لكن منير ليس مسؤولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

 

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

لكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

مخاطر مشي العشاق في شوارع القاهرة

في مناخ حار بنسبة رطوبة عالية في الصيف، يصبح الجو مع زحام القاهرة وسطاً مناسباً لنمو مظاهر الاستعراض العدائي، من قبل الذكور على وجه الخصوص. وهنا يكون تصاعد ظاهرة التحرش “العلني” بالإناث في المدينة العلامة البارزة في إطار استعراض موازين القوى في شوارعها، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل” وهذا ما يمكن أن نطلق عليه عبارة “صباح الخير” في القاهرة، لا كمقطع من الأغنية الأكثر شعبيةً في شوارع المدينة، بل أيضاً كتوصيف لحالة “المعاملة”، حيث الخطر المحدق بك في كل لحظة هو كغول يتربص ظلك على الأرض. “تجيب ورا تصبح مرا…مالكش قيمة وسط البشرية”. وبمصطلحات لغة النقد الأدبي التي راجت لفترة في التسعينيات نصبح أمام معادلة مقلوبة أخرى حيث “ملكش قيمة وسط البشرية = مرا (امرأة)”.

“صباح الخير، هنا شوارع المدينة”، وقانون المعاملة الأول هو “امرأة” لا قيمة لها وسط البشرية، طبعاً إلا في حالة إذا تعاملت وأخرجت سلاحها متكاملاً. الدنيا غابة يا صاحبي!. ولأكثر من ثلاثة عقود، من المفارقة أن نلاحظ كيف تتحول وجهة المواضيع الرئيسية من الغناء الشعبي إلى الحديث عن الغرام أو الرزق والرضا بشكل مختلف تماماً عن زمن عدوية وحمدي باتشان، حيث نسق “خيانة الأصدقاء”، أو سرديات معارك “أبطال خارقين” “من أصحاب النخوة” تحمل دلالات “الأصول” و”الأخلاق” و”الاستعداد للدفاع والحماية” وصورة مغايرة للرجولة، بداية من “عزبة محسن” وحتى “المطرية”.

للتمكن من الحياة وسط هذه الغابة طورت الإناث في القاهرة تقنيات متنوعة من أجل اتباع استراتيجية التخفي تفادياً لأنظار وحوش الشارع الذكور. تسير الإناث في القاهرة بخطوات متسارعة، موجهن أنظارهنّ للأرض أو مصوبينها باتجاه نقطة خفية في الأمام. يتحاشين أي تواصل بالأعين أو ابتسام، أو أي انفعال في عضلات الوجه. ومع ذلك تهبط الكلمة لا محالة. يهمس بها شاب عابر بجوارها، أو عجوز جلوس بتكاسل أمام محله.

 

تتسبب القاهرة في الكثير من العوائق للعشاق، وتتحرك بعض المجريات لتخلق الخلافات والصراعات بين الأصحاب والأزواج. من تلك الكوابيس التي يخجل الذكور من الاعتراف بها لبعضهم البعض هي ذلك التوتر والضغط الذي يشعرون به عند مصاحبة أي صديقة أو أنثي تربطه بها أي علاقة للمشى في الشارع لأي سبب أو غرض.

في منطقة كوبري قصر النيل وعلى الكورنيش الممتدة من مبنى التلفزيون حتي جاردن سيتى، يستغل العشاق المساحات المفتوحة كنزهة مجانية، لكن مع ذلك يوظب رجال الأمن الشجعان وعيون الوطن الساهرة على مهاجمة أي زوجين، خصوصاً إذا كانوا شباباً أو مراهقين. تقتحم سلسلة من الابتزازات المساحة مستغلة حداثة سن العشاق والقواعد الاجتماعية السائدة. يسأل رجل الأمن عن البطاقة، ثم يبدأ بممارسة استعراض سلطاته، والتهديد باصطحابهما لمركز الشرطة “القسم” لتحرير محضر بفعل فاضح في الطريق العام.

هنا القاهرة! القبلة فعل فاضح في الطريق العام، أما التبول على الرصيف فـفك زنقة محصور.

إذا استثنينا أماكن رجال شرطة الأخلاق، ورقابة حراس الحدائق المنتشرين في كل الحدائق العامة (لدرجة أن حراس الأمن في حدائق القاهرة يزيد عددهم عن عدد العاملين في فلاحتها) إلي أين نذهب إذاً؟ إلي مكان يليق بأبناء “الطبقة الوسطى” أكثر ، سينما أو مول تجاري أو كافيه يقف على حراسته رجل أمن من القطاع الخاص وظيفته أن يختار زبائن المكان بناءاً على مظهرهم وقراءته لتصنيفهم الطبقي. يفرض الأمن قواعد أخلاقية صارمة. تمارس بعض المراكز الثقافية “المنفتحة” الضبط على لغة الجسد لدرجة أنك إذا حدث وصادفت صديقة لم تقابلها من زمان وتبادلتما السلام بقبلتين على الخد يمكنك أن تحصل على الكارت الأحمر من الساقية وطردك أنت وهي من المكان.

12440565_914416835309892_7966092972993783863_o
لوحة للفنانة المصرية رانيا فؤاد

 

 

تضغط كل هذه التفاصيل على جميع اختياراتك كعاشق وكإنسان في القاهرة. يتوقف الشاب العاشق “الليبرالي” لصديقته أمام فستانها القصير. يومئ برأسه أنه جميل، لكنهما سيمران من حقل الشارع خطوات قبل الوصول إلي المكان المعني. يطلب منها لفظياً أو يشير بإيماءاته إلي أن “الخروجة” تتضمن المشي في الشارع. هذا مؤشر متعارف للحاجة إلى وضع تحصينات وأغطية وشال أو أكثر.
بصحبة الأنثي يسير الذكر في حالة تربص ومراقبة. بدلاً من رؤيتها أو تبادل الحديث أو استكشاف الشارع. يسير الذكر متنمراً يراقب جميع من حوله، ينتظر كلمة من هنا، أو يصد بعينيه نظرة من هناك. وحينما تعبر مجموعة من الشباب بجوارهما، ويلقي أحدهم تعليق، يكتفي الذكر المصاحب لرفيقته بتصنّع الصمم. في أحسن الأحوال وفي أكثر من مرة شاهدتها: قد يلتفت “المتحرش” معلقاً على زي رفيقته، طالباً منها جزء قد انكشف من ملابسها في قيظ القاهرة.
بين التحرش في الشوارع وتلك السلطة الناعمة التي تخضع لها أي أنثى برفقة الذكر حينما يطلب منها لبس ملابس معينة، أو عدم التدخين في هذا المكان لأنه لا يتحمل نظرات من حوله له ولامرأة ترافقه. بين الذكورة الخشنة المنطلقة بلا قوانين أو قواعد في الشوارع، والذكورة الناعمة المستكينة للضغط الخارجي المتجنبة تعرض أحدهم للمرأة التي ترافقك تسير حياة إناث القاهرة، ومعها يزداد جحيم حياة الذكور بين إناث يرغبن في فرض حمايتهنّ وإناث يسعين لانتهاك حمايتهنّ.

 

578416_481666038524047_457594506_n
صورة تعود إلي السبيعنات ألتقطت في شوارع القاهرة- المصور مجهول

 

 

 

 

موسيقي الراب العربي والفلوس

مصر من الأحلام الكبيرة إلي الإعلانات والتنمية البشرية.

في بداية عام 2013 كانت الفوضى الخلاقة في أبدع صورها. الإخوان في السُلطةِ ومرسي يصدر أغرب الأصوات والقرارات والإعلانات الدستورية مُتقمصاً دور الديكتاتور المجنون. الشارع يموج بالمظاهرات والحركات السرية والعلنية، الخدمات العامة متهالكة، الكهرباء تنقطع لساعات طويلة. الجميع ضد الجميع وأنا أحاول استعادة عافيتى بعد شهرين قضيتهم في الفراش نتيجة لخضوعى لعملية جراحية. في مثل هذه الظروف قابلت هشام أو كما يعرفه الجميع “سفنكس” القائد والعقل المدبر لفريق “أرابيان نايتز (فرسان العرب)”. لم يكن اللقاء الأول لكنهم كانوا قد أصدروا اسطوانتهم التى حملت اسم   Uknighted State of Arabi في تلاعب لفظى يجمع بين كلمتى الاتحاد والفرسان لتكون النتيجة “الولايات المتحدة العربية”.

اندهشت أن يختار فنانى “رابرز” مصريين في لحظة عشوائية كتلك أن ينتجوا ألبوم يدعو للوحدة العربية. اذكروا أن المناقشة بينى وبين “سفنكس” احتدت وأنا أسئلة ما المقصود بالولايات العربية فحكى لى حلمه أن تتحد الدول العربية لتصبح مثل الولايات الأمريكية لكن تصبح الولايات المتحدة العربية. حينما سألته وما الفائدة من هذا؟

ردد خطاباً عن القوى والعظمة وهلاوس شوفينية آخري كل هذا الحديث كان بالانجليزية، لأنه ولد وعاش معظم حياته في الولايات المتحدة الأمريكية حتى جاء إلي مصر شاباً حيث ألتقي بمعظم أعضاء الفريق وشكلوا فريق فرسان العرب عام 2005 وبالتالى فقدرته على التعبير بالانجليزية أفضل كثيراً من عربيته. بدا لى سفنكس كواحدة من حالات اضطراب الهوية لدى أجيال المهاجرين العرب. يحلم بإتحاد فيدرالى عربي قومى لكى تكون قوة عظمى رداً على وطنه الأمريكى القوى العظمى التى بالتأكيد همشته بسبب أصوله العرقية والعربية.

10731106_10152854933824185_3991236700209815882_n
أرابيان نايتس.. أثناء أداء حى في واحدة من حفلاتهم

في هذه السنوات شاهدنا آلاف مثل هؤلاء كانوا يأتون من أوروبا وأمريكا ليساعدوا في بناء مصر بعد الثورة من خلال مشاريع تنموية مغرقة في استشراقها، ومع أول فشل لمشروعهم لتدوير المخلفات، أو استخدام الطاقة الشمسية لإضاءة العشوائيات، يصابون بالاكتئاب ويغرقون في حزن وجودى على بلدهم الأم الذي لم يستطيعوا استعادة الأوصار معه.

سفنكس كان مغترباً بشكل كامل، مغترب عن السياق السياسي لمصر والمنطقة، ومغترب عن السياق الفنى. لكن لديه عزيمة وإصرار كبير، وقدرة على إنشاء شبكات من العلاقات الاجتماعية فائقة التنظيم. فمن فريقه “أرابيان نايتز” خرج تحالف “أراب ليج” وهو تحالف يضم عشرات من فنانى الراب في مختلف الدول العربية، سمح التحالف بخروج أغانى هيب هوب يتعاون فيها فنانين راب من لبنان مع آخرين مع تونس، ومن مصر مع السعودية، وجميعهم قدموا ما يشبه أوبريت “هيب هوب” بدا كمحاكاة بموسيقي الهيب هوب لأوبريتات الوحدة العربية، التى كان يقدمها اللواء محمد عبد الوهاب في الزمن الذهبي للبروبجندا القومية الناصرية.

من تحالف “أراب ليج” خرج تحالف أوسع وهو تحالف نجوم العرب “آراب أول استار” والذي ضم مصوريين، فنانى جرافيتى، مصممى ملابس، منتجى موسيقي، كتاب، صحفيين، شباب من مختلف الطبقات والجنسيات تجمعهم ثقافة الهيب هوب والهالة الفنية التى صاغها “سنفكس” لفريق الأرابيان نايتز.

عرفت الساحة الموسيقية العربية الهيب هوب منذ التسعينات، كان هناك محاولات فردية تظهر وتختفي سريعا، تجارب خافتة لم يستطع أصحابها الاستمرار. عالم الموسيقي التجارية لم يكن يتقبلهم، ولم يكن لديهم موقع في عالم صناعة الموسيقي الشعبية والأفراح وحفلات الشارع. المناخ كان جافاً جداً والأرض يابسة. لا مسارح مفتوحة، ولا وسائط لتوزيع المنتج الموسيقي إلا عبر شركات الانتاج. وكلها لم تتقبل الهيب هوب العربي، وفي أحسن الأحوال اعتبرته حلية موسيقية وسط أغانى زمن الفيديوكليب العاطفية. الاستثناء الوحيد كان تجربة فريق “MTM” بألبومهم الغنائي “أمى مسافرة”(2003) حقق الألبوم نجاحاً تجارياً معقولاً، سحب الهيب هوب إلي منطقة الغناء الكوميدي وقدمه كجزء من ثقافة “الروشنة” لهذه الفترة.

8548769641497707679
فريق MTM

لكن لم تكتمل تجربة الفريق، ففي ظل غياب المسارح الغنائية أو تنظيم الحفلات الموسيقية تظل الأفراح أو الغناء في صالات الفنادق الفخمة هو مصدر الدخل الرئيسي لمعظم العاملين في صناعة الموسيقي. وفي ذلك الزمن لم يكن أحدهم ليستدعى فريق “هيب هوب” عربي ليغنى في فرحه، وصالات الفنادق لم تكن تسمح بدخول هذا النوع من الموسيقي.

في هذا السياق لم يكن”آرابيان نايتز” مجرد تجربة موسيقية، بل نواة تأسيسية لعائلة الهيب هوب العربي. فطموح وتخطيط “سفنكس” لم يتوقف عند الغناء وإصدار ألبوم بل بناء قاعدة جماهيرية لثقافة وموسيقي الهيب هوب، فالفريق يكبر ليصبح عائلة والعائلة تتمدد لتشمل “الوطن العربي الأكبر”. تحقق حلم سفنكس بوحدة “الهيب هوب” العربي، لكن لم يدم الحلم طويلاً، فكعادة تجارب الفرق الموسيقية انفجرت الخلافات بعد فترة وتنوعت التوجهات، وظهر التباين في مستوى النجوم.

سنوات ما بعد 2011 هى “أيام المجد” للهيب هوب العربي. الايقاع اللاهث المتلاحق للأحداث السياسية لم يكن هناك ما هو مناسب للتعبير عنه مثل “الهيب هوب”. قبل 2011 كانت الفرق الهيب هوب الفلسطنية واللبنانية مثل “كتيبة5” وغيرها هم من يحتكرون الخطاب السياسي الذي كان يركز على حياة المخيمات والأبعاد المختلفة للقضية الفلسطينية، طبعا مع الحفاظ على المحظورات الفلسطينية التاريخية فحتى الآن يستحل ويندر أن نجد في أغانى الهيب هوب الفلسطينية انتقاد للقيادات السياسية أو الفصائل المتنازعة. لكن مع هبوب رياح الربيع العربي سقط هذا الحاجز، كان “الهيب هوب ” العربي في صدارة ما يعرف بموسيقي الثورة.

أغانى مثل البوليسية كلاب في تونس أو الثورة مستمرة في مصر لم تكن جزء من الإيقاع الموسيقي لزمن الثورات، بل مثلت في حد ذاتها ثورة على الحدود المتعارف عليها في الموسيقي العربية سواء من جهة مباشرة الرسائل السياسية وعنفها، أو على مستوى اللغة التى لم تعد تجد حرجاً في استخدام الكلمات المنبوذة أو الموسومة بخدش الحياء.

منح الربيع العربي للهيب الهوب الحرية، لا في استخدام الكلمات والرسائل السياسية والاجتماعية العنيفة، بل حرية اختراق المجال العام والسوق التجاري. أصبحت هناك مساحات مختلفة تستوعب هذا الحراك وموسيقي الشباب، أصبح بإمكان مغنى الراب والهيب اعتلاء المسارح التى تكاثرت لتشكل ركن أساسي في منظومة اقتصادية تساعد على توسع قاعدة انتاج موسيقي الهيب هوب.

أتذكر في وسط البلد كان هناك “جراج” للسيارات مقابل لأتيلية القاهرة، ذات يوم أغلق الجراج ولم يستقبل أى سيارات، وعلى عجل تم دهن جدرانه بعشرات من رسومات الجرافيتى المتنوعة، ونصبت بين عمودين خشبة مسرح بإمكانيات بسيطة وتوافد الشباب بالمئات من كل أنحاء القاهرة ليحضروا واحدة من أشرس حفلات الهيب هوب المصري. في تلك الحفلة كانت الأغانى تنادى بإسقاط الحكم العسكري، وتتوعد المشير طنطاوى بمصير مثل مصير القذافي.

ثقافة عصابات الساحل الغربي التى شكلت موسيقي “الهيب الهوب” العالمية في الثمانيات والتسعينات  انتقلت إلي العالم العربي لتشكل عصابات مُنخرطة في نشاط ثورى أكثر عنفاً من أنشطة لوس انجلوس. كان الشرطة التونسية هى الأعنف في ردها على موجه “الهيب هوب” الصاعدة، بينما تم تركيع وتطويع الهيب هوب المصري بالمال والإعلانات وبقوانين الصناعة الفنية.

ظهر التباين سريعاً بين نوعين من أغانى الراب، قامت مؤسسة الانتاج الموسيقي بتدجين موسيقي الراب سريعاً، ففي ذلك الوقت كانت –ولا تزال- شركات الاعلانات وشركات المحمول هى المنتج والموزع الأكبر للموسيقي وفرضت تلك الشركات حدودها على موسيقي الراب فلم تقبل إلا بالراب الايجابي، الذي يتحدث عن الحب، السلام، البالية، التنمية البشرية، الحلم، السعادة، بكرة أحسن. سارعت بعض فرق موسيقي الراب والمغنين إلي ركوب تلك الموجة مثل شادى الحسينى، فريق أسفلت، أو مغنى راب التنمية البشرية زاب ثروت.

من لم يدخلوا لجنة الإعلانات، عاشوا اعتماداً على عائدات اليوتيوب الشحيحة والفرص العابرة لتحقيق أى عائد من الموسيقي والأغانى التى ينتجونها، لكنهم على الأقل احتفظوا بحريتهم في تقديم ما يرودنه مكنتهم هذا الحرية من الاستمرار كجزء من الحراك الثوري فعنى أم.سي أمين عن الخرفان منتقداً مرسي، ثم استمر معلنا الموجة الرابعة بأغنية مبروك عليك يا سيسي.


منحت الحرية كذلك ام.سي أمين القدرة على الانفتاح على أنواع موسيقية آخري منبوذة مثل الهيب الهوب ومحاولة الخروج بتجارب موسيقية جديدة، بينما كان زاب ثروت يقبل أن يكون بغبان يملأ الفراغات الموسيقية مع موسيقي الروك لفريق كايروكى، وشادى الحسينى الذي بدأ كفارس مع “أرابيان نايتز” يتحول لاكسسوار في ملابس تامر حسنى، فقد انطلق أمين محاولاً مزج موسيقي الهيب الهوب بموسيقي المهرجانات مقدماً ما عرف بالرابجية، ليقدم مع نجوم المهرجانات السادات العالمى وعلاء فيفتى عدد من الأغانى الناجحة مزجت بين الراب وموسيقي المهرجان الشعبية. أكدت السادات في تلك الأغنية أنهم “ملوك الأغنية الشعبية/  بنطلعها بلاش لولاد بلادنا الشعبية“، أما أمين فقد تمسك بأن حتى الرابجية ثورين ولديهم قضية. تمكنت موسيقي المهرجانات من الاستمرار لأن لديهم منظومتها الاقتصادية القائمة على حفلات الأفراح وليالى الحظ، وافلام السابقة، حتى وصلت لفرض نفسها على شركات الإعلانات. أما موسيقي الراب الثورية مثل أعمال أم.سي أمين فما أن غنى الموجة الرابعة محذراً السيسي من الموجة القادمة، حتى بدأت مياة الراب الثورى في مصر في الانحسار والتراجع.

على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة
على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة

أعلن على طالباب أبرز الأصوات الثورية بعد 2011 عن اعتزاله/ توقفه في 2015 الغناء، عاد بألبوم واحد “وحوش بدون أسامى” في 2017 من أربع أغانى قائلا مش هتمدوا ايدكوا على فلوسنا … “ممكن أحس بالتواضع/ امسك سلاح واحارب/ اقتل أو اتقتل/ ما الدولة لسه قايمة/ خليها مرة تحاسب/ ممكن أحس بالأغانى تانى/ أو صديق يتحبس بين الحيطان/ ممكن أرجع تانى” لكن على لم يعود بل سافر لاستكمال دراسة الماجستير في الخارج.

وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في مصر يبدو أدق تمثيل للخيارات المتاحة والموضوعة أمام جيل شباب ثورة يناير ومن تبعهم. فالحالمون الذي كان يتبعهم صوت الكمان مثل على طالباب اضطروا للانزواء أو الخروج من الدائرة الخانقة في البلاد. وحتى من هم أكثر عنداً مثل “ام.سي. أمين” فقد انطفأت الأضواء من حولهم ومر العمر ووجدوا أنفسهم يكبرون وتكبلهم المسئوليات الاجتماعية، يحاولون البحث عن مكان لهم وسط إعلانات راب المشروبات الغذائية التى تكذب على المستمعين وتعدهم بغد أفضل لمجرد أن يتمسكوا بحلمهم بينما البيادة العسكرية تدهس رقبته.

الراب المصري الذي تمكن من الاستمرار هو من تمكنوا من الاندماج في المنظومة الاعلانية، أصبحوا يكتبون أغانى عن الشيبسي وكريم الشعر، زاب ثروت حالة أكثر ذكاءاً لم ينحدر لمستوى إعلانات البطاطس بل اكتفي بإعلانات برامج القروض الشبابية للبنوك، أو المشروبات الغذائية وعثر على ضالته مؤخراً في بيع الهوا للمؤسسات الدولية ومؤسسات المجتمع المدنى من خلال الحصول على تمويلهم لإنتاج أغانى يفترض أنها تحارب الهجرة غير الشرعية. مما يفتح له الباب ليغنى في حفلات موسيقية تحرسها الشرطة ويحضرها مسئولين الدولة، وتقربه أكثر فأكثر من القضايا التى يحبها الأوروبيون ويفضلون توجيه أموال المشاريع الفنية والثقافية لدعمها اعتقاداً منهم أن ذلك النوع من الأغانى الدعائية قد يساهم في التنمية.

بين خيار السفر الذي اتخذه على طالباب أو الغناء ضد السفر والهجرة لخدمة الأنظمة الحاكمة والمسيطرة الذي اتخذه زاب ثروت، يبدو هناك خيار ثالث. عالم كامل ممتلئ بمغنى الراب المصريين الشباب الذين يشكلون الموجة الجديدة التى ظهرت تحت حكم السيسي. هؤلاء لا يقتربون من الغناء السياسي ليس خوفاً من البطش الأمنى بل لأن العدمية هى الهواء الذي يتنفسوه، ولأنهم بدلاً من مقاومة الاحباط الذي خلقه المناخ السياسي والاقتصادى في البلاد قرروا الغرق في هذا الإحباط وتشربه. وبينما كانت أجيال الراب المصرية السابقة متأثرة بتجارب د.دراي Dr.Dre وفرق ومغنى الساحل الغرب الأمريكى مثل “توباك 2Pac” أو فريق N.W.A بأغانيهم التى تهاجم الشرطة وسلطة الرجل الأبيض. فأجيال الراب التى خرجت في زمن السيسي أكثر تأثراً بموسيقي وأساليب مغنين الساحل الشرقي الأمريكى بداية من كينى ويست Kanye West وحتى ليل وين Lil Wayne ناهيك عن داريك DRAKE  الذي يبدأ معظم مغنى الراب المصري الجدد في استنساخ تقنياته الغنائية قبل أن يصلوا لاسلوبهم.

يبدو التناقض بين الموجتين أوضح ما يكون حينما نستمع إلي تعليقات وحوارات أم.سي أمين وسفنكس عن “الراب الهادف”، بينما نجم الموجة الجديدة من الراب المصري “أبويوسف” يقدم نفسه تحت لقب “ملك الراب التافه”.

بينما كان “سفنكس” يحلم ويغنى للولايات العربية المتحدة، وأم.سي أمين يهدد السيسي بالموجة الثورية الرابعة، فأبويوسف يؤكد أن “الأغنية مش ممكن تغيّر مجتمع الصراحة.” ويري أن التغيير أو التأثير ليس دور الأغنية بل تكفي المتعة، في حواره مع معن أبو طالب محرر معازف يشبه أغنية الراب بالشيكولاتا وظيفتها أن تبسطك عند أكلها بغض النظر أنها ليست مفيدة.

لكن بدلاً من الانبساط فعالم “الساوند كلاود” المصري يمتلئ بالذوات المتضخمة التى تتصارع مع بعضها البعض. يتغذي مغنوا الراب المصري على مهاجمة بعضهم البعض من خلال الأغانى وهو تقليد معروف في تراث الراب عالميا، لكن بينما تقام مثل هذه المعارك في جراجات السيارات والمساحات المهجورة حيث يتباري مغنيوا الراب ويتنافسون في قدرتهم في الحفاظ على الايقاع تدوار معارك الراب المصري على منصات “ساوند كلاود” و “يوتيوب”. وبدلاً من المواجهة وجهاً لوجه، يدخل كل مغنى راب إلي الدولاب ليصنع بيئة عازلة للصوت ويرص قصيدة الهجاء الطويل في حروب مغنى الراب الكلامية من خلف الشاشات

ذهب الملك أو حديد السجن خيارات الراب المغربي

طاردت الشرطة التونسية مغنى الراب التونسي بمثابرة طوال أعوام 2011 و 2012. اعتقلتهم، ضربتهم، قاطعت وأفسدت حفلاتهم الموسيقي، القضاء التونسي أصدر في حقهم أحكام أحياناً تتجاوز العامين بالسجن. قضى مغنى الراب التونسي مثل “كلاي .بي” أو “ولد الكانز” سنوات ما بعد الربيع العربي مطاردين من الشرطة، يتخفون ويتنقلون من مدينة لمدينة.

حرب الشرطة التونسية على مغنى الراب لم تكن بسبب المعركة السياسية بين الطرفين فقط، بل سببها أن موسيقي الراب ثارت حتى علي القيم الاجتماعية المتعارف عليها. بعض مغنيوا الراب التونسي في تلك المرحلة كانوا أحياناً يخفون شخصياتهم لأنهم يغنون عن الزطلة (الحشيش بالدارجة التونسية)، وما يريدونه  ليس شرطاً أن يكون تغيير نظام الحكم أو مقاومة النظام العالمى أحياناً كل ما يريدونه قد يكون “سيب اللعبة” وحرية تدخين الحشيش.

في هذا الوقت كان مغنى الراب المصري يتقدمون الصفوف سريعاً، يظهرون في إعلانات شركات المحمول، تذيع القنوات التلفزيونية أغانيهم الثورية، ثم سريعا مع تغيير البوصلة السياسية واستقرار نظام السيسي انتهت كل هذه المساخر. لم يعد مسموحاً في مصر إلا بالراب الأخلاقي القائم على قيم التنمية البشرية، أما السياسية فلم يعد مسموحاً إلا بالقضايا السياسية تحت رعاية المنظمات الدولية كأن تغنى للهجرة غير الشرعية لمنظمة اليونسيف.

عاد الراب المصري سريعاً إلي المنتديات، والجحور السرية على موقع “ساوند كلاود”. والآن إذا أردت أن تستمع لراب مصري مختلف فليس أمامك سوى عالم راب “الساوند كلاود”. صحيح أنه راب مختلف، لكن فقره وعشوائية التجارب ظاهرة بشكل جلى، فمستوى التسجيل والإنتاج الصوتى أقل من راب التنمية البشرية والإعلانات، لكن في المقابل منحة حرية أكبر على مستوى المواضيع وطاقة التعبير واختيار الكلمات، لكن دون وجود قاعدة إنتاج تدعم الفنان تظل حتى التجارب المميزة لا تأخذ مساحتها، ويظل إنتاج المزيد من الأغانى لفنان راب الساوند كلاود عرضه لظروفه المادية والشخصية.

رغم الإعلانات والفيديو كليبات التى تغرق يوتيوب لراب التنمية البشرية، فراب الساوند كلاود يتوغل وينتشر ويصنع قاعدة في العالم السري لمحبي الراب. وربما من أكثر المشاهد والفيديوهات الدالة على العالم السري لراب الساوند كلاود هى تلك المعارك التى تنشب أحياناً بين مغنى الراب حيث تطور إلي تحدي ينتهى بلقاء في مكان ما على أرض الواقع، ينتشر موعد ومكان المعركة في الدوائر السرية للراب فيجتمع مستمعى ومحبي الراب يظهر المغنيان، يتقدم واحد من الجمهور يضم قبضتى يده على فمه ليصنع بأصوات الفم إيقاع (بيت بوكس…) وعلى ذلك الإيقاع تندلع المعركة بين كلا المغنين والمنتصر هو من يحافظ على الايقاع (البيت…) بينما رص الكلام معرياً الآخر. من أشهر تلك المعارك هى تلك التى نشبت بين “أبويوسف” و “عفروتو”.

في ظل غياب الفضاء العام، تقام معارك الراب في حدائق مهجورة أو على أطراف الأحياء السكنية، وبينما تكون الأعصاب مشدودة والآذان مشدوهة مع إيقاع الموسيقي والكلمات فالأعين تراقب الأجواء المحيطة حيث أحياناً ما تظهر الشرطة ليجري الجميع منصرفين، هرباً من مصير لا يمكن التنبؤ به إذا تم الامساك بأحدهم.

هذا الوضع المنبوذ والمطارد للهيب هوب في مصر يختلف  عن وضع الراب في بقية الدول العربية، فكما نعلم مصر ليست مثل تونس أو السعودية. معارك الراب التى تقام في أماكن مهجورة خوفاً من مداهمات الشرطة، تقام في لبنان في الساحات العامة وسط حضور بالمئات متنوع من الجنسين.

بينما انطلقت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس في وقت متزامن من عام 2011، فلا شيء يعكس التفاوت الكبير بين مسار كلا البلدين سوى وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في البلدين. فمغنى الراب الذين كانوا منبوذين في عام 2011 في تونس ومطاردين من الشرطة أصبحوا يحتلون المرتبة الأولى على مواقع توزيع الموسيقي في تونس ودول المغرب العربي، هم نجوم يظهرون باستمرار في التلفاز، جزء من إقتصاد الانتاج الفنى، وأسسوا لقواعد متينة لثقافة واقتصاد الراب.

المغرب كانت الأكثر احتفالاً بالراب منذ ظهوره في التسعينات، وقبل حتى إنتشار الانترنت ظهرت من مدينة سلا فرق الراب التى تغنى بالفرنسية، وفي بداية الألفية ظهر الرابر المغربي الذي عرف باسم “عود الليل”. فتحت الإذاعات للراب المغربي، وساهم الانترنت في إتساع دائرته. وعلى عكس بقية الأنظمة العربية التى سعت لمحارب الراب فالنظام المغربي افسح مجالاً على منصة الفنانون الرسمية للدولة للراب المغربي. الملك شخصياً عبر عن رضاه وكرم عدد من مغنى الراب بأوسمة ملكية تقديراً لتميزهم وجهودهم الفنية أبرزهم مغنى الراب المغربي “مسلم”.

maxresdefault
بوستر لمسلم مغنى الراب المغربي

جنة الملك المغربي لا تتسع للجميع، فقد دعم النظام المغربي تيار محدد من الراب المغربي، ومغنى الراب الشاطر هو من استغل هذه الفجوة التى سمح بها الملك ليتحول من مغنى راب الشباب إلى راب القصور. فمسلم الذي بدأ مشواره وهو ينتقد الأوضاع الطبقية والفروقات بين سكان القصور وسكان القبور في المغرب “المغرب غابة بسور/ ومور السور كاينة بحور/ تطفي فيها النور/ تحفروا فيها قبور/ قبل السور كاينة قصور/ فيها زهور/ فيها عطور/ فيها الحور/ تسكب في الكيسان خمور”. تحول لأغانى تنتقد الأحزاب السياسية، الديموقراطية، الانتخابات، والارهاب. وحينما انطلقت مؤخراً في المغرب حملة شعبية لمقاطعة السلع الغالية كالحليب وبعض المنتجات الغذائية، رفض الاشتراك في الحملة أو مهاجمة احتكار الشركات وسجل فيديو يقول فيه ما معناه “أنا رجل المهام الصعبة، لا يمكن أن اتورط في معارك المقاطعة، بل انتظر معركة أعمق وأشرس”.

المعارك الأشرس يقوده من السجون مغنيوا الراب المغربي من السجون، مثل “الحاقد”  الذي سجن لمدة عام بسبب المحتوى السياسي لأغانيه، وهناك مستر كريزى ذو السبعة عشر عاما الذي سجن لمدة ثلاثة شهور في سجن القاصرين بسبب محتوى أغانيه حيث تم اتهامه بإهانة مؤسسات الدولة والتحريض على تناول المخدرات.

لكن بعيداً عن الجدل السياسي والصدام مع السلطة، فالراب المغربي والتونسي ينمو اقتصاديا بثبات، ومعه تتسع قاعدة الجمهور وتجبر صناعة الموسيقي والترفيه على إتاحة مجال له في المشهد.   وينجح الكثير منهم في الحصول على تقدير السلطة والجمهور. فمسلم مغنى الراب المغربي حصل من ملك المغرب على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، وأغانى كلاى من تونس يتجاوز عدد مرات استماعها عشرات الملايين سواء على موقع يوتيوب أو منصة أنغامى، أما في لبنان فحفلات الراب جزء من إيقاع المدينة، وعلى عكس مؤسسات الانتاج الثقافي المستقلة التى تنبذ الراب في مصر فمؤسسات تمويل ودعم الانتاج الفنى والموسيقي في بيروت تحتضن أعمال معنى الراب المصري الذين يجدون صعوبة في المنافسة مع ملكات السيلكون اللواتى يتصدرن المشهد الفنى في لبنان. أما مغنى الراب في مصر فليس لهم إلا الساوند كلاود أو التسول أمام عتبات وكالات الاعلان.

مهما كان تمرد مغنى ومؤدى الراب، فقواعد الإنتاج الفنى والشروط الاقتصادية لسوق الموسيقي تفرض قيمها على محتوى ما يغنيه. لذا فبينما زاب ثروت يغنى أغنية مدعومة من المعونة الأمريكية، صندوق مكافحة الهجرة غير الشرعية، السفارة النرويجية، ومنظمة اليونسيف عن الهجرة غير الشرعية –لا أعرف ما هى علاقة اليونسيف بالهجرة- ويردد فيها منشورات الدعاية الحكومية قائلاً: “يا فارس دا انتحار/ ازاى لنفسك تبرر/ أهوال هتعديها ازاى في مركب صيد”. نجد كلاي من تونس تحتل أغنيته المرتبة الأولى بعدد مرات مشاهدة واستماع تتجاوز الـ 15 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط وبلا دعم أو تمويل من أى جهة حكومية يرد على أكاذيب زاب ثروت قائلاً: “ماشى نعوض عمرى اللى خسرته في بلادى/ ماشى نجيب اليورو ونفرح أخواتى…./ نمشى لبلاد الروم هايم/ وحدى في الغربة نعيش/ خليت لأمى حيرانة/ اتفكرت ولاد حموتى/ أهلى وأحبابي وجيرانى/ وحشة ما تفارق نومتى

لا أكاذيب في الراب التونسي، ولا داعى لتلبس خطاب السلطة وترديد جمل من نوع “بكرة هيبقي أحسن” على طريقة أسفلت، وأحمد مكى، وزاب ثروت. بل إيقاعات موسيقية أصيلة وكلمات قوية لا تخشي التعبير الحر. وقاعدة إنتاج تنمو بازدياد كل يوم وبينما لا تتجاوز أرقام أغنيات الراب المصري الآلاف، والملايين إذا كانت مدعومة من قبل شركات الإعلانات، فالراب التونسي والمغرب تتعدى عشرات الملايين بل بعضها مثل أعمال بلطى تتجاوز مئات الملاين. لا مجال أيضاً للمقارنة بين مستوى التسجيلات الرديء أو المتواضع لأغانى الراب المصري، ومستوى التسجيل والإنتاج الفنى بل وحتى إخراج الفيديو كيب لأغانى الراب المغربي. وإن كان الملاحظ أن سر النجاح الجماهيري للراب المغاربي يعتمد على المزيج ظهر في السنوات الأخيرة بين الراب والغناء الشعبي التونسي، وهو الخط الذي كان قد بدأه أم.سي أمين من مصر مع مغنى المهرجانات، لكن بينما لم تعد الساحة المصرية تتحمل الخطاب السياسي المعارض لأمين، فبلطى من تونس ما يظل يغنى /نعيش في سيستم يحكموه ولاد المتحايلة”.  

ينحشر مغنى الراب المصري خلاف الساوند كلاود، أما الراب المغربي فيحتلون اليوتيوب بمعدل انتاج شبه شهري، يندر أن تمر ثلاثة شهور دون أن نجد فيديو كليب لفنان راب من تونسي، والأجيال تتوالى سريعاً، فكلاي وبلطى حومانى الذين شكلوا رواد الراب التونسي بعد الثورة يواجهون الآن منافسة قوية من أجيال آخري مثل كاسترو وعلاء A.L.A تغنى على إيقاعات التراب، وتهاجم موسيقي وكلمات الأجيال السابقة باعتبارها ناعمة.

أما لبنان فنظراً لأن المنافسة في سوق الإنتاج الفنى شرسة بطبعها وسط نانسي عجرم وراغب علامة، فمغنى الراب في لبنان نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كفنانين مستقلين ويصبحوا جزء من الساحة الفنية التى تصف نفسها بالفن المستقل بينما تعيش على دعم مؤسسات الإنتاج الأوروبي. وهذا الأمر أنتج حالة نادرة في غرابتها. فبينما لا نجد المهرجانات الثقافية في مصر أو بيروت توجه الدعوة لمغنى راب مصريين أو مغاربة، فالراب اللبنانى والسوري من الراس إلي بوكلثوم يحتلون تلك التظاهرات، بأغانى وكلمات مناسبة للخطاب الثقافي وخطاب الصوابية السياسية الذي تدعمه تلك المؤسسات.

الراب السعودى مساجين الأمس مليونيرات اليوم

من لبنان للقاهرة لتونس لطنجة، رغم تباين المستويات من عام لعام تبعاً للأحداث السياسية والمتغيرات الاقتصادية، لكن السمات المشتركة  تجمع الراب في تلك البلدان. أما قصة الراب في السعودية والخليج العربي فهى فريدة في تطورها.

أولاً لدينا ثوابت تحكم الراب الخليجى، لن نجد أغانى سياسية في الراب الخليجى، ليس هناك حكام أو محكومين لا يوجد كذلك أغانى وطنية بالمعنى المفهوم في بقية البلدان العربية حيث البلاد الجميلة التى يحكمها اللصوص والقتلة كما في الراب المصري أو المغربي. أيضاً لا وجود لأغانى الصوابية السياسية في الراب الخليجى فلا حديث بالطبع عن الهجرة غير الشرعية، أو حقوق المرأة وغيرها من الموضوعات التى يتلقي مغنوا الراب من سوريا أو لبنان عليها الدعم.

يطوف الراب السعودى في مجرة كونية خاصة به، وحالياً يعتبر مغنوا الراب السعودى من الفنانين الأثرياء الجدد الذين أصبحوا جزء من منظومة الانتاج الفنى والموسيقي الثرية مادياً وفنياً. لكن من خمسة عشر سنة لم يكن المشهد كذلك. في بداية الألفية كان مشهد موسيقي الهيب هوب في الخليج من أعنف المشاهد والساحات الفنية.

نهض الراب الخليجى والسعودى على الهجاء. مهما سمعت من أغانى عنيفة في الراب المصري أو المغربي، فحتى الآن لم أسمع شخصياً أغانى في عنف ما قدمه مغنوا الراب السعودى في بداية الألفية تحديداً عبادى، وكلاش، ومجموعة وكر العصفور.

الهجاء في الراب السعودى والخليجى لا يعتمد على السباب وقوة المغنى في السيطرة على الإيقاع فقط، بل ينحدر إلي العنصرية والطائفية بأريحية.

في سنوات ما قبل الـ2010 يمكن أن نصف الراب السعودى بأنه الراب الأكثر عنصرية، فالمغنى لا يكتف بمهاجمة المغنى الآخر بل يهاجم عائلته وقبيلته، وجنسيته وأهله. وحتى إذا لم يجد مغنى الراب مغنى ينافسه فهو يخصص ألبومها لمهاجمة فئة من فئات المجتمع أو جنسية من الجنسيات التى لا تعجبه.

في 2009 مثلاً أشعلت مجموعة وكر العصفور حرباً إعلامية بين مصر والسعودية خرجت من ساحة منتديات الراب إلي قنوات التلفزيون في أغنيتهم نورت مصر، وهو الأمر الذي استدعى رداً من مغنى الراب المصري لكن أبداً لم تكن الردود المصرية في قوة الإهانة، كما أن مغنى الراب المصريين المحترفين لم يتورطوا في تلك المعركة، بينما خرج كبار مغنى الراب السعودى من هذا العالم، عالم الهجاء على طريقة الشاعر العربي القديم “وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً. وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً .”.

حالة كلاش نجم الراب السعودى الأكثر دلالة على رحلة الراب السعودى، فقد بدأ كلاش من العالم السفلي لمنتديات الانترنت حيث كانت أغانيه تنتشر على المنتديات ومن خلال تقنية “البلوتوث” على أجهزة الموبيل. شكل كلاش مع رابر سعودى آخر هو “عبادى” ثنائياً شهيراً في سنوات 2004 و 2005. أغانيهم هاجمت وسبت كل الجنسيات الخليجية طوائف وعائلات متنوعة من المجتمع السعودى وحينما ملوا لم يجدوا فئة فقد بدأوا في مهاجمة بعضهم البعض والتنافس بأغانى الراب في التنكيل ببعضهم البعض.

اختيار الهجاء أو “الديث” بلغة عالم الراب هو اختيار يحمل قدراً من الذكاء في بيئة قبلية كالمجتمع الخليجى. فيحنما تهاجم فلان، أنت تشعل معركة وفلان سيضطر للرد وحينما يرد فلان سيهاجمك أنت وقبيلتك وجنسيتك، بالتالي ستكسب أهلك في صفك بصفتك ممثل لهم ومطالب بالرد عنهم، وهكذا كلما اشتعلت المعارك كلما انتشرت الأغانى أكثر.

بالرغم من ابتعاد مغنى الراب السعودى عن الغناء السياسي أو انتقاد الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، لكن الهجاء والسباب جر الكثير من النقد المجتمعي على مجتمع الراب السري. في عام 2007 ألقت الشرطة السعودية القبض على كلاش نجم الراب السعودى، ووجهت له تهم السب والشتم والاستهزاء بفئات المجتمع وحكم عليه بحكم مخفف 3 أشهر سجن بعد التعاطف معه حينما تبين أن سنه وقتها 18 عاماً.

بعد خروجه من السجن ابتعد كلاش عن عالم الهجاء و”الديث”. وعلى ما يبدو قرر أن يحول غنائه الراب إلي مهنة لا كهواية يمارسها تحت اسم مستعار، بدأ كلاش يشارك في الفرق المسرحية السعودية ويقدم معها عروضاً في المولات والمسارح السعودية. شارك أيضاً في المسابقات المحلية التى تقام للراب في قطر والامارات، بدأ يظهر في البرامج التلفزيونية ويقدم الأغانى في المسلسلات الخليجة الشبابية. حتى ألتقطه صانع مجد الراب السعودى والخليجى قصى، وضمه ليصبح واحداً من مغنى شركته المعروفة بأساطير جدة أو “جدة ليجنيد”.

قصي خضر هو نجم الراب السعودى والعربي الأول لا بقدراته الغنائية، أو موهبته الموسيقية بل بسبب حاسته الفنية وملكة الانتاج الموسيقي لديه والوعى الذي يحركه بأهمية أن يقوم الفن على قاعدة اقتصادية تدعم وجوده وتدعم فنانيه، خصوصاً إذا كان فن مهاجر من الغرب إلي الشرق كالراب والهيب هوب.

في نهاية التسعينات كان قصي يكمل دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، جذبته  موسيقي الراب والهيب هوب في الساحل الشرقي، حيث تعرف على عدد من منتجى الموسيقي البارزين بعضهم أصبحوا شركاء له في المسيرة بعد ذلك مثل فريديرك. لكن مع بداية الألفية عاد قصي إلي جدة بعدما درس إدارة الأعمال في أمريكا. عاد  بطموح أكبر من أن يغنى الراب أو ينشر على الانترنت بعض أغانى الهيب هوب باسمه.

أسس قصي مجموعة “أساطير جدة” والتى تحولت إلي مظلة تجمع تحتها عشرات الأسماء من عالم الراب السعودى، لتصبح أهم وأعرق شركة إنتاج في المنطقة متخصصة في إنتاج موسيقي الهيب هوب العربية. رغم بداية غنائه بالإنجليزية لكن تحول قصي إلي الغناء بالعربية جامعاً بين اللغتين العربية والانجليزية. سعي قصي إلي التعاون مع فنانين آخرين من أنواع موسيقية مختلفة، انفتح على عالم الموسيقي التجارية. وفي سنوات تصدر واجهة المشهد الفنى السعودى والخليجي كصوت رخيم يستطيع أداء الميلودى راب كما يصفه جيمى هود، ومن الموسيقي انطلق إلي عالم التلفزيون ليقدم على مدى سنوات برنامج “أراب جوت تالنت”، ليمثل وجوده في البرنامج الدعم الخفي لكل المواهب التى تتقدم لغناء الراب والهيب هوب.

طموح قصي لا يقف عند المحيط السعودى والخليجى، فقصي أيضاً أحد العناصر الفاعلة في مجموعة “أرابيان نايتز” وقدم معهم ومع أم.سي أمين عدد من التجارب الغنائية. لدى قصي هذا الطموح الفنى الذي يدفعه إلي اكتشاف كل الأماكن غير المتوقعة. في 2015 فاجئ جمهور برنامج “اراب جوت تلانت” الأعلى مشاهدة باعتلاء المسرح بصحبة السادات وفيفتى مغنى المهرجانات مقدماً أغنية أم الدنيا في مزيج بين موسيقي الراب والمهرجانات.

لدى قصي هذا الحضور اللطيف والودود سواء أمام الكاميرا أو خلفه، وهذا الحضور جعله قادراً على فتح أسواق جديدة لموسيقي الهيب هو والراب العربي والخليجى. وبينما يعانى الراب في مصر من غياب المظلة الانتاجية وحصار الرقابة، وراب وهيب هوب الشام محصوراً في عالم الموسيقي والثقافة البديلة، فراب الخليج والسعودية خلال سنوات قليلة نجح في احتلال المشهد وكل يوم تحمله له الريح المزيد من الخيرات. فمؤخراً مع التغييرات الشكلية التى أقرها ولى العهد محمد بن سلمان تم السماح لهيئة الترفية بافتتاح دور العرض السينمائي كذلك إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وبسرعة نجح شباب الراب السعودى في إعتلاء المسرح وأصبحوا نجوم حفلات هيئة الترفية ووجه بارز من وجوه السعودية الجديدة. السعودية التى تقود فيها النساء السيارات بينما يقبض على النشاطات النسويات وتوجه لهن تهمة خيانة الوطن، السعودية التى تعتمد نظام الكفيل لكن تسوق للعالم مشروع أرض النيوم كأرض ومدينة الروباتات. السعودية التى تخوض حروباً على أكثر من جبهة بينما الجيل الجديد من مغنى الراب يغنون فيها “في بدايتى طفران/ أخبي ريالى واقعد جعان/ عالحديدة دا من زمان/… بديت بريال وصرت مليونير”.

السقف منخفضاً بكل تأكيد في راب السعودية، لكن الصناعة والبنية الاقتصادية قوية تجعل الأرض مناسبة لنمو الهيب هوب العربي، المدون ومقدم البرامج الإذاعية “بيغ هاس” المتخصص في موسيقي الهيب هوب مثلاً يقدم أهم برنامج إذاعى عربي عن الهيب هوب من داخل السعودية. قصي طموحه يتجاوز جدة ومستمر في اجتذاب فنانين ومغنين عرب وانتاج المشاريع والمغامرات الجريئة معهم. المشهد يموج بالثراء والتنوع، لكن لا مساحة له على الشاشات أو المسارح ليأخذ الهيب هوب العربي مساحته التى يستحقها.

 

ضبطية هانى شاكر

في الأصل، النقابات شرعت كشكل من أشكال التنظيم المدني للمجتمع وطوائفه. والغرض منها الارتقاء بمستوى ممارسي المهنة، وحمايتهم من توغل السلطة سواء كان سلطة صاحب رأس المال أو السلطة السياسية أو الدينية وحتى سلطة المجتمع. يحدث هذا في المجتمعات المفتوحة القوية والتي تستمد قوتها من تعددها، وتدرك أن محرك التقدم هو التنافس الصراع السلمى بين مكونات المجتمع، لا حشده تحت شعارات سلطوية من قبيل كلنا يد واحدة.

مثلما يضمحل المجال السياسي، ويكشف خواءه، ومثلما ينخفض يوماً بعد يوم سقف حرية الرأي والتعبير في مصر سواء على الانترنت أو حتى في الإعلام التلفزيونى، فحرية الإبداع يتم حصارها في تحالف بين وزير العدل سيادة المستشار الزند ورؤساء النقابات الفنية على رأسهم أشرف ذكى وأمير الأحزان هانى شاكر نقيب الموسيقيين.

jan von hollebn
فوتوغرافيا: jan von holleben

منح وزير العدل الضبطية القضائية للنقابات الفنية ومنها نقيب الموسيقيين هانى شاكرالذي أصبح يحمل الضبطية القضائية (هل هنأتم أخيكم هانى فقد صار ضابط). يعنى هذا أن الموكلين من نقابة المهن الموسيقية أصبح لهم سلطة مأمور الضبط القضائي، وحسب القانون فمأمور الضبط القضائي يحق له تقصي الجرائم ومرتكبيها وجمع الدلائل التي تلزم عملية التحقيق في الدعاوى والجرائم ويخضع كذلك لإشراف النائب العام، وله حق دخول جميع أماكن العمل وتفتيشها للتحقق من تطبيق أحكام القانون وفحص دفاتر الأوراق وطلب المستندات والبيانات من أصحاب الأعمال أو من ينوب عنهم.

الجزء الجيد في هذا الخبر أنك إذا أردت العمل في مجال الشرطة ولم تنجح في دخول معهد أمناء الشرطة، يمكنك الانضمام لمعهد الموسيقي، ثم الانضمام لنقابة الموسيقيين والعمل كأمين شرطة. بل وبرتبة أعلى من رتبة أمين الشرطة حيث سلطاتك أقرب لسلطات وكيل النيابة.

الجزء الكارثي من الخبر هو تحويل المؤسسات النقابية التي يفترض بها الدفاع عن أعضائها وصيانة وحماية حرية الإبداع،إلي جزء من السلطة التنفيذية والقضائية. تمتد الكارثة إلي أن سلطة هانى شاكر يمكن بسطها على كامل الأراضي المصرية وعلى كل أفرادها.

لإدراك سلطة هانى شاكر وما تعنيه. تخيل أنك بعدما تغربت وعملت وشقيت وأخيراً أكرمك الله ببنت الحلال وستحقق حلمك بعد طول انتظار لأن الحلال أجمل، وأخيراً ستتزوج وستقيم فرحاً بهيجا في مدينتك المحلية الإقليمية في محافظة الغربية على سبيل المثال. الآن والفرح مشتعل والأهل في فرح وسرور من حق هانى شاكر أو من ينوب عنه، أن يدخل الفرح ويطلب الاطلاع على كل أوراق الموسيقيين الموجودين على المسرح والتأكد من عضويتهم للنقابة، بل وإذا لم يعجبه الفرح ووجد فيه اسفاف فمن حقه القبض على الموسيقيين وسجنهم، وهدم الفرح عليك وعلى دماغ أهلك. لأن أمير الأحزان جنرال مملكة الدموع هانى شاكر يري أن الموسيقي التي ترقص عليها في فرحك إسفافا.

سيكون أمامك في هذه الحالة اختيارين إما أن ترضخ لسلطة هانى شاكر وعصبته، أو تدفع له أتاوة تشبع عينهم وتسكتهم وتجعلهم ينصرفون. الحل الثالث أن تستقدم هانى شاكر نفسه للغناء في فرحك. مثلما يفعل منتجو التلفزيون والسينما حيث يمنحون الأدوار في كل أعمالهم لأشرف ذكى نقيب نقيب الممثلين أو لزوجته أو أقربائه.

لكن إذا دعوت هانى شاكر للغناء في فرحة فسيكلفك الأمر الكثير من المال. فجنرال مملكة الدموع وملك البوتكس في الخدود بعدما كان يغرق في نهر الأحزان، أصبح نقيباً والكل الآن يقدم له فروض الولاء والطاعة، الرجل كذلك مشغول في لم الريالات والدراهم بعد ألبومه الخليجى. وبالمناسبة ففي حفل بهيج بدار الأوبرا المصرية بالمسرح الكبير حيث ممنوع ارتداء الجلباب، غنى هانى مؤخراً مجموعة من أغانيه الخليجية. ولا أعرف لماذا في الأوبرا وليس في فندق خمس نجوم حتى يتمكن جمهوره الخليجى من الدخول بالثوب التقليدي ورمى النقطة والدراهم.

في أقل من شهر على منح الضبطية القضائية يمكن أن نشاهد كيف سيستغل هانى شاكر سلطته، فأول قراراته كانت قرار بمنع فرقة “ابن عربي” للموسيقي الأندلسية والصوفية من الغناء في مصر، وذلك بسبب على شكوى تقدم بها صاحب شركة لتنظيم الحفلات. بدلاً من أن تدافع النقابة عن أبنائها وعن الموسيقيين وعن تنوع المشهد لموسيقي فهى تقف مع رأس المال، وتصدر قرارات بالمنع دون تحقيقات حتى بل فقط شكوي يتقدم بها مواطن.

هذا الحرص الغريب من وزير العدل على آذان المصريين وحمايتها من الاسفاف، وعلى دعم حملة هانى شاكر في مواجهة ما يعتبره هانى انحطاط الذوق بمنع فرقة غناء موسيقي اندلسية من الغناء في مصر. لا يقابله مثلا أي جهد للحفاظ على صحة المصريين أو أرواحهم. لم يمنح الزند الضبطية القضائية لنقابة المهندسين مثلا أو لنقابة الأطباء. وإعلانات علاج البواسير والشرخ الشرجي تغرق المواصلات العامة وشاشات التليفزيون، وتروج للخرافات والأعشاب والمراهم السحرية التي تعالج الشرخ الشرجى بلمسة واحدة. حيث يباع الوهم لمرضي الشرخ الشرجي دون أن يتحرك مأمور الضبط القضائي هانى شاكر أو يتحمس وزير العدل لمنح تلك الضبطية لنقابات آخري. بل أن أحد دجالين العلاج الطبيعي والأعشاب والمحكوم عليه في قضايا نصب سابقاً قد أصبح عضواً في مجلس الشعب ويظهر على التلفزيون ليهدد الأمين العام للأمم المتحدة بالضرب.

لن يغير هذا المقال ولا المقال الذي سبقه شئياً من حقيقة الوضع، الذي يتجه نحو كوارث أكثر وتوسيع أكبر لسلطات مأموري الضبط القضائي لمراقبة الشعب وتربيته على طريقة هانى شاكر، بينما يتزايد عدد حالات مرضي الشرخ الشرجى دون نقيب يدافع عنهم. ربما السبب أن آذان المصريين وما يسمعونه ويشاهدونه يمثل خطورة على سلطة الزند وهانى شاكر، بينما صحتهم وبواسيرهم لا تهمهم ولا تهدهم بالقدر نفسه

علي طالباب: الكلام الكبير للمعاني الواضحة

أنا الديك اللي باض، والثور اللي اتحلب

القانون اللي اتركن، والدستور اللي انكتب

أنا القاضي والمحامي والمتهّم القتيل

أنا الراجل اللي بشنب بالل نفسه على السرير

علي طالباب

يبدو الجدل والصراع بين الثنائيّات المختلفة الذي شهدته العقود الأخيرة في التاريخ الثقافي المصري بعيداً الآن، فلا أحد يفاضل بين قصيدة النثر والشعر الموزون، أو بين الذاتيّة في الإبداع والمسافة مع البروباغندا الأيدلوجيّةهنا تحديداً، وبينما يأخذ إم سي أمين الراب نحو الشارع وتصعد موسيقي الراب والمهرجانات من الشوارع الضيّقة التي يصل بينها التوك توك، يظهر على طالباب مطوّراً تقنية رص الكلام” من الراب نحو ما يصفه أحياناً بـروايات شعريّة“.

لا يجد طالباب مشكلة في المزج بين العاميّة والفصحى في أغانيه، أو أن تأتي بعضها فصحى تماماًولا يبدو له أن هناك أي تناقض بالاستعانة بصوت أمل دنقل يلقي قصيدة الكمان” في إحدى أغانيه، وأن يستخدم صوت يوسف رخا – أحد المحاربين القاسيين في قصيدة النثر الحديثة لكل ما يمثّله أمل دنقل – في أغنية آخرى مضاجعة الوقت“.

على المسرح، لا يقف علي طالباب مثل بقيّة مغنى الراب أو المهرجانات وخلفه دي جيه، بل فرقة صغيرة عمودها الأساسي البايس غيتار” والدرمز“. لا يخجل طالباب من التصريح في أغانيه بأن الاشتراكيّة هي الحل، ولا يخفي أحياناً هذه التوليفة الصوفيّة التي تظهر في أغانٍ أخرىلكن أعمال طالباب ليست موجهّة فقط في البصق” حرفيّاً على كل رموز السلطةمن العسكر حتى تجّار الدين، بل يبدو واضحاً أن الغضب داخل أعمال طالباب يتوجّه أكثر نحو ذلك البؤس المتزايد في الشوارع الخلفيّة في المدينة.

تفتح آهات أم كلثوم في كلمة حبيبي” السرديّة الصوتيّة الطويلة لعلي طالباب (14 دقيقة)، يليها طنين بعيد مولّف إلكترونيّاً، ونغمة بسيطة تخفت في الخلفية، ثم يدخل صوت يوسف رخا: “كل هذه السنينيا صاحبيوكأنّنا هنا عن طريق الخطأننتظر حتى تفرغ الشوارعلنقود مركباتٍ غير مرّخصةونواجه جنود المعابر بالضحكة الصفراء والنقودنحلم بأماكن ولو وجدت/.. نحن لا ننفع لها، يا صاحبي“.

وكما في أعمال أخرى لطلباب، فالغلظة وخشونة الألفاظ ووحشيّة الصور تنتشر في السرديّةوجه آخر لخشونة الثورة. إنّه الغضب الانفعالي وما يصفها الخبراء والمحللين السياسيين بـالمراهقة الثوريّة“.

روح جديدة لا تفهمها النخبة السياسيّة ذات الشعر الأبيض التي تتصدّر المشهد، ويستمرون في ترديد أسئلتهم الحائرة أمام هذا الغضب المراهق، يتساءل السياسي ما الذي يريده الأولتراس؟ ما الذي يريده شباب الثورة؟

يعطيهم على طالباب إجابة مختصرة: “بالنسبة للدولة، إرداة إلهيعنى ملكيش ديّةخليها تتحرق بعشوائياتها بعششها في الضواحيبشحاتينها مشوهّينهاباللي حاكمنا في برج عاجيخليها تنطبق بلجانهابلوائحهاومجالسها/ونظامها الضريبيخلى سمواتها السبع فوقها تنفجر“.

رشيد طه: عجوز يتأمّل تفتُّح الورود من سقف العالم

يختتم رشيد طه عشرين عاماً من التجارب واللّعب والغناء منذ أول أسطوانة له (1983) “Carte de sejour” بأسطوانة جديدة صدرت مؤخراً تحت عنوان “زووم“. بلهجة تقريريّة متواضعة، يقول رشيد في واحدة من أغاني الأسطوانة: “ومشروعي أنيق. أنيق، وصافي“. ربّما تغيب الأناقة عن بعض أعمال رشيد السابقة، إلا أن “الأناقة” هي الصفة الأهم التي تتمثّله هنا بما تحمله الكلمة من تناسق في التوزيعات والألحان وفي الحالة العامة التي تجمع أغاني الأسطوانة.

أناقة عجوز لا يخجل من الشعر الأبيض فيصبغه كمغنين آخرين، ولا ينجر بسهوله مع الغرور والصورة الأبويّة التي يفرضها التقدم في السن كحالة الشاب خالد، بل يعبر بخفة من حالة الشاب رشيد طه ليقدّم صورةً مغايرة للشيخ، الذي يجلس على كرسي في نافذة تطل على سقف العالم يتأمّل زهرة تتفتّح في وداع الشتاء.

وفي “زووم” ينعكس مشوار طه عبر عشرين عاماً، كأن الأسطوانة رحلة داخل مشروع طه ذاته، لا يفوته عبرها أن يوجه التحية لأهم الفنانين الذي كانوا دائماً مصدر إلهام له من شيوخ وشيخات الراي، حتى أم كلثوم وإلفيس بريسلي.

1

في عام 1981 كان أعضاء فرقة فريق “The Clash” يقوم بجولة صغيرة في باريس، حينما اقتحم شاب نحيف المشهد وقدم لهم شريطاً تجريبيّاً عليه بعض التسجيلات لهم، لكن أعضاء الفريق لم يعاودوا الاتصال بها. وبعدها بشهور قاموا بإصدار عملهم “Rock The Casbah”. الفتى كان رشيد طه، والشريط حمل أول تجاربه التي ستصدر في أول أسطواناته بعد ذلك. سيظل رشيد يكرر وحتى 2007 بأن “روك القصبة” التي غناها “فريق التصادم” كانت نتيجة استماعهم لأعماله.

الفرقة ستنفي بالطبع وستحكى قصة أخيرة عن مصدر إلهام “روك القصبة“. لكن Joe Strummer مصدر الإلهام الأول لرشيد المراهق سيتوفى، وستتفكّك الفرقة وتنقلب الأحوال. حتى أن مايك جونز سيعزف بعد ذلك خلف رشيد طه. لا دايم إلا وجهه الله، وهكذا الدنيا مثل المرجيحة يوم فوق ويوم تحت.

لكن رشيد في 2013 في أغنية “Algerian Tango” سيقول أنه لا ينسى: لا ينسي سنوات التجاهل الأولى، الرفض من شركات الإنتاج الفرنسيّة التي لم تكن تريد التعامل العرب. حتى هؤلاء سيذكرهم رشيد “مننساش العنصريين، مننساش العبوديين“.

2

من الثمانينيّات وحتى منتصف التسعينيّات، لم يكن الأمر كنزهة في الحديقة: العنصريين في أوروبا لم يكونوا المشكلة فقط: فهناك العبوديين والحجّارين والظلاميين في الجزائر وفي أماكن أخرى. ورشيد يعرف أنهم لن يتركوا قلبه صافياً. إلا أن معركته ليست معهم، بل معركة في غابة الموسيقى الحديثة المتشابكة. سارت رحلة رشيد بين المسارح والنوادي الليليّة من لندن إلى باريس، مازجاً بين الراي وأنواع موسيقى صاعدة من الراب حتى الروك والموسيقى الإلكترونيّة في التسعينيّات. معلّقاً بين عالمين يبحث عن أرضٍ خاصة به.

في 1997 سيصدر أسطوانة “Carte Blanche” ، ويعيد فيها تقديم رائعة دحمان حراشي “يا رايح وين مسافر“.

تنجح الأغنية عربيّاً وأوروبيّاً، وتصبح من الأغاني الرئيسيّة في موجة “راي” التسعينيّات. الجمهور العربي لن يلتفت لأغنية أخرى في ذات الأسطوانة، وهي “زبيدة“: قصّة استوحاها رشيد من فتاة جزائريّة تعرّف بها أثناء عمله في الصحافة في بداية مشواره. تجسّد الأغنية القصّة التقليديّة لفتاة عربية تزوّجت بسبب ضغوط الأب، وانتهت حياتها تحت سلطتين لم تختر أي منهما. لكن الكلمات الحماسيّة جاءت مصحوبة بلحن طفولي وتوزيع بسيط تقليدي.

سيعود رشيد لتقديم ذات كلمات “زبيدة” في 2013 في “زووم“، هذه المرة تحمل زبيدة اسم جميلة، لكن القصة لا تزال كما هي.

وهذه المرة تعلّم رشيد الدرس، ليقدّم “جميلة” في توزيعين: أحدهم مسجّل من حفلة حيّة، والآخر في استوديو، حيث يقدّم القصّة بصوته في البداية، وتصحبنا الغيتارات إلى داخل الأغنية مع تنويعات الكيبورد الشعبيّة الجزائريّة المميّزة للموسيقى التجاريّة، ويصعد الكورال ليضيف على الأغنية أبعاداً أسطورية.

تتحوّل “زبيدة” العاديّة في 1997 إلى “جميلة” أسطوريّة في 2013. وتتشكّل بين العملين المرحلة الجديدة لرشيد طه التي سينتقل فيها إلى مستوى الاحترافيّة، لتتضح أبعاد وحدود مشروعه الموسيقي الذي سيشكل اثنين أهم سماته:ستيفين هيغل، الموزّع الذي رافق رشيد منذ تلك الفترة حتى أسطوانة “تيك توا“، وحكيم: عازف المندولين المطور.

3

مع أغنية “جميلة“، يستقدم رشيد صوت فضيلة في أغنية “خلوني“. مؤكّداً على عمديّة مركزيّة مسألة المرأة بالنسبة له كما علمته “الماما ريمتي” بأنها حريّتها. فضيلة هي الأخرى شخصيّة مركزيّة في تاريخ الراي والموسيقي الجزائريّة.إذ كانت النجمة الأولى في نهاية الثمانينيّات، محقّقة شهرة أوروبيّة واسعة مع زوجها “صحراوي“، وقدّمت أول أغنية راي “فيديو كليب” “ما عندي زهر معاك“.

يصحبنا رشيد إلى قاع موسيقى “الراي” مع فضيلة. مطلقاً العنان للوحش الكهربائي في حنجرته، مستخدماً كل الحُلي الموسيقيّة الشعبية، من “الأوتو تون” حتى العواء الرتيب “للأورغ“. كأننا في لحظة من الزمن الذهبي لأستوديوهات الراي في تسعينيّات الجزائر. ومن خارج الاستوديو، يمكن أن نسمع صدى طلقات النار في الأغنية الذي ميّز حروب وصراعات سنوات التسعينيّات في الجزائر.

ربما خفت دوي الرصاص في الجزائر، لكنه يبدأ الآن في مناطق أخرى. ربما لهذا اختار رشيد هذه الأغنية، واختار تقديمها بهذه الروح: روح الراي الذهبيّة الخالصة.

4

في أسطوانة “أنت فاكر نفسك مينTékitoi“، يصل التعاون بين  رشيد ومنتجه الفني Steve Hillage إلى قمّته. هذا التعاون الذي بدأ بالتعارف بين الاثنين في منتصف التسعينيّات، ليشرف “ستيف” على الإنتاج الفني الكامل لمشروع” ‘1, 2, 3 Soleils‘,” بين رشيد والشاب خالد وفضيل.

ستيف صاحب البصمة الأبرز في مشروع رشيد، والذي فتحه أكثر على إيقاعات أكثر تنوعاً، تبدأ من الساحل الأفريقي في السنغال، وحتى الهند شرقاً والمكسيك يساراً. ومع ستيف، سيبرز براين إينو باستمرار، ويظهر في الحفلات إلى جوار رشيد حكيم، عازف آلة الماندولين أو الآلة الغريبة والمدهشة التي طوّرها حكيم بنفسها من الماندولين، وهي أكبر من الماندولين العادية وصندوقها الموسيقي الأعمق، ويحوّرها حكيم باستمرار لتقوم بدور وسط بين العود والغيتار.

بين الاثنين، تأتي أسطوانة رشيد “أنت فاكر نفسك مين” كصرخة في البريّة. كان ذلك العام 2005، والمياه الراكدة في المنطقة العربيّة تتحرّك وتتململ بفعل آثار غزو العراق وبروز شمس مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفي الشوارع أطفال يلهون على الانترنت بأصول الحكم. في 2006 قام رشيد بإحياء حفل موسيقيّ في القاهرة. مغنيّاً: “نحّوهم، حاسبوهم“، “ثقافتنا ما في شي ديموقراطيّة، الهدرا الهدرا ممنوعة“، “قلبي وقلبك مفتوح“، وأخيراً: “السلطان قال للبوجي مان، خدوا الطيارات، وطقوا البومبات على الناس المجرمين. اللي نكروا كلام السلطان“. (روك القصبة).

وها هي الطائرات تضرب ناكري كلام السلطان في 2013، وتنطلق حمى الثورة: بموسيقى الثورة، وأغاني الثورة.ويتبدّى الأفق لرشيد كأن الكل “قبض ريح“.

وبينما يتحدّث مغنيو الثورات والربيع بحماس وثقة مفرطة عن الثورة، وحق الشهيد والحريّة، يبتعد رشيد عن ستيف منذ أسطوانته السابقة  “بونجور“، ليختار هذه المرة التعاون مع مهووس آخر بالموسيقى العربية، والمزج بين التنويعات الشرقيّة والغريبّة: جاستن آدمز. يقف الشيخ رشيد في منطقة متشكّكة، كأنما يعيد النظر في مشروعه الأنيق. ويفتتح أسطوانة  “زووم”  بأغنية “ ويش نعمل“.

وتتصاعد موجات الأسئلة: “هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا قبيح؟“. وبدلاً من الحماس والعواء الذئبي المجنون الذي عرفنا فيه رشيد يصرخ: “برا برا النجوم طفيت ودلقت الشمس“، يقترح هذه المرة حلّاً آخر: “اليوم، اليوم إضراب. نسافر للنجوم مع حبيبي“.

5

في الأسطوانة الأخيرة، ومن بين كل أعمال رشيد طه على مدار عشرين عاماً، تأتي النجمة والجوهرة الفريدة التي يقدمها هنا تحت عنوان Now or Never. ليقدّم التحية لأغنية إلفيس بريسلي القديمة، مع توزيع يطوف بنا من جداول الماء حتى صوت Jeanne Added التي عرفناه سابقاً في بعض الأعمال مع توفيق فروخ.

لا تعليق يمكن إضافته غير إتاحة الفرصة لتأمل هذه الجوهرة الفريدة.

هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

نشرت على موقع معازف عام 2013

مقدمة موجزة للتأصيل التاريخي

قاد جمال عبد الناصر ورفاقه منذ الخمسينيّات عمليّة تغيير جذري، ليس فقط للنظَام العام للدولة وأجهزتها التنفيذيّة، بل للفضَاء العام والمجتمع ذاته من أجل تطويعه في آلة ضخمة لتحقيق مشروع ضخم لم تتضح أبداً معَالمه– وإن كنا عرفناه كأجيال لاحقة بـ“المشروعِ الناصري المُجهض“.

كان الفن والثقافة من ضمن تلك المجالات التي تعرّضت لعمليّة تطويع ضخمة شملت سيطرة الدولة على وسائل البث والنشر من إذاعة وسينما وتلفزيون بعد ذلك، وامتدّت لاحقاً لتشمل أدوات الإنتاج الثقافي والفنّي نفسها، ليتم تأميم الصحف وشركات الإنتاج الفنّي تحت ذرائع مختلفة.

تحرّكت دولة عبد الناصر في مجال الأغنية على مستويين أساسيين: المستوى الأوّل: امتلاك أدوات الإنتاج والبث، وبالتالي: التحكّم في الأغنية العربيّة والمصريّة، والمُسَاهمة في إضفاء تابع القدَاسة على نجومها المرضيّ عنهم، عبد الحليم وأم كلثوم نموذجاً، أو تهميش آخرين لانتمائهم إلى العهد البائد، صفر علي وفؤاد المستكاوي، أو لأن أغانيهم ليست أغانٍ هادفة، شكوكو نموذجاً.

pict0031

أما المستوى الثاني فقد كان جزءاً من خلق عملاق وزارة الثقافة، وقاده وقتها زكريا الحجّاوي الذي طاف المدن والأقاليم لجمع الفنانين الشعبيين من الموالد ومن الفضاء العام، وتحويلهم لموظفين يؤدّون فقرات ثابتة وجاهزة على مسارح الدولة.

لكن ومثلما تعملنا من “فوكو“: أينما وجدت السلطة وبدأت في ممارسة أدوات تسلّطها، وجدت المقاومة. لذلك، لم تمر عملية سيطرة الدولة على الأغنية من دون مقاومة التي برزت أوّل صورها في تجربة الشيخ إمام. لكن على هامش آخر، ومع نهاية الستينيّات، ظهرت مجموعة من الفرق الشابة المتأثرة بالتطورات النوعية التى حدثت في مجال الأغنية في أوروبا وأميركا. وتجلّت في عدد متنوّع من الفرق بداية من”The Rocket” و“The Black Coats”، ومشاريع إسماعيل توفيق الحكيم الذي مات منتحراً بعد ذلك في ظروف غامضة.

للآسف، لم تحمل تجارب تلك الفرق خلفها ميراث آيدولوجيّاً أو جماعة ثقافيّة مولعة بأمجاد التاريخ كاليسار لكى تحفظ لنا تجاربها الموسيقيّة. بينما توفّرت مثل هذه الظروف للشيخ إمام، الأمر الذي كفل لتجربته الاستمرار التاريخي كنموذج لما سيعرف بعد ذلك بـ“الأغنية الملتزمة“.

توسّع الهامش أكثر فأكثر مع سنوات السبعينيّات والثمانينيّات كنتيجة لتراجع تسلّط الدولة النسبي على مجال الفن والثقافة، ولظهور تقنيات بث ونشر جديدة أقل تكلفة وأوسع انتشاراً ويصعب السيطرة عليها كشريط الكاسيت، حتى أصبح هناك تيّار غنائي كامل يعرف باسم “الأغنية البديلة“.

لم يتّضح أبداً ما هو التعريف الدقيق للأغنية البديلة، لكن اصطلح على وصفها بالأغنية القابعة في الهامش بعيداً عن آلات البث الخاضعة لسيطرة الدولة التى تضخّمت لتصبح نظاماً وشبكات إنتاج خاصّة قد لا تكون تابعة للدولة، لكنها تمارس دور النظام الحاكم. لكن تسمية “الأغنية البديلة” لم تشمل أبداً الأغنية الشعبيّة بداية من أحمد عدويّة وسلالته، بل تم وضعهم في ركن منفرد، أو التعامل معهم كإفراز لحالة مجتمعيّة سياسيّة ملتبسة وغير مفهومة.

جاء ذلك في وقت تراجع فيه اهتمام الدولة مع الوقت بتأكيد سيطرتها على المجال الثقافي والأغنية، إلا في قضايا حساسّة، وللحفاظ على الخطوط الحمراء في الوقت ذاته. صحيح أن الآلة الإعلاميّة للدولة، والتي ظلت الأضخم والأوسع انتشاراً، حافظت على انحيازها للأغنية للرسميّة– لكن على حساب لتجارب الموسيقيّة المختلفة الشابة، أو حتى لتلك التي تحمل اسم الأغنية الشعبيّة، ناهيك عن استبعاد الغناء المحلّي، وكل ما هو خارج القاهرة من الطنبورةوحتى الغناء البدوي، والتعامل معها كمنتجات فولكلوريّة مكانها مساحة بسيطة في فرق الفنون الشعبيّة.

مشهدان وبضعة أسئلة

طوال أيام الاعتصام الذي أعقب مظاهرات 28 يناير، كان الميدان ساحة لإذاعة الأغاني الوطنيّة، بداية من تلك التي ظهرت مع المشروع الناصري المجهض، وحتى أغاني الفرق الشابة الجديدة التي تكرّر نفس التجارب القديمة، وتخلط هتافات المظاهرات بالموسيقى.

كان الميدان بالنسبة لكثيرين حالة من حالات الفن الجميل. وفي يوم 11 فبراير في ميدان التحرير، وفي إحدى الإذاعات، ومع ارتفاع موجات فرحة الجماهير وطوال أكثر من ثلاث ساعات، كانت الموسيقى التي يتم بثها هي موسيقى المهرجانات فقط: بداية من عمرو حاحا وفيجو وحتى 8%. لماذا اختفت حالة الفن الجميل مع الاحتفالات إلا من شرفة حزب التجمّع فقط التي كانت تبث أغاني عبد الحليم يومها، وتم استبدالها بأغاني المهرجانات، ومنها أغنية مهرجان “يا حسني سيبنا حرام عليك“؟ ولماذا بعد ذلك تقوم مؤسسة كالمورد الثقافي باستضافة نجوم المهرجانات كـ“إسلام شبيسي” و“عمرو حاحا” في مسرح الجنينة؟ بينما تستضيف البرامج الحواريّة على التلفزيون الرسمي والقنوات الفضائيّة فرق كـ“إسكندريلا” وغيرها؟

جرت العادة أن تختار شركات المشروبات الغازيّة نجماً غنائيّاً عالميّاً وعربيّاً ليقوم بحملتها الإعلانيّة السنويّة. وكانت بورصة النجوم تتغيّر تبعاً للنجم الذي ستختاره الشركة كل عام. اختيار نجم ما لإعلان واحدة من شركتي المشروبات الغازيّة يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام.

بعد عام من الثورة، اختارت شركة مشروبات غازيّة فريق “وسط البلد” للقيام بحملتها الإعلانيّة، بينما اختارت الشركة الأخرى فريق “كايروكي“. تنتمي الفرقتان للأغنية التى ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافيّة المستقلة التي كانت تستضيف حفلاتهم، أو من خلال تسجيلاتهم التى كان يتم تبادلها مجاناً على الإنترنت. لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية؟ لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلالأو محمد فؤاد، رغم أن الثلاثة قدّموا أغاني للثورة؟ وهل يمكن استمرار وصف الأغنية التى تقدمها فرق موسيقيّة تقوم بعمل إعلانات لشركات مشروبات غازيّة بأنها أغنية بديلة أو مختلفة أو مستقلة؟

“التطوّر الطبيعي للحاجة الساقعة“

في كتاب عبد الله كمال وابراهيم عيسى عن الأغنية البديلة الذي صدر في طبعة واحدة تقريباً على نفقتهما في الثمانينيّات، يبدي جميع الفنانين الشباب الذين يقدمون ما اصطلح عليه المؤلفان باسم “الأغنية البديلة” استياءهم من اضطرارهم للغناء في كباريهات شارع الهرم. مصطلح الأغنية البديلة في الثمانينيّات كان يعني تجارب علي الحجار ومحمد منير وجيلهما الذي حارب في سنوات “العدم” من أجل وجود مكان وشركات إنتاج تتبنى تجاربهم الغنائيّة.

لكن مع بداية الألفيّة، ومع سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التي سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها تلك التي تركز على التنمية الثقافيّة، تغيّر المشهد ليصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمّى بـ“الفن البديل” في كل المجالات ومنها مجال الأغنية.

سمحت هذه المنظومة بتكاثر الفرق الغنائيّة الشابة، وبتوفير المسارح وخيارات الدعم. لكن ظلّ معيار استحقاق دعم الفن، لدى هذه المنظّمات، مقتصراً على تلك التجارب الغنائيّة التي تتكئ على تراث مشاريع الأغنية البديلة منذ الستينيّات. لهذا، حمل قاموس الكلمات والجمل اللحنيّة في تلك التجارب الغنائيّة أطياف وأرواح تجارب سابقة، بل وأحياناً بدت بعض تلك التجارب استنساخاً لما كان.

لم تكن منظومة إنتاج الفن المستقل، التي وفرتها مؤسسات التنمية الثقافيّة المختلفة، تتحرّك أيضاً بالحريّة الكافية:إذ حافظ ظل الدولة ونظامها وخطوطها الحمراء على التواجد، ثم ظل الخطوط الحمراء بالنسبة للمجتمع والذوق العام. الأمر الذي أثّر بدوره على طبيعة تلك التجارب الفنيّة، فابتعدت عن المحظورات السياسيّة والاجتماعية أو الحسيّة. وخارج هذه الخطوط، لن تجد لك مكاناً تحت ظل صناعة الفن المستقل.

لكن التطور التكنولوجي في تلك الفترة أيضاً فتح أبواب لعالم آخر من خلال الإنترنت. فحتى إذا كنت بعيداً عن منظومة الفن البديل، ولا تمت بأي صلة للفن الرسمي، وحتى إذا كان ما تقدمه محاولة للتجريب أو التخريب أو العبث، يمكنك من خلال الإنترنت نشر تلك التجربة بدون اشتراط الكشف عن الهويّة عليها إذا كانت لديك تخوّفات من ردود أمنيّة أو اجتماعيّة.

سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة. وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم.لهذا، لم يجد مكان مثل “الساقية“، الذي كان يرفض في بدايته استضافة حفلات الفرق التي تقدّم موسيقيي “الراب“، أمامه بعد فترة إلا القبول بهم، خصوصاً بعد أن تحوّل بعضهم بفضل الانترنت إلى أسماء لديها جمهورها.

نهاية العالم القديم

خلق تكاثر وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة من قنوات فضائية لإذاعات لصحف معادلة أخرى: الحاجة إلى منتج لتغطية كل ساعات البث والصفحات البيضاء، وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام بالشأن السياسي. هنا، يزداد الطلب على الأغنية الوطنيّة، وتصبح المطالبة برد الاعتبار للفن البديل في تصوّر البعض نوعاً من الانتصار لوجهه نظر سياسيّة.ناهيك عن استخدام الأغنية في خدمة العمل السياسي كنوع من البروباغندا الإعلاميّة. وفي هذا الحالة، لا يصبح التقييم الفنّي – الذي هو بطبعة مسألة نسبيّة– مسألة تقتصر على مستوى مكوّنات العمل الغنائي، بل تمتد لتشمل طبيعة رسالته السياسيّة والآيدولوجيّة، ومواقف الفنان السياسيّة.

لكن المدهش أنّه بدلاً من أن يدفع هذا الأمر إلى تطوير الأغنية السياسيّة والوطنيّة تطوّراً نوعيّاً ينعكس على فن البروباغندا السياسيّة، تأتي تلك الأغاني خالية من أيّ طموح للاختلاف أو التجريب. بل يجمعها المباشرة والإصرار على استخدام القوالب الموسيقيّة الجاهزة، وبالتالي يختفي الفرق بين أغنية “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير” لحمادة هلال، وأخرى يقدّمها فريق “كايروكي” مع عايدة الأيوبي “ياه يالميدان كنت فين من زمان بتجمعنا“.

لم يعد الغناء البديل بديلاً لأي شيء. فقد روحه التجريبيّة وخياله غير المؤطّر، لكنه احتفظ بالختم التى حمله قبل الثورة: بوّابته الحاليّة نحو العالميّة والتجارويّة.

وفي هذا الحالة، لا يقتصر التحدّي فقط على الفنانين الموسيقيين بخروجهم من العباءة الهلاميّة لذائقة الفن البديل، بل أيضاً على تلك المؤسسات الثقافيّة التى رعت هذا الفن طوال السنوات الماضيّة، والتي يبدو واضحاً تخبطها أكثر من الفنانين أنفسهم في العام الماضي من حيث استضافة فرق موسيقيّة في تظاهرة كـ“الفن ميدان” في الشارع، واستضافة إسلام شبيسي على مسرح الجنينة.

وهو تخبّط يكشف ضمن ما يكشف أن مؤسسات الدولة الثقافيّة والفنيّة ليست الجهة الوحيدة التى تحتاج إلى إعادة هيكلة والتفكير في طبيعة رسالتها، بل أيضاً مؤسسات رعاية الفن البديل والمستقل والجديد حتى لا تسقط في حالة المهرجانات فقط.