مدينة العابر المقيم، 6أكتوبر

نشرت في مجلة شاهد للدراسات والمقالات العمرانية سنة 2013

The_Sorrows_of_the_King
اللوحة لهنري ماتيس

هناك مخيمات للاجئين، منازل إيواء للمهاجرين، لكن كيف يمكن للاجئين والمهاجرين أن يؤسسوا مدينة. لقد كنت محظوظاً حيث أعيش في واحدة تدعى مدينة “6أكتوبر”. هي بامتياز مدينة اللاجئين والمهاجرين من مدن آخرى داخل مصر ومن خارجها.

تحمل أغطية البلاعات في 6أكتوبر تواريخ متفرقة من سنوات الثمانيات، مما يدل على أن أعمال البنية التحتية بدأت في المدينة في تلك الفترة بغض النظر عما تقوله الأوراق الرسمية. بعد وضع أغطية البلاعات بعقد من الزمن بدأت نواة المدينة السكانية في التشكل مع منتصف عقد التسعينات وبداية الألفية حيث افتتحت فيها أكثر من جامعة خاصة.

مثل الطلبة النواة الأساسية لسكان المدينة، معظمهم من محافظات مختلفة من مصر وطلبة عرب منحتهم الجماعات الخاصة الفرصة لتحقيق أحلام الطبقة الوسطى في الحصول على شهادة في الطب أو الهندسة وحتى إن لم تكن درجاتهم في الثانوية العامة كافية، ظهر العمال أيضاً في الأحياء الشعبية للمدينة حيث يعملون في المنطقة الصناعية. لكن أماكن تركز الطلبة والعمال ظلت في أحياء محددة معظمها ذات نمط معمارى واحد انشأته الدولة. لكن الموجة الأهم كانت بعد حرب العراق الأخيرة حينما تزايد عدد اللاجئين والهاربين من الحروب الطائفية والتفجيرات في العراق.

وضع جهاز المدينة مجموعة من الشروط التي تحكم الأبنية والبناء في أكتوبر، فهناك معيار محدد لعدد الأدوار في كل حى، ويتدخل الحى في حالة مخالفة شروطه وإزالة الطوابق الزائدة، لدى الجهاز أيضاً قائمة بالألوان التي يمكن استخدامها في طلاء المنازل والبنايات من الخارج، بالتالى فمساحة التغيير والتعديل في عمارة المدينة تظل محدودة بشروط الدولة المصرية.

لكن مع الحرب أضفي العراقيون على المدينة الكثير من محلات الطعام العراقي والخبز العراقي، ارتفعت الإيجارات بشكل ملحوظ لكن لم يعرب أحد عن ضيقه، اللاجئون القادمون للمدينة ليسوا كلاجئين المخيمات ولا يتسولون صدقة من أحد، بل جاءوا هاربين بكل ممتلكاتهم لتأسيس مدينة جديدة. ومثلت موجات العراقيين ثم السوريين بعد ذلك أوقات انتعاش لاقتصاد المدينة، تكرر مع الموجة السوريا التى بدأت منذ حوالى سنة. الشارع الذي أسكن فيه منذ حوالى أربع سنوات أصبح يمتلئ بالمحلات ذات اللافتات السوريا، الجزارة الشامية، مخبز دمشق، حلويات حلب، وأخيراً مطعم الجنانى. اختفت من الحى الثانى تقريباً جميع اللافتات المصرية حتى أصبح المكان كأنك تعيش في جيتو سورى صغير.

عدم وجود هوية للمدينة سهل على اللاجئين والمهاجرين استدعاء ذكرياتهم ومدنهم التي تركوها لإحلالها في الفراغ “الأكتوبري”. وضع مطعم الجنانى لافتة كتب عليها “فرعنا الأساسي دمشق ميدان دوار باب مصلى، فرعنا الثانى مصر الحنونة 6 أكتوبر”  يقدم المحل الوجبات الشعبية فول وفلافل لكن بالطريقة السوريا حيث الاعتماد الأكثر على الحمص، بالتالى يأتي الفول والفلافل مختلف تماماً عما تعود عليه المصريون منذ أجيال طويلة. يعمل العاملون ومعظمهم سوريون في مطعم الجنانى أيضاً بالطريقة السوريا. فهناك معلم مسئول عن طاسة الزيت وآخر يتولى عملية تغليف السندوتش وآخر يشرف بنفسه على وضع مكوناتها، ويرفض أن يمس أي من مساعديه الخبز أو مكونات السندوتش بل يتولون عملية التغليف فقط. وبدلاً من السلطة والطحينة التي تشكل الإضافات الوحيدة على السندوتش المصري. يتحرك المعلم السورى بين تشكيلة متنوعة من الإضافات تبدأ من المايونيز والثومية والطحينة وشرائح البطاطس مقطعة في أوعية منفصلة، وبالتالي يضاف إليك ميزة اختيار مكونات السلطة.

ذات يوم وبينما كنت انتظر سندوتش من المعلم في واحدة من لحظات الذروة، تابعت حيرة المعلم ومساعديه وإصرارهم على اتباع نظامهم في العمل أمام الزحمة وتدافع الأيدى عليهم، كان العاملون يتحركون بتأنى بالغ في إعداد كل سندوتش الأمر الذي يستغرق وقتاً أطول وبالتالي يشعر الزبائن المحشورون في الزحام أمام الشباك بالضيق والتبرم ويبدأون في الصياح مطالبينه بالأسرع. ظهر وسط الزبائن شاب عراقي أخذ يراقب المعلم السورى لدقائق ثم خاطبه بلهجة مصرية ذات مخارج حروف عراقية “يا معلم مش هينفع هنا في مصر الشغل دا، مش لازم تعمل كل سندوتش بنفسك، هنا الدنيا زحمة”.

كان العراقي ينقل له في جملة بسيطة جانب من خبرته التي اكتسبها من سنوات إقامته للمعلم الحائر الذي يبذل جهداً في الحديث مع الزبائن باللهجة المصرية. تبدت لى الروح الجديدة للمدينة التي عرفتها منذ أن كانت مساكن خاوية. روح قلقة لكنها ساكنها تبحث عن إقامة وتبنى مدينة لا تعرف هل تكون مدينتها بقية حياتها أم يكون للعودة موعد قريب.

أعداد السوريون في  6أكتوبر، تتجاوز تلك التي عرفنها مع العراقيين، وبينما كثير من العراقيين استغل 6أكتوبر كمحطة في تغريبة طويلة، يبدو السوريون مطمئنين أكثر للمدينة، يشترون البيوت ويتوغلون في قطاع العقارات، يفتحون المحلات ويعقدون شراكات طويلة مع آخرين مصريين، أمام محلاتهم يمدون النجيلة الخضراء المزروعة، لمسات السورى في فراغ المدينة تبدو واضحة، يتعاملون براحة كبيرة مع الفراغ، حتى مؤخراً في المناسبات الدينية أصبحوا يغلقون بعض الشوارع وينصبون مسرح في الشارع تغنى عليه فرقة حلبية موسيقي شرقية تراثية، يذهب الأطفال إلى المدارس ويكبرون عاماً في المدينة، ومن النافذة تأتى أصوات لهوهم تختلط فيها اللهجات مع بعض الكلمات الإنجليزية.. روح جديدة، وشيء ما يحدث هاهنا في 6 أكتوبر.

هلاوس الحمى

نشرت هذه التدوينة في 2008 على النسخة القديمة من مدونة “وسع خيالك- أيام خيال الظل”

منذ سنوات قادتني الظروف إلى مكان يدعى “الخديوى” على ما اذكر، كان يقع على حدود شبرا مع المؤسسة. مقهى وبار شبعى يمتلأ أيضاً بالشراميط الشعبيات، على ما اذكر أيضاً كنت أتحدث أنا ورفيقي مع إحداهن حينما فجأة ارتفع صوت أحدهم “لا إله إلا الله” ثم كصرخة عرسه في منتصف الليل أخذت تصرخ إحداهن في هستريا، كان أحد زبائن البار قد توفي مكانه وهو جالساً.

غالباً ما احتفظ بمثل هذه الحواديت لنفسي لفترة طويلة، أظل مشغولاً بها، أخرجها من الدرج وأقلبها يميناً وشملاً، ثم أعيدها إلى مكانها، رافضاً تبادلها أو تشاركها مع أى شخص أعرفه أو لا أعرفه. في حالات نادرة أكون سكراناً وحزيناً أو مرهقاً لا أجد ما أقوله فالتفت لمن يجلس بجواري واحكى القصة في أقل من ثلاثين ثانية ثم أظل أعيد المقطع الأخير لما يقرب الثلث ساعة “مات.. الراجل مات، وكل الناس في البار قاموا روحوا إلا أنا واللى كان معايا”

زمان كان مهابوف يلتفت لى ويقول “وبعدين” فأرد “مفيش.. بس خلاص“، فيعيد ترديد حكمته الخالد ودرسه الذي كان يقرره على أذنه لثلاث سنوات “يا ابنى مش ينفع كدا، لازم تنهى الحدوتة بأفيه، وإلا الناس اللى حواليك هتقول عليك بضان، وبعدين تبقي بيضة، وبعدين تفقس.. وأنت أكيد مش عايز كمان خمس سنين تلاقي نفسك كتكوت خول صغير بيجري ورا الدود في الشارع زى العيال اللى بتجري ورا عربيات الرش“.

لكن الآن أصبحت مرهقاً من كل هذا، وحينما تتعبني عيناي في آخر الليل من القراءة والتطلع لشاشة الكمبيوتر، افتح جوجل ايرث واتأمل شكل الكرة الأرضية من بعيد وأنا أقلبها بالماوس، أفكر في السفر لكن أشعر بالإرهاق بمجرد التفكير في الفكرة في حد ذاتها، كما أننى ومن خلال التجربة لا أظن أن اقامتى في مكانٍ آخر سوف تغير الكثير فأغلق الجهاز وأنام، وأصحو ثانى يوم لأبدأ في إرهاق نفسى على مدار 24 ساعة لا تزيد ولا تنقص ولا تقسم ولا تضرب… 1×1 يساوى 1 وكلما وصلت الأرقام على الساعة إلى الدقيقة 23:59 تتحول إلى 00:00 ثم تبدأ في العد من جديد..

لا شيء يبعث على السلوى والتسلية سوى مراقبة هؤلاء البشر الذين تظهر صورهم في الجرائد والتلفاز أو يلتقي الواحد بهم في مسيرته، أميزهم من رائحتهم، من طريقة الابتسامة وتلك الكاريزما وحب الحياة الذي يستعرضونه طوال الوقت، كأنهم شاب مراهق يدخل مدرسته الثانوية متأبطاً ذراع شابه مزه باهرة المزمزه. يشعر كل واحد منهم بأهميته بشكل لا يصدق، فهذا دكتور كبير، والثانى مناضل لا ينام من قلقه على الوطن، والآخر صحفي شهير، والثالث كاتب يقاسي إرهاق الإبداع ويستحلب متعته المازوخيه العظيمة… هؤلاء الكائنات الجميلة، أود يوماً لو أتفرغ تماماً لأضع لائحة طويلة بأسمائهم وأمنح حياتى للطواف حول الكرة الأرضية ومصافحتهم باليد واحداً واحداً لأشكرهم على التسلية التى يمنحوها إلي بنشاطهم التافه العظيم في الحياة.

Untitled3
صورة من شريط مصور لكاندريك لامار