الشعوذة المصرية: تمييز طبقي

اندلعت الحرب بشكل علني الأسبوع الماضى. المعارك التي كانت مَطمورة وتدور في العالم السفلي، تصعد للسطح الآن. الشيخ محمد المغربي، وهو أردنى يمتلك قناة “الطب النبوي” الفضائية، ظهر الأسبوع الماضي في قناة “القاهرة والناس”، وهاجم بالأسماء من يصفهم بالدجل والشعوذة من أصحاب القنوات الأخرى الذين يدّعون القدرة على شفاء الأمراض وحلّ جميع المشاكل الصحية والنفسية بالأعمال السفلية والرقية والأدعية. المغربي أعلن أنه بات يتنقل مع حرّاس مسلّحين، لأن الحرب التي يشنها على شيوخ المغرب ومصر جلبت له عشرات التهديدات وتعرض بالفعل لمحاولات اغتيال وقتل. 

تحارب قناة المغربي الفضائية، الجدل والشعوذة، لكنها تقدم نصائح وخدمات واستشارات للعلاج… بالقرآن. يدافع الرجل عن نفسه بأن ما يقدمه هو العلاج الروحانى الصحيح، وأن الآخرين دجالون. أما قناة “القاهرة والناس”، التي تحارب الجدل كذلك، فهى تروّج لعلم الفلك وتفسير الأحلام والأبراج، وكلها فقرات ثَابتة في خريطةِ برَامج القناة التي تهاجم، في الوقت ذاته، الدجالين الذين يدّعون القدرة على مُسَاعدتك في اتخاذ القرارات المصيرية وتحديد مُستقبلك.

أما في التلفزيونات المصرية الرسمية، وكذلك معظم القنوات العربية، فخبراء الطاقة الروحانية والبرمجة العصبية، واليوغا، وطاقة الأحجار، والعلاج بالعناصر الطبيعية.. هم أصحاب فقرات ثابتة، يتم تقديمهم بلقب دكتور قبل أسمائهم أو لقب الخبير في السلام النفسي.

لطالما كان اقتصاد وتجارة الميتافيزيقيا، من أكبر الاقتصادات في المنطقة العربية والعالم. ونقصد به بيع وتسليع كل الممارسات ذات الطابع ما وراء الطبيعي، والتى تعتمد على نظريات غير مثبتة علمياً، ورغم أن بعضها مجرب لكن تغيب دائماً العلاقة بين السبب والعلّة. وهي تشمل تجارة الأبراج والتنبؤ بالمستقبل، العلاج الروحانى، العلاج بالقرآن، العلاج بالطاقة، اليوغا، وكل أساليب التحكم بالطاقة غير المرئية والتي لا برهان علمياً على وجودها.

تُشكل الميتافيزيقا عُنصراً أساسياً في ثقَافات شعوب الأرض. وخلال العقود الأخيرة، مع ترسيخ سياسات العولمة وتسليع الثقافة، تحولت الميتافيزيقا إلى وسيلة من وسائل الدخل للأفراد والشعوب. 

في الصين والهند، حيث لم تؤدّ الحداثة القائمة على الحقائق الفيزيائية إلى دفن التجَارب الميتافيزيقية، استمر الطب الحديث مع الطب الشعبي. وممارسات مثل التداوي بالأعشاب أو التأمل أو الإرشاد الروحي عبر معلم اليوغا، هي ممارسات علنية تنظمها الدولة وتستفيد منها. وقبل عامين، ضغط رئيس وزراء الهند على الأمم المتحدة، من أجل تخصيص يوم عالمى لليوغا والتأمل الروحانى على الطريقة الهندوسية، وتبنت الحكومة الهندية مَجموعة من السياسات للترويج لكل أشكال الميتافيزيقيا الهندوسية، من اليوغا والتأمل، إلى العلاج بالأعشاب والتداوى ببول البقر المقدس. ليس الغرض من هذه السياسية دعم القوى الناعمة للهند فقط، بل دعم الاقتصاد الهندي كذلك، إذ يُقدّر إجمالي عائدات سوق اليوغا ومنتجاتها، على الاقتصاد الهندي، بحوالى 5.7 مليار دولار أميركي.

دخل الطب الحديث مصر، في عشرينات القرن التاسع عشر، على يد كلوت بك، تطبيقاً لسياسات محمد علي باشا، لرفع عدد سكان القطر المصري ولاستخدامهم في تكوين جيش الباشا، ولزيادة طاقة الأيدي العاملة في أراضيه الزراعية. منذ القرن التاسع عشر، وحتى الآن، تشن مؤسسة الطب التشريحي الحديث، الحرب على الطب البديل، وعلى كل أنواع العلاج الميتافيزيقي الذي لا تنتجه المؤسسة الطبية الغربية الحديثة. ومع ذلك، تنمو مؤسسة العلاج الميتافيزيقي في مصر والعالم العربي، وتعيد خلق نفسها تحت مسميات وأشكال جديدة تناسب كل طبقة إجتماعية. 

في أحد المولات التجارية الكبرى، ترتفع لافتة بالانجليزية تشير إلى أن المحل هو مركز بيع منتجات المركز الفلاني المتخصص في العلاج بالطاقة. داخل المحل تُبَاع مَجموعة من الأحجَار والعقود والتمائم بأسعار مُبالغ فيها. قطعة حجر أشبه بأي “زلطة” تجدها في الشارع، تباع بحوالى 750 جنيه (35 دولار أميركي)، ولها استخدامات مُتعددة. فإذا وضعتها أسفل وسادتك قبل النوم، ستقضي على الصداع المزمن والقلق وتمنع الأفكار والطاقة السلبية من الاقتراب منك أثناء نومك. أما تلك الحظاظة غريبة الشكل، والتى يقترب ثمنها من 1500 جنيه (75 دولار أميركى تقريباً)، فهى ستغير من هالة الطاقة المحيطة بك، فتجعلك وسيماً وتجذب الآخرين لك ولشخصيتك. ينظم المركز أيضاً عدداً من الأنشطة لسكان التجمعات السكنية في “6 أكتوبر” و”التجمع الخامس”، ومنها حلقات ذكر صوفي خاصة بعليِّة القوم تقام في فيلا خاصة، وتقدم خلالها الولائم، فتمنحك الفرصة لمعايشة جو حلقات الذكر والتصوف الجميل من دون الحاجة للاختلاط بزحام الأحياء الشعبية أو حضور الموالد والاختلاط بالعامّة.

ينمو اقتصاد الميتافيزيقيا ويزدهر لدى الطبقات الاجتماعية العليا المصرية، ويزداد الإنفاق عليه. في المجال الرياضي، الحديث عن استخدام السحر أصبح شيئاً علنياً. رؤساء الأندية الرياضية يستعينون بسحَرة معروفين بالاسم. وأحد رؤساء الأندية الكبري في مصر، لا يخفي علاقته بساحر يصحبه معه دائماً، ولا يتخذ أي قرار يخص الفريق من دون الرجوع إلى هذا الساحر، حتى أن العاملين في النادي حينما توجد مشكلة مع المدير يلجأون إلى هذا الساحر للتوسط لديه.

في المجال السياسي، ومنذ اللحظة الأولى لظهور السيسي، كانت الأحلام والنبؤات هي وسيلته لتقديم نفسه للصحافيين. والآن مع ازدياد الرقابة على المجال العام، لم يعد أمام المعارضين سوى استخدام الميتافيزيقيا والسحر ضد السيسي. لينقلب السحر على الساحر ويختلط الخيال بالواقع، والروحاني بالجسدي، والسفلي بالعلوي، حينما ظهرت صفحة “فايسبوك” المعروفة بـ”تحت الأرض” واتهمتها الداخلية بالتنبؤ بتفجيرات الكنائس الأخيرة، بل وأعلنت في بيان رسمي ترصدها للقائمين على الصفحة ومراقبتهم والقبض عليهم بسبب استخدامهم السحر السفلي في الإرهاب!

لكن رغم الاعتراف الرسمي والديني بوجود السحر، فكالعادة يدفع الفقراء الثمن. وبينما ينمو ويزدهر اقتصاد السحر والميتافيزيقيا في التلفزيونات الرسمية، وتتعامل معه مؤسسات الدولة كواقع، فإن سحر الفقراء يتم وصمه بالدجل والشعوذة وتتم ملاحقته جنائياً والتعامل معه كسلوك إجرامي. هكذا، أصبح معتاداً أن نشاهد خبيرة الطاقة الروحانية تدلي بحديث صحافي في إحدى الصحف، وفي الصفحة المقابِلة القبض على دجال في حي السيدة زينب يقنع الفقراء بحل مشاكلهم الأُسرية.

ليست الطبقية هي العنصر الوحيد الذي يتحكم في مدى “شرعية” العمل الميتافيزيقي، بحيث يصبح ساحر السيدة زينب دجالاً ومجرماً ومشعوذاً، وخبيرة الطاقة الروحانية في حي المعادي نجمة مجتمع راقية وشخصية عامة في التلفزيون ووسائل الإعلام. فإلى جانب الطبقية، يسيطر شيوخ السلفية على قطاع كبير من الاقتصاد الميتافيزيقي، وسلطتهم عابرة للطبقات الاجتماعية. فمع نمو السلفية الدينية في المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، ظهر فرع العلاج بالقرآن والطب النبوي. السلفي يعترف بالسحر والميتافيزيقيا، لكنه يستخدم سلاح الحرام والحلال. فقواعد الفقه والشريعة لا تنظم العلاقات في العالم الفيزيائي الطبيعي فحسب، بل كذلك في العالم ما وراء الطبيعي. هناك أعمال ميتافيزيقية مُحرّمة وهناك أعمال ميتافيزيقية مُحللة. وخلال السنوات الأخيرة، تم وصم الكثير من الممارسات الميتافيزيقية والسحرية الشعبية بأنها حرام، بداية من ضرب الودع إلى قراءة الفنجان. وحتى تلك التي وصفها الفقه بأنها حلال، فرض السلفيون نماذج استخدام محددة لها، وفرضوا أنفسهم حصريين كقائمين بالرقية الشرعية والعلاج بالقرآن والعسل وبول الإبل.

أمام هذا العالم والاقتصاد، بل والسياسية الميتافيزيقية الآخذة في النمو والتوحش، حيث السيد ترامب الذي لا يؤمن بالتغيير المناخي، يقف المثقف العلماني المدني، متحصناً بتراث الفيزياء الحديثة، من نيوتن إلى أحمد زويل، مستعيناً بكتب ودراسات علم النفس الحديث كمفتاح وحيد للتواصل مع العالم الميتافيزيقي. ورغم أن علم النفس الحديث يتحرك ويؤسس لنظريته بلا معاينة تشريحية كباقي العلوم الحديثة، لكن سلطان نظرياته يقف في مواجهة السحر والروحانيات والعالم الميتافيزيقي مدعياً أنه العِلم والآخر دجل.

إن أي نقاش علمي في مواجهة الدجل والميتافيزيقيا المحيطة بنا، محكوم عليه بالفشل التام. يكافح العلماني والعربي المستنير، الخرافة والدجل، بكتابة المقالات والظهور في التلفزيون مهاجماً الخرافة. لكن الخرافة لا يمكن أبداً أن تتبدد بالنقاش العقلاني. والطبيعة بقوانينها لا يمكنها هزيمة ما وراء الطبيعة، خصوصاً إذا كان خلف سحابة الخرافات والروحانيات التي تغطى الكوكب، كل هذا الدعم والتمويل والاقتصاد، فتتبدد صيحات المنطق في الفراغ.

 

نشرت في موقع المدن في المرة الأولى

حراشف تماسيح القامات الفكرية

كلفت بتغطية مؤتمر لأدب الطفل في زمن ما قبل 2011 . كعادة كل أنشطة الطفولة والأمومة في هذا الزمن كان المؤتمر تحت رعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك، ومن تنظيم واحدة من الجمعيات والهيئات العديدة التي كانت ترأسها. كان العمل من أثقل المهام على قلبي، حيث إن هذه المؤتمرات تكون سلسلة طويلة من الخطب والكلمات الإنشائية والجمل المكررة المليئة بالإطناب.

16540_226645746384_610856384_3008420_3055340_n

حضر الأمن الرئيسي أولاً، ثم حضرت زوجة الرئيس وألقت كلمة مكتوبة وزعت في الوقت ذاته على الصحفيين، وكان من اللافت أن القاعة تمتلئ بكل الكتاب والمثقفين ممن يحملون لقب “قامة فكرية” ومعظمهم ليس له أي علاقة بأدب الطفل، استغربت وجودهم في البداية لكن بعدما أنهت زوجة الرئيس كلمتها التي كانت تشبه موضوع تعبير مدرسي. خرجت لتقف في مدخل القاعة لما يقرب العشرين دقيقة، حيث فهمت حينها سبب وجود كل هذه القامات الفكرية.

كان المشهد كالتالي زوجة الرئيس تقف على رأس الدائرة وحولها سيدات المجتمع في حلقة ضيقة أولي وعن يسارها تقف زوجة وزير الإعلام وقتها أنس الفقي، تهمس في أذنها ببضع كلمات ثم تشير لكاتب من «القامات الفكرية» فيتقدم الأخير ليصافح زوجة وزير الإعلام وزوجة الرئيس ويتبادل معها بضع كلمات مليئة بكلمات الثناء على دورها وما تقدمه للطفل والأدب والتنوير والثقافة والمثقفين. بعد أقل من نصف ساعة انصرفت زوجة الرئيس، الكتاب الذين فازوا بالمصافحة ارتفعت قامتهم بضع سنتيمترات وابتسامة تعلو وجههم بينما الكتاب الذين لم يفوزوا بالشرف العظيم انزوي وقد قصرت قامتهم يشعرون بالنبذ والحزن من عدم نيل شرف الحديث مع السيدة الفاضلة. ثم انصرفوا جميعًا بعدها ببضع دقائق لتستمر بقية جلسات المؤتمر خالية من الحضور ومن الضيوف.

الصورة السطحية كشاب صحفي يتعرف على هذا العالم للمرة الأولي كانت بالنسبة لى أن ما يحدث هو نوع من «التعريض» المرتبط بالظرف السياسي وبالهرمية الحاكمة التي أسستها أسرة مبارك أثناء حكمها للبلاد. لكن في رواية بدر الديب البديعة «إجازة تفرغ» والتي تدور أحداثها قبل عهد أسرة مبارك كان هناك مشهد مماثل قدم له بدر الديب رؤية آخري قائلاً: «منذ أن أممت الثورة الثقافة وصنعت المجلس الأعلى وأجهزة الوزارة في الثقافة والإعلام، وهذه الأصناف من الناس تتكاثر وتقوي حراشيف التماسيح على ظهورهم. إنهم يتحركون في مستنقع آسن مخضوضر فيه ظلال ودسامة الركود، لا يجهد كل منهم إلا لكى يتخذ ركنًا أو مكانًا يمارس فيه شيئًا من السلطة ويستطيع فيه أن يرفع صوته. إنهم يتحدثون عن الثقافة وعن الفكر ويقرنونها بالوحدة العربية تارة والاشتراكية العلمية مرة أخري وبالثقافة الجماهيرية مرة ثالثة، وبمستقبل العالم والإمبريالية ودول العالم الثالث والثورة المضادة».

لم يعد في كل هذا من الجهد أو المعني إلا أن يكون لكل منهم حق في شيء منه وليس هذا الشيء تحقيقًا أو إنجازًا أو استكشافًا أو فكرة ولكنه أساسًا كتاب صغير في سلسلة أو كتابين، مقالة هناك أو مقالة في صدر جريدة ولكن المهم القدرة على حضور المؤتمرات وتنظيمها وإلقاء الخطب فيها وتصوير الانتصارات التي تتحقق في صياغة التوصيات والحصول على الموافقة بإقرارها. لا أحد منهم يذكر أن كل ما يفعله هو للسلطة وأنه لم يكن ليقدر عليها لولا سماحها ورغبتها. (…) إنهم يسعون لمنصب جديد أعلي أو لسلطة أكبر لأن هذا هو المشاركة في الفعل والتغيير وهما المحك الحقيقي للثقافة والفكر.

بدر الديب مع أعمال شريف يونس أفهمتنى أن المسألة ليست رغبة في التعريض فقط، بل لأن النظام وهو هنا شبكة القوانين والعلاقات التي أنشأتها الدولة الجمهورية خلقت معاني جديدة للثقافة ولدور المفكر تجعله مرهونًا بالاعتراف من قبل الدولة، وبجعله مستشارًا لها. وهذا القانون يترسخ داخل الكتاب والمثقفين أنفسهم أكثر من كونه مكتوبًا في لوائح وزارة الثقافة أو طريقة إدارتها.

هذا القانون يربط التنوير بالعمل مع الدولة، ويجعل من دور الكاتب والمثقف أن يمشى بجوار السياسي ممسكًا بالصاجات والطبلة يغنى تسلم الأيادي ويقول عن هذا فن. وتحقق ذات الكاتب يكون بمدى اقترابه من تلك السلطة، وصراعاته ضد الفساد تكون صراعات ضد أشخاص يجلسون على الكرسي وليست بهدف إزاحة الكرسي. ويتجسد هذا القانون في أعلى حالاته في شخص يوسف زيدان. الكاتب الذي لم تؤهله علاقاته الدولية وضعفه في اللغات الأجنبية لكى يكون واجهة مشرفة للثقافة كإسماعيل سراج الدين. متقمصاً حالة الكاتب الرسول وجدت نزعات زيدان التنويرية مكانها على الفيسبوك يعيد إنتاج معلومات عامة ونصوص قديمة متاحة على الإنترنت معتبراً أن ما يقوم به هو رسالته التنويرية ككاتب. وحينما تنبذه السلطة هازئة منه ومن لغته المصطنعة يواجه الحقيقة أنه لا شيء بدون هذه السلطة فيقرر الانسحاب من الحياة الثقافية كما أعلن مؤخراً في محاولة أخيرة لجذب الانتباه إلي حالته ووضعه الحزين.

يتصارع تماسيح الثقافة على منصب في تفاهة مستشار رئيس الوزراء للشئون الثقافية، ويلعبون لعبة البطل والفاسد بالتناوب لخلق دراما مسلية للأعلام. بينما شاعر وكاتب آخر كعمرو حازق خرج في عشرات المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد فساد إسماعيل سراج الدين وكانت نتيجة كل ما فعله أنه محبوس الآن في سجون النظام بتهمة خرق قانون التظاهر غير الدستوري، لكن مع ذلك قادرين على الضحك والعمل ليصدر روايته «روائي المدينة الأول» من داخل محبسه بينما التماسيح لا تزال تتصارع أيهم يقترب أكثر من كرسي محلب.

فساد وظلم القضاء.. الألمانى

طال يد العدالة الجميع إلا رأسها. يقولون دائماً لا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم، أسود على كل ظالم أبيض لكل مظلوم. ما عدا نوعا واحدا من الظلمة ليس لديهم أيام سوداء أبداً. هم القضاة الظلمة. فالفئة التي تحدد ما هو ظلم وما هو عدالة، لا يمكنها أن تري نفسها ظالمة خصوصاً وهى تمسك بيديها ميزان العدالة، هكذا هي الأمور في ألمانيا القديمة على الأقل.

“في الدولة الحديثة يأتي القضاء كصوت يتخيل ذاته فوق الجميع وخارج منظومة المجتمع. ملاك محايد معصوب العينين. أحكامه الغرض منها بناء منظومة المعادلات والقوانين التي تسير الدولة. بينما يحاسب جميع من يخطئ في عمله في هذه الدولة من المهندسين للأطباء وحتى العسكريين، فالقضاة هم الفئة الوحيدة التي لا يمكن محاسبتها حتى في حالة خطأ، حتي في أعتى الدول الديمقراطية حيث الشعب هو مصدر السلطات، لا يمكن للشعب أو سلطته البرلمانية محاكمة القضاء” يقول فريدريش كريستيان دليوس الجملة الأخيرة بينما نحتسي البيرة، ونحاول الحصول على بعض الدفء من شمس برلين.

140828132531-02-world-war-ii-0828-horizontal-large-gallery

أشرت لرجل أسمر لا يمكن أن تخطئ العين جمجته المصرية الجميلة، خصوصاً وهو يضع على جاكيت البدلة دبوسا بعلم مصر وصورة الرئيس عبدالفتاح السيسي، أقول لدليوس: “انظر مثلاً لهذا الرجل، عليه حكم بعامين، لكنه يسافر ويركب الطائرات مع من هم منوط بهم تنفيذ القانون ويسير سعيداً مثلاً، دون أي احترام لأحكام القضاء، كم أتمنى لو أصبح جميع البشر مثله، يأخذون هذه الأشياء حول العدالة وغيرها بجدية أقل.”

خلعنا أحذيتنا ثم جواربنا وتركنا أصابع أقدامنا تتعرض للشمس وتداعب الحشائش الأخضر في حديقة البيرة حيث نجلس، ثم حكى لى فريدريش قصة تقشعر لها الأبدان تكشف وتوضح فساد مؤسسة القضاء في ألمانيا التي رغم هذا التاريخ والواقع الذي لا يمكن نكرانه يتطاولون على قضاء الشرفاء والشمخاء.

بطل حكاياتنا كان يدعي (ر) لن نذكر الاسم بالكامل حتى لا نتهم بإهانة القضاء الألمانى. لكنه كان قاضياً في ثلاثينيات القرن الماضي في ألمانيا، تحت ظل الصليب المعقوف لنسر الحزب النازى حكم (ر) من على منصة القضاء. وحينما صعد هتلر إلى الحكم، لم يعد هناك برلمان ولا انتخابات، وبدأت عمليات تهجير وإبادة واسعة لا للإسلامين أو الإرهابيين بل اليهود ثم كل الأعراق والجنسيات التي كان يمكن أن تقف في وجه حلم هتلر، ألمانيا قد الدنيا، فوق الجميع.

القاضي (ر) وظف العدالة لخدمة وطنه وقائد وطنه، وكان ظالماً مجرماً حقيقياً. وقت الحرب أسس هتلر ما سيعرف بعد ذلك بمحاكم الشعب، وهى محاكم استثنائية جرى إنشاؤها لإنزال العقاب بالخصوم السياسيين والمواطنين الأبرياء الذين لا يحبون القائد أو ألمانيا بالقدر الكافي وجميع من تبدو عليه إمارات الاختلاف. كان (ر) أكفأ القضاة، بعض القضايا كان يصدر أحكاماً بالإعدام فيها من الجلسة الأولى، في إحدى السنوات بلغت أحكام الإعدام التي أصدرها مُنفرداً ونفذت أكثر من 250 حكما. كان هذا رقما قياسيا استثنائيا وقتها، لكن الحمد لله تم كسره الآن بالريادة المصرية. لثلاث سنوات متتالية كرمه هتلر في عيد العدالة السنوي وحصل على المقصلة الذهبية.

الفقيد السفاح مجرم التاريخ هتلر كان له فضيلة الصراحة والاتساق مع كونه مجرماً، لذا فقضاته المفضلون كان يجمعهم في احتفال مهيب لتكريم أفضل القضاة، وفي زمن هتلر كما في أزمنة أكثر سواداً ستأتى بعد ذلك، كان هتلر يختار أفضل القضاة بناء على مقدار أحكام الإعدام التي يصدرونها. أكثر قاض كان يحكم بالإعدام على مدار العام يحصل على مقصلة ذهبية صغيرة، القاضية التالية مقصلة فضية، والثالثة برونزية، ثم الباقون شهادات ادخار وميدالية على الأرجح.

هزم نظام هتلر، وسحقت ألماينا. حوكم من ظل حياً من مجرمى الحزب النازي ومن العسكريين الألمان الذين شاركوا في عمليات القتل والإبادة الجماعية. قسمت ألمانيا إلي شطرين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. كان (ر) قاضياً في ألمانيا الغربية. لم يعزل من عمله، لم يحاكم. فأوامر القتل التي أصدرها في هيئة أحكام لم ينظر لها أبداً كجرائم. لأن القضاة لا يقتلون، أو يرتكبون الأخطاء.

أعدم (ر) مئات المواطنين الألمان منهم أفراد كانت جريمتهم مساعدة المضطهدين وتهريبهم خارج الأراضي الألمانية. أهالى الضحايا لم ينسوا أبداً. بعد قيام دولة ألمانيا الغربية بدستور رفع شعارات الليبرالية والعدالة وحرية التعبير والرأى وإلى آخره. حاول أهالى الضحايا محاكمة القاضي (ر) بتهمة قتل أبنائهم، لكن حصانته القضائية حمته من المساءلة القضائية.

دليوس حكي كيف ظلت أرملة أحد ضحايا القاضي المجرم (ر) تراقب صعوده داخل بنية الجهاز القضائي، حتى أصبح قاضياً للمحكمة الدستورية في ألمانيا الغربية، وبعدما وصل لمرحلة المعاش وفقد حصانتها لقضائية تشجعت الأرملة ورفعت قضية ضده. لكن من فحص القضية ومن كان واجبهم التحقيق في جرائم (ر) ومحاسبته كانوا تلامذته من قضاة ومستشارين من عينهم من عائلته وعائلات أصدقاء وأبناء أصدقائه القضاة المجرمين. بالتالى رفضوا القضية، بل حاكموا الأرملة، وحولوا حياتها لجحيم.

في السبعينيات جاء جيل ألمانى جديد لم يحتمل ركام الأكاذيب هذا كله، أتى انفجاره في هيئة مجموعات إرهابية يساريه، سرقوا البنوك، خطفوا الطائرات، قتلوا المدنيين والعسكريين والقضاة. حينما أعلن خبر خروج القاضي (ر) إلي المعاش على الراديو، كان هناك طالب جامعى عاش وسط ضحايا جرائم القتل التي ارتكبها (ر). حينما وصله الخبر، استولت عليه رغبة واحدة فقط لتحقيق العدالة الغائبة أن يقتل (ر). للعدالة طرق أخري تتحقق بها خارج منصة القضاء.

hitler-hulton-getty2

آفاق الثقافة ومهمة الفن في الستينات: ‏ صناعة مصري المستقبل

كتتويج لإنجازات وتجربة واحد من أبناء ثورة ونظام يوليو الفنانين والمبدعين، خصصت وزارة الثقافة المصرية هيئة كاملة بعنوان فخيم هو “مركز الفيلم التجريبي” ليرأسه المخرج والفنان ومصمم الديكورات شادى عبد السلام.

رأس شادى عبد السلام مركز الفيلم التجريبي لمدة خمس سنوات بدأت منذ 1970، وخلال هذه المدة أنتج المركز أكثر من فيلم معظمها كانت من إخراج شادى عبد السلام ذاته. أي أن شادى كان يستغل منصبه في الوزارة لينتج أفلام يخرجها هو. في بعض النظم والمعايير القانونية يعتبر هذا الأمر شبهه أو دلالة على الفساد الإداري، لكن في المعايير المصرية يعتبر تقدير من جانب الدولة لواحد من فنانيها الذي نجحوا في انتزاع الاعتراف العالمى وفي تمثيل مصر بخير الصور والأشكال في المحافل الثقافية الدولية.

ولد شادى في 15 مارس 1930 بالإسكندرية، وتلقي تعليمه بين لندن والقاهرة والإسكندرية من المسرح حتى العمارة بكلية الفنون الجميلة. ليلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1956. وهى السنة التي كان فخوراً بشدة بيها وتحدث عنها في أكثر من سياق، ومثلت فرصة لابن البرجوازية المصرية بالالتقاء بفئات وطبقات مختلفة من الشعب المصري. شهدت هذا السنة أيضاً تألق المشروع الناصري، وإعلان انتصاره الذهبي وقدرته على تحدي عدوان من ثلاث دول بعدما أعلن عبد الناصر تأمين قناة السويس. نجيب محفوظ واحد من أقل المتحمسين لنظام عبد الناصر وصف إحساسه عام 1956 بعد انسحاب الدول المعتدية على مصر قائلاً: “شعرت أننا دولة عظمي”.

بدأت مسيرة شادى الفنية بعد ذلك بتصميم الملابس والرقصات، كانت البداية مع تصميم لبدلة رقص أعده لتحية كاريوكا، ثم عمل كمصمم للمناظر مع قائمة طويلة من المخرجين تبدأ من صلاح أبو سيف وحتى جوزيف مانكيفيتش في الفيلم الأمريكي “كليوبترا”، وروبرتو روسيلينى في فيلمه التسجيلي عن الحضارة القديمة (1967).

بينما يشق شادى مسار رحلته الخاصة، كانت الدولة في مصر تأمم المجال الفني بشكل كلى، ويشمل هذا تأميم شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة، وتأميم شركات التوزيع. بمعنى أن أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض أصبحت كلها في يد الدولة. أنشئت الدولة الجمهورية أيضاً “وزارة الثقافة والإرشاد القومى” التي تحولت بعد ذلك لتصبح “وزارة الثقافة” حيث غاب الإرشاد والتوجيه من الاسم لكنه حضر في أفعال وبرامج الوزارة.

داخل هذه البيئة طور شادى مشروعه الفني، الذي جاء ملتصقاً بالهوية الجماعية المصرية وامتداداً للسياسية الثقافية ومفاهيم التنوير السائدة في ذلك الزمن. اهتمام شادى بالملابس والديكورات وغيره من أشكال التعبير البصري جعله يدرك أن الملابس والديكورات ليست أشكال جمالية، بل تعبير عن تصورات عن الهوية وأفكار وقيم اجتماعية تشكل حياة الناس وعلى أساسها تشكل ملابسهم والبيوت التي يعيشون فيها.

في مقدمة الفيلم التسجيلي “الفرعون الأخير” والذي يوثق لتجربة شادى عبد السلام يقول شادى: ” منذ أن بدأت أعمل وأنا أعتقد أن لى قضية، قضيتى هي التاريخ الغائب أو المفقود الناس الذي نراهم في الشوارع والبيوت، في الحقول والمصانع، لهم تاريخ. هؤلاء الناس أغنوا الإنسانية، كيف نعيدهم للدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟ لا بد أولاً أن يعرفون من هم؟ وماذا كانوا؟ وماذا قدموا؟ لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان الغد…هذه هي قضيتى”.

  صورت ثورة يوليو نفسها، كعودة للوعى الغائب. فالثورة أتت بجمال عبد الناصر، أو رئيس مصري لمصر، كما كانت تتفاخر دعاية نظام يوليو بذلك. وفي سياق هذه البروبجندا فقد نهضت وزارة الثقافة والمثقفين العاملين فيها بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية، وجعلوا من أنفسهم كما يعلق بدر الديب في روايته إجازة تفرغ حراس على الهوية والفلكلور. في روايته البديعة التي تتناول قصة نحات يقرر اعتزال العمل الفني نهاية الستينات لعدم قدرته على الاندماج مع المؤسسات القائمة الفنية والثقافية حتى تنتهى عزلته بانتحار أمام البحر مع مقطوعتها النحتية التي عمل على إنجازها في عزلته، يقدم بدر الديب فكرة دالة على طبيعة الأدوار المنوط بها الجماعة الفنية والثقافية في هذه المرحلة قائلاً:

أنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقي ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القري أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سري وبعضها احصائي وبعضها يستحيل إلي مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.

ومنتقداً استنباط صور محددة الأطر عن الهوية من خلال حياة الناس ثم محاولة فرض تلك التصورات عليهم قائلاً: “لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروي الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهاراً أخري مهما فعلت. قد تعلم الناس أن يرقصوا كالقرود فإذا سحبت الطبلة والموزة عادوا إلي لعبهم الخاص الذي لا تستطيع أن تمسك به أو تتحكم فيه.” فهو يحددون ما هو الفلكلور المصري وما هي الهوية المصرية، وينقون هذا الفلكلور من فطريته أو مل يتعارض مع القيم التقدمية التي يروجون له، ثم يجعلون من أنفسهم حراساً على هذا الفلكلور.

فيلم آفاق لشادى عبد السلام، والذي يثمل توثيق لأنشطة وبرامج وزارة الثقافة، هو في جوهرة جزء من هذه البروبجندا الدعائية. ويمكن اعتباره بمثابة المشهد الختامي حيث بداية من السبعينات في عهد السادات ستشهد وزارة الثقافة تقلصات في ميزانيتها، وتحول في سياساتها التنويرية.

لذا فالفيلم يمكن اعتباره رؤية أحد كهنة التنوير والهوية المصرية شادى عبد السلام في 38 دقيقة من البروبجندا لجهاز الدولة الثقافي وآفاقه. يمكن الحديث في مقال آخر حول جوانب الصنعة والمهارة الفنية في الإخراج والتنفيذ وهذا التكلف المعتاد لدى شادى حتى وهو يصنع فيلماً “تسجيلياً”. لكن ما يهتم به هذه المقال هو الأفكار والقيم التي يروج لها الفيلم عن الهوية الثقافية المصرية، وكيف يعكسها في تيمات بصرية تحتشد في كل كادر من كادرات فيلم آفاق شادي. إلي جانب شهادات بعض الفنانين الذين يظهرون في الفيلم وطبيعة علاقتهم بشادي، والتي تكشف عن سيادة أنماط من الشللية والأخوية تقود عملية إنتاج مثل هذه الأفلام، وتعطينا لمحة عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية، والمسافة بين ذلك والقيم التي تحاول تقديمها والترويج لها.

المصري  يرتدى البدلة ويعزف الموسيقي السيمفونية

يفتتح شادى فيلمه على كادر لأوركسترا القاهرة السيمفونى بقيادة يوسف السيسي يتسع مع تصاعد إيقاع افتتاحية كارمينا بورانا لكارل أورف (Carl Orff). للأوبرا والموسيقي السيمفونى مكانة خاصة في الوعى المصري. دخلت الموسيقي السيمفونية الغربية مصر في القرن التاسع عشر، كأحد الفنون الغربية المفضلة للأسرة العلوية الحاكمة والنخبة الأجنبية البرجوازية في مصر. أثناء الاعداد لاحتفالات افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل الموسيقار الإيطالي فريدي بتأليف أوبرا عايدة لعرضها في حفل الافتتاح، لكن عملية تصميم الملابس والديكورات تأخرت –سيصبح التأخير صفة ملازمة لعمليات الإنتاج الفني والثقافي في مصر بعد ذلك–مما أضطر القائمين إلي الاستعانة بفرقة إيطاليا أخيرة لتقديم أوبرا ريجوليتو. وحينما كون نجم العهد الملكى في أفوله الأخير، سيكون حريق القاهرة والأوبرا الخديوية عام 1971هو تلويحة الوداع لحقبة كاملة. لكن شغف السلطة الحاكمة بالفنون الأوبراية المختلفة سيستمر حتى مع العهد الجمهوري. في 1963 وبكلمات صلاح جاهين شاعر النظام الأولى سيغنى عبد الحليم نجم الثورة ملخصاً البرنامج الثقافي لثورة يوليو “تماثيل رخام على الترعة، وأوبرا.. في كل قرية عربية”.

الأوبرا ليست للبرجوازية بل للجميع للفلاحين في القري، والنجوع. ولهذا حينما يفتتح شادي فيلم عن أنشطة وزارة الثقافة بمشهد للأوركسترا فكأنه يقدم إجابة بالصورة على حلم جاهين وعبد الحليم من عشر سنوات. وهو حلم في قلبه يحمل قدر من الندية في تصور مثقف الجمهورية عن ذاته كمثقف قادر على تذوق فنون الغرب الاستعماري، وأثبات مساواته أمام أصحاب الدم الأزرق الملكي في قدرته على تذوق الفنون الأوبراية وإنتاجها.

المصري فلاح يعيش في بيئة يعرف مقاييسها وأسرارها كهنة العمارة المصرية

المشهد التالي رمسيس ويصا واصف (1911- 1974) يتحرك داخل مدرسة الحرانية للنسيج. ويصا معماري مصري حصل على دبلوم الفنون من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، وشكل مع حسن فتحى مدرسة للعمارة المصرية اعتمدت على توظيف تقنيات البناء التقليدي، وعلى خطوط ما يعتبره معبراً عن الهوية المصرية. في الفيلم تستعرض كاميرا شادى عبد السلام بيوت كلها منحنيات مهندسة بدقة بالغة تحاول في يأس محاكاة الفطرية التلقائية في بيوت الفلاحين. ينعكس هذا على الخزف الذي يتراص في فراغات الجدران في مبانى مدرسة الحرانية.

أسس رمسيس ويصا، مدرسة الحرانية للحفاظ على صناعة النسيج اليدوى في مقابل زحف الماكينات الحديثة على الصناعة. دافعت النخبة الثقافية عن توجهات فنية ومعمارية كتوجهات ويصا وحسن فتحي لأسباب منبعها الأساسي الحفاظ على ما يعتبرونها ممثلاً للهوية المصرية. وهو ببساطة ما يتجسد في مشروع ويصا من خلق لبيئة مصنعة كنموذج محاكاة مثالي لما يتصورونه عن الريف، وتنمية احاسيس طبقية وقومية، وعكس هذه التصورات في منتجات صناعية تحمل هذه الرسائل وتحمل صفة الفن لمجرد كونها منتجها ضمن هذه المحاكاة. الفلاحون يجدون أنفسهم في قبضة مهندسين يريدون منهم أن يعملوا بأيديهم دفاعاً عن الصناعات التقليدية، لكن ما ينتجونها لن يتم عرضه والتعامل معه كمنتجات صناعية، بل كأعمال فنية سيروج لها المهندسون مضيفين عليها المزيد من الصفات تجعلها مؤهلة للعرض في الجاليرهات الفنية كنسخة لا يمكن تقليديها أو تكرارها بالتالي سيتم اعتباره فن مكانه الجاليري.

في أماكن كمدرسة الحرانية، كان يتم سلخ الحرف والصناعات الشعبية عن بيئتها، وتجميدها لإعادة إنتاجها تحت إشراف مهندسين وأوصياء كرمسيس ويصا ثم تصوير تلك العملية لإنتاج منتج ثالث كفيلم شادي هنا.

ما الذي يفعله محمد صبحي هنا؟ أنه صديق المخرج

مثل كل مؤسسات الدولة في هذا الوقت كانت المؤسسات الثقافية تمارس عملها بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية، ونظام المحاسبة الأساسي المتبع هو القائم على الرضا الأمني وعدم الانحراف عن الخطوط العام للسياسية الثقافة للدولة. وفي مثل هذا المناخ تتغلغل شبكات العلاقات الشخصية لعلاقات العمل، ويختفي الحد الفاصل بين تضارب المصالح. فمحمد صبحي الممثل والذي كان وقتها ممثلاً شاباً أعجب به شادى ورشحه لدور في فيلمه الذي لم ينفذ اخناتون. في شهادة لمحمد صبحى عن شادى عبد السلام قال أنه دعاه للتمثيل والظهور في فيلم آفاق لأنه علم أن صبحي على وشك الخطوبة فقرر أن يصور معه في الفيلم حتي تكون وسيلة ليمنحه أجر يساعده في اتمام خطبته.

أن مثل هذه الممارسات ليست من قبيل شبهات الفساد فقط، بل تعطينى فكرة عن الحالة البراجماتية التي تعامل بها شادى مع الفيلم، والمحاذير التي بدا واضحاً انه خضع له. ففي ذات الشهادة يقول محمد صبحي بأن شادى كان يحاول في البداية التملص من اخراج الفيلم، لأن فكرة أن ينتج فيلم بالأمر المباشر وليس نابعاً من رغبته لم تكن تروق له. لكنه تراجع بعد ذلك وأنتج الفيلم. في ذات الشهادة أيضاً يقول صبحي بأن شادى قام بتصوير مبنى الأوبرا بعد حرقه وأنه أراد أن يظهر فيلم آفاق الأوبرا التي يفتتح بها الفيلم في البداية بكامل جمالها وعملها، وأن يظهرها بعد الحريق لكن لأسباب رقابية لم يتمكن من وضع الجزء الذي صور فيه الأوبرا بعد احتراقها. فالأمر بالطبع لا يتماش مع فيلم عن البروبجندا الثقافية كما طلب من شادى.

الفنان روح هائمة تطل على العالم من مشربية عربية

شهدت فترة الستينات تغييرات جذرية في سوق الفن التشكيلي، فالتأميم وهجرة الأجانب من مصر أثرت على القدرات الاستهلاكية للطبقة البرجوازية المصرية، وتضاءل وجود الجاليرهات الخاصة التي تبيع الأعمال الفنية. وتأميم الدولة لذلك المجال شمل تأسيس قطاع الفنون التشكيلية، كجهة مشرفة على المتاحف الفنية، وإقامة المعارض، ورعاية الفنانين. أحد أدوات الوزارة في المجال الفني كانت منح التفرخ ومنح الإقامة. جري تخصيص عدد من المساحات والمبانى الأثرية كاستديوهات لبعض الفنانين. يظهر منهم في الفيلم، عز الدين نجيب، حامد ندا، عبد الوهاب مرسي، محمد نبيل، وآدم حنين. يبدو التجريد عنصر مشترك في معظم اللوحات التي تعرض في الفيلم لهؤلاء الفنانين. وهم يقيمون في قصر المسافر خانة (احترق بالكامل في عهد فاروق حسنى عام 1998).

في الجزء الأول من الفيلم يظهر حسن سليمان في مرسمه الخاص. المكان هو الأقل تنظيماً والأكثر تلقائية في كل الأماكن التي تظهر في الفيلم. يظهر في الكادر أرفف مكدسة بالكتب، وأشكال مختلفة من براد الشاي، مستنسخات للوحات عالمية، ولوحة تبرز فيها كتلتين واحدة قد تبدو ككتاب والآخري كوب. حسن سلمان يظهر في الكادر يرتدى الروب “دى شامبر”. مرتاحاً فيما يبدو كمنزلة، يتناول لعب ورقية كالأرجوز يحركها بيده بينما تحلق فوقه مراكب تحمل علم مصر.

يختتم الفيلم بقطع نحتيه لآدم حنين تنتصب في الصحراء، وآخر قطعة نراها منحوتة لجسد يظلل عينيه بيديه، يد كأنها تغطي العين اليسري واليد الأخيرة تصنع حجاب فوق كلتا العينين، ثم نشاهد طاقم العمل ينصرف باتجاه أتوبيس الإنتاج وظهره للكاميرا. ينصرف أتوبيس الإنتاج ويظل الكادر مفتوح على الصحراء حتى “تيتر” النهاية.

وسط ركام الإشارات وثقل البروبجندا الواضح في معظم كادرات الفيلم، إلا أن مشهد حسن سليمان والنهاية المفتوحة على تماثيل آدم حنين يبدوان كخروج مقصود عن مسار النوتة المرسومة للفيلم. مساحة خافتة يمنحها شادى لأصوات منحازة لعوالمها الخاصة وصوتها المنفرد. وسط ثقل الدولة وظل برنامجها الدعائي الجاثم على عناصر الفيلم. لكن الآمر ليس فقط أن شادى وغيره من الفنانين كانوا مضطرين للعمل في هذه البيئة. بل إن في حالة شادة كان هناك إيمان صادق بهذا المشروع، بقدرة الفن على حل أزمة هوية مجتمع كامل بل وكما يقول شادى أن “يصل بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر لنقدم إنسان الغد”. يمكن لشادى أو أي فنان أن يتصور ما يشاء عن قدرات فنه والغاية مما يقوم به. لكن شادى ظل مؤمناً بأن مهمة تقديم إنسان المستقبل منوط بها مؤسسات إنتاج الخطاب القومى والدولتى. هي ذاتها الدولة التي رفضت تمويل مشروع فيلمه الأخير الذي مات يحلم به اخناتون. وظل هو وفياً للعهد ولأفكاره رافضاً كل العروض الأجنبية التي قدمت  لإنتاج الفيلم، لأنه أراد للفيلم أن يكون مصرياً خالصاً وصك المصرية هنا تحمله الدولة المنوط بها الوصل بين إنسان الماضى وإنسان الحاضر.

كتتويج لإنجازات وتجربة واحد من أبناء ثورة ونظام يوليو الفنانين والمبدعين، خصصت وزارة الثقافة المصرية هيئة كاملة بعنوان فخيم هو “مركز الفيلم التجريبي” ليرأسه المخرج والفنان ومصمم الديكورات شادى عبد السلام.

رأس شادى عبد السلام مركز الفيلم التجريبي لمدة خمس سنوات بدأت منذ 1970، وخلال هذه المدة أنتج المركز أكثر من فيلم معظمها كانت من إخراج شادى عبد السلام ذاته. أي أن شادى كان يستغل منصبه في الوزارة لينتج أفلام يخرجها هو. في بعض النظم والمعايير القانونية يعتبر هذا الأمر شبهه أو دلالة على الفساد الإداري، لكن في المعايير المصرية يعتبر تقدير من جانب الدولة لواحد من فنانيها الذي نجحوا في انتزاع الاعتراف العالمى وفي تمثيل مصر بخير الصور والأشكال في المحافل الثقافية الدولية.

ولد شادى في 15 مارس 1930 بالإسكندرية، وتلقي تعليمه بين لندن والقاهرة والإسكندرية من المسرح حتى العمارة بكلية الفنون الجميلة. ليلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1956. وهى السنة التي كان فخوراً بشدة بيها وتحدث عنها في أكثر من سياق، ومثلت فرصة لابن البرجوازية المصرية بالالتقاء بفئات وطبقات مختلفة من الشعب المصري. شهدت هذا السنة أيضاً تألق المشروع الناصري، وإعلان انتصاره الذهبي وقدرته على تحدي عدوان من ثلاث دول بعدما أعلن عبد الناصر تأمين قناة السويس. نجيب محفوظ واحد من أقل المتحمسين لنظام عبد الناصر وصف إحساسه عام 1956 بعد انسحاب الدول المعتدية على مصر قائلاً: “شعرت أننا دولة عظمي”.

بدأت مسيرة شادى الفنية بعد ذلك بتصميم الملابس والرقصات، كانت البداية مع تصميم لبدلة رقص أعده لتحية كاريوكا، ثم عمل كمصمم للمناظر مع قائمة طويلة من المخرجين تبدأ من صلاح أبو سيف وحتى جوزيف مانكيفيتش في الفيلم الأمريكي “كليوبترا”، وروبرتو روسيلينى في فيلمه التسجيلي عن الحضارة القديمة (1967).

بينما يشق شادى مسار رحلته الخاصة، كانت الدولة في مصر تأمم المجال الفني بشكل كلى، ويشمل هذا تأميم شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة، وتأميم شركات التوزيع. بمعنى أن أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض أصبحت كلها في يد الدولة. أنشئت الدولة الجمهورية أيضاً “وزارة الثقافة والإرشاد القومى” التي تحولت بعد ذلك لتصبح “وزارة الثقافة” حيث غاب الإرشاد والتوجيه من الاسم لكنه حضر في أفعال وبرامج الوزارة.

داخل هذه البيئة طور شادى مشروعه الفني، الذي جاء ملتصقاً بالهوية الجماعية المصرية وامتداداً للسياسية الثقافية ومفاهيم التنوير السائدة في ذلك الزمن. اهتمام شادى بالملابس والديكورات وغيره من أشكال التعبير البصري جعله يدرك أن الملابس والديكورات ليست أشكال جمالية، بل تعبير عن تصورات عن الهوية وأفكار وقيم اجتماعية تشكل حياة الناس وعلى أساسها تشكل ملابسهم والبيوت التي يعيشون فيها.

في مقدمة الفيلم التسجيلي “الفرعون الأخير” والذي يوثق لتجربة شادى عبد السلام يقول شادى: ” منذ أن بدأت أعمل وأنا أعتقد أن لى قضية، قضيتى هي التاريخ الغائب أو المفقود الناس الذي نراهم في الشوارع والبيوت، في الحقول والمصانع، لهم تاريخ. هؤلاء الناس أغنوا الإنسانية، كيف نعيدهم للدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟ لا بد أولاً أن يعرفون من هم؟ وماذا كانوا؟ وماذا قدموا؟ لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان الغد…هذه هي قضيتى”.

  صورت ثورة يوليو نفسها، كعودة للوعى الغائب. فالثورة أتت بجمال عبد الناصر، أو رئيس مصري لمصر، كما كانت تتفاخر دعاية نظام يوليو بذلك. وفي سياق هذه البروبجندا فقد نهضت وزارة الثقافة والمثقفين العاملين فيها بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية، وجعلوا من أنفسهم كما يعلق بدر الديب في روايته إجازة تفرغ حراس على الهوية والفلكلور. في روايته البديعة التي تتناول قصة نحات يقرر اعتزال العمل الفني نهاية الستينات لعدم قدرته على الاندماج مع المؤسسات القائمة الفنية والثقافية حتى تنتهى عزلته بانتحار أمام البحر مع مقطوعتها النحتية التي عمل على إنجازها في عزلته، يقدم بدر الديب فكرة دالة على طبيعة الأدوار المنوط بها الجماعة الفنية والثقافية في هذه المرحلة قائلاً:

أنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقي ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القري أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سري وبعضها احصائي وبعضها يستحيل إلي مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.

ومنتقداً استنباط صور محددة الأطر عن الهوية من خلال حياة الناس ثم محاولة فرض تلك التصورات عليهم قائلاً: “لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروي الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهاراً أخري مهما فعلت. قد تعلم الناس أن يرقصوا كالقرود فإذا سحبت الطبلة والموزة عادوا إلي لعبهم الخاص الذي لا تستطيع أن تمسك به أو تتحكم فيه.” فهو يحددون ما هو الفلكلور المصري وما هي الهوية المصرية، وينقون هذا الفلكلور من فطريته أو مل يتعارض مع القيم التقدمية التي يروجون له، ثم يجعلون من أنفسهم حراساً على هذا الفلكلور.

فيلم آفاق لشادى عبد السلام، والذي يثمل توثيق لأنشطة وبرامج وزارة الثقافة، هو في جوهرة جزء من هذه البروبجندا الدعائية. ويمكن اعتباره بمثابة المشهد الختامي حيث بداية من السبعينات في عهد السادات ستشهد وزارة الثقافة تقلصات في ميزانيتها، وتحول في سياساتها التنويرية.

لذا فالفيلم يمكن اعتباره رؤية أحد كهنة التنوير والهوية المصرية شادى عبد السلام في 38 دقيقة من البروبجندا لجهاز الدولة الثقافي وآفاقه. يمكن الحديث في مقال آخر حول جوانب الصنعة والمهارة الفنية في الإخراج والتنفيذ وهذا التكلف المعتاد لدى شادى حتى وهو يصنع فيلماً “تسجيلياً”. لكن ما يهتم به هذه المقال هو الأفكار والقيم التي يروج لها الفيلم عن الهوية الثقافية المصرية، وكيف يعكسها في تيمات بصرية تحتشد في كل كادر من كادرات فيلم آفاق شادي. إلي جانب شهادات بعض الفنانين الذين يظهرون في الفيلم وطبيعة علاقتهم بشادي، والتي تكشف عن سيادة أنماط من الشللية والأخوية تقود عملية إنتاج مثل هذه الأفلام، وتعطينا لمحة عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية، والمسافة بين ذلك والقيم التي تحاول تقديمها والترويج لها.

المصري  يرتدى البدلة ويعزف الموسيقي السيمفونية

يفتتح شادى فيلمه على كادر لأوركسترا القاهرة السيمفونى بقيادة يوسف السيسي يتسع مع تصاعد إيقاع افتتاحية كارمينا بورانا لكارل أورف (Carl Orff). للأوبرا والموسيقي السيمفونى مكانة خاصة في الوعى المصري. دخلت الموسيقي السيمفونية الغربية مصر في القرن التاسع عشر، كأحد الفنون الغربية المفضلة للأسرة العلوية الحاكمة والنخبة الأجنبية البرجوازية في مصر. أثناء الاعداد لاحتفالات افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل الموسيقار الإيطالي فريدي بتأليف أوبرا عايدة لعرضها في حفل الافتتاح، لكن عملية تصميم الملابس والديكورات تأخرت –سيصبح التأخير صفة ملازمة لعمليات الإنتاج الفني والثقافي في مصر بعد ذلك–مما أضطر القائمين إلي الاستعانة بفرقة إيطاليا أخيرة لتقديم أوبرا ريجوليتو. وحينما كون نجم العهد الملكى في أفوله الأخير، سيكون حريق القاهرة والأوبرا الخديوية عام 1971هو تلويحة الوداع لحقبة كاملة. لكن شغف السلطة الحاكمة بالفنون الأوبراية المختلفة سيستمر حتى مع العهد الجمهوري. في 1963 وبكلمات صلاح جاهين شاعر النظام الأولى سيغنى عبد الحليم نجم الثورة ملخصاً البرنامج الثقافي لثورة يوليو “تماثيل رخام على الترعة، وأوبرا.. في كل قرية عربية”.

الأوبرا ليست للبرجوازية بل للجميع للفلاحين في القري، والنجوع. ولهذا حينما يفتتح شادي فيلم عن أنشطة وزارة الثقافة بمشهد للأوركسترا فكأنه يقدم إجابة بالصورة على حلم جاهين وعبد الحليم من عشر سنوات. وهو حلم في قلبه يحمل قدر من الندية في تصور مثقف الجمهورية عن ذاته كمثقف قادر على تذوق فنون الغرب الاستعماري، وأثبات مساواته أمام أصحاب الدم الأزرق الملكي في قدرته على تذوق الفنون الأوبراية وإنتاجها.

المصري فلاح يعيش في بيئة يعرف مقاييسها وأسرارها كهنة العمارة المصرية

المشهد التالي رمسيس ويصا واصف (1911- 1974) يتحرك داخل مدرسة الحرانية للنسيج. ويصا معماري مصري حصل على دبلوم الفنون من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، وشكل مع حسن فتحى مدرسة للعمارة المصرية اعتمدت على توظيف تقنيات البناء التقليدي، وعلى خطوط ما يعتبره معبراً عن الهوية المصرية. في الفيلم تستعرض كاميرا شادى عبد السلام بيوت كلها منحنيات مهندسة بدقة بالغة تحاول في يأس محاكاة الفطرية التلقائية في بيوت الفلاحين. ينعكس هذا على الخزف الذي يتراص في فراغات الجدران في مبانى مدرسة الحرانية.

أسس رمسيس ويصا، مدرسة الحرانية للحفاظ على صناعة النسيج اليدوى في مقابل زحف الماكينات الحديثة على الصناعة. دافعت النخبة الثقافية عن توجهات فنية ومعمارية كتوجهات ويصا وحسن فتحي لأسباب منبعها الأساسي الحفاظ على ما يعتبرونها ممثلاً للهوية المصرية. وهو ببساطة ما يتجسد في مشروع ويصا من خلق لبيئة مصنعة كنموذج محاكاة مثالي لما يتصورونه عن الريف، وتنمية احاسيس طبقية وقومية، وعكس هذه التصورات في منتجات صناعية تحمل هذه الرسائل وتحمل صفة الفن لمجرد كونها منتجها ضمن هذه المحاكاة. الفلاحون يجدون أنفسهم في قبضة مهندسين يريدون منهم أن يعملوا بأيديهم دفاعاً عن الصناعات التقليدية، لكن ما ينتجونها لن يتم عرضه والتعامل معه كمنتجات صناعية، بل كأعمال فنية سيروج لها المهندسون مضيفين عليها المزيد من الصفات تجعلها مؤهلة للعرض في الجاليرهات الفنية كنسخة لا يمكن تقليديها أو تكرارها بالتالي سيتم اعتباره فن مكانه الجاليري.

في أماكن كمدرسة الحرانية، كان يتم سلخ الحرف والصناعات الشعبية عن بيئتها، وتجميدها لإعادة إنتاجها تحت إشراف مهندسين وأوصياء كرمسيس ويصا ثم تصوير تلك العملية لإنتاج منتج ثالث كفيلم شادي هنا.

ما الذي يفعله محمد صبحي هنا؟ أنه صديق المخرج

مثل كل مؤسسات الدولة في هذا الوقت كانت المؤسسات الثقافية تمارس عملها بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية، ونظام المحاسبة الأساسي المتبع هو القائم على الرضا الأمني وعدم الانحراف عن الخطوط العام للسياسية الثقافة للدولة. وفي مثل هذا المناخ تتغلغل شبكات العلاقات الشخصية لعلاقات العمل، ويختفي الحد الفاصل بين تضارب المصالح. فمحمد صبحي الممثل والذي كان وقتها ممثلاً شاباً أعجب به شادى ورشحه لدور في فيلمه الذي لم ينفذ اخناتون. في شهادة لمحمد صبحى عن شادى عبد السلام قال أنه دعاه للتمثيل والظهور في فيلم آفاق لأنه علم أن صبحي على وشك الخطوبة فقرر أن يصور معه في الفيلم حتي تكون وسيلة ليمنحه أجر يساعده في اتمام خطبته.

أن مثل هذه الممارسات ليست من قبيل شبهات الفساد فقط، بل تعطينى فكرة عن الحالة البراجماتية التي تعامل بها شادى مع الفيلم، والمحاذير التي بدا واضحاً انه خضع له. ففي ذات الشهادة يقول محمد صبحي بأن شادى كان يحاول في البداية التملص من اخراج الفيلم، لأن فكرة أن ينتج فيلم بالأمر المباشر وليس نابعاً من رغبته لم تكن تروق له. لكنه تراجع بعد ذلك وأنتج الفيلم. في ذات الشهادة أيضاً يقول صبحي بأن شادى قام بتصوير مبنى الأوبرا بعد حرقه وأنه أراد أن يظهر فيلم آفاق الأوبرا التي يفتتح بها الفيلم في البداية بكامل جمالها وعملها، وأن يظهرها بعد الحريق لكن لأسباب رقابية لم يتمكن من وضع الجزء الذي صور فيه الأوبرا بعد احتراقها. فالأمر بالطبع لا يتماش مع فيلم عن البروبجندا الثقافية كما طلب من شادى.

الفنان روح هائمة تطل على العالم من مشربية عربية

شهدت فترة الستينات تغييرات جذرية في سوق الفن التشكيلي، فالتأميم وهجرة الأجانب من مصر أثرت على القدرات الاستهلاكية للطبقة البرجوازية المصرية، وتضاءل وجود الجاليرهات الخاصة التي تبيع الأعمال الفنية. وتأميم الدولة لذلك المجال شمل تأسيس قطاع الفنون التشكيلية، كجهة مشرفة على المتاحف الفنية، وإقامة المعارض، ورعاية الفنانين. أحد أدوات الوزارة في المجال الفني كانت منح التفرخ ومنح الإقامة. جري تخصيص عدد من المساحات والمبانى الأثرية كاستديوهات لبعض الفنانين. يظهر منهم في الفيلم، عز الدين نجيب، حامد ندا، عبد الوهاب مرسي، محمد نبيل، وآدم حنين. يبدو التجريد عنصر مشترك في معظم اللوحات التي تعرض في الفيلم لهؤلاء الفنانين. وهم يقيمون في قصر المسافر خانة (احترق بالكامل في عهد فاروق حسنى عام 1998).

في الجزء الأول من الفيلم يظهر حسن سليمان في مرسمه الخاص. المكان هو الأقل تنظيماً والأكثر تلقائية في كل الأماكن التي تظهر في الفيلم. يظهر في الكادر أرفف مكدسة بالكتب، وأشكال مختلفة من براد الشاي، مستنسخات للوحات عالمية، ولوحة تبرز فيها كتلتين واحدة قد تبدو ككتاب والآخري كوب. حسن سلمان يظهر في الكادر يرتدى الروب “دى شامبر”. مرتاحاً فيما يبدو كمنزلة، يتناول لعب ورقية كالأرجوز يحركها بيده بينما تحلق فوقه مراكب تحمل علم مصر.

يختتم الفيلم بقطع نحتيه لآدم حنين تنتصب في الصحراء، وآخر قطعة نراها منحوتة لجسد يظلل عينيه بيديه، يد كأنها تغطي العين اليسري واليد الأخيرة تصنع حجاب فوق كلتا العينين، ثم نشاهد طاقم العمل ينصرف باتجاه أتوبيس الإنتاج وظهره للكاميرا. ينصرف أتوبيس الإنتاج ويظل الكادر مفتوح على الصحراء حتى “تيتر” النهاية.

وسط ركام الإشارات وثقل البروبجندا الواضح في معظم كادرات الفيلم، إلا أن مشهد حسن سليمان والنهاية المفتوحة على تماثيل آدم حنين يبدوان كخروج مقصود عن مسار النوتة المرسومة للفيلم. مساحة خافتة يمنحها شادى لأصوات منحازة لعوالمها الخاصة وصوتها المنفرد. وسط ثقل الدولة وظل برنامجها الدعائي الجاثم على عناصر الفيلم. لكن الآمر ليس فقط أن شادى وغيره من الفنانين كانوا مضطرين للعمل في هذه البيئة. بل إن في حالة شادة كان هناك إيمان صادق بهذا المشروع، بقدرة الفن على حل أزمة هوية مجتمع كامل بل وكما يقول شادى أن “يصل بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر لنقدم إنسان الغد”. يمكن لشادى أو أي فنان أن يتصور ما يشاء عن قدرات فنه والغاية مما يقوم به. لكن شادى ظل مؤمناً بأن مهمة تقديم إنسان المستقبل منوط بها مؤسسات إنتاج الخطاب القومى والدولتى. هي ذاتها الدولة التي رفضت تمويل مشروع فيلمه الأخير الذي مات يحلم به اخناتون. وظل هو وفياً للعهد ولأفكاره رافضاً كل العروض الأجنبية التي قدمت  لإنتاج الفيلم، لأنه أراد للفيلم أن يكون مصرياً خالصاً وصك المصرية هنا تحمله الدولة المنوط بها الوصل بين إنسان الماضى وإنسان الحاضر.

كيف تحررت من مصر #2025؟

نشرت في 2015 في موقع هنا صوتك

افتتحت المرحلة السابعة والنصف من العاصمة الإدارية الجديدة. في حفل أقيم على هامش تنصيب المشير حاكم البلاد إمبراطوراً للقطر المصري والاتحاد العربي وطبيباً لفلاسفة العالم وحكيم من حكماء الكرة الأرضية. كان هذا في صيف 2025، وكان صيف حار جداً مع الكثير من العنف، وأزمة تلوث ضخمة في مياه النيل، لكن مع كل هذا فقد ترسخ منذ سنوات ايمان وقناعة بأن مصر أم الدنيا. ارتاح المصريون وتوقفوا عن العمل والإنتاج إلا لسد الاحتياجات الأساسية أو الأخرام والفتحات الجسدية الزائدة. وحينما كان يسأل أجنبي مصرياً كيف كان صباحك اليوم؟ كان يرد لا شيء أيها الجاسوس أنا ابن ام الدنيا التي هي “قد” الدنيا ولست بحاجة لرفع كفلي عن الأرض طالما ظل قائدي الأعلى للقوات المسلحة في حماية خير جند الأرض.

وصلت مصر إلي مستوى من التفكك والإيغال في تصديق الأوهام والأكاذيب لم يعرف من قبل. كان الناس يموتون جوعاً ويقتلون بعضهم البعض في طوابير للحصول على أرغفة الخبز أو المحروقات ثم يظهرون في التلفزيون يتحدثون عن المؤامرة الكونية ويوجهون لعناتهم لأعداء مجهولين ويجددون الثقة في الحاكم العسكري الذي لم يعد أحد يهتم باسمه أكثر من اهتمامهم برتبته.

بنيت العاصمة الجديدة ولم تكن إلا مجمع سكنى بسور وملاعب جولف في الصحراء وحدائق يابانية وشركة حراسة خاصة تقوم بدور الشرطة، على نسق العاصمة بنيت المدن الحصينة في كل المحافظات. فهناك المنصورة الجديدة، وسوهاج الجديدة، إلي جانب الساحل وشرم الشيخ. المدن الحصينة تم تخصيصها للطبقة العليا من قيادات الجيش والشرطة والقضاء وموظفين الدولة وممثلي مصر الحقيقية التي تظهر في التلفاز. المدن الحصينة أشبه بمولات تجارية تتكون من منازل ومدارس وجامعات أجنبية ومن الطريف أن حتى المباني الحكومة في تلك الأماكن لا ترفع علم مصر. يعيش القائد الأعلى والمشير متوهماً أنه حاكم البلاد لكن الحقيقة أن ميزانية الدولة بالكامل أصبحت محملة على ميزانية المملكة العربية السعودية، وأصبحت مصر تنتظر الرضعة من الصدر الحنين في الشرق كل شهر وكل أسبوع وفي اى وقت أو أي مكان ادينى.

مع عام 2020 استقرت قواعد التقسيم مع معاهدة “كربلاء” حيث تم تقسيم المنطقة بين القوتين العظمتين الامبراطورية الفارسية الشيعية من جهة والامبراطورية العربية السنية من جهة، وألحقت مصر بالإمبراطورية السنية السعودية. الملك الشاب الذي انقلب على قواعد عائلته انفرد بالحكم وتوسع بسلطاته في المنطقة، ورأت السلطة في مصر أن الأخوة في الامارات والسعودية تجارب ناجحة يمكن الاستعانة بها فأوكلوا مهام الخصخصة وهيكلة الجهاز الإداري للجهات الحكومية الخليجية للاستعانة بتجربتها. تحت شعارات الأخوة والمحبة والشفقة على الشعب المصري الجائع تم تقديم المنح والاستشارات. وعاش قائدنا العظيم في سلام دون أن يشغل رأسه بتفاصيل الحكم والإدارة مستمتعاً فقط بفرض الضرائب وبناء الحدائق في عاصمته ووضع الكراسي المذهبه فيها.

هذا الوضع الإقليمي والعالمي انعكس بالإيجاب على حياة المواطن العادي، فقد تراجعت وتضاءلت سلطة الدولة المركزية. وأصبح البشر في الأحياء والقري ينظمون أنفسهم من أجل الحفاظ على امدادات الكهرباء والماء بدون انتظار تدخلات من الحكومة. تزايدت سلطة العائلات والقبائل في بعض المحافظات والمناطق. تحولت المدينة إلي مجمعات سكنية مسورة وغزت القبلية جميع انحاء البلاد. لم يعد هناك بحاجة لمهنتي كصحفي. تم إلغاء حرية الرأي والتعبير للحفاظ على الامن وذلك في استفتاء 2021 على الدستور. لذلك صفيت جميع ممتلكاتي الصغيرة واشتريت عربية تويوتا ربع نقل بأربعة مقاعد من تلك التي يستخدمها مهربي المخدرات وانتقلت إلي جنوب سيناء حيث عملت مع منصور في تهريب البضائع المختلفة بخليج العقبة ما بين السعودية، الأردن، إسرائيل. كنا أحياناً نقوم برحلات تهريب بحريه ممتعة حيث ننطلق من شرم الشيخ لمقابلة تجار السلاح في سفاجا ننقل السلاح من سفاجا والغردقة إلي السودان والصومال. وننقل اللاجئين من اليمن إلي أثيوبيا. ونعود فارغين او بمنوعات من بضائع حيوانية وأثرية مختلفة.

أعيش في السنوات الأخيرة أسعد أيام حياتى، متحرراً من كل الأوهام التي طالماً كبلتني عن الانتماء والوطن والمواطنة، اتنقل في بحري المفضل البحر الأحمر على الشاطئ أري مناظر وصور سعيدة وأتمتع بمطلق الحرية في فعل ما شاء وقتما أشاء. كونت مع منصور عائلة ورفاق وحافظت من خلال الانترنت على علاقاتي بأصدقاء المثقفين والكتاب. شغف بالفن لازال موجوداً وإن فقدت الايمان به.

المستقبل على طريقة السبكى

يمكن تصور المستقبل على طريقة السبكي، يصعد الآلهة الأمريكان إلي جبال الأولمب، يتخلون عن المنطقة ويقلصون من ميزانيتهم العسكرية الموجهة لهذه المنطقة. ينوعون في مصادر الطاقة ويتخلون شيئاً فشيئاً عن البترول. من خلف الأطلسي سيخلق الآلهة الأمريكان بشر أنصاف آلهه، سيمنحونهم أجزاء من طاقتهم. كأن الأله يوزع قدراته، فيجعل من هذا إله للإعلام، إله لكأس العالم ودوريات الكرة الأوروبية، إله لطائرات الأف 16، إله للارهاب، وآخر للمقاومة، وثالث للإسلام الوسطى.

هيثم الوردانى يكتب: ضمير المتكلم وسياسة اﻷدب

يقبع الكاتب “أحمد ناجي” في السجن منذ فبراير الماضي تنفيذًا لحكم بالحبس لمدة عامين بعد إدانته بتهمة “خدش الحياء العام”. وتعاقبت فصول محاكمة ناجي كما هو معروف إثر نشر جريدة أخبار الأدب القاهرية الفصل السادس من روايته “استخدام الحياة” في صيف ٢٠١٤، إذ أقام أحد القرّاء دعوى على الكاتب والجريدة بعد “إصابته بارتفاع في ضغط الدم واضطراب في نبضات القلب” من هول ما قرأ في الفصل المنشور. وقبلت النيابة الدعوى المقدَّمة، ثم شرعت في التحقيق مع الكاتب الشاب (30 عامًا) منطلقةً من أن الجزء المنشور من الرواية هو مقالة صحفية وليس عملًا إبداعيًا، ووُجهت له تهمة “خدش الحياء العام”. جاء حكم درجة التقاضي الأولى في مطلع يناير ٢٠١٦ ببراءة الكاتب لعدم توافر القصد الجنائي، أعقبه حكم محكمة الاستئناف المفاجئ في فبراير الماضي بإدانة الكاتب. ودخل ناجي السجن، في حين بقيت روايته، للمفارقة، حُرّة طليقة، تُباع على أرفف المكتبات وأرصفة بائعي الكتب.

من يتكلم؟

تأتي قضية ناجي في لحظة استثنائية وصلت فيها الخصومة السياسية في مصر إلى درجة غير مسبوقة من التوحش والفُجور. فلا يكاد يمر يوم من دون خبر اعتقال أو إخفاء قسري أو تصفية خارج إطار القانون. ومن نافل القول إن حرية الصحافة أو التعبير لا تحظى بوضع استثنائي في هذا المشهد الكئيب. لكن رغم التسيس الذي لا مفر منه في اللحظة الحالية، ورغم انخراط أحمد ناجي وجيله في نشاطات وممارسات استطاعت تغيير المشهد السياسي جذريًا على مدار العقد الماضي، رغم كل ذلك فإن قضية ناجي هي قضية أدبية في المقام الأول وليست قضية سياسية. أو على نحو أكثر دقة، قضية ناجي لا تتعلق بالسياسة بوصفها صراعًا على السلطة، وإنما بما أسماه “جاك رانسيير” سياسة الأدب. أي تلك السياسة التي ينحتها الأدب من خلال ممارساته. فالكتابة، حتى ولو لم تتناول مواضيع سياسية، أو تروج لفكرة سياسية، هي دائمًا في حالة اشتباك مع الواقع. والانحيازات الأدبية للكتابة، أي طرقها المختلفة للعمل على مادتها، من تنظيم وتوزيع وتأطير وتشتيت، هي ما تخلق سياسةً للأدب، وتتيح له التفاعل مع واقعه. قضية ناجي بهذا المعنى هي قضية لا تنتمي إلى الصراعات السياسية الحالية، أو على الأقل لا تنتمي إليها فقط، وإنما تنتمي بعمق إلى معركة الأدب القديمة، أي منذ ظهوره كشكل جديد من أشكال فن الكلام. هذه المعركة تتمثل في إصراره على تأسيس سياسة نصيّة مستقلّة والعمل من خلالها. تتقاطع هذه السياسة مع الواقع في نقاط مختلفة عن تلك التي تتقاطع معه فيها السياسة بمعناها التقليدي. وفي زمن احتقار السياسة، بل ومحاولة وأدها من قبل الجميع، يغدو من الأهمية بمكان تلمس أفق جديد للسياسة، نوع آخر من السياسة، وذلك من خلال فهم معركة الأدب وتأملها في خصوصيتها وصيرورتها، لا باعتبارها مجرد تابع لصراع سياسي راهن، من دون أن يعني ذلك بالطبع عزل تلك المعركة عن اللحظة الحالية.

ث

يمكن القول إجمالًا إن قضية ناجي بُنيت على تهمتين، إحداهما مضمرة والأخرى معلنة، التهمة المضمرة هي قيام الكاتب أحمد ناجي نفسه بالأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية في روايته، والمقصود بالأفعال هنا هي أفعالٌ من قبيل تعاطي المخدرات وممارسة الجنس. أما التهمة المعلنة فهي كتابة ونشر ألفاظ وعبارات تُعدّ خادشةً للحياء العام. التهمة الأولى كانت حاضرة بقوّة في التحقيقات الأوليّة حسب شهادة من حضرها، ثم تراجعت تدريجيًا، وهيمنت التهمة الثانية شيئًا فشيئًا على مسار القضية، لتصبح في النهاية قضية خدش حياء عام. غير أن هذا لا يقلل من الأهمية الكبرى للتهمة الأولى المضمرة، إذ إنها تنطوي على أحد أسئلة الأدب الجوهرية. فهي تحيلنا مباشرة إلى صراع خافت يعمل في قلب قضية ناجي، صراع آخر غير الصراع على حرية التعبير أو حدود الخيال، إنه الصراع على ضمير “الأنا”. هذا الصراع يدور حول سؤال: من يتكلم على لسان ضمير المتكلم؟ من هي هذه “الأنا”؟ رواية “استخدام الحياة” لمن لم يقرأها اختارت أن تسرد ما حدث لبطلها “بسّام” باستخدام ضمير المتكلم. “بسّام”، أي المتكلم، هو شاب يعيش في قاهرة المستقبل. يعمل “بسّام”، ويحب، ويمارس الجنس، ويدخل في صراعات مع آخرين في المدينة، تمامًا كما يحدث عادةً مع غيره من الشخصيات الروائية. وبعد نشر الفصل السادس من الرواية في صحيفة أخبار الأدب انفجر فجأة هذا السؤال القديم مرة أخرى في وجه الجميع: من يتحدث هنا بضمير المتكلم؟ هل هو المواطن أحمد ناجي متخفيًا وراء شخصية مختلقة؟ أم هو الشخصية المختلقة “بسّام”؟

الادعاء رأى أن ما نُشِر هو مقال، وبالتالي فهو يسجّل حقائق. هذه الحقائق تُنسَب إلى من كتب المقال، أي ناجي، وبالتالي يحق للقانون محاسبته عليها. أما دفاع الكاتب أحمد ناجي فحاجج بأن ما نُشِر ليس مقالًا صحفيًا وإنما نص ابداعي متخيل ومقتطع من رواية، يسرد أفعالًا قامت بها شخصية مختلقة تدعى “بسّام”، ومنفصلة عن شخصية كاتبها. هناك إذن طريقتان في فهم الذات تتصارعان في هذه القضية. الأولى ترى في الذات وحدة مكتملة، متوحّدة مع نفسها ومنفصلة عن أي آخر. أقوالها متسقة دومًا مع أفعالها. والثانية ترى في الذات وحدة غير مكتملة، يداخِلُها الآخر وتعتريها الشقوق. أقوالها لا تتسق دائمًا مع أفعالها.

لذلك فعندما يكتب أحمد ناجي نصًا بضمير المتكلم على لسان “بسّام”، فإن الطريقة الأولى في فهم الذات – وهي ليست قاصرة على القارئ مقيم الدعوى أو الادعاء، بل تنتشر بدرجات مختلفة بين كثير من القراء، والكتّاب أيضًا – هذه الطريقة سترى في هذا النص اعترافًا بأفعال حقيقية وقعت لناجي نفسه، لأن ذاته هي ذاتٌ مكتملة، مسؤولة عن أفعالها، وأقوالها تشير إلى أفعالها تلقائيًا بصرف النظر عن أي حِيَل كتابية. في حين سترى الطريقة الثانية أن الذات، أيّةُ ذات، هي مكان للاختلاف والغيرية، وبالتالي يمكن لناجي أو غيره أن يتحدث مستخدمًا “أنا” لا تخصه، “أنا” أخرى، لقول حقيقة لم تقع بالضرورة. لنُسمِّ الآن الأنا التي تقترحها الطريقة الأولى “الأنا القانونية”، والأنا الثانية “الأنا الأدبية”.

يعتمد القانون، بما هو إدارةٌ للحقوق والواجبات، اعتمادًا كليًّا على منظومة الذوات. عليها يضبط الحقوق والواجبات، ومن دونها لن يمكنه أن يقوم بوظيفته. الذات من وجهة نظر القانون هي شرط وقوع الفعل. فلا يوجد فعل من دون فاعل، أي من دون “أنا” يُنسب إليها هذا الفعل، سواء قامت به أو وقع عليها، وسواء اعترفت به أم لم تعترف. ولا يمكن للقانون أن يقبل بفك الارتباط بين الفعل والفاعل، أو بتعقيد مفهوم الفاعل، لإن ذلك يعني فساد منطقه. فالذات إذا لم تكن نقطة ثابتة ومحددة في الفراغ، فلن تُمكن نسبةُ الأفعال إليها، وبالتالي ستسقط المسؤولية من وجهة نظر القانون، ولن تمكن محاسبة المرء على ما فعله. الذات قانونيًا هي إذن وحدة إدارية، تقع في إطار نظام حكم سياسي واجتماعي معيّن. وتنبع مسؤوليتها القانونية من واقع ارتباطها بأفعالها بعلاقة سببية تخارجية، أي أنها سبب خارجي ومستقل عن الفعل نفسه، ومن ثمّ تمكن محاسبتها عليه. أما الأدب فمن خلال الصدع الذي يحدثه في ضمير “الأنا”، أي من خلال إتاحته الفرصة لاستعارة أو إعادة تشكيل الأنا أثناء الكتابة، فإنه يُخرج الذات من البناء القانوني المحكم، ويجعل الفعل نشاطًا لا يصدر عن فاعل يسبقه، بل عن فاعل يتشكل من خلال الفعل نفسه.

فعل الكتابة هو نشاط تقوم به ذات قيد التشكل، فالكاتب يحصل على ذلك الاسم فقط عندما يكتب وليس قبلها، وينتج ذوات أو شخصيات روائية هي أيضًا قيد التشكل. والعمل الأدبي ينبع، في إحدى مداراته، من حركة ترفض رؤية الواقع بوصفه قد اكتمل بالفعل، فالأدب يبحث دائمًا عن طرق ووسائل لإعادة فتح الواقع بعد أن بدا أنه قد تجمّد وأخذ شكلًا نهائيًا، من أجل العمل عليها وإعادة تشكيله. أين تكمن إذن المسؤولية في الأدب إذا كانت الأفعال فيه تتماهى دائمًا مع فاعلين قيد التشكل؟

في الأدب لا توجد قوانين تَفرض على الذوات واجبات أو تمنحهم حقوقًا، بل هناك ذوات تتداخل في طريق تخلقها وتشكلها. ذوات لا ترغب في البقاء على ما هي عليه، أو ما كُتب عليها أن تكونه. وهذه هي مسؤوليتها. بكلمات أخرى، المسؤولية الأدبية هي إعادة فتح الواقع من أجل جعل عملية إعادة تشكيله ممكنة. في الأدب يصعُب بالتأكيد نسبة فعلٍ ما إلى نقطة وحيدة تُدعى الذات كما يفعل القانون، لأن هذه النقطة أصبحت غيمة من ذوات متداخلة، قيد التشكل دائمًا. لكن ذلك لا يجعل المسؤولية تسقط، وإنما يجعلها تتعاظمi.

سؤال من هي هذه “الأنا” التي تتكلم هو سؤال سياسي بامتياز. فهو وثيق الصلة بسؤال إلى أيّ جماعة تتحدث هذه الأنا، وأيُّ إطار يحكم العلاقة بينهما. الذات القانونية هي ذات من الممكن حُكمها وإدارتها بيروقراطيًا. من السهل سوقها وتحريكها في حشود، ومن السهل أيضًا تفريقها وعزلها داخل أبنية القانون. فهي نقية ومتسقة مع نفسها، مسؤولة عن أفعالها. عندما تقول “أنا”، تعني ما تقوله، لأنها تعرف ما هي هذه “الأنا”. إنها مكعب صغير يقف جوار مكعبات أخرى صغيرة ليكوّن معمارًا مجردًا يسمى الجماعة، ومسؤوليتها تجاه جماعتها تنظمها حزمة من القوانين والحقوق والواجبات التي تضمن عدم تداخل هذه المكعبات. أما الذات الأدبية فإنها عندما تقول “أنا” فهي تعني شيئًا آخر غير ما تقوله. لأنها لا تعرف على وجه الدقة ما هي هذه “الأنا”. أو لأن هذه “الأنا” هي دائمًا قيد التشكل، هي طيف من ذوات متداخلة، هي جماعة صغيرة. عندما يستخدم الأدب ضمير الأنا فإنه يُغيّر مرجعيته، مُفسحًا الطريق لنوع آخر من الذاتية. “الأنا” في النص الأدبي لا تحيل إلى ذات مكتملة مُعرَّفة، سواء كانت ذات الكاتب أو غيره، وإنما هي أقرب إلى كونها إمكانية جديدة، أو ولادة ثانية. الأنا هنا تُحيل، إن جاز التعبير، إلى ذاتية قائمة على ممارسةٍ داخليةٍ للغيرية. ولعلّ ذلك هو أحد الفروق الجوهرية بين الشخصية الأدبية والشخصية الواقعية. فالشخصية الأدبية ليست محض استنساخ لنمط الشخصيات الواقعية بكل خصائصها، بل هي نوع آخر من الذاتية. ذاتية تحيل إلى إمكانية الاختلاف والتغيير. هي نقد للذاتية كما يعرفها القانون.

DSC_0029
واحدة من رسائل التضامن التى وصلت لى عن طريق نادى القلم الدولى

كيف يمكن إذن حُكم وإدارة مثل هذا الذاتية التي يقترحها الأدب؟

ما هو الإطار الذي ينظم علاقتها بجماعتها؟

لا يُمكن بالتأكيد أن يتم ذلك بقوانين إدارية. ما يقترحه الأدب هو، ويا للغرابة، رفع المسؤولية إلى مرتبة القانون الأساسي. فتصبح أفعال تلك “الأنا”، أيّة “أنا”، خاضعة في الأساس لمسؤوليتها أمام نفسها، أي مسؤوليتها المترتبة على فهم أن الذات ما هي سوى مكان لاختبار الغيرية. بنية لا يمكن أن تستقر، وإذا استقرت تخلّت عن مسؤوليتها. الأدب لا يكفّ عن إنتاج شخصياته وإخراجها إلى الواقع، لا لتمييع المسؤولية، وإنما على العكس، من أجل تعقيدها. والمسؤولية التي يقترحها الأدب كإطار لعلاقة الفرد بجماعته هي مسؤولية إعادة فتح الواقع، إعادة فتح الماضي، إعادة فتح الذات، لا لترسيخ كل ما سبق، وإنما من أجل جعل إمكانية تغييره واردة. فالأدب ليس شأنًا خاصًّا يحدث فقط في الكتب، بل هو أداة اجتماعية يمكن للجميع استخدامها. أداة لفهم الذات وصياغتها بناءً على التفاوض المستمر مع المستحيل في لحظة تاريخية بعينها. وضمير “الأنا” كما يمارسه الأدب يصلح أيضًا للتطبيق خارج الكتب بالكفاءة نفسها. فخصوصية الأدب في فهمه للسياسة، لا تعني عزلته، وإنما تعني دقّته في تشكيل مجال عمله. تعني رغبته في الانتماء إلى الواقع المشترك من خلال محاولة تغييره، على طريقته. أو كما قال “رانسيير” في كتابه “سياسة الأدب” “إنه [أي الأدب]، باختصار، مركزٌ آخر للمدركات وطريقة أخرى في ربط قدرة انفعالية حسيّة بقدرة على الدلالة. إلّا أن رابطةً أخرى بين المعنى والعالم الحسيّ، وعلاقةً أخرى بين الكلمات والكائنات، تعني أيضًا عالمًا آخر مشتركًا وشعبًا آخر”.

ما هي هذه البنية التي نسميها “أنا”؟

هل هي بنية تخيلية؟ أم هي بنية قانونية؟ أم لعلها مزيج منهما؟

بتقدم التحقيقات في قضية ناجي توارى سؤال الأنا شيئًا فشيئًا، وتراجعت التهمة الأولى لكي تتصدر التهمة الثانية الخاصة بخدش الحياء مجريات القضية، حتى أصبحت الأخيرة تتمحور حولها. وصدر الحكم النهائي بعقوبة السجن بعد أن أثبتت المحكمة تهمة خدش الحياء تحديدًا. لكن الالتباس الخاص بالتهمة الأولى وسؤال من هي “الأنا” التي تتكلم ظل مخيمًا على القضية، وظهر جليًا في منطوق الحكم. فالمنطوق يشير إلى نص ناجي تارةً باعتباره “مقال للعرض والتوزيع حوى مادة كتابية”، وتارةً أخرى باعتباره “مادة مكتوبة”، وتارةً ثالثة باعتباره “مقال”. في الجلسة الأخيرة للقضية قبل صدور الحكم، وبعد أن يأس الحاضرون من رفع هذا الالتباس، قام رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب، والمتهم الثاني في القضية، طارق الطاهر، وقال للقاضي إن لديه ما يرغب في إثباته في محضر الجلسة.

ما الذي رأى الطاهر أن من المهم إثباته في هذه اللحظة التي ترتسم فيها ملامح الكارثة في الأفق؟ ما أراد الطاهر إثباته هو أنه في أثناء إحدى جلسات التحقيق التي لم يحضرها ناجي قال له ممثل الادعاء إن بإمكانه حبس ناجي بتهمة تعاطي الحشيش الذي كان يدخنه بسّام في الرواية. وعندما أثبت الطاهر ذلك في محضر المحاكمة دافع ممثل الادعاء عن موقفه قائلًا إنه كان بإمكانه أيضًا حبس ناجي بتهمة تصنيع الحشيش، لأن بطل قصة “السنيورة” التي كتبها ناجي أيضًا بضمير المتكلم، قام بطبخ الحشيش، لكنه لم يفعل. مما يدل من وجهة نظر الادعاء على أن موقفه من ناجي موقف غير شخصي. من المستبعد أن تكون بادرة الطاهر قد لعبت دورًا في حكم المحكمة النهائي، إلا أن أهميتها تكمن في كونها آخر ما يمكن الدفاع به. كأن لسان حال هذه البادرة يقول: إذا لم يكن من الممكن دفع الالتباس، فعلى الأقل يمكن تسجيله. بعدها رُفعت الجلسة للحكم، وأُدين طارق الطاهر أيضًا في القضية، وحصل على أقصى عقوبة يوقعها القانون على رئيس التحرير في جرائم النشر، وهي غرامة مالية قيمتها عشرة آلاف جنيه.

الجسد الأدبي

يزخر التراث العربي بالكثير من النصوص التي تتحدث صراحة ومن دون تورية عن الجنس. لذا لم يكن من الغريب أن يحاجج دفاع ناجي على براءة موكله من تهمة خدش الحياء العام مستخدمًا مقاطع من “العقد الفريد” و”أغاني الأصفهاني” و”أخبار أبو نواس”. في هذه المقاطع نقرأ عن نساء يتحايلن لكي يضاجعهن أزواجهن، وعن أمراء يغرقون في عسل جواريهم. نقرأ ما قاله الظرفاء عن الأعضاء الجنسية، وما أنشد به الشعراء في المضاجعة. ورغم منطقية هذا الدفع الذي يستند على وجوب إجازة لناجي ما أُجيز لمن سبقه، وذلك بحكم انتماء الجميع إلى الحقل المعرفي نفسه، أي الكتابة، إلا أن هناك اختلافًا جذريًا بين الأدب بمعناه الحديث، والذي تنتمي إليه رواية ناجي، وبين النصوص التراثية التي تتناول الأخبار والنوادر وأوضاع الجماع.

الفارق باختصار هو أن الأدب كما نعرفه اليوم هو خطاب مباين تمامًا للخطابات التي تقف الأعمال الأدبية التراثية على أرضيتها، فهو شكل جديد من أشكال فن الكلام، شكل تاريخي مرتبط بعالم لم يعد يسكنه فقهاء وأمراء وجواري ورعايا، وإنما يسكنه أفراد يعيشون في عمران ينفجر كل يوم في وجوههم، وتحكمهم فيه سلطة سياسية لم تعد تتركز في يد شخص واحد.

الجنس في الأدب الحديث ينتمي إلى ذاتية لم تعد تبحث عن إطار فقهي لرغباتها، أو عن أبيات تحتفل بفحولتها. إنها ذاتية باتت أكثر تعقيدًا ووعيًا بما يلحق بمسارات رغبتها من انسدادات جراء وضعها المعيشي. والأدب هو خطاب لهذا النوع من الذاتية، والتي يمثل الجنس أحد خطوط مواجهتها مع المجتمع وأخلاقه. على هذا الخط تفحص الذات ضعفها وهشاشتها، تفحص شبقها وانحرافها عن المعياري. مشهد الحفلة في الفصل الأزمة الذي قاد ناجي إلى السجن ينطلق من سؤال: “ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟” أو بكلمات أخرى، ما هي الإمكانيات المتاحة في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ بعد هذا السؤال تأتي تلك الجملة التي وقفت على الأرجح في حلق القارئ صاحب الدعوى، وهي الجملة التي تذكر الأعضاء الجنسية بأسمائها المعتادة، ثم مشهد ممارسة الجنس مع السيدة “ملعقة”. ما حدث لباسم بطل رواية “استخدام الحياة”، وما حدث لكاتبها أحمد ناجي من بعده، هو بالضبط ما تقدمه القاهرة اليوم لشبابها.

10483911_739261326135048_8090798527048330377_n
تفاصيل من لوحة صلب المسيح لوليد عبيد

من المثير ملاحظة أن منطوق الحكم لا يعارض تناول الجنس في الأدب بشكل منهجي، بل يعارض استخدام ألفاظ بعينها. يقول منطوق الحكم إن “من علوم اللغة العربية علم البلاغة ومن أساليبها أسلوب الكناية والتورية، فلو كان المتهم عالمًا بأساليب اللغة وآدابها لاستخدم أيًا منهما في التعبير عما أراد إذا ما اقتضى سياق الرواية ذلك، ولكن أنّى له بعلوم اللغة فقد اختار لنفسه أحطّ الألفاظ التي لا تستخدم إلا في مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. ليس من الصعب أن يخمّن المرء سبب الارتباط شبه القدري بين الجنس والكلمات الفاحشة في كل اللغات. إذ يظهر للوهلة الأولى أن الجنس، الذي كثيرًا ما تصمه المجتمعات المحافظة بـ “القذارة”، يجد صورته في الألفاظ “القذرة”، لأنها مثله محرمة ومستبعدة. أو لعلها استُبعدت بعد أن عبّرت عنّه. على أية حال هناك فيما يبدو جذر محافظ، أو ارتباك قديم حيال الرغبة مرّت به معظم المجتمعات وخلّف أثره في اللغة. بين الجنس والكلمات الفاحشة ما يشبه الحبل السُري. كلاهما يحمل ما يهدد النظافة الاجتماعية الكاذبة، ويُعيد وحش الرغبة الذي أراد الجميع إخفاءه بعيدًا. بلا كناية أو تورية.

لكن ما هي هذه الألفاظ التي تخدش الحياء العام؟

الألفاظ الخارجة النابية الفاحشة البذيئة الإباحية الساقطة القذرة؟ ما هي الألفاظ التي أسمتها المحكمة “أحطّ الألفاظ”، والتي أُقيمت عليها التهمة الثانية في القضية، وقادت ناجي إلى السجن؟ إنها ألفاظ تجري على الألسنة كغيرها من ألفاظ اللغة. لكن على ألسنة من؟ على ألسنة من أسمتهم المحكمة “مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. إنها لغة السوقة والدهماء، لغة الأوغاد والسفلة، لغة المراهقين والمتمردين. وكمجرم تائب يتسامح المجتمع مع استخدام هذه الألفاظ مؤقتًا، شريطة أن يجري التخلّي عنها بعد ذلك. المجرم القديم الذي يعرف حلاوة الخروج عن القانون سيتسامح مع المراهقين والشباب إذا ما عزفوا عنها بعد وصولهم لمرحلة النضج والتحقق. وسيتسامح مع استخدام السوقة لها إذا ما تخلّوا عنها أمام مترفيهم. جريان الألفاظ النابية على الألسن يعكس إذن تصورًا اجتماعيًا للحياة كرحلة تصعد بالأفراد من القاع إلى القمة، من القذارة إلى الطهارة، من الفقر إلى الغنى، من سوقية الطبقات الدنيا إلى حذلقة الطبقات العليا. كأن السوقية هي ما تجب مغادرته إلى الأبد في سلم الترقي الاجتماعي، وليست أداة تعبير تكون هي الأدق والأفصح في سياقات معينة. لكن ما يثير الدهشة حقًا، أيًّا كان تصور المجتمع عن نفسه، هو عمق الجرح الذي تسببه هذه الألفاظ عندما تُقرأ في كتاب، مقارنة بالجرح الذي يمكن أن تحدثه عند سماعها فقط. مالذي يستدعي مقاضاة ناجي وعدم ترك روايته ببساطة جانبًا كما يحدث عندما يجد المرء نفسه في مكان يكثر فيه السباب مثلًا فيغادره؟ هل لأن الكتاب مرتبط بالطهارة؟ هل لأن القراءة مرتبطة بتصور طُهراني عن الذات؟ مرتبطة بتلك الخرافة الجماعية لرحلة عصامية تحمل المرء من القاع إلى القمة؟

اللغة مادة الأدب الأولى، والألفاظ الفاحشة هي منتج عضوي أفرزته اللغة نفسها، لذلك من الطبيعي أن يتوقف الأدب أمام هذه الظاهرة التي تجعل بعض الكلمات محرّمة وأخرى محلّلة.

أليس استخدام ألفاظ فاحشة في نص أدبي هو مراجعة لهذه التراتبية، بما يحمله ذلك من مراجعة لتراتبية الناطقين بكليهما، وبذلك هو جزء من سياسة الأدب؟ أليس استخدام ألفاظ نابية مراجعةً لأسطورة الطهارة؟ وإذا كان هذا هو هدف الكاتب حقًا فكيف يمكنه استخدام هذه الألفاظ من دون السقوط في الشعبوية أو الابتذال؟ ليس أحمد ناجي هو أول من يقف أمام كل هذه الأسئلة، فتاريخ الأدب المصري حافل بأمثلة متنوعة لخلق إجابات عنها، ولعلّ أكثرها زخمًا وقوّة هو ديوان الشاعر نجيب سرور، غير المطبوع والمنتشر رغم ذلك على نطاق واسع، ديوان “… أميّات” الشهير. وهو ديوان غني عن التعريف، صاغ شعرية شعبية مستخدمًا كل الألفاظ المحرّمة على الشعراء. الكلمة الأولى في عنوان الديوان غير خافية على معظم القراء، لكن كاتب هذه السطور قرر أن يستخدم مكانها النقاط الثلاث الشهيرة، فهل هذا هو عمل الرقابة الذاتية؟ عمل شرطة الأدب الداخلية؟ ربما. أو لعل الأمر مرتبط أيضًا بسياسة الأدب، فالأخيرة هي ما تجعل نصًّا يختار ممارسة حقّه في استخدام كلمة باتت تُعدّ خارجة، رغم أن الجميع يستخدمها ليلًا نهارًا، في حين يختار نص آخر وضع النقاط الثلاث، لأن قضيته ليست ممارسة الحق في استخدام ألفاظ يعدّها المجتمع خارجة، وإنما تأمّل هذا الحق.

كل اختيار منهما مرتبط بسؤال وبمجال بحث. مرتبط باختيار أدبي وانحياز في الكتابة في لحظة بعينها، باختصار مرتبط بسياسة أدبية. ومن حق كلا الاختيارين التواجد والعيش.

نعم، ليس ناجي هو أول من يقف أمام سؤال الألفاظ الفاحشة، ولا أول من يقف أمام سؤال الجنس في الأدب، ولكنه أول من يُودع السجن بسببهما في تاريخ الأدب المصري الحديث.

لماذا صدر الحكم ضد ناجي في هذه المرحلة تحديدًا؟ لماذا انتهت القضايا الشبيهة سابقًا إلى سحب الأعمال من الأسواق أو فرض غرامة مادية فقط على مؤلفيها؟ هل يرجع ذلك إلى الظروف السياسية الحالية والدور الذي تلعبه السلطة القضائية فيها؟ هل يعود ذلك إلى تغيّر في ذائقة المجتمع وتوجهه أكثر إلى المحافظة؟ هل سنشهد إذن مزيدًا من القضايا ضد أعمال أدبية؟ أم أن الأمر هنا سوء حظ ومصادفة عبثية؟ من الصعب العثور على إجابة مقنعة عن كل تلك الأسئلة، فهناك عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية التي تنشر في مصر اليوم يتضمن نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا.

كذلك لا توجد جهة رقابية حكومية تُعرض عليها الأعمال الأدبية قبل صدورها، وتملك سلطة رفضها أو الموافقة عليها. من ناحية أخرى، فهناك أكثر من قضية نشر حُكم مؤخرًا فيها بحبس الكتاب، مثل قضيتي الإعلامي إسلام البحيري الذي يقضي في السجن عقوبة بالحبس لمدة عام لتقديمه حلقة تليفزيونية اُعتبرت مسيئة للإسلام، والكاتبة فاطمة ناعوت المقيمة حاليًا خارج البلاد بعد صدور حكم بحبسها بتهمة ازدراء الأديان في تعليق لها على موقع الفيسبوك. جميع هذه القضايا أثيرت بدعاوى أقامها مشاهدون أو قراء. مما قد يشير إلى تنامي سلطة ما يدعون بـ “المواطنين الشرفاء.” لكن ما هي معايير عمل سلطة المواطنين الشرفاء تلك إن صح وجودها؟ وعلى أي أساس تُرفع قضية على عمل ما دون الآخر؟ لا أحد يعرف بدقة. هذه الضبابية هي سمة اللحظة الحالية في مصر، إذ لا يمكن معرفة ما إذا كان المرء قد تجاوز خطًا ما أم لا، ويصبح من العسير تقدير الخطوة التالية. يمكنك أن توجه نقدًا للنظام السياسي في مقال صحفي ولا يحدث لك شيء، أو تكتب رواية بها مشهد جنسي فتودع السجن. وهو الأمر الذي يثير الرعب حقًا.

لنعد مرة أخرى إلى تناول الجنس في الأدب.

الجنس في الأدب ليس ألفاظًا جنسية فحسب، بل أجساد أيضًا، أي نوع آخر من الكلمات يسمّى الضمائر. ومثلما يمتد حبلٌ سُري بين الجنس وبين الألفاظ الفاحشة، يمتدّ حبلٌ آخر بينه وبين ضمير المتكلم.

بالطبع لا تقتصر معالجة الجنس في الأدب على مقاطع تتحدث بضمير المتكلم، لكن هناك صدى شهواني خافت يرافق ضمير المتكلم، حتى ولو خلا كلامه من أي شهوة أو جنس. فالأنا مشحونة جنسيًا بطبيعتها، هي تجسّد وحميمية، بمجرد ظهورها يظهر جسد يتقاطع مع جسد الواقع الأكبر. الأنا ليست لحظة انتباه فكري فقط، أو جزءًا من تنظيم سياسي واجتماعي، وإنما أيضًا لحظة انتباه وتفتُّح جنسي. لحظة اتصال بالطاقة الليبيدية التي تسري في الحياة. إنها تمدّ تلك الطاقة بالحضور الذي تحتاجه، ليتشكل الجسد الذي ستتلبّسه في هذه اللحظة، ومن دونها تظل هذه الطاقة متخيلة وغير متعيِّنة. لكن ما هو هذا الجسد الذي يظهر مع ظهور الأنا؟ ما هو هذا الجسد الأدبي؟

إذا كان الأدب يرى في الأنا مجالًا للغيرية والتحول، كيف يمكن إذن لهذه الغيرية أن تحلّ في جسد؟ إنه جسد غريب بلا شك. جسد بلا اسم. درجة من التجسّد مختلفة عن الجسد الفيزيقي. فالأخير هو جسد هويّاتي، أو حُكم عليه أن يحمل هوية واضحة لا لبس فيها. أما الجسد الأدبي فهو الإمكانية التي لم تُكتشف بعد في الجسد، هو تجسّد خال من التأطير، وبالتالي فهو بلا اسم علم، حتى ولو حمل واحدًا. الجسد الأدبي هو إعادة فتح للجسد الفيزيقي من أجل شق مسارات داخل الانسدادات التي أصابته، من أجل البحث عن إمكانية جديدة لم يُلتفت إليها فيه. بكلمات أخرى، فالجسد الأدبي هو إعادة اكتشاف الجسد الفيزيقي وكل ما لا يزال كامنًا فيه، من أجل إعادة تشكيل لما ظننا أنه أخذ شكلًا نهائيًا إلى الأبد.

15619_10206083415233058_5471382005290153661_n
الأنا والعالم. خريطة فلكية قديمة لجسد السماء ومواقع الأبراج والأفلاك

يومًا ما سنقرأ تاريخًا لضمير الأنا في الأدب العربي. سيخبرنا هذا التاريخ كيف تتشكل الذاتية على ضفاف النص المكتوب، وكيف تُعاد صياغتها مع كل حقبة وسياق فكري واجتماعي وسياسي. سيرينا هذا التاريخ أن هناك طرقًا متعددة لتكوّن الذاتية كعلاقة بين الذات ونفسها، هذه العلاقة تربط الأفراد بالسياق الخارجي الحاكم لحياتهم، والذي يتغير في كل حقبة. سيكشف لنا هذا التاريخ كيف يمكن للأنا أن تصبح مركزًا للمقاومة، وكيف يمكن أن تلتف على نفسها لتتحول إلى ثقب أسود. تاريخ مثل هذا سيرينا الخطوط والمحطات التي تطوّرت الذاتية عبرها، وقد يعرّج في إحدى محطاته القريبة على كتابة التسعينيات في مصر، بوصفها الكتابة الأقرب إلى ضمير الأنا في الأدب الحديث، والصوت الأكثر التصاقًا بالذاتية. فكتابة التسعينيات مسكونة بضمير المتكلم، عثرت فيه على حليفها في رحلة انطلقت من الذات والجسد، رحلة جاءت في لحظة كان الجسد فيها يختفي تحت أستار التنميط والأيدولوجيا. لن يضع هذا التاريخ الذاتية على الطرف النقيض من الجماعية، ولن يساويها بالانعزالية، بل سيراجع اختيار الأنا التسعينية موضعة نفسها داخل جسدها الفردي كاستراتيجية للخلاص، ليحدد متى نجحت هذه الاستراتيجية في انتزاع حق تشكيل الحياة بشكل مستقل أمام التنميط الاجتماعي، ومتى انغلقت على نفسها لتعيد إنتاج التنميط الاجتماعي. سيراجع مثل هذا التاريخ كل ذلك، لأن الأنا التسعينية هي في النهاية “أنا” تاريخية.

الخيال كأداة للحقيقة

لا تكتمل الكتابة من دون أنا أُخرى أو ذات أُخرى، تعمل عليها قوى الكتابة. إنها ذات القارئ التي هي المجال الحقيقي لعمل الأدب. فالأدب هو تأثير ذات على ذات. لذلك لا يصعب تصديق القارئ الذي اختصم ناجي عندما قال إنه شعر “باضطرابات في نبضات القلب، وارتفاع في ضغط الدم”، فهذا هو بالضبط رهان الأدب. رهان الأدب هو أن الكلمة، على كل هشاشتها، يمكنها أن تُغيّر، يمكنها أن تؤثّر، يمكنها أن تجرح الواقع وتعيد فتحه بعد أن بدا أنه أُغلق إلى الأبد. هناك دومًا ذات تتلقى النص الأدبي مهمًا كان الضمير الذي كُتب فيه، ذات تفكر في ما تقرأه بينها وبين نفسها. اللغة لم تسعفنا بضمير خاص بالقارئ على غرار ضمير المتكلم، أي بتلك الأنا التي لا تتكلم وإنما تقرأ وتستمع. تلك الأنا الشاردة في الكتاب الذي بين يديها، غائبة عن الواقع وحاضرة فيه في آن. لذلك ليس أمامنا سوى استخدام ضمير واحد لكليهما، أنا واحدة. وقد يكفي ذلك بالفعل، لأن الأنا هي ذلك الحيز الذي يتغيّر فيه صاحبها كما رأينا. والقراءة الحقّة هي أيضًا استعداد لمبارحة النفس، وقبول دعوة التغيير التي يحملها النص المقروء، وليست مراكمة لما يُقرأ في مستودع داخلي يدعى الذات.

الكتابة والقراءة إذن تؤسسان لنوع خاص من الذاتية، فهما لا تنفكان تتصلان بضمير الأنا، ومعركة الأدب المستمرة هي كيفية فهم هذا الضمير. هل هو وسيلة لتحريك الواقع أم وسيلة لتثبيته؟ هل تقف وراءه ذات قيد التشكل أم ذات قد فرغت من تشكيل نفسها؟ بإمكان القارئ أخذ دعوة المراجعة والتغيير التي يطلقها الأدب بجدية، أو يهملها جانبًا. بإمكانه الاستمرار فيها أو العمل ضدها. فهذه هي مسؤوليته. ومن هذا المنطلق فإن جميع قضايا النشر الأخيرة هي قضايا تتعلق بمسؤولية القراءة وتبعاتها. هناك قراءة تؤدي إلى إقامة دعوى على الكاتب، وأخرى تسمح للنص أن يُغير القارئ. قراءة تنخرط في خدش الواقع، وأخرى تقيم حوله الأسوار.

هذا الواقع الذي خُدش يتأسس مثله مثل أي واقع آخر داخل خطاب ما للحقيقة، خطاب يحدد ما هو واقعي وما هو غير ذلك. لنعد الآن مرة أخيرة إلى الالتباس الأولي في هوية نص ناجي عند القارئ عندما نُشر في الجريدة. ما هو هذا الخطاب الآخر الذي خُلط بينه وبين الأدب في بداية القضية؟ إنه الكتابة الصحفية. رافع الدعوى وممثل الادعاء، بل والمحكمة في منطوق حكمها، الجميع تعامل مع فصل الرواية المنشور باعتباره مقالًا صحفيًا، أو في أفضل الأحوال باعتباره مقالًا حوى كتابة روائية. وما هي الصحافة؟

ما هو هذا الخطاب الذي نسميه صحافة؟

الصحافة الحرّة هي خطاب يضع على عاتقه في المقام الأول تقديم معلومة صحيحة، بعيدة عن التزييف أو الدعاية. فيمدّ قارئه بتقارير وآراء دقيقة وموضوعية، وبتحقيقات استقصائية تكشف الحقيقة. أو لنقل إن معركة الصحافة الحرّة أو الجادة مع غيرها من أنواع الصحافة هي معركة على ضمان صدق الخبر ونزاهته. هذه المعركة لا تُخاض فقط ضد الصحافة المدلِّسة، بل ضد أنواع أخرى من الصحافة أيضًا. علينا فحسب أن نتذكر المعركة التي شهدتها الصحافة العقد الماضي مع ظهور أشكال صحفية أخرى مثل المدونات وصحافة المواطن، ودارت رحاها حول كيفية التثبت من صحة المعلومة التي تقدمها تلك الوسائل الصحفية الجديدة، وضمان نزاهتها. باختصار يمكن القول إن الصحافة تنتمي لخطاب الحقيقةiv، هدفها تقديم الحقيقة وحمايتها من التزييف، وإشراك قارئها في هذا الخطاب لكي يكون جزءًا من الواقع الذي تؤسسه هذه الحقيقة. قارئ ناجي والادعاء خلطا إذن بين الصحافة والأدب، وتعاملا مع الأخير باعتباره خطابًا يُنتظر منه أن يقول الحقيقة. وفي خطاب الحقيقة لا توجد شخصيات مختلقة أو قصص مؤلفة. عندما تُدلي الأنا بشهادتها، عندما تقول إنها فعلت شيئًا، يُنتظر منها أن تكون صادقة فيما تقول، وبالتالي قد قامت بذلك بالفعل، وتتحمل تبعاته، وإلّا فإنها تكذب. ما منبع ذلك الخلط؟ هل الأدب لا ينتمي حقًا إلى خطاب الحقيقة؟ هل الأدب “كذب”؟ ما هي الحقيقة الأدبية؟

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

الأدب هو عمل دؤوب لإلحاق الخيال بالحقيقة. والحقيقة الأدبية المعجونة بخميرة الخيال ليست هي حقيقة ما حدث وتمّ بالفعل، ليست واقعة منتهية يمكن فقط معرفتها من خلال الاعتراف أو التقصّي، وإنما هي حقيقة غريبة تتعلق بما يمكن أن يحدث، أو ما كان يمكن أن يحدث. أي أنها حقيقة لم تقع بالضرورة بعد، أو لن تقع أبدًا. باختصار الأدب معنيٌ بتأسيس الحق في نسبة ما لم يقع (بعد) إلى الحقيقة.

تأسيس حق الخيال، لا الكذب، في الانتماء إلى خطاب الحقيقة. الأدب من هذه الزاوية يقدم أرضًا جديدة لخطاب الحقيقة بعيدًا عن أرض الصدق والكذب التقليدية. إنها أرض الخيال. والخيال هنا ليس مجرد تهويمات في الفراغ، بل هو تقنية لاختبار الحقيقة.

هو إعادة فتح الحقيقة من أجل العمل عليها، هو بالضبط رفض تصوّر الحقيقة بوصفها قد تمّت واكتملت، وإنما بوصفها دائمًا صالحة لإعادة التشكل. ولا يمكن لهذا الاختبار أن يحدث دون القراءة. أو على نحو أدق، القراءة هي اختبار الحقيقة عبر أدوات الأدب. مالذي يجعلنا نقرأ الأدب؟ لماذا لا نكتفي بقراءة العلم أو الدين أو غيرهما من مصادر الحقيقة النهائية؟ أو قراءة القصص الصحفية الجادة والتعليقات السياسية التي سترشد طريقنا في عالم مضطرب؟ ألا تكفينا كل هذه السرديات التي تحيط بنا؟ لماذا نحتاج ما يزيد حيرتنا وبلبلتنا؟

ربما لأننا بحاجة دومًا إلى البحث عن مخرج. فالأدب ليس مركزًا لإنتاج الحقيقة، وإنما لمراجعتها. إنه لا يدّعي تقديم مضمون الحقيقة أو فحواها داخل سردية، وإنما تقديم أدوات من أجل الخروج على سردية الحقيقة. والحقيقة بالنسبة إليه ليست جوهرًا مخبأ في مكان بعيد المنال، وإنما تتشكل في اللحظة التي ينفتح فيها الواقع على إمكانية مفاجئة. وأين يبدأ كل ذلك؟ في القراءة. فهي ما يجعل الخيال رجعًا لصدى الواقع، أرضًا نضع فيها الحقيقة على المحكّ، وليست أرضًا نهرب إليها من الواقع.

عندما يلجأ الأدب لضمير المتكلم فإنه يُلحق الذاتية بخطاب الحقيقة، فيصبح ضمير الأنا إحدى أدوات الأخير. هذه الأداة تختلف عن أدوات الحقيقة الأخرى مثل الاعتراف والتقصّي. عندما يتكلم ضمير الأنا في النصوص الأدبية التي تستحق فعلًا هذا الاسم فإنه لا يكذب علينا، بل يتحدث بمنتهى الصدق. لكنه لا يريدنا أن نفهم ما يقوله على أنه مضمون الحقيقة، وإنما يريدنا من خلال القراءة أن نفرك الحقيقة بورقة الخيال الخشنة التي يمدنا بها، ثم نقف لنتأمل الإمكانيات الجديدة الكامنة في الحبيبات المتساقطة.

في فصل الرواية المنشور في الجريدة يتحدث بسّام عن ممرات سرية تحت القاهرة يحتمي فيها من العاصفة التي دفنت القاهرة تحت أطنان من الرمال والأتربة، فهل يريدنا أن نصدق أن هذا ما سيقع للقاهرة فعلًا في المستقبل؟ أم أنه يقدم لنا أداة تساعدنا على مراجعة واقع المدينة؟ يقدم لنا حقيقةً لن تحدث لكي نختبر بها حقيقةً تحدث؟ ما نسميه الخيال هو مجموع التقنيات والأساليب والأجناس التي يبتكرها الأدب أثناء احتكاكه بمادة الحقيقة. القصيدة والرواية والقصة ما هي إلا أشكال مختلفة لدفع الحقيقة إلى حدودها القصوى، للضغط عليها حتى تتوهج. الأدب يقدح الحقيقة بحجر مجازها فيتطاير شرر الجمال. ومع الجمال قد يولد ذلك العالم الآخر أو الشعب الآخر الذي يتحدث عنه “رانسيير”.

هذا النص هو محاولة لإعادة قضية ناجي إلى بساط الأدب. محاولة لتأمل اللبس القديم بين الأنا الذي تظهر في النصوص الأدبية وبين تلك التي تعيش في السجلّات القانونية.

اللبس الذي تسبّب – ولو جزئيًا – في دخول الكاتب أحمد ناجي إلى السجن، ليس بالجديد، بل قديم قِدَم الأدب، يتجدد في كل عصر بقضية جديدة وضحية جديدة، وينطوي على واحد من أكثر أسئلة الأدب جوهرية. وسعى هذا النص إلى القول بأن الفارق بين طريقتي فهم ضمير الأنا يكمن باختصار في أن مدخل الأنا الأدبية إلى الحقيقة ليس الاعتراف بها، وإنما وضعها موضع اختبار. اختبار يقوم به قارئ. والحقيقة التي يريد الأدب اختبارها وإعادة فتحها ليست حقيقة مكتملة ونهائية، وإنما يُعاد تشكيلها مع كل مرة تُفتح فيها. هذه الحقيقة هي ما يؤسس الذات كحيّز للتحولات، ويؤسس الجسد كمكان للاكتشاف. وهذه الطريقة في فهم الحقيقة هي ما يمكّن الأدب من صياغة سياساته في التعامل مع الواقع.

الدفاع عن الأدب انطلاقًا من الحق في حرية التعبير وحرية الخيال هو دفاع مشروع وضروري بلا جدال. فلكل إنسان الحق في التعبير عن أفكاره كيفما شاء، بما في ذلك كتابة الأدب. لكن هل تعريف الأدب حقًّا هو أنه كلام حُرّ؟ هل ما يميز الأدب عن غيره من الخطابات النصيّة هو حرّيته في التعبير عن نفسه؟ بالتأكيد لا.

الحرية في أن يقول كل من يريد، ما يعنّ له، بالطريقة التي تحلو له، وفي الوقت الذي يجده مناسبًا، هذه الحرية هي الوعد الذي تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي لمستخدميها. أمّا الأدب فهو خطاب من نوع آخر. الأدب ينتمي إلى خطاب الحقيقة. فهو لا يريد أن يقول أي شيء فحسب، بل يريد أن يختبر الحقيقة، وهذا هو وعده. وهو يعمل على ذلك من خلال سياسات واستراتيجيات دقيقة خاصة به، مختلفة عن سياسات الأنواع الأخرى لخطاب الحقيقة مثل الصحافة أو القانون أو التاريخ، ولها أثمان غالية، يدفعها الكتاب من أعمارهم كما حدث في حالة ناجي أو غيره من الكتاب الذين سجنوا بسبب ما كتبوا. بين الكاتب والقارئ عالم مشترك. يريد الكاتب أن يفحص حقيقة شيء ما فيه، يريد أن يعيد صياغة هذا العالم المشترك، وهذه هي حريته. ويريد أن يفعل ذلك بمنتهى الصدق، ومن دون أن يتعرض للسجن أو الأذى، وهذا هو حقه.

سيخرج أحمد ناجي من السجن حتمًا عمّا قريب. إن لم يخرج اليوم فغدًا، وإن لم يخرج في هذا العام ففي الذي يليه. أمّا الجرح الغائر الذي أحدثته قضيته في جسد الأدب المصري فسيبقى مفتوحًا لعقود طويلة.

—— —–

نشرت في موقع مدى مصر عام 2016