في السنوات الأخيرة موسيقي الأوغاد، أو ما يعرف بموسيقي المهرجانات وهى نوع موسيقي يختلط فيه إيقاع الهيب هوب، بألعاب الأصوات الألكترونية بأصوات النجوم الأوغاد. يتم تسجيل هذه الأغانى في منازل وعشش  وإضاءة خافتة للشوارع الخلفية، والكلمات منفلتة عن كل الأطر الأخلاقية والنظامية المعتادة.

دون الحاجة إلى التوجيه اكتشفت مؤخراً تشابه غير معقول بين تلك الموسيقي المخلقة في حوارى القاهرة الشعبية، وبين نوع آخر من موسيقي العصابات يزدهر بجنون في البرازيل.

أى حدود يجب تجاوزها إذن؟

الحدود الحقيقية لا تقع بين اللغات المختلفة أو بين الدول ذات أنظمة منح “الفيزا” المختلفة. بل بين نظامين؛

 الأول أخلاقي وكونى يفرض صوراً نمطية بين البشر أفراداً وأمماً ثم يدعى بأنهم جميعاً بشر لهم نفس الحقوق وحباً في الخير ومصلحة الكون يدفعهم لما يقول عنه “حوار” قالبه الأساسي التنافس والملكية.

والثانى هو حياة الأوغاد حيث الفرد مكتملاً في ذاته، ويستمد حريته وطاقة المغامرة لاستكشاف الحياة من معاكسة هذا النظام الكونى، لا بهدف تقويضة أو تفجيرة من الداخل، بل من أجل تللك اللذة السرية الصغيرة.

لكن تلك اللذة السرية ليست كل شيء فهناك الجانب الآخر، أو كما يقول أحد سكان المدينة الأوغاد بالعامية المصرية: “في الحالة دى مفيش آمان، حياتك بتبقي زى القمار، طالع نازل، لما تسيب حبة ريح توديك وتجيبك، لما تجريك لقمة عيش أو ريحة خطر، لما تعس نهارك وليلك من غير ما تولف راسك على حيط أو رجلك على أرض، لما الوقت يبقي بالنسبة لك فرصة، والمكان ضربة حظ.. ساعتها وساعتها بس تعرف أنك بقيت وغد..

بس خلى بالك، أصول لعب القمار.. الشجاعة

الشجاعة اللى متهزهاش كترة

نشرت في 2012

العلم يعري الحلم

في تجربة متكررة، يتم ادخل المتطوع إلى جهاز الأشعة المقطعية، وعلى الشاشة يتم عرض مجموعة من الصور لعناصر مُتعددة. تم قياس كل عمليات النشاط الدماغى التي تحدث في الدماغ عند رؤية كل عنصر وتسجيلها. بعد ذلك طلب من ذات الأشخاص إغلاق أعينهم وتذكر ذات العناصر والنتيجة هي تكرار ذات العمليات الكيمائية والكهربائية في المخ. لم توصل هذه التجارب لإجابة سؤال الرؤيا، هل نري بالعين كعضو من أعضاء الجسم إذا اشتكى تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمي، أما نري بالمخ الذي يترجم ويخزن ويخلق العلاقات ويكسب الألوان والأشكال المعانى المختلفة.

ثم تبين أن البعض يمكنهم الرؤية بعيون مغلقة. وجميع البشر يمكنهم الرؤية وهم في حالة النوم على حسب ما يرونه يتم تصنيف الأمر تحت فروع متعددة تنبثق عن بندين رئيسين، الحلم والكابوس.

1004419_539568756101087_1186123563_n

نائل الطوخى: دروس مستفادة من حبس ناجي، أولها الفردية

تمر هذه اﻷيام ستة أشهر على حبس اﻷديب أحمد ناجي بسبب مقاطع نشرها من روايته “استخدام الحياة” في جريدة أخبار اﻷدب، واتهم على إثرها بـ”خدش الحياء العام”. يُعد ناجي اﻷديب الوحيد المحبوس حاليًا في سجون النظام بسبب أدبه، ولكن على ما يبدو فهذا لا يكفي لتفسير اختلاف قضيته عن سائر القضايا في عيني المتابعين. بهذه المناسبة، وبعد أن هدأت قليلًا حدة البيانات الانفعالية المتضامنة، يمكننا أن نحاول اﻹجابة على سؤال “لماذا يختلف حبس أحمد ناجي عن حبس غيره؟”، ما يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر: “لماذا يختلف أحمد ناجي عن غيره؟”

شارك ناجي في ثورة يناير، ولكن لم يمنعه هذا أبدًا من اتخاذ مواقف مستفزة طول الوقت لجموع الثوريين. لم يكن ممن انخرطوا بعنف في الاستقطابات التي اشتعلت في مصر عقب الثورة، وإنما كان يقف على حافة الاستقطاب دائمًا ، يتأمل من الخارج حارقًا دم جميع المستَقطبين. وعلى العموم، فقد وصف ناجي فيما بعد مشاركته في الثورة بـ”العمل الصبياني”.

12441_217603880350_541205350_4538118_6655916_n
بورترية لنائل الطوخى

طول الوقت يغني الكثير من الشعراء والأدباء للفردانية، ولكن ما أن يظهر على أرض الواقع شخص كامل الفردية، متخلص من ضغط الجماعات المتناحرة من حوله، حتى يشعرون بعدم ارتياح. لهذا كره الكثيرون ناجي؛ ﻷن الفردية الكاملة، رغم كونها قيمة محبوبة نظريًا (انظر لكم اﻹعجاب الذي تُنطق به عبارة “لا يشبه إلا نفسه”)، هي في الحقيقة شائكة وموحشة وغير مريحة، حتى لمن يتغنّون بها.

يشكل القطيع دائمًا حماية للشخص؛ يستأنس به ويشعر بالدفء في وجوده. وبالتأكيد يشكّل تهديدًا للسلطة، فالمجموع أقوى من الفرد بطبيعة الحال، ومجموعات متحدة يمكنها تكسير جدار لا يقوى على تكسيره فرد واحد. ولكن ما نريد قوله إن الانتظام في جماعة ربما أيضًا لا يكون عمليًا في جميع اﻷحوال؛ أحيانًا ما يسهّل القطيع سيطرة السلطة على المعارضة. فلأن القطيع يلزمه رأس، يمكن تشتيته بمجرد نزع رأسه.

هذا يقودنا إلى ثورة يناير، والتي كانت عبارة عن مجاميع ضخمة تتكون من أفراد لا يملك كل منها إلا حسابًا على فيسبوك.

في فيلم “حياة براين”، يتبع المؤمنون براين، الذي يتصورونه المسيح الجديد. يؤكد لهم هذا مرارًا وتكرارًا أنه ليس المسيح فلا يصدقونه، فيصرخ فيهم “ليس عليكم أن تتبعوا أي شخص، أنتم أفراد”، فيهتفون بشكل جماعي ومتجانس تصديقًا لكلامه: “نحن أفراد!” يصرخ فيهم “كلكم مختلفون عن بعض”، فيهتفون بشكل جماعي: “نعم. نحن كلنا مختلفون عن بعض!” يبدو لي كثيرًا أن هذا التزاوج بين الفردي والجماعي كان مفتاح ما حدث في الثورة.

على خلاف اﻹخوان المسلمين، الذين هم أكبر جماعة منظمة في تاريخ مصر الحديث، والتي أمكن تشتيتها فقط عبر نزع رأسها، فلم يمكن هذا بعد مع ثوريي يناير. لا يزال اﻷخيرون قادرين على الإلهام وعلى توجيه المجتمع باتجاه رؤاهم.

“التشتيت” ليس اللفظ اﻷدق. فصحيح أن اﻹخوان المسلمين تشتتوا، ولكن الثوريين مشتتون طول الوقت أيضًا. قد يكون اللفظ اﻷدق هو “نزع السحر”. أمكن نزع السحر عن اﻹخوان المسلمين عبر عزل مرسي، ولم يمكن هذا بعد مع الثوريين. الثورة بلا قائد، كان هذا من البداية إلهام الثورة ومقتلها في آن. وﻷنها بلا قائد، وﻷنها عبارة عن مجموعات مختلفة ومتباينة، تتكون من أفراد مختلفين ومتباينين، لا يجمعهم إلا السخط على الوضع القائم، فقد أمكن لهؤلاء اﻷفراد التسلل في المجتمع، أحرارًا ومرنين، ونزع السحر عن النظام العسكري الحاكم وعن اﻹسلاميين في الوقت ذاته.

في هذا كان ناجي ممثلًا لروح الثورة، أو لروح “الإنترنت”، أو لـ”المعاصرة”. واﻷخيران، اﻹنترنت والمعاصرة، كانا حجته الدائمة. يكفي أن يشير ناجي إلى نظرية بأنها قديمة، حتى تبدأ مجموعات من حوله في الانفضاض عنها، تتبعها مجموعات أخرى أوسع، وهكذا.

المؤسف والمعقد أنه كما كان ناجي فردًا كاملًا، فقد أتى التضامن معه فرديًا أيضًا. بعد فورة البيانات القوية لم يعد يشير لناجي إلا أشخاص معدودون. رغم محاولات اﻷدباء لتنظيم حركات تضامن واسعة، على غرار الحركات التي تطالب بالحرية لفلان أو لغيره، إلا أن شيئًا في وعي المتضامنين كان يشير إلى أن الموضوع مختلف قليلًا. كأن ناجي لم يرغب هو نفسه في هذا التضامن. أو كأن التضامن الجماعي هو ضد مشروعه باﻷساس.

هذا هو العيب الأساسي للفردية، كونها غير قادرة على توفير الحماية لصاحبها. قد تحميه فكريًا، ولكنها لن تحمي جسده من الإيذاء على يد السلطة.

***

اﻵن يبدو طبيعيًا أن يُحبس ناجي بسبب كتابته، ولكن هذا ليس إلا بأثر رجعي. قبلها، لم يتخيل أحد من أصدقائه أو المتضامنين معه إمكانية حبسه. ظل ناجي وحده في مكان بعيد عن الصراع السياسي الدائر، وبالتأكيد عن اﻷحكام بالحبس، ﻷنه فرد أولًا ولا يعبر سوى عن وجهات نظر شديدة الفردية، وﻷن في سجالاته شيء شديد الشبه باللعب.

بعد حبسه، خمن الكثيرون أنه حُبس ﻷسباب لا علاقة لها بالبذاءة، وإنما لأسباب سياسية، في محاولة ربما للتقليل من شأن قدرة البذاءة على استفزاز السلطة. ورغم وجاهة النظريات المطروحة، فقد كان التفسير اﻷبسط أكثر إقناعًا؛ ناجي محبوس بسبب الألفاظ البذيئة التي استعملها في كتاباته. رجاء عودوا إلى الفصل المنشور وفكروا، هل يمكن لمصري من الطبقة الوسطى، مصري غير مثقف ولا يؤمن بحرية التعبير، ألا يغضب من ألفاظ كهذه؟ ثم السؤال التالي: ماذا سيفعل شخص كهذا إن وجد نفسه يملك سلطة الحبس، وهو يقرأ الفصل المنشور؟ سيستخدم السلطة التي يمتلكها بطبيعة الحال. وكل الكلام (الدستوري) حول “الحق في التعبير” و”حرية الرأي” و”لماذا يؤخذ الكلام إلى المحكمة”، لن يعدو أن يكون رطانة بالنسبة له، قبيحة أو جميلة، ولكنها في نهاية الأمر رطانة تتحطم أمام هذا الولد الذي يحتاج لإعادة تربية من جديد.

في هذا السياق، لا تمكن اﻹشارة لشخص أحمد ناجي بدون اﻹشارة لسخافاته المتكررة. بدا ناجي طول الوقت كأنه يأخذ موضوع “التساخف” كلعبة مسلية، حتى وإن لم يخل تساخفه من منطق ومن ذكاء في كثير من اﻷحيان. كان قادرًا على تحويل أي رأي جاد لمسخرة بكلمتين، وعلى إحراج الكثيرين ممن بذلوا مجهودًا ضخمًا في صياغة نظرية ضخمة بكلمة واحدة. وفي المقابل، بدأ الكثيرون مع الوقت أيضًا ينمّون مهارة التعامل مع سخافاته، حتى أصبح التساخف والتساخف المضاد لعبة مثيرة بالنسبة لنا، نمّت ذكاءنا وعلمتنا أن الآراء لا ينبغي أن تقال بسبب الوجاهة التي تمنحها لقائلها، ﻷن ناجي (ومعه الإنترنت) قادران على هدم هذه الوجاهة في ثانية.

ما حدث بالضبط هو أن شخصًا أتى من الخارج، بلا أي معرفة بقواعد اللعبة، فمزق أوراقها وحبس لاعبًا فيها. هذا التفسير الأبرز لإحساس الصدمة وعدم التصديق لدى الكثيرين من حبس ناجي، بالأحرى لدى الكثيرين ممن تساخف عليهم ناجي سابقًا؛ هناك شيء ما انتُهك في القواعد؛ ناجي ينتمي للمساحة التي نلعب فيها، لا المساحة التي يلعبون فيها.

هناك بالطبع الكثيرون ممن تساخف عليهم ناجي وهاجموه بعد حبسه، وهذا طبيعي، فأحيانًا يرغب المهزوم في اللعبة بأن تأتي السلطة وتعتقل المنتصر. ولكن اﻷغرب هم هؤلاء الذين لم يحتك بهم ناجي أبدًا، ولم يطب لهم الهجوم عليه إلا بعد حبسه. ربما خافوا من احتمال أن يتساخف عليهم في المستقبل؟ ربما كان وجوده مريبًا بالنسبة لهم، حتى مع عجزهم عن تعريف سبب الريبة هذه؟ ربما أحسوا أنه ابن ثقافة معادية لهم بالضرورة؟ على العموم، كثيرًا ما يجتمع الجبن والنذالة في نفس الشخص، ولا ينبغي أن يشغل المرء باله بهذا النوع من الجبناء اﻷنذال، ﻷنهم في الغالب تعساء أيضًا.

***

بالإضافة لفرديته، فناجي ليس شخصًا واسع التأثير كذلك. لا يظهر على التليفزيون، ولا كتبه تباع بعشرات اﻵلاف، ولا يملك منصبًا حكوميًا عدا عن كونه صحفيًا في جريدة “أخبار الأدب” النخبوية. لا يملك إلا حسابًا على فيسبوك وآخر على تويتر، ومقالات يكتبها كلما عنَّ له.

ربما يكون عميق التأثير، ولكن ليس واسعه، أعني أنه ذلك النوع من اﻷشخاص الذين يتسرب تأثيرهم إلى من حولهم، بفضل طزاجة منطقهم فحسب، وليس بفضل احتلالهم مواقع واسعة التأثير بطبيعتها. هذا أيضًا واحد من أسباب اﻹحساس بالصدمة لدى من يعرفونه، ﻷنه لا يُخشى من تأثيره السياسي الواسع، وﻷنه لم يدع أي دور قيادي.

ركز ناجي سهام سخريته كثيرًا على “المكانة الاجتماعية”، حطم مكانات اجتماعية كثيرة لأناس حوله بمنتهى البساطة، ومع كل هذا، فلم يدعِّ الزهد والصعلكة، على غرار شعراء الستينيات مثلًا، بل كان دائم التغني مثلًا بأهمية الفلوس وبأن يحيا المرء حياة جيدة. بعد رحيل البرادعي لفيينا مع ما أثاره هذا من خذلان في قلوب محبيه، حياه ناجي بحرارة على صفحته الشخصية ﻷنه قرر أخيرًا أن يعيش حياة مريحة كبرنس معه فلوس.

إن كان هناك هدف رئيسي لناجي يؤمن به فهو التقدم، وإن كان لهذا الهدف تكنيك فهو الصراع. كثيرًا ما أخذ يردد في السنوات اﻷخيرة: “الصراع دينامو التقدم”. ويبدو لي أحيانًا أن التقدم كما يعنيه هو أن يفكر البشر من حوله في أشياء لم يفكروا فيها من قبل. وهذا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، وإنما يمر عبر طريق طويل من استفزاز العقل والتساخف المستمر، وكان ناجي شديد المهارة في كليهما.