أشهر خمسة «إفيهات» عن الإحباط

 

1- مفيش فايدة.. مفيش أمل

لدي صديقة على فيس بوك تعمل منذ سنوات في مجال التنمية الثقافية، ما يفترض أنه أمر وثيق الصلة بحرية الرأي والتعبير. وفي تعليق مؤخراً صرحت بأنها ضد الشعارات الدينية حتى لو خارج الانتخابات، فالشعارات العرقية أو الدينية في رأيها تؤدي للتميز والتفرقة ولا يجوز لأحد أن يرفع شعارا يفرق المصريين.

لا أريد الرد على الزميلة هنا، ولا تخيل هذا العالم الكابوسي حيث لا أحد يرفع شعار إلا «تحيا مصر». تخيل مثلا لو أنك نوبي ورفعت شعارا خاصا فأنت خارج العالم الجميل والتصورات المثالية لتلك الصديقة. لكن الصدمة أن هذه السيدة الفاضلة لسبب ما أو آخر تعتقد أنني وهي في جبهة واحدة. مثلما يعتقد مؤيدو حمدين أن رفض مسار صناعة الفرعون الإله «سسي-نعخ» فأنت معهم في ذات الصف. وحينما يفشل أنصار كل تيار من هؤلاء ينسحب منه قطاع ينظر لك بحزن ويقول «مفيش أمل».

الحمد لله يا أخى أن «مفيش أمل» وأن صديقتي الليبرالية اللي بتحب مصر لكل المصريين وتكره التمييز لا تحكم وليس لديها سلطة لتقرر للناس نوع الشعارات التي يرفعونها، فمثل هذه الظواهر تجعلك تحمد لله على محمد إبراهيم وزيراً للداخلية.

لذا فكلما شاهدت شخصاً يردد بإحباط «مفيش أمل» تذكر أن مصائب قوم عن قوم فوائد. والحياة ميدان. والصراع دينامو التقدم. وأن يفقد أحدهم الأمل معناه ارتفاع فرصة تحقيقك لأملك أنت.

2- شعب ليس جديراً بالحرية

مع كل جملة أسمعها أو أقرؤها تحتوى على كلمة الشعب أشعر بأن هناك كارثة في الطريق. من يملك القدرة على التحدث باسم الشعب؟ ولماذا؟

الاثنان حالات خطرة، من يتحدث باسم الشعب لكى يصبغ على حديثه رأي الجماعة والتأييد الشعبي أو شرعية الصندوق. ومن يتحدث باسم الشعب بأن الإحباط وأخلاق العبيد قدر ومسألة جينية. وإذا كان الشعب لا يريد الحرية فما علاقة ذلك بأني أريدها. وأصلاً أليست المعركة بالأساس مع هذا الشعب وتحطيم أساطيره، بداية من أسطورة الإسلام هو الحل، وحتى أسطورة الدولة العبيطة الذي يصر في مازوشية على التمرغ في ترابها، بعد أن فاته القطار.

أنت فرد. أهميتك من فرديتك. والأحلام دائماً خاصة، لا تقبل أن يقايض أحدهم حلمك الخاص بحلمه يصفه بأنه حلم الشعب، ثم يحوله إلى مقورة كوسة تحملها في يدك بلا كوسة لتقورها، وتقول ها هو الإحباط تحت الباط.

ثق في نفسك، ولا تثق في الجماهير والجموع مادمت لا تعمل في المجال الفني أو التليفزيوني. شاهدت على مدى ثلاث سنوات فقط كيف يتقلب مزاجها، وكيف في يوم تهتف باسم حسن شحاتة وفي اليوم التالى تلعنه.

3- البلد محتاجة خمسين سنة على ما تتصلح

صياغة هذه العبارة وتكوينها يجعلان المسألة في مصر مشكلة ميتافيزيقية غيبية، وكأن آلام الناس وبؤس حياتهم لا يرتبطان بمنظومة تشريعية استبدادية سائدة ولا بسلطة غاشمة، غشيمة، فاشلة. تنزعك هذه العبارة من همك الفردى وأزماتك الأساسية مع هذا النظام لتحولها إلى أزمة ضخمة لا يمكن حلها إلا في المستقبل البعيد.

تحكى ماهينور المصري في شهادتها من داخل السجن كيف أن معظم السجينات معها نساء تم سجنهن بسبب ايصالات أمانة ومبالغ لا تتجاوز الآلاف اقترضنها لتزويج بناتهن، وكيف يعشن بطموح انتظار العفو الرئاسي من الرئيس القادم.

نحن نواجه سلطة منحطة، ومجتمعا قيمة الشرف فيه ترتبط بالوضع الاجتماعى والطبقي قبل أي شيء. ليس من أهدافي شخصياً جعل مصر قد الدنيا، ولا أعتقد أن أم أحمد المحبوسة لمدة 6 سنوات بسبب شيكات لا تتجاوز الخمسين ألفا لديها أي اهتمام بهذا الأمر. ما نرغب فيه هو أن نحيا العشرين سنة المتبقية من عمرنا دون قنبلة تنفجر فجأة، وأن تمضي أيامنا دون التعرض لسخافات الكمين كل يوم.

4- الثورة خلصت ولازم نسلم نفسنا

بغض النظر عن «الكيد» المتبادل بين شباب 25 يناير الطاهر النقي، ومؤيدي ثورة 30 يونيو. وموقف السيسي في المنتصف بين الاثنين. فقد دخلت ثورة 25 يناير في التاريخ الرسمي للسلطة بصفتها ثورة طاهرة نقية، مثلما دخلت حركة 30 يونيو.

لا تعش في الماضي، ولا تترك الحنين يلتهمك. نقد ثورة 25 يناير يجب أن يكون إحدى المهمات العاجلة، محاربة التسطيح الذي يمارسه الإعلام لثورة 25 يناير أهم كثيرًا من الاستسلام للعبة «شطة وفلفل» مع الفلول المحروقين. التحليل وإعادة التدبير يعنى أيضًا التحرك خارج تلك اللحظة الآن وفوراً، والتموضع في مكان وموقف جديد غير تعريف «شباب الثورة».

5- الناس تعبت

ومتى كانت الناس طوال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ والشقاء وعصر الشهداء والمجاعات وسنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية، طوال هذه الرحلة العظمى التي يتفاخرون بها كل يوم، ومع كل أغنية، متى كان ناس مصر مش تعبانة.

طعامي، لذّتي، وذنوبي

 

بكت ياسمين لأنها لم تستطع إرضاع ابنتنا، سينا، في اليوم الأول بعد ولادتها. بكت سينا أيضاً. ومحبوساً مع الاثنتين في غرفتنا في المستشفى، لم أعرف ماذا أفعل سوى الاستغاثة بالممرضات.
حضرت إحداهن وحاولت مساعدة ياسمين في الرضاعة، لكن بلا فائدة. لم يخرج الحليب، واستمر بكاء الرضيعة. اقترحت الممرضة إرضاع سينا حليباً جاهزاً مصمماً خصيصاً لحديثي الولادة، فزاد بكاء ياسمين، لأنها شعرت بالتقصير والعجز عن إرضاع وليدتها.
في يومها الأول كأمّ، تعرفت ياسمين على الجوهر الحقيقي للأمومة: الإحساس الدائم بالذنب.

طلبت مني الممرضة التوقيع على أوراق قانونية وإجرائية تؤكد موافقتنا على تقديم الحليب الصناعي لرضيعتنا الجائعة. فلكي تتدخل المستشفى في الرابطة الغذائية بين الرضيع والأم، تحتاج لموافقة الأم وهي في كامل قواها العقلية، وإلا اعتُبر هذا التدخل جريمة. بقوة البيولوجيا والقانون الحديث، تتحمل الأم وحدها مسؤولية إطعام الرضيع.

بعد أيام، جرى الحليب في صدر “ياسمين”، وفي كل مرة تُرضع ياسمين صغيرتنا، يُشرق وجهها بابتسامة السعادة رغم آلام الجسد. تحاول شرح إحساسها لكنها تعجز عن التعبير بالكلمات. تتحدث عن طاقة وشيء ما يمتد من داخلها مع الحليب إلى داخل سينا. يقال إن هذه هي رابطة الأمومة.

نولد عاجزين عن تناول أي طعام، بل نشرب فقط حليب أمهاتنا. وأولى علامات النضج في نمو الطفل البشري هي قدرته على صلب رأسه عمودياً حتى يتمكن من البلع، وبالتالي حينها يمكن تقديم الطعام له. ثاني علامات النضج هي الفطام، بتوقف المولود عن الرضاعة، ينتقل من كونه رضيعاً إلى طفل.

كلما كبرنا، كلما ابتعدنا عنها. نتوقف عن الرضاعة من صدر الماما، لنأكل ما تقدمه يداها. ذائقتنا الغذائية يشكلها طعام الأمهات، نقضي سنوات مقتنعين بأن أفضل طعام هو ما تطهوه الماما.

مهما كان مستوى طهو الأم سيئاً، فالأبناء لا يعرفون، بل يكون هذا هو الطعم الطبيعي والممتاز للطعام.

يطلق على هذا الثقافة الأم، وهي تمتد لتشمل ليس فقط مذاق طهو الوالدة، بل تقاليد الطعام التي تعلمنا اياها الماما. ثمة أمهات يربين أولادهن على ضرورة إنهاء طبقهم بالكامل، وآخرون تربيهم أمهاتهم على ضرورة ترك جزء صغير من الطعام في الطبق. في مصر يسمون هذا نصيب القطة، لكي تتوافر فضلات طعام للقطط والكلاب التي تأكل من النفايات.

تخبرنا الماما ما يجب أن نأكله وما لا يجب. منذ صغري، مثلاً، منعَت أمي دخول “النقانق أو السجق أو الهوت دوغ” إلى  المنزل، وطوال طفولتي حذرتنا من أكله في الشارع.

نطيع الماما لأنها بالتأكيد تعرف معدتنا أكثر منّا. لكننا بمرور الزمن نكبر، نخرج من المنزل، نتمرد على ثقافة الأم. ونبدأ في استكشاف العالم والهوت دوغ.

وقعت في غرام النقانق بأشكالها كافة مع أول قضمة، وكان عمري 19 عاماً. عدت لأمي وسألتها لماذا منعت عنا “الهوت دوغ”. أخبرتني أنها حينما كانت صغيرة توقفت مرة أمام محل يبيع سندويشات السجق، ولسبب ما ضايقتها رائحة السجق على النار حتى أنها فقدت وعيها، ومن يومها وهي تكره السجق وكل ما يتعلق به. لم يكن المنع لسبب صحي إذاً، بل ذائقة شخصية للأم.

أجسادنا هي السجل الذي يوقع فيه الزمن، وهذا السجل المكوّن ظاهرياً من اللحم والدم والعظام، هو نتاج ما نأكله. الجسد وما يأكله يعكسان كل ما يشكل هويتنا.

نتولى زمام أنفسنا وإعادة تشكيل هويتنا حينما نتمرد على مطبخ الثقافة الأم. نبتعد عن مطبخ الماما، لنكتشف حقائق الحياة.

البعض لا يتقبل مذاق الحقيقة، يرفض تناول طعام لا يعرفه ويتمسك بالذائقة التي شكلها مطبخ الأم. البعض يستقبل كل جديد بفم مفتوح، يدرك أن أكل الماما ليس أفضل طهو بالتأكيد، لكن يظل مذاق النوستالجيا في طهو الماما ولا يمكن أن تجده في أي مكان آخر.

الذائقة مثل الهوية، ليست صورة مجمدة في الثلاجة، بل تتغير نتيجة أفعال الزمن في أجسادنا. حتى سن الـ28 لم أكن أطيق تناول السلطة أو الفاكهة. أتذكر سنوات كاملة مرت عليّ من دون أن اتناول أي فاكهة من أي نوع. فجأة، مع اقتراب الثلاثين، تغيرت الذائقة نتيجة تغير احتياجات الجسد وقدراته. الآن أبحث عن السلطة، بل  يتكون بعض وجباتي بشكل كامل من السلطة والخضروات فقط.

في البداية كان الأمر نداء من مكان خفي في الجسد. تناول اللحوم والكربوهيدرات صار يجعل جسدي ثقيلاً، ويولد كسلاً وبطئاً في حركتي وتفكيري. ثم مع عبور الثلاثين، انفجرت المشاكل الصحية في جهازي الهضمى.

ذهبت للطبيب أشكو صعوبات في التبول، وآلام في الشرج. “شرخ شرجي” قال الطبيب، وهو يكتب لي وصفة مرهم مسكن ويخبرني بأن أفضل علاج هو تغيير النظام الغذائي، الابتعاد عن المعجنات، وتناول المزيد من الخضروات والفواكه.

أدركت حينها أن مرحلة جديدة من النضج والتقدم في السن قد بدأت، وهي المرحلة التي يصبح اختيارك لما تتناوله، لا بسبب ثقافتك الأم، أو ذائقتك الشخصية، بل بناء على تعليمات الطب واحتياجات جهازك الهضمي الذي سيبدأ في التداعي.

انتقلت منذ شهور للحياة في أميركا، بجهاز هضمي لا يتحمل اللحوم الوردية وملذات الطعام الأميركي بدهونه وسكّره كل يوم، لم يعد مسموحاً لي إلا بمقدار بسيط من ملذات الطعام.

أشعر بالذنب كلما غششت نظام غذائي، آكل البيتزا مستمتعاً بطعمها، مفكراً في الوقت ذاته في الألم الذي سأتحمله حينما أخرجها. وإذا تمكنت من إسكات ضميري، فطريقة عرض وتسويق الطعام هنا في أميركا مصممة أصلاً لكي تشعرك دائماً بالذنب مما تتناوله.

تدخل أي مطعم لتجد اسم الطبق، شرحاً لمكوناته، سعره، وعدد سعراته الحرارية. بدءاً من مطاعم الوجبات السريعة، وصولاً إلى المطاعم الفاخرة، كل شيء يحمل رقم السعرات الحرارية. وهكذا، حينما تختار ما تتناوله، لا تفكر في رائحة الطبق، أو مذاق الطعام، بل في عدد السعرات الحرارية التي ستدخل جسمك، وكيف ستخرجها. وإذا كان الطعام جيداً ولم تستطع أن تمنع نفسك من تناول المزيد، تظل تأكل وعدّاد السعرات الحرارية في راسك مستمر في الزيادة.

تنهي وجبتك وتحاول نسيان إحساسك بالذنب، والتمتع بدفء امتلاء المعدة، فتجد نفسك محاصراً بمقالات التوعية الغذائية، أو “بوستات” أصدقائك الذين يروجون لأنظمة غذائية مختلفة، كلها تهدف إلى إنقاص وزنك، تحت دعاوى الحفاظ على صحتك.

لم يعد للطعام مذاق، بل أصبح كالدواء تتناوله مجبراً للاستمرار في حياة بلا دهون، ولا سكّر، ولا طعم أو رائحة.

اللوحة ل Gustave Courbet
اللوحة ل Gustave Courbet

خلال يومين أو ثلاثة في الأسبوع، أطلق العنان لشهواتي الغذائية. آكل المعجنات بمختلف أنواعها، اتلذذ بتتبيل اللحم بنفسي وتناوله نصف ناضج، متسمتعاً باللون الأحمر للحمة. أطرب أذنى بصوت الزيت المقلي يحمر البطاطس وقطع الدجاج المغلفة بالدقيق والخلطة السرية. أما بقية أيام الأسبوع، فأتناول الحشائش والخضروات، مثل الأرانب. أراقب وزني، وأعاين بَولي.

أحاول الحفاظ على حد أدنى من اللياقة البدنية والصيانة الدورية للجهاز الهضمي، لا بهدف أن أحيا رشيقاً، أو أن أعيش حياة صحية طويلة، بل لأظل قادراً على التمتع بكل أنواع الطعام اللذيذ غير الصحي الى الأبد.

مخاطر مشي العشاق في شوارع القاهرة

في مناخ حار بنسبة رطوبة عالية في الصيف، يصبح الجو مع زحام القاهرة وسطاً مناسباً لنمو مظاهر الاستعراض العدائي، من قبل الذكور على وجه الخصوص. وهنا يكون تصاعد ظاهرة التحرش “العلني” بالإناث في المدينة العلامة البارزة في إطار استعراض موازين القوى في شوارعها، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل” وهذا ما يمكن أن نطلق عليه عبارة “صباح الخير” في القاهرة، لا كمقطع من الأغنية الأكثر شعبيةً في شوارع المدينة، بل أيضاً كتوصيف لحالة “المعاملة”، حيث الخطر المحدق بك في كل لحظة هو كغول يتربص ظلك على الأرض. “تجيب ورا تصبح مرا…مالكش قيمة وسط البشرية”. وبمصطلحات لغة النقد الأدبي التي راجت لفترة في التسعينيات نصبح أمام معادلة مقلوبة أخرى حيث “ملكش قيمة وسط البشرية = مرا (امرأة)”.

“صباح الخير، هنا شوارع المدينة”، وقانون المعاملة الأول هو “امرأة” لا قيمة لها وسط البشرية، طبعاً إلا في حالة إذا تعاملت وأخرجت سلاحها متكاملاً. الدنيا غابة يا صاحبي!. ولأكثر من ثلاثة عقود، من المفارقة أن نلاحظ كيف تتحول وجهة المواضيع الرئيسية من الغناء الشعبي إلى الحديث عن الغرام أو الرزق والرضا بشكل مختلف تماماً عن زمن عدوية وحمدي باتشان، حيث نسق “خيانة الأصدقاء”، أو سرديات معارك “أبطال خارقين” “من أصحاب النخوة” تحمل دلالات “الأصول” و”الأخلاق” و”الاستعداد للدفاع والحماية” وصورة مغايرة للرجولة، بداية من “عزبة محسن” وحتى “المطرية”.

للتمكن من الحياة وسط هذه الغابة طورت الإناث في القاهرة تقنيات متنوعة من أجل اتباع استراتيجية التخفي تفادياً لأنظار وحوش الشارع الذكور. تسير الإناث في القاهرة بخطوات متسارعة، موجهن أنظارهنّ للأرض أو مصوبينها باتجاه نقطة خفية في الأمام. يتحاشين أي تواصل بالأعين أو ابتسام، أو أي انفعال في عضلات الوجه. ومع ذلك تهبط الكلمة لا محالة. يهمس بها شاب عابر بجوارها، أو عجوز جلوس بتكاسل أمام محله.

 

تتسبب القاهرة في الكثير من العوائق للعشاق، وتتحرك بعض المجريات لتخلق الخلافات والصراعات بين الأصحاب والأزواج. من تلك الكوابيس التي يخجل الذكور من الاعتراف بها لبعضهم البعض هي ذلك التوتر والضغط الذي يشعرون به عند مصاحبة أي صديقة أو أنثي تربطه بها أي علاقة للمشى في الشارع لأي سبب أو غرض.

في منطقة كوبري قصر النيل وعلى الكورنيش الممتدة من مبنى التلفزيون حتي جاردن سيتى، يستغل العشاق المساحات المفتوحة كنزهة مجانية، لكن مع ذلك يوظب رجال الأمن الشجعان وعيون الوطن الساهرة على مهاجمة أي زوجين، خصوصاً إذا كانوا شباباً أو مراهقين. تقتحم سلسلة من الابتزازات المساحة مستغلة حداثة سن العشاق والقواعد الاجتماعية السائدة. يسأل رجل الأمن عن البطاقة، ثم يبدأ بممارسة استعراض سلطاته، والتهديد باصطحابهما لمركز الشرطة “القسم” لتحرير محضر بفعل فاضح في الطريق العام.

هنا القاهرة! القبلة فعل فاضح في الطريق العام، أما التبول على الرصيف فـفك زنقة محصور.

إذا استثنينا أماكن رجال شرطة الأخلاق، ورقابة حراس الحدائق المنتشرين في كل الحدائق العامة (لدرجة أن حراس الأمن في حدائق القاهرة يزيد عددهم عن عدد العاملين في فلاحتها) إلي أين نذهب إذاً؟ إلي مكان يليق بأبناء “الطبقة الوسطى” أكثر ، سينما أو مول تجاري أو كافيه يقف على حراسته رجل أمن من القطاع الخاص وظيفته أن يختار زبائن المكان بناءاً على مظهرهم وقراءته لتصنيفهم الطبقي. يفرض الأمن قواعد أخلاقية صارمة. تمارس بعض المراكز الثقافية “المنفتحة” الضبط على لغة الجسد لدرجة أنك إذا حدث وصادفت صديقة لم تقابلها من زمان وتبادلتما السلام بقبلتين على الخد يمكنك أن تحصل على الكارت الأحمر من الساقية وطردك أنت وهي من المكان.

12440565_914416835309892_7966092972993783863_o
لوحة للفنانة المصرية رانيا فؤاد

 

 

تضغط كل هذه التفاصيل على جميع اختياراتك كعاشق وكإنسان في القاهرة. يتوقف الشاب العاشق “الليبرالي” لصديقته أمام فستانها القصير. يومئ برأسه أنه جميل، لكنهما سيمران من حقل الشارع خطوات قبل الوصول إلي المكان المعني. يطلب منها لفظياً أو يشير بإيماءاته إلي أن “الخروجة” تتضمن المشي في الشارع. هذا مؤشر متعارف للحاجة إلى وضع تحصينات وأغطية وشال أو أكثر.
بصحبة الأنثي يسير الذكر في حالة تربص ومراقبة. بدلاً من رؤيتها أو تبادل الحديث أو استكشاف الشارع. يسير الذكر متنمراً يراقب جميع من حوله، ينتظر كلمة من هنا، أو يصد بعينيه نظرة من هناك. وحينما تعبر مجموعة من الشباب بجوارهما، ويلقي أحدهم تعليق، يكتفي الذكر المصاحب لرفيقته بتصنّع الصمم. في أحسن الأحوال وفي أكثر من مرة شاهدتها: قد يلتفت “المتحرش” معلقاً على زي رفيقته، طالباً منها جزء قد انكشف من ملابسها في قيظ القاهرة.
بين التحرش في الشوارع وتلك السلطة الناعمة التي تخضع لها أي أنثى برفقة الذكر حينما يطلب منها لبس ملابس معينة، أو عدم التدخين في هذا المكان لأنه لا يتحمل نظرات من حوله له ولامرأة ترافقه. بين الذكورة الخشنة المنطلقة بلا قوانين أو قواعد في الشوارع، والذكورة الناعمة المستكينة للضغط الخارجي المتجنبة تعرض أحدهم للمرأة التي ترافقك تسير حياة إناث القاهرة، ومعها يزداد جحيم حياة الذكور بين إناث يرغبن في فرض حمايتهنّ وإناث يسعين لانتهاك حمايتهنّ.

 

578416_481666038524047_457594506_n
صورة تعود إلي السبيعنات ألتقطت في شوارع القاهرة- المصور مجهول

 

 

 

 

في جهل الذكور بأشيائهم ‏

نشأت في عائلة طبية بشكل كامل. الأب طبيب، الأخوة أطباء أو يدرسون الطب. الأعمام أطباء، والخال طبيب، كذلك يمتد الأمر إلي أبناء وبنات الأعمام والخال. تقريباً كنت الفاشل الوحيد الذي اختار في الجامعة دراسة غير علمية. كانت المعلومات الطبية جزء من الأحاديث اليومية والأسرية في العائلة. وعبر مسيرة الواحد كونت حصيلة بسيطة من القراءات والمعرفة عن جسدى وطريقة عمله. وحتى أيم قليلة كنت أظن أنى أعرف على الأقل أهم المعلومات الصحية وكيفية عمل أعضاء جسدى، حتى اكتشفت منذ أسبوعين مدى جهلي بالكثير عن أهم أعضاء جسدى.

 

meghanhowland-07
Enter a caption

 

داهمني منذ فترة ألم خفيف في منطقة الخصية، تحديداً الخصية اليسري. كان الألم خفيفاً لكنه مستمر، لم يصاحبه أي أعراض أخري. استمر الأمر لعدة أيام وفي النهاية قررت زيارة الطبيب. كانت المفاجأة الأولى حينما أخبرنى طبيب المعاينة الأولي والذي يكتب بعد ذلك التحويل إلي الطبيب المتخصص بأننى احتاج إلي طبيب مسالك بولية، وليس أمراض ذكورة. حيث أن أمراض الذكورة لا تتعلق إلا بعمليات الإخصاب والتأكد على قدرة الذكر أن يكون ديك قادر على التلقيح.

تشخيص الحالة كان دوالي في الخصية، لكن الحديث مع الطبيب وكمية البحث التي قمت به في رحلة العلاج، كشف لى عن عالم كامل من أمراض الذكورة والجهاز التناسلي لدى الذكور لا أعرف عنه أي شيء. معلوماتي بشكل أساسي كانت تقف حول الأمراض التناسلية المعدية وكيفية الوقاية منها، كل ما غير ذلك مغيب ومعمم. تبدى لى صرح الجهل والتعميم عن كل الأمراض المتعلقة بالعضو الذكوري، حينما جاء الطبيب على ذكر حامل الخصية، فانفجرت في الضحك حيث كنت أظنه خرافة بينما اتضح كونه أداة طبية مساعدة تستخدم في بعض الحالات.

** *

لا يتحدث الذكور في جلساتهم الخاصة عن شيء أكثر من حديثهم عن الجنس. حديث الذكور عن الجنس هو حديث المعارك والانتصارات والتباهى بالأوضاع والقدرة على الانتصاب لفترة طويلة وتأخير القذف السريع. لكن يخلو هذه الحديث من لحظات الضعف والاضطراب. تستمد الذكورة جوهر وجودها من العضو الذكري. وفي مصر كما معظم البلدان العربية حيث الذكورة مستفحلة ومسيطرة، لا يقبل الذكر الحديث أو التطرق لأى ضعف خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بمنبع ذكورته. وحيث أننا في عالم ومجتمع ذكوري كما علمتنى الكتابات النسوية، فذات القواعد تسير وتؤثر على الذكور أنفسهم وعلى برامج التوعية الصحية وتوجهاتها في المجتمع.

الطبيب أثناء حديثنا كان يكثر من ترديد جملتين أساسيتين بلا داعي. الأولى هي “لا مؤخذة” والثانية “مش عايزك تقلق أبداً، كل الرجالة عندهم الموضوع دا لكنهم لا يقولون”.

خلال الأسابيع الماضية بعد اكتشاف الإصابة وبدأ رحلة العلاج الدوائي، بدأت في فتح الأمر مع دوائر الذكور الأصدقاء المقربين، وكان مؤسف أن أجد الجهل بكل هذه المسائل مستفحلاً. وبينما نجد اللافتات والحملات الإعلامية والدعائية المجانية لفحص الثدي والتوعية بكل الأمراض الأنثوية التي قد تصيب النساء، لا نجد أي دعاية خاصة بأمراض الذكورة أو البروستاتا أو مشاكل دوالي الخصية. والتي تذكر الاحصائيات أنها منتشرة لدى أكثر من 40% من الراجل.

لقد صدمت من كمية القصص الغرائبية التي سمعتها من أصدقاء ذكور حول الجرائم والكوارث التي يرتكبونها في حق أعضائهم نتيجة غياب المعلومات والجهل بأساليب الفحص المختلفة. صديق حكى لى أن مرة بتجربة دوالي الخصية قبل ذلك، لكنه تجاهل الأمر واعتبر أن الألم الخفيف في الخصية دليل على نشاطه الجنسي وامتلاء خصيته بالحيوانات المنوية (نموذج بسيط لتوضيح كيف تتخيل الذكورة ذاتها)، وبالتالي فالعلاج الذي تفتق ذهنه عنه هو الإكثار من ممارسة الجنس، الأمر الذي أدى إلى تطور الأمر نتيجة زيادة معدلات ضخ الدماء في الشرايين والأوردة. حتى وصل الأمر لمرحلة لم يستطيع معه تحملها، وأصبح عائقاً لدى الاتصال الجنسي، حينها فقط ذهب متأخراً للطبيب بعدما استفحلت الحالة. صديق آخر عبر من تجربة الدوالي، ظل متحاملاً على الألم حتى ذات يوم كان يتبول في حمام عام مد يده يتحسس مكان الألم، وقرر لسبب ما أن يضغط عليه معتقداً أن ضغطه عنيفة قد تريح خصيتيه من الألم لكن بدلاً من ذلك انفجر ألم ضخم في كل جسمه، وشعر بدوار حتي أنه كاد أن يفقد وعيه.

في كل برامج وكتيبات التوعية الجنسية تركز على فعالية القصيب وخصوبة الرجل أو الجابة على أسئلة الذكور الغارقة في الفانتازيا حول كيفية تكبير القضيب أو الحصول على انتصاب دائم، لكن لا توجد أي إشارات أو تعليمات حول سبل صيانة ورعاية القضيب ومشتملاته. صديق ثالث حكي كيف أنه أثناء ممارسة الجنس، مارس وضع ما خاطئ حيث عوج قضيبه بشكل ما، شعر بألم مفاجئ وشاهد قضيب نافر في قضيبة وقد ظهر عليه أثر كدمة. شعر برعب ولم يعرف ماذا يفعل ومن خجله أجل زيارته للطبيب ولم يعرف من هو الطبيب المختص الذي عليه زيارته وبعد يومين تحت ضغوط أصدقائه ذهب للطبيب، لكنه مع ذلك ظل رافضاً أن يخلع أمام الطبيب وهو يحكى حينما لاحظ اندهاشي قال معلقاً (أصل احنا صعايده) والنتيجة بعد حديث وتفاوض مع الطبيب شخص حالته بأنها جلطة في القضيب، وأخبره أن الأمر بسيط ولا داعى لقلق. ضحكنا جميعاً على حكاية الصديق بعدما انتهى منها، لكن خمسة ذكور كانوا في الجلسة أعمارهم تمتد من أول الأربعينات حتي منتصف العشرينات لم يكونوا يعرفون أن هناك شيء اسمه جلطة في القضيب.

 

IMG_20190211_221004
الصورة من داخل أحدى الصالات الرياضية في منطقة أرلجتون بفيريجينا، بالولايات المتحدة الأمريكة. من تصويري.هنا حيث تصنع الذكورة- Ahmed Naji – Feb.2019

 

موسيقي الراب العربي والفلوس

مصر من الأحلام الكبيرة إلي الإعلانات والتنمية البشرية.

في بداية عام 2013 كانت الفوضى الخلاقة في أبدع صورها. الإخوان في السُلطةِ ومرسي يصدر أغرب الأصوات والقرارات والإعلانات الدستورية مُتقمصاً دور الديكتاتور المجنون. الشارع يموج بالمظاهرات والحركات السرية والعلنية، الخدمات العامة متهالكة، الكهرباء تنقطع لساعات طويلة. الجميع ضد الجميع وأنا أحاول استعادة عافيتى بعد شهرين قضيتهم في الفراش نتيجة لخضوعى لعملية جراحية. في مثل هذه الظروف قابلت هشام أو كما يعرفه الجميع “سفنكس” القائد والعقل المدبر لفريق “أرابيان نايتز (فرسان العرب)”. لم يكن اللقاء الأول لكنهم كانوا قد أصدروا اسطوانتهم التى حملت اسم   Uknighted State of Arabi في تلاعب لفظى يجمع بين كلمتى الاتحاد والفرسان لتكون النتيجة “الولايات المتحدة العربية”.

اندهشت أن يختار فنانى “رابرز” مصريين في لحظة عشوائية كتلك أن ينتجوا ألبوم يدعو للوحدة العربية. اذكروا أن المناقشة بينى وبين “سفنكس” احتدت وأنا أسئلة ما المقصود بالولايات العربية فحكى لى حلمه أن تتحد الدول العربية لتصبح مثل الولايات الأمريكية لكن تصبح الولايات المتحدة العربية. حينما سألته وما الفائدة من هذا؟

ردد خطاباً عن القوى والعظمة وهلاوس شوفينية آخري كل هذا الحديث كان بالانجليزية، لأنه ولد وعاش معظم حياته في الولايات المتحدة الأمريكية حتى جاء إلي مصر شاباً حيث ألتقي بمعظم أعضاء الفريق وشكلوا فريق فرسان العرب عام 2005 وبالتالى فقدرته على التعبير بالانجليزية أفضل كثيراً من عربيته. بدا لى سفنكس كواحدة من حالات اضطراب الهوية لدى أجيال المهاجرين العرب. يحلم بإتحاد فيدرالى عربي قومى لكى تكون قوة عظمى رداً على وطنه الأمريكى القوى العظمى التى بالتأكيد همشته بسبب أصوله العرقية والعربية.

10731106_10152854933824185_3991236700209815882_n
أرابيان نايتس.. أثناء أداء حى في واحدة من حفلاتهم

في هذه السنوات شاهدنا آلاف مثل هؤلاء كانوا يأتون من أوروبا وأمريكا ليساعدوا في بناء مصر بعد الثورة من خلال مشاريع تنموية مغرقة في استشراقها، ومع أول فشل لمشروعهم لتدوير المخلفات، أو استخدام الطاقة الشمسية لإضاءة العشوائيات، يصابون بالاكتئاب ويغرقون في حزن وجودى على بلدهم الأم الذي لم يستطيعوا استعادة الأوصار معه.

سفنكس كان مغترباً بشكل كامل، مغترب عن السياق السياسي لمصر والمنطقة، ومغترب عن السياق الفنى. لكن لديه عزيمة وإصرار كبير، وقدرة على إنشاء شبكات من العلاقات الاجتماعية فائقة التنظيم. فمن فريقه “أرابيان نايتز” خرج تحالف “أراب ليج” وهو تحالف يضم عشرات من فنانى الراب في مختلف الدول العربية، سمح التحالف بخروج أغانى هيب هوب يتعاون فيها فنانين راب من لبنان مع آخرين مع تونس، ومن مصر مع السعودية، وجميعهم قدموا ما يشبه أوبريت “هيب هوب” بدا كمحاكاة بموسيقي الهيب هوب لأوبريتات الوحدة العربية، التى كان يقدمها اللواء محمد عبد الوهاب في الزمن الذهبي للبروبجندا القومية الناصرية.

من تحالف “أراب ليج” خرج تحالف أوسع وهو تحالف نجوم العرب “آراب أول استار” والذي ضم مصوريين، فنانى جرافيتى، مصممى ملابس، منتجى موسيقي، كتاب، صحفيين، شباب من مختلف الطبقات والجنسيات تجمعهم ثقافة الهيب هوب والهالة الفنية التى صاغها “سنفكس” لفريق الأرابيان نايتز.

عرفت الساحة الموسيقية العربية الهيب هوب منذ التسعينات، كان هناك محاولات فردية تظهر وتختفي سريعا، تجارب خافتة لم يستطع أصحابها الاستمرار. عالم الموسيقي التجارية لم يكن يتقبلهم، ولم يكن لديهم موقع في عالم صناعة الموسيقي الشعبية والأفراح وحفلات الشارع. المناخ كان جافاً جداً والأرض يابسة. لا مسارح مفتوحة، ولا وسائط لتوزيع المنتج الموسيقي إلا عبر شركات الانتاج. وكلها لم تتقبل الهيب هوب العربي، وفي أحسن الأحوال اعتبرته حلية موسيقية وسط أغانى زمن الفيديوكليب العاطفية. الاستثناء الوحيد كان تجربة فريق “MTM” بألبومهم الغنائي “أمى مسافرة”(2003) حقق الألبوم نجاحاً تجارياً معقولاً، سحب الهيب هوب إلي منطقة الغناء الكوميدي وقدمه كجزء من ثقافة “الروشنة” لهذه الفترة.

8548769641497707679
فريق MTM

لكن لم تكتمل تجربة الفريق، ففي ظل غياب المسارح الغنائية أو تنظيم الحفلات الموسيقية تظل الأفراح أو الغناء في صالات الفنادق الفخمة هو مصدر الدخل الرئيسي لمعظم العاملين في صناعة الموسيقي. وفي ذلك الزمن لم يكن أحدهم ليستدعى فريق “هيب هوب” عربي ليغنى في فرحه، وصالات الفنادق لم تكن تسمح بدخول هذا النوع من الموسيقي.

في هذا السياق لم يكن”آرابيان نايتز” مجرد تجربة موسيقية، بل نواة تأسيسية لعائلة الهيب هوب العربي. فطموح وتخطيط “سفنكس” لم يتوقف عند الغناء وإصدار ألبوم بل بناء قاعدة جماهيرية لثقافة وموسيقي الهيب هوب، فالفريق يكبر ليصبح عائلة والعائلة تتمدد لتشمل “الوطن العربي الأكبر”. تحقق حلم سفنكس بوحدة “الهيب هوب” العربي، لكن لم يدم الحلم طويلاً، فكعادة تجارب الفرق الموسيقية انفجرت الخلافات بعد فترة وتنوعت التوجهات، وظهر التباين في مستوى النجوم.

سنوات ما بعد 2011 هى “أيام المجد” للهيب هوب العربي. الايقاع اللاهث المتلاحق للأحداث السياسية لم يكن هناك ما هو مناسب للتعبير عنه مثل “الهيب هوب”. قبل 2011 كانت الفرق الهيب هوب الفلسطنية واللبنانية مثل “كتيبة5” وغيرها هم من يحتكرون الخطاب السياسي الذي كان يركز على حياة المخيمات والأبعاد المختلفة للقضية الفلسطينية، طبعا مع الحفاظ على المحظورات الفلسطينية التاريخية فحتى الآن يستحل ويندر أن نجد في أغانى الهيب هوب الفلسطينية انتقاد للقيادات السياسية أو الفصائل المتنازعة. لكن مع هبوب رياح الربيع العربي سقط هذا الحاجز، كان “الهيب هوب ” العربي في صدارة ما يعرف بموسيقي الثورة.

أغانى مثل البوليسية كلاب في تونس أو الثورة مستمرة في مصر لم تكن جزء من الإيقاع الموسيقي لزمن الثورات، بل مثلت في حد ذاتها ثورة على الحدود المتعارف عليها في الموسيقي العربية سواء من جهة مباشرة الرسائل السياسية وعنفها، أو على مستوى اللغة التى لم تعد تجد حرجاً في استخدام الكلمات المنبوذة أو الموسومة بخدش الحياء.

منح الربيع العربي للهيب الهوب الحرية، لا في استخدام الكلمات والرسائل السياسية والاجتماعية العنيفة، بل حرية اختراق المجال العام والسوق التجاري. أصبحت هناك مساحات مختلفة تستوعب هذا الحراك وموسيقي الشباب، أصبح بإمكان مغنى الراب والهيب اعتلاء المسارح التى تكاثرت لتشكل ركن أساسي في منظومة اقتصادية تساعد على توسع قاعدة انتاج موسيقي الهيب هوب.

أتذكر في وسط البلد كان هناك “جراج” للسيارات مقابل لأتيلية القاهرة، ذات يوم أغلق الجراج ولم يستقبل أى سيارات، وعلى عجل تم دهن جدرانه بعشرات من رسومات الجرافيتى المتنوعة، ونصبت بين عمودين خشبة مسرح بإمكانيات بسيطة وتوافد الشباب بالمئات من كل أنحاء القاهرة ليحضروا واحدة من أشرس حفلات الهيب هوب المصري. في تلك الحفلة كانت الأغانى تنادى بإسقاط الحكم العسكري، وتتوعد المشير طنطاوى بمصير مثل مصير القذافي.

ثقافة عصابات الساحل الغربي التى شكلت موسيقي “الهيب الهوب” العالمية في الثمانيات والتسعينات  انتقلت إلي العالم العربي لتشكل عصابات مُنخرطة في نشاط ثورى أكثر عنفاً من أنشطة لوس انجلوس. كان الشرطة التونسية هى الأعنف في ردها على موجه “الهيب هوب” الصاعدة، بينما تم تركيع وتطويع الهيب هوب المصري بالمال والإعلانات وبقوانين الصناعة الفنية.

ظهر التباين سريعاً بين نوعين من أغانى الراب، قامت مؤسسة الانتاج الموسيقي بتدجين موسيقي الراب سريعاً، ففي ذلك الوقت كانت –ولا تزال- شركات الاعلانات وشركات المحمول هى المنتج والموزع الأكبر للموسيقي وفرضت تلك الشركات حدودها على موسيقي الراب فلم تقبل إلا بالراب الايجابي، الذي يتحدث عن الحب، السلام، البالية، التنمية البشرية، الحلم، السعادة، بكرة أحسن. سارعت بعض فرق موسيقي الراب والمغنين إلي ركوب تلك الموجة مثل شادى الحسينى، فريق أسفلت، أو مغنى راب التنمية البشرية زاب ثروت.

من لم يدخلوا لجنة الإعلانات، عاشوا اعتماداً على عائدات اليوتيوب الشحيحة والفرص العابرة لتحقيق أى عائد من الموسيقي والأغانى التى ينتجونها، لكنهم على الأقل احتفظوا بحريتهم في تقديم ما يرودنه مكنتهم هذا الحرية من الاستمرار كجزء من الحراك الثوري فعنى أم.سي أمين عن الخرفان منتقداً مرسي، ثم استمر معلنا الموجة الرابعة بأغنية مبروك عليك يا سيسي.


منحت الحرية كذلك ام.سي أمين القدرة على الانفتاح على أنواع موسيقية آخري منبوذة مثل الهيب الهوب ومحاولة الخروج بتجارب موسيقية جديدة، بينما كان زاب ثروت يقبل أن يكون بغبان يملأ الفراغات الموسيقية مع موسيقي الروك لفريق كايروكى، وشادى الحسينى الذي بدأ كفارس مع “أرابيان نايتز” يتحول لاكسسوار في ملابس تامر حسنى، فقد انطلق أمين محاولاً مزج موسيقي الهيب الهوب بموسيقي المهرجانات مقدماً ما عرف بالرابجية، ليقدم مع نجوم المهرجانات السادات العالمى وعلاء فيفتى عدد من الأغانى الناجحة مزجت بين الراب وموسيقي المهرجان الشعبية. أكدت السادات في تلك الأغنية أنهم “ملوك الأغنية الشعبية/  بنطلعها بلاش لولاد بلادنا الشعبية“، أما أمين فقد تمسك بأن حتى الرابجية ثورين ولديهم قضية. تمكنت موسيقي المهرجانات من الاستمرار لأن لديهم منظومتها الاقتصادية القائمة على حفلات الأفراح وليالى الحظ، وافلام السابقة، حتى وصلت لفرض نفسها على شركات الإعلانات. أما موسيقي الراب الثورية مثل أعمال أم.سي أمين فما أن غنى الموجة الرابعة محذراً السيسي من الموجة القادمة، حتى بدأت مياة الراب الثورى في مصر في الانحسار والتراجع.

على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة
على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة

أعلن على طالباب أبرز الأصوات الثورية بعد 2011 عن اعتزاله/ توقفه في 2015 الغناء، عاد بألبوم واحد “وحوش بدون أسامى” في 2017 من أربع أغانى قائلا مش هتمدوا ايدكوا على فلوسنا … “ممكن أحس بالتواضع/ امسك سلاح واحارب/ اقتل أو اتقتل/ ما الدولة لسه قايمة/ خليها مرة تحاسب/ ممكن أحس بالأغانى تانى/ أو صديق يتحبس بين الحيطان/ ممكن أرجع تانى” لكن على لم يعود بل سافر لاستكمال دراسة الماجستير في الخارج.

وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في مصر يبدو أدق تمثيل للخيارات المتاحة والموضوعة أمام جيل شباب ثورة يناير ومن تبعهم. فالحالمون الذي كان يتبعهم صوت الكمان مثل على طالباب اضطروا للانزواء أو الخروج من الدائرة الخانقة في البلاد. وحتى من هم أكثر عنداً مثل “ام.سي. أمين” فقد انطفأت الأضواء من حولهم ومر العمر ووجدوا أنفسهم يكبرون وتكبلهم المسئوليات الاجتماعية، يحاولون البحث عن مكان لهم وسط إعلانات راب المشروبات الغذائية التى تكذب على المستمعين وتعدهم بغد أفضل لمجرد أن يتمسكوا بحلمهم بينما البيادة العسكرية تدهس رقبته.

الراب المصري الذي تمكن من الاستمرار هو من تمكنوا من الاندماج في المنظومة الاعلانية، أصبحوا يكتبون أغانى عن الشيبسي وكريم الشعر، زاب ثروت حالة أكثر ذكاءاً لم ينحدر لمستوى إعلانات البطاطس بل اكتفي بإعلانات برامج القروض الشبابية للبنوك، أو المشروبات الغذائية وعثر على ضالته مؤخراً في بيع الهوا للمؤسسات الدولية ومؤسسات المجتمع المدنى من خلال الحصول على تمويلهم لإنتاج أغانى يفترض أنها تحارب الهجرة غير الشرعية. مما يفتح له الباب ليغنى في حفلات موسيقية تحرسها الشرطة ويحضرها مسئولين الدولة، وتقربه أكثر فأكثر من القضايا التى يحبها الأوروبيون ويفضلون توجيه أموال المشاريع الفنية والثقافية لدعمها اعتقاداً منهم أن ذلك النوع من الأغانى الدعائية قد يساهم في التنمية.

بين خيار السفر الذي اتخذه على طالباب أو الغناء ضد السفر والهجرة لخدمة الأنظمة الحاكمة والمسيطرة الذي اتخذه زاب ثروت، يبدو هناك خيار ثالث. عالم كامل ممتلئ بمغنى الراب المصريين الشباب الذين يشكلون الموجة الجديدة التى ظهرت تحت حكم السيسي. هؤلاء لا يقتربون من الغناء السياسي ليس خوفاً من البطش الأمنى بل لأن العدمية هى الهواء الذي يتنفسوه، ولأنهم بدلاً من مقاومة الاحباط الذي خلقه المناخ السياسي والاقتصادى في البلاد قرروا الغرق في هذا الإحباط وتشربه. وبينما كانت أجيال الراب المصرية السابقة متأثرة بتجارب د.دراي Dr.Dre وفرق ومغنى الساحل الغرب الأمريكى مثل “توباك 2Pac” أو فريق N.W.A بأغانيهم التى تهاجم الشرطة وسلطة الرجل الأبيض. فأجيال الراب التى خرجت في زمن السيسي أكثر تأثراً بموسيقي وأساليب مغنين الساحل الشرقي الأمريكى بداية من كينى ويست Kanye West وحتى ليل وين Lil Wayne ناهيك عن داريك DRAKE  الذي يبدأ معظم مغنى الراب المصري الجدد في استنساخ تقنياته الغنائية قبل أن يصلوا لاسلوبهم.

يبدو التناقض بين الموجتين أوضح ما يكون حينما نستمع إلي تعليقات وحوارات أم.سي أمين وسفنكس عن “الراب الهادف”، بينما نجم الموجة الجديدة من الراب المصري “أبويوسف” يقدم نفسه تحت لقب “ملك الراب التافه”.

بينما كان “سفنكس” يحلم ويغنى للولايات العربية المتحدة، وأم.سي أمين يهدد السيسي بالموجة الثورية الرابعة، فأبويوسف يؤكد أن “الأغنية مش ممكن تغيّر مجتمع الصراحة.” ويري أن التغيير أو التأثير ليس دور الأغنية بل تكفي المتعة، في حواره مع معن أبو طالب محرر معازف يشبه أغنية الراب بالشيكولاتا وظيفتها أن تبسطك عند أكلها بغض النظر أنها ليست مفيدة.

لكن بدلاً من الانبساط فعالم “الساوند كلاود” المصري يمتلئ بالذوات المتضخمة التى تتصارع مع بعضها البعض. يتغذي مغنوا الراب المصري على مهاجمة بعضهم البعض من خلال الأغانى وهو تقليد معروف في تراث الراب عالميا، لكن بينما تقام مثل هذه المعارك في جراجات السيارات والمساحات المهجورة حيث يتباري مغنيوا الراب ويتنافسون في قدرتهم في الحفاظ على الايقاع تدوار معارك الراب المصري على منصات “ساوند كلاود” و “يوتيوب”. وبدلاً من المواجهة وجهاً لوجه، يدخل كل مغنى راب إلي الدولاب ليصنع بيئة عازلة للصوت ويرص قصيدة الهجاء الطويل في حروب مغنى الراب الكلامية من خلف الشاشات

ذهب الملك أو حديد السجن خيارات الراب المغربي

طاردت الشرطة التونسية مغنى الراب التونسي بمثابرة طوال أعوام 2011 و 2012. اعتقلتهم، ضربتهم، قاطعت وأفسدت حفلاتهم الموسيقي، القضاء التونسي أصدر في حقهم أحكام أحياناً تتجاوز العامين بالسجن. قضى مغنى الراب التونسي مثل “كلاي .بي” أو “ولد الكانز” سنوات ما بعد الربيع العربي مطاردين من الشرطة، يتخفون ويتنقلون من مدينة لمدينة.

حرب الشرطة التونسية على مغنى الراب لم تكن بسبب المعركة السياسية بين الطرفين فقط، بل سببها أن موسيقي الراب ثارت حتى علي القيم الاجتماعية المتعارف عليها. بعض مغنيوا الراب التونسي في تلك المرحلة كانوا أحياناً يخفون شخصياتهم لأنهم يغنون عن الزطلة (الحشيش بالدارجة التونسية)، وما يريدونه  ليس شرطاً أن يكون تغيير نظام الحكم أو مقاومة النظام العالمى أحياناً كل ما يريدونه قد يكون “سيب اللعبة” وحرية تدخين الحشيش.

في هذا الوقت كان مغنى الراب المصري يتقدمون الصفوف سريعاً، يظهرون في إعلانات شركات المحمول، تذيع القنوات التلفزيونية أغانيهم الثورية، ثم سريعا مع تغيير البوصلة السياسية واستقرار نظام السيسي انتهت كل هذه المساخر. لم يعد مسموحاً في مصر إلا بالراب الأخلاقي القائم على قيم التنمية البشرية، أما السياسية فلم يعد مسموحاً إلا بالقضايا السياسية تحت رعاية المنظمات الدولية كأن تغنى للهجرة غير الشرعية لمنظمة اليونسيف.

عاد الراب المصري سريعاً إلي المنتديات، والجحور السرية على موقع “ساوند كلاود”. والآن إذا أردت أن تستمع لراب مصري مختلف فليس أمامك سوى عالم راب “الساوند كلاود”. صحيح أنه راب مختلف، لكن فقره وعشوائية التجارب ظاهرة بشكل جلى، فمستوى التسجيل والإنتاج الصوتى أقل من راب التنمية البشرية والإعلانات، لكن في المقابل منحة حرية أكبر على مستوى المواضيع وطاقة التعبير واختيار الكلمات، لكن دون وجود قاعدة إنتاج تدعم الفنان تظل حتى التجارب المميزة لا تأخذ مساحتها، ويظل إنتاج المزيد من الأغانى لفنان راب الساوند كلاود عرضه لظروفه المادية والشخصية.

رغم الإعلانات والفيديو كليبات التى تغرق يوتيوب لراب التنمية البشرية، فراب الساوند كلاود يتوغل وينتشر ويصنع قاعدة في العالم السري لمحبي الراب. وربما من أكثر المشاهد والفيديوهات الدالة على العالم السري لراب الساوند كلاود هى تلك المعارك التى تنشب أحياناً بين مغنى الراب حيث تطور إلي تحدي ينتهى بلقاء في مكان ما على أرض الواقع، ينتشر موعد ومكان المعركة في الدوائر السرية للراب فيجتمع مستمعى ومحبي الراب يظهر المغنيان، يتقدم واحد من الجمهور يضم قبضتى يده على فمه ليصنع بأصوات الفم إيقاع (بيت بوكس…) وعلى ذلك الإيقاع تندلع المعركة بين كلا المغنين والمنتصر هو من يحافظ على الايقاع (البيت…) بينما رص الكلام معرياً الآخر. من أشهر تلك المعارك هى تلك التى نشبت بين “أبويوسف” و “عفروتو”.

في ظل غياب الفضاء العام، تقام معارك الراب في حدائق مهجورة أو على أطراف الأحياء السكنية، وبينما تكون الأعصاب مشدودة والآذان مشدوهة مع إيقاع الموسيقي والكلمات فالأعين تراقب الأجواء المحيطة حيث أحياناً ما تظهر الشرطة ليجري الجميع منصرفين، هرباً من مصير لا يمكن التنبؤ به إذا تم الامساك بأحدهم.

هذا الوضع المنبوذ والمطارد للهيب هوب في مصر يختلف  عن وضع الراب في بقية الدول العربية، فكما نعلم مصر ليست مثل تونس أو السعودية. معارك الراب التى تقام في أماكن مهجورة خوفاً من مداهمات الشرطة، تقام في لبنان في الساحات العامة وسط حضور بالمئات متنوع من الجنسين.

بينما انطلقت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس في وقت متزامن من عام 2011، فلا شيء يعكس التفاوت الكبير بين مسار كلا البلدين سوى وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في البلدين. فمغنى الراب الذين كانوا منبوذين في عام 2011 في تونس ومطاردين من الشرطة أصبحوا يحتلون المرتبة الأولى على مواقع توزيع الموسيقي في تونس ودول المغرب العربي، هم نجوم يظهرون باستمرار في التلفاز، جزء من إقتصاد الانتاج الفنى، وأسسوا لقواعد متينة لثقافة واقتصاد الراب.

المغرب كانت الأكثر احتفالاً بالراب منذ ظهوره في التسعينات، وقبل حتى إنتشار الانترنت ظهرت من مدينة سلا فرق الراب التى تغنى بالفرنسية، وفي بداية الألفية ظهر الرابر المغربي الذي عرف باسم “عود الليل”. فتحت الإذاعات للراب المغربي، وساهم الانترنت في إتساع دائرته. وعلى عكس بقية الأنظمة العربية التى سعت لمحارب الراب فالنظام المغربي افسح مجالاً على منصة الفنانون الرسمية للدولة للراب المغربي. الملك شخصياً عبر عن رضاه وكرم عدد من مغنى الراب بأوسمة ملكية تقديراً لتميزهم وجهودهم الفنية أبرزهم مغنى الراب المغربي “مسلم”.

maxresdefault
بوستر لمسلم مغنى الراب المغربي

جنة الملك المغربي لا تتسع للجميع، فقد دعم النظام المغربي تيار محدد من الراب المغربي، ومغنى الراب الشاطر هو من استغل هذه الفجوة التى سمح بها الملك ليتحول من مغنى راب الشباب إلى راب القصور. فمسلم الذي بدأ مشواره وهو ينتقد الأوضاع الطبقية والفروقات بين سكان القصور وسكان القبور في المغرب “المغرب غابة بسور/ ومور السور كاينة بحور/ تطفي فيها النور/ تحفروا فيها قبور/ قبل السور كاينة قصور/ فيها زهور/ فيها عطور/ فيها الحور/ تسكب في الكيسان خمور”. تحول لأغانى تنتقد الأحزاب السياسية، الديموقراطية، الانتخابات، والارهاب. وحينما انطلقت مؤخراً في المغرب حملة شعبية لمقاطعة السلع الغالية كالحليب وبعض المنتجات الغذائية، رفض الاشتراك في الحملة أو مهاجمة احتكار الشركات وسجل فيديو يقول فيه ما معناه “أنا رجل المهام الصعبة، لا يمكن أن اتورط في معارك المقاطعة، بل انتظر معركة أعمق وأشرس”.

المعارك الأشرس يقوده من السجون مغنيوا الراب المغربي من السجون، مثل “الحاقد”  الذي سجن لمدة عام بسبب المحتوى السياسي لأغانيه، وهناك مستر كريزى ذو السبعة عشر عاما الذي سجن لمدة ثلاثة شهور في سجن القاصرين بسبب محتوى أغانيه حيث تم اتهامه بإهانة مؤسسات الدولة والتحريض على تناول المخدرات.

لكن بعيداً عن الجدل السياسي والصدام مع السلطة، فالراب المغربي والتونسي ينمو اقتصاديا بثبات، ومعه تتسع قاعدة الجمهور وتجبر صناعة الموسيقي والترفيه على إتاحة مجال له في المشهد.   وينجح الكثير منهم في الحصول على تقدير السلطة والجمهور. فمسلم مغنى الراب المغربي حصل من ملك المغرب على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، وأغانى كلاى من تونس يتجاوز عدد مرات استماعها عشرات الملايين سواء على موقع يوتيوب أو منصة أنغامى، أما في لبنان فحفلات الراب جزء من إيقاع المدينة، وعلى عكس مؤسسات الانتاج الثقافي المستقلة التى تنبذ الراب في مصر فمؤسسات تمويل ودعم الانتاج الفنى والموسيقي في بيروت تحتضن أعمال معنى الراب المصري الذين يجدون صعوبة في المنافسة مع ملكات السيلكون اللواتى يتصدرن المشهد الفنى في لبنان. أما مغنى الراب في مصر فليس لهم إلا الساوند كلاود أو التسول أمام عتبات وكالات الاعلان.

مهما كان تمرد مغنى ومؤدى الراب، فقواعد الإنتاج الفنى والشروط الاقتصادية لسوق الموسيقي تفرض قيمها على محتوى ما يغنيه. لذا فبينما زاب ثروت يغنى أغنية مدعومة من المعونة الأمريكية، صندوق مكافحة الهجرة غير الشرعية، السفارة النرويجية، ومنظمة اليونسيف عن الهجرة غير الشرعية –لا أعرف ما هى علاقة اليونسيف بالهجرة- ويردد فيها منشورات الدعاية الحكومية قائلاً: “يا فارس دا انتحار/ ازاى لنفسك تبرر/ أهوال هتعديها ازاى في مركب صيد”. نجد كلاي من تونس تحتل أغنيته المرتبة الأولى بعدد مرات مشاهدة واستماع تتجاوز الـ 15 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط وبلا دعم أو تمويل من أى جهة حكومية يرد على أكاذيب زاب ثروت قائلاً: “ماشى نعوض عمرى اللى خسرته في بلادى/ ماشى نجيب اليورو ونفرح أخواتى…./ نمشى لبلاد الروم هايم/ وحدى في الغربة نعيش/ خليت لأمى حيرانة/ اتفكرت ولاد حموتى/ أهلى وأحبابي وجيرانى/ وحشة ما تفارق نومتى

لا أكاذيب في الراب التونسي، ولا داعى لتلبس خطاب السلطة وترديد جمل من نوع “بكرة هيبقي أحسن” على طريقة أسفلت، وأحمد مكى، وزاب ثروت. بل إيقاعات موسيقية أصيلة وكلمات قوية لا تخشي التعبير الحر. وقاعدة إنتاج تنمو بازدياد كل يوم وبينما لا تتجاوز أرقام أغنيات الراب المصري الآلاف، والملايين إذا كانت مدعومة من قبل شركات الإعلانات، فالراب التونسي والمغرب تتعدى عشرات الملايين بل بعضها مثل أعمال بلطى تتجاوز مئات الملاين. لا مجال أيضاً للمقارنة بين مستوى التسجيلات الرديء أو المتواضع لأغانى الراب المصري، ومستوى التسجيل والإنتاج الفنى بل وحتى إخراج الفيديو كيب لأغانى الراب المغربي. وإن كان الملاحظ أن سر النجاح الجماهيري للراب المغاربي يعتمد على المزيج ظهر في السنوات الأخيرة بين الراب والغناء الشعبي التونسي، وهو الخط الذي كان قد بدأه أم.سي أمين من مصر مع مغنى المهرجانات، لكن بينما لم تعد الساحة المصرية تتحمل الخطاب السياسي المعارض لأمين، فبلطى من تونس ما يظل يغنى /نعيش في سيستم يحكموه ولاد المتحايلة”.  

ينحشر مغنى الراب المصري خلاف الساوند كلاود، أما الراب المغربي فيحتلون اليوتيوب بمعدل انتاج شبه شهري، يندر أن تمر ثلاثة شهور دون أن نجد فيديو كليب لفنان راب من تونسي، والأجيال تتوالى سريعاً، فكلاي وبلطى حومانى الذين شكلوا رواد الراب التونسي بعد الثورة يواجهون الآن منافسة قوية من أجيال آخري مثل كاسترو وعلاء A.L.A تغنى على إيقاعات التراب، وتهاجم موسيقي وكلمات الأجيال السابقة باعتبارها ناعمة.

أما لبنان فنظراً لأن المنافسة في سوق الإنتاج الفنى شرسة بطبعها وسط نانسي عجرم وراغب علامة، فمغنى الراب في لبنان نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كفنانين مستقلين ويصبحوا جزء من الساحة الفنية التى تصف نفسها بالفن المستقل بينما تعيش على دعم مؤسسات الإنتاج الأوروبي. وهذا الأمر أنتج حالة نادرة في غرابتها. فبينما لا نجد المهرجانات الثقافية في مصر أو بيروت توجه الدعوة لمغنى راب مصريين أو مغاربة، فالراب اللبنانى والسوري من الراس إلي بوكلثوم يحتلون تلك التظاهرات، بأغانى وكلمات مناسبة للخطاب الثقافي وخطاب الصوابية السياسية الذي تدعمه تلك المؤسسات.

الراب السعودى مساجين الأمس مليونيرات اليوم

من لبنان للقاهرة لتونس لطنجة، رغم تباين المستويات من عام لعام تبعاً للأحداث السياسية والمتغيرات الاقتصادية، لكن السمات المشتركة  تجمع الراب في تلك البلدان. أما قصة الراب في السعودية والخليج العربي فهى فريدة في تطورها.

أولاً لدينا ثوابت تحكم الراب الخليجى، لن نجد أغانى سياسية في الراب الخليجى، ليس هناك حكام أو محكومين لا يوجد كذلك أغانى وطنية بالمعنى المفهوم في بقية البلدان العربية حيث البلاد الجميلة التى يحكمها اللصوص والقتلة كما في الراب المصري أو المغربي. أيضاً لا وجود لأغانى الصوابية السياسية في الراب الخليجى فلا حديث بالطبع عن الهجرة غير الشرعية، أو حقوق المرأة وغيرها من الموضوعات التى يتلقي مغنوا الراب من سوريا أو لبنان عليها الدعم.

يطوف الراب السعودى في مجرة كونية خاصة به، وحالياً يعتبر مغنوا الراب السعودى من الفنانين الأثرياء الجدد الذين أصبحوا جزء من منظومة الانتاج الفنى والموسيقي الثرية مادياً وفنياً. لكن من خمسة عشر سنة لم يكن المشهد كذلك. في بداية الألفية كان مشهد موسيقي الهيب هوب في الخليج من أعنف المشاهد والساحات الفنية.

نهض الراب الخليجى والسعودى على الهجاء. مهما سمعت من أغانى عنيفة في الراب المصري أو المغربي، فحتى الآن لم أسمع شخصياً أغانى في عنف ما قدمه مغنوا الراب السعودى في بداية الألفية تحديداً عبادى، وكلاش، ومجموعة وكر العصفور.

الهجاء في الراب السعودى والخليجى لا يعتمد على السباب وقوة المغنى في السيطرة على الإيقاع فقط، بل ينحدر إلي العنصرية والطائفية بأريحية.

في سنوات ما قبل الـ2010 يمكن أن نصف الراب السعودى بأنه الراب الأكثر عنصرية، فالمغنى لا يكتف بمهاجمة المغنى الآخر بل يهاجم عائلته وقبيلته، وجنسيته وأهله. وحتى إذا لم يجد مغنى الراب مغنى ينافسه فهو يخصص ألبومها لمهاجمة فئة من فئات المجتمع أو جنسية من الجنسيات التى لا تعجبه.

في 2009 مثلاً أشعلت مجموعة وكر العصفور حرباً إعلامية بين مصر والسعودية خرجت من ساحة منتديات الراب إلي قنوات التلفزيون في أغنيتهم نورت مصر، وهو الأمر الذي استدعى رداً من مغنى الراب المصري لكن أبداً لم تكن الردود المصرية في قوة الإهانة، كما أن مغنى الراب المصريين المحترفين لم يتورطوا في تلك المعركة، بينما خرج كبار مغنى الراب السعودى من هذا العالم، عالم الهجاء على طريقة الشاعر العربي القديم “وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً. وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً .”.

حالة كلاش نجم الراب السعودى الأكثر دلالة على رحلة الراب السعودى، فقد بدأ كلاش من العالم السفلي لمنتديات الانترنت حيث كانت أغانيه تنتشر على المنتديات ومن خلال تقنية “البلوتوث” على أجهزة الموبيل. شكل كلاش مع رابر سعودى آخر هو “عبادى” ثنائياً شهيراً في سنوات 2004 و 2005. أغانيهم هاجمت وسبت كل الجنسيات الخليجية طوائف وعائلات متنوعة من المجتمع السعودى وحينما ملوا لم يجدوا فئة فقد بدأوا في مهاجمة بعضهم البعض والتنافس بأغانى الراب في التنكيل ببعضهم البعض.

اختيار الهجاء أو “الديث” بلغة عالم الراب هو اختيار يحمل قدراً من الذكاء في بيئة قبلية كالمجتمع الخليجى. فيحنما تهاجم فلان، أنت تشعل معركة وفلان سيضطر للرد وحينما يرد فلان سيهاجمك أنت وقبيلتك وجنسيتك، بالتالي ستكسب أهلك في صفك بصفتك ممثل لهم ومطالب بالرد عنهم، وهكذا كلما اشتعلت المعارك كلما انتشرت الأغانى أكثر.

بالرغم من ابتعاد مغنى الراب السعودى عن الغناء السياسي أو انتقاد الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، لكن الهجاء والسباب جر الكثير من النقد المجتمعي على مجتمع الراب السري. في عام 2007 ألقت الشرطة السعودية القبض على كلاش نجم الراب السعودى، ووجهت له تهم السب والشتم والاستهزاء بفئات المجتمع وحكم عليه بحكم مخفف 3 أشهر سجن بعد التعاطف معه حينما تبين أن سنه وقتها 18 عاماً.

بعد خروجه من السجن ابتعد كلاش عن عالم الهجاء و”الديث”. وعلى ما يبدو قرر أن يحول غنائه الراب إلي مهنة لا كهواية يمارسها تحت اسم مستعار، بدأ كلاش يشارك في الفرق المسرحية السعودية ويقدم معها عروضاً في المولات والمسارح السعودية. شارك أيضاً في المسابقات المحلية التى تقام للراب في قطر والامارات، بدأ يظهر في البرامج التلفزيونية ويقدم الأغانى في المسلسلات الخليجة الشبابية. حتى ألتقطه صانع مجد الراب السعودى والخليجى قصى، وضمه ليصبح واحداً من مغنى شركته المعروفة بأساطير جدة أو “جدة ليجنيد”.

قصي خضر هو نجم الراب السعودى والعربي الأول لا بقدراته الغنائية، أو موهبته الموسيقية بل بسبب حاسته الفنية وملكة الانتاج الموسيقي لديه والوعى الذي يحركه بأهمية أن يقوم الفن على قاعدة اقتصادية تدعم وجوده وتدعم فنانيه، خصوصاً إذا كان فن مهاجر من الغرب إلي الشرق كالراب والهيب هوب.

في نهاية التسعينات كان قصي يكمل دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، جذبته  موسيقي الراب والهيب هوب في الساحل الشرقي، حيث تعرف على عدد من منتجى الموسيقي البارزين بعضهم أصبحوا شركاء له في المسيرة بعد ذلك مثل فريديرك. لكن مع بداية الألفية عاد قصي إلي جدة بعدما درس إدارة الأعمال في أمريكا. عاد  بطموح أكبر من أن يغنى الراب أو ينشر على الانترنت بعض أغانى الهيب هوب باسمه.

أسس قصي مجموعة “أساطير جدة” والتى تحولت إلي مظلة تجمع تحتها عشرات الأسماء من عالم الراب السعودى، لتصبح أهم وأعرق شركة إنتاج في المنطقة متخصصة في إنتاج موسيقي الهيب هوب العربية. رغم بداية غنائه بالإنجليزية لكن تحول قصي إلي الغناء بالعربية جامعاً بين اللغتين العربية والانجليزية. سعي قصي إلي التعاون مع فنانين آخرين من أنواع موسيقية مختلفة، انفتح على عالم الموسيقي التجارية. وفي سنوات تصدر واجهة المشهد الفنى السعودى والخليجي كصوت رخيم يستطيع أداء الميلودى راب كما يصفه جيمى هود، ومن الموسيقي انطلق إلي عالم التلفزيون ليقدم على مدى سنوات برنامج “أراب جوت تالنت”، ليمثل وجوده في البرنامج الدعم الخفي لكل المواهب التى تتقدم لغناء الراب والهيب هوب.

طموح قصي لا يقف عند المحيط السعودى والخليجى، فقصي أيضاً أحد العناصر الفاعلة في مجموعة “أرابيان نايتز” وقدم معهم ومع أم.سي أمين عدد من التجارب الغنائية. لدى قصي هذا الطموح الفنى الذي يدفعه إلي اكتشاف كل الأماكن غير المتوقعة. في 2015 فاجئ جمهور برنامج “اراب جوت تلانت” الأعلى مشاهدة باعتلاء المسرح بصحبة السادات وفيفتى مغنى المهرجانات مقدماً أغنية أم الدنيا في مزيج بين موسيقي الراب والمهرجانات.

لدى قصي هذا الحضور اللطيف والودود سواء أمام الكاميرا أو خلفه، وهذا الحضور جعله قادراً على فتح أسواق جديدة لموسيقي الهيب هو والراب العربي والخليجى. وبينما يعانى الراب في مصر من غياب المظلة الانتاجية وحصار الرقابة، وراب وهيب هوب الشام محصوراً في عالم الموسيقي والثقافة البديلة، فراب الخليج والسعودية خلال سنوات قليلة نجح في احتلال المشهد وكل يوم تحمله له الريح المزيد من الخيرات. فمؤخراً مع التغييرات الشكلية التى أقرها ولى العهد محمد بن سلمان تم السماح لهيئة الترفية بافتتاح دور العرض السينمائي كذلك إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وبسرعة نجح شباب الراب السعودى في إعتلاء المسرح وأصبحوا نجوم حفلات هيئة الترفية ووجه بارز من وجوه السعودية الجديدة. السعودية التى تقود فيها النساء السيارات بينما يقبض على النشاطات النسويات وتوجه لهن تهمة خيانة الوطن، السعودية التى تعتمد نظام الكفيل لكن تسوق للعالم مشروع أرض النيوم كأرض ومدينة الروباتات. السعودية التى تخوض حروباً على أكثر من جبهة بينما الجيل الجديد من مغنى الراب يغنون فيها “في بدايتى طفران/ أخبي ريالى واقعد جعان/ عالحديدة دا من زمان/… بديت بريال وصرت مليونير”.

السقف منخفضاً بكل تأكيد في راب السعودية، لكن الصناعة والبنية الاقتصادية قوية تجعل الأرض مناسبة لنمو الهيب هوب العربي، المدون ومقدم البرامج الإذاعية “بيغ هاس” المتخصص في موسيقي الهيب هوب مثلاً يقدم أهم برنامج إذاعى عربي عن الهيب هوب من داخل السعودية. قصي طموحه يتجاوز جدة ومستمر في اجتذاب فنانين ومغنين عرب وانتاج المشاريع والمغامرات الجريئة معهم. المشهد يموج بالثراء والتنوع، لكن لا مساحة له على الشاشات أو المسارح ليأخذ الهيب هوب العربي مساحته التى يستحقها.

 

طرق لتجنب عذاب الجحيم

في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.

أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.

ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.

في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.

قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».

على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.

في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.

يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».

اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.

من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»

في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».

في رحاب أعلَم السحَرة العرب

يخبرك الفلكي (المنجم) الساحر، بكل شيء ترغب في معرفته، لكنه أبداً لا يخبرك كيف يعرف هو، أو كيف يقوم بصنعته. قد يقول لك أن لديه فتوحات أو أنه “مخاوي” عفريتاً من الجن، أو، كما صرح الفلكي الشهير محمد فرعون مؤخراً مع وائل الابراشي، بأنه متزوج من جنيّة، وبالتالي فهي من تساعده في تنفيذ أعماله السحرية أو معرفة الحاضر والمستقبل من خلال الفلك والأبراج.

dav

خلال السنوات الأخيرة، انتشر طراز خاص من النساء، تقريباً يقصدن الكوافير ذاته، معظمهن بشَعر أصفر، شفاه مكتنزة، وجه فخور بالعمليات الجراحية والخيوط الفرنسية التي تشده، ونظرة تحدق في الفراغ. يصاحب اسمها لقب “خبيرة الأبراج” أو “خبيرة الفلك”. والسؤال هنا كيف كونت هذه الخبرة؟ كيف حصّلتها وراكمتها حتى أصبحت خبيرة؟ السؤال الأكثر تعقيداً هو كيف يمكن تعلُّم السحر؟

الانترنت، وتحديداً “غوغل” وفيديوهات “يوتيوب”، تحتوي على شرح وتفصيل لعمل كل شيء. إذا أردت معرفة كيف تصنع سيارة مفخخة ستجد إجابتك. كيف تصنع قنبلة بدائية الصنع ستجد. كيف تطبخ الحشيش؟ كيف تزرع الماريجوانا؟ كيف تتعلم عزف الغيتار؟

كل الأفعال والمهارات، الشرعية وغير الشرعية، القانونية وغير القانونية، لها دليل استخدام في الانترنت، وعشرات الفيديوهات.. إلا السحر. من أين إذن يأتي كل هؤلاء السّحَرَة؟

الإجابة الكسولة التي يقدمها البعض هي أن تلك فتوحات أشبه بـ”الفتوحات المكية” لابن عربي أو “التجليات الصوفية”. وفي قبولك لهذه الإجابة ما يعني أن السحر موهبة. لكن حتى الموهبة تحتاج تنمية، والسحر مسألة مارسَتها الإنسانية عبر آلاف السنوات من تاريخها. فأين تراث الإنسانية من كتب السحر وتاريخه وتطوره؟

dav
غلاف كتاب السحر العظيم

من المؤسف أن المكتبات العامة تخلو من تصنيف لكتب السحر، كذلك الأمر في دار الوثائق ودار الكتب. وإذا دخلت أي مكتبة تجارية الآن، وسألته عن كتب السحر، فسيخرج لك مجموعة من الكتب، معظمها لمشايخ سعوديين أو سلفيين. هي كتب تَدعي أنها تُحَارب السحر غير الشرعي، وتقدم الرقية والوسائل الشرعية للتعامل مع عَالمِ السحر، لكن كتب السحر نفسه، صوت السحرة الملعونين طوال التاريخ، دائماً غائب.

لم يتعرض تصنيف كامل من الكتب للمحو والحرق والإبادة، مثلما حدث مع كتب السحر، والنتيجة أن واحدة من أقدم ممارسات الإنسانية، وكتبت وسجلت فيها عشرات الكتب والمراجع، كلها الآن أصبحت هباء. سراب ضائع في تحالف يجمع بين الرقابة السلفية، ورقابة الحداثة التنويرية، التي ترفض نشر كتب الدجل والشعوذة، لكنها تحتفي بكتب التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية، وألغاز النصوص الصوفية.

كتب مثل “الصارم البتار في مواجهة السحرة والأشرار“، أو غيره من أعمال وحيد بالى، وكتب واسعة الانتشار تباع في مكتبات السلفيين، إضافة إلى الكتب الدينية، تطرح نفسها كوسيلة للوقاية والحماية من الوقوع في حبائل الدجالين والمشعوذين، حيث يعتمد المؤلف على عدد من التفسيرات للقرآن والسنّة، ويستخدم الآيات والأدعية النبوية وتكرارها كوسيلة للقضاء على الأعمال الشريرة وإخراج الجن من أجساد النساء البائسات اللواتي سكبن ماءً ساخناً في الحمام من دون أن يتعوذن من الشيطان. لكن هذه الكتب لا تدلّنا كيف يمكن تسخير الجان، أو كيف يمكن قراءة الأفلاك.

يدافع الفلكيون، خبراء الأبراج، عن شرعية عملهم. لديهم تفسيرات خاصة من القرآن والسنّة. يستشهدون بالآيات التي أقسم فيها الله بمواقع النجوم، وأن في السماء بروجاً لتهتدوا بها. ولهذا، فما يمارسونه شرعي ورسمي من الكتاب والسنّة. لكن بينما يقدم لنا وحيد بالىخلاصة تجاربه وكيف يمكن استخدام القرآن والسنّة لعمل السحر المضاد والرقية الشرعية، فالفلكيون المدنيون لا يكشفون أبداً سر الصنعة. لأنه مهما بلغ علمهم ومعرفتهم، فلن تصل أبداً إلى معرفة وأعمال وكتب الأستاذ عبد الفتاح السيد الطوخي، مدير “معهد الفتوح الفلكي لمصر والأقطار الشرقية”.

للطوخي عشرات الكتب والعناوين في كل تصنيفات السحر وأنواعه، بداية من مؤلفه القصير “نهاية العمل في علم الرمل”، حتى تخصصه الذي كتب فيه مؤلفات واسعة وهو علم الحروف وقدرات كل حرف وسره، وجمعها في كتابه “البداية والنهاية في علوم الحرف والأوفاق والأرصاد والروحاني”. تنتشر عناوين مؤلفات الطوخي في الانترنت. وفي الشبكات الاجتماعية ينتحل اسمه وشخصيته الكثيرون. فاسم الطوخي هو عَلَم لكل المهتمين بالسحر والعلوم الميتافيزيقية في مصر والعالم العربي. لكن رغم ذلك، لا نعثر على أي معلومات موثقة عن سيرته الذاتية، سوى الشذرات التي تركها هو في مقدمة كتبه، حيث يعرف نفسه بصفته مدير عام “معهد الفتوح الفلكي لمصر والأقطار الشرقية”.

خلال سنوات طويلة، حاولت العثور على كتب عبد الفتاح الطوخي، وحينما كنت أسأل أصحاب المكتبات القديمة، بعضهم لا يعرفه، والآخرون يهزون رؤوسهم ويجيبون بازدراء “مش بنبيع الكتب دي”. أما في النت، فالنسخ المرفوعة من بعض كتبه لا يُعرف أبداً مدى صحتها. أضف إلى هذا أن كتب الطوخي تحتوي في العادة، رسوماً وطلاسم ومنادل مرسومة ومكتوبة بخط يده شخصياً، وهو ما لا يتوافر مع النسخ الموجودة في الانترنت إن وجدناها.

موقع “النيل والفرات” يبيع نسخاً نادرة من كتبه سعرها يبدأ من ألف جنيه مصري (50 دولار أميركي) وحتى أربعة آلاف جنيه (200 دولار). لكن بفضل الصديق والمترجم والباحث في الأدب والتراث العربي، بن كوربر، خرجت من السجن لأجد هدية منه هي الجزء الثالث من كتاب السحر العظيم مع ورقة في ضرورة استكمال بحثنا عن الجزأين المفقودين.

الكتاب صادر عن مكتبة القاهرة في شارع الصنادقية (ميدان الأزهر)، لا يحمل تاريخ الطبع، لكن الأرجح أنه طُبع في الستينات أو بعدها. مثل معظم مؤلفات الطوخي، الصفحة الأولى تحتوى على صورته وتحتها بيتان من الشعر الذي دائما ما يضعهما:

 “المرء ضيف في الحياة وإنني/ ضيف كذلك تنقضي الأعمار

فإذا أقمت فإن شخصي بينكم/ وإذا رحلت فصورتي تذكار”.

يحتوى الكتاب على عدد من التمائم والطلاسم والأعمال، التي يمكن استخدامها في أغراض مختلفة، فهناك فصل لجلب وتهييج المحبة، عمل سورة يس الشريفة وطلسمها لمعرفة السارق، للصلح بين الزوجين، لعلاج الرمد، لزيادة البهجة والألفة، ولخلاص المسجون. ولتوضيح طريقة عمل كتاب الطوخي، نستعرض مثلاً طلسم “خلاص المسجون”، وهو يقع في باب حرف الـ(ب) حيث يوضح الطوخي أن للحرف شكلَين للكتابة، واحد عربي والآخر هندي. ويكفي نقش الشكل الهندي لحرف الباء، خمس مرات يوم السبت، على صحيفة من الرصاص ثم وضعها في باب السجن، ليخلص كل من فيه بإذن الله. لكن بعض الأعمال والطقوس أكثر تعقيداً وتستلزم ما يسميه الطوخي الرياضة أو الخلوة. حيث على القائم بالعمل اعتزال الناس والاستغراق في الطقوس التي يصفها الطوخي بالتفصيل. فمثلاً، لأجل التغلب على أعدائك فعليك أولاً، كما يقول، “الصلاة والصوم تنال الخير وتستريح من اللوم لأن كل شيء أصله العمل ومجاهدة النفس عن الشهوات ومخالفتها، فكن فطيناً ولا تكن عجيباً”. فمن دون الرياضة لا يمكن للأعمال أن تعمل، أما العمل نفسه فتكتبه في قعر إناء مدهون بالأخضر، ثم تصب الماء وتقرأ عليه سورة “قل أوحى إلى” وآخر سورة الحشر، وتشرب الماء على الريق فلا يقوى عليك أحد من الأعوان.

dav
طلسم في هيئة ختم سلمانى

أعمال وطلاسم الطوخي السحرية ليست دائماً مُسخرة للخير. فهناك باب مُخصص للأختام السليمانية وكيفية استخدامها لتسخير الجان، هناك فصول في الأعمال التي يمكن استخدامها لإهلاك الظالم، ولمنع النوم، لقتل الفسقة، ولهلاك المتمردين وللاحتراق في المحبة.

الجدل بشأن علم الطوخى لا ينتهي، بالنسبة إلى المؤمنين بعالم السحر والماورائيات هو أستاذ وشيخ كبير، وبالنسبة إلى غير المؤمنين فالكتاب مثل بقية كتب الطوخي، تظل كتابة فريدة وسحرها الأدبي لا يقاوم، لغة تغرف من التراث العربي، لكنه تراث مطمور، ليس التراث الأدبي أو النصوص الدينية القديمة، بل النصوص المتهمة بالهرطقة والدجل والشعوذة.

الكتاب كله كأنه درس يلقيه الطوخي على طالب شاب في علم الفلك والسحر، وبين ثنايا الطلاسم والتعاويذ يعطيه نصائح مختلفة في الحياة، مَن يصادق ومن لا يصادق، وكيف يجاهد شهوات النفس. وفي أحيان أخرى، يتحدث الطوخي عن نفسه. فتحت عنوان “وأما بنعمة ربك فحدث”، يكتب الطوخي “إنني كتبر مستتر في ثرى أرض، وأهل تلك الأرض في فاقة شديدة وكثير ما يمرون على الأرض، وينظرون لمعان بعض ذرات التبر، ولكن لا يفكرون ولا يبحثون. فإذا جاء أجنبي (يضع هامش هنا قائلاً: أن الأجنبي هو الموت) وبحث في تلك الأرض وأخذ تبرها، وعلمت بذلك أهلها ولا بد أن يعلموا لأن الأجنبي، سيزيع (هكذا كتبها في الأصل) ما عثر عليه من ثراء ونفع (يضع هامش هنا قائلاً: لأن العبقري لا يظهر إلا بعد الموت، كالمخترعين والفنانين والفلاسفة) فهنالك تندم المواطنون وهيهات أن ينفع الندم”.

هيهات أن ينفع الندم حقاً يا عم طوخي. ربما في وسط العتمة والصفعات المتتالية التي يتلقاها مشروع التنوير والحداثة العربي، يكون هذا اليأس فرصة لكي ننقب في هذا التراث أو بألفاظ الطوخي الفلكي “التبر”.. علنا نعثر على الذهب، أو وسيلة لإهلاك الطاغية.

dav
طلاسم هندسية مختلفة