الشك باليقين -5- سلسلة هزلية غير مكتملة

في صباح اليوم التالي، أخذونى مع ثلاثة آخرين في عربة ترحيلات جدرانها من الحديد الصفيح لا تحتوى إلا على أربع نوافذ صغيرة مغطاة بشباك معدنى، كان الجو حاراً داخل هذا الفرن المتنقل والعرق ينز من كل مسام جلدى. لا أعرف كم استغرقت الرحلة حتى وصلنا لمدينة السجن المقسمة لمجمعات سجون مُختلفة. توقفت العربة ونزل منها الثلاثة المصاحبين لى بينما بقيت وحيداً وألم خفيف يحرق أحشائي ومثانتى.

بعد نصف ساعة من التوقف تحركت العربة مرة أخري وتزايد ألم مثانتى وامتلائها. أرضية العربة كانت مغطاة بالزبالة والطين وأكياس البلاستيك وزجاجات المشروبات الغذائية الفارغة. تناولت واحدة، فتحت غطائها، انزلت البنطلون الذي أرتديه ووجهت حشفة قضيبي نحو فتحة الزجاجة، فخرجت مياة البول صفراء دافئة. ارتخت أعصابي وجسدى في راحة عظيمة وشعرت بغلالة سوداء تزاح من على عقلي وكان أول ما فكرت فيه أن حقيبتى سوف تخضع للتفتيش لدى دخولى السجن. ولم أكن لأتحمل المغامرة بفقدان أو مصادرة أوراقي. فتحت الحقيبة/الشنطة وأخرجت الأوراق منها، كذلك كريم الشعر مستعيداً ومتذكراً كل نصائح كسح.

توقفت العربة مرة آخري. هذ المرة حينما فُتح الباب لم يكن هناك غيري في العربة سحبنى الميمون وأدخلنى من بوابة السجن حقيبتى في يدى وفي اليد الآخري القيود الحديدية التى يسحبنى منها. أغلق باب السجن خلفنا ما أن عبرنا لم أعرف الضابط من العسكري من الميمون منهم. كان هناك اثنان من المساجين أوقفونى بجوارهم. صاح أحد الحراس فينا “اقلع أنت وهو كل هدومك” بينما الآخر يفتش حقائبنا.

على اليمين تراصت مجموعة من المكاتب الإدارية وعلى يساري غرفة كتب على بابها غرفة الزيارة. والساحة الصغيرة التى نقف فيها بين كتلتى المبانى تنتهى بباب حديدى آخر. وخلفنا باب السجن الرئيسي الذي دخلنا منه. الشمس تغرق السجن بأشعتها التى تحرق أجسادنا العارية إلا من كلوتات تكسو عورتنا بينما عيون الحرس تفحص الظاهر منا. مد الحارس ذو العيون الملونة والأصابع الخشنة -سأعرف بعد ذلك أن اسمه مدنى- يده اليمنى نحو أحد المساجين ممسكاً بكتفه فاحصاً الوشم الأخضر على كتفه ثم سأله بصوت أجش “أنت دخلت سجن أيه قبل كدا؟” أجاب المسجون بصوت خافت لم نسمعه فدفعه مدنى نحو زاوية يفترض أن تكون حمام بلا باب مشيراً لزجاجة بلاستيكة بجوار مدخل الحمام تفور منها رغاوى الصابون “طيب خش ارفع المياة والصابون وشخ ورجع”. حبست أنفاسي متخوفاً من التجربة المهينة متذكراً ما حكاه كسح وكيف يجبرون المساجين على شرب المياة بالصابون وأكل الحلاوة الطحينة واحتجازهم حتى يتبولوا ويتقيئوا ليتأكدوا من فراغ أمعائهم.

لكن انقذنى صوت “مدنى” من قلقي وهو يسلمنى بنطلون وقميص بلا أزرار أزرق اللون ومن قماش خشن. “وأنتم البسوا دا، أى هدوم ألوان معاكم ستحفظ في الأمانات، ولأول وآخر مرة بقول لكم، أى حد معاه موبيل، شريحة تليفون، أداة حادة، أى أدوية، مخدرات، أو حاجة كدا أو كدا يطلعها دلوقتى عشان بعد كدا لو حاجة ظهرت النتتيجة مش هتكون كويسه”. من حقيبتى أخرج عسكري التفتيش كتاب إيزيس، ناوله لمدنى الذي قلب الكتاب كجثة أرنب مسلوخ، ثم نظر باتجاهى وخاطبنى “الكتب ستراجع في المباحث وإذا سمحوا بها سوف تعاد لك، إذا لم يسمحوا سنضعها في الأمانات لتستلمها عند خروج أو أهلك إذا جاءوا لزيارتك”.

 

11.4.jpg
صورة من داخل احد ممرات سجن طرة

 

قادنا مدنى نحو الباب الحديدى في نهاية الساحة ونحن نحمل حقائبنا التى أصبحت أخف بعدما صادروا منها ما اعجبهم. عبرنا الباب إلى ساحة واسعة تتوسطها حديقة مهملة ومبنى من طابقين مطلي بالأرزق. دخلنا المبنى وصعدنا السلالم نحو الدور الثانى. كان هناك صدى خافت لأغنية قديمة لأم كلثوم تنبع من أحد الزنازين ويتردد في ارجاء السجن. توقفنا أمام باب حديد علقت بجواره لافتة مكتوب عليها 2/4. فتح حارس آخر يرتدى ملابس صفراء الباب مستعينا بمفتاح حديد ضخم. قادنى مدنى إلى الداخل، كانت غرفة/عنبر مطلية بالأصفر تقريباً تبلغ مساحتها 6 أمتار عرض في 20 متر طول على الجانبيين بنيت من الخرسانة مراقد النوم من مستويين. أشار الحارس ذو الزى الرسمى الأصفر لمرقد علوى وقال “أنت هنا يا كامل” وضعت حقيبتى بينما وقف جيرانى في المرقدين السفليين وابتسامة ترحيب على وجههما. خرج الحارس وأغلق الباب وبدأت حواسي في استيعاب اضاءة المكان ورائحته المكتومة. أجلسنى حمادة الذي ينام أسفل منى بجواره وعزم مختار الذي ينام مقابلاً له بكوب شاى علي.

كان هناك الكثير من عبارات الترحيب والابتسامات التى كنت أرد عليها بابتسامة حظرة وشعرت أن خجلى القديم يعود لى والدم يندفع خجلاً إلى وجنتى، تطوع أحدهم بتهيئة فراشي حيث علق حقيبتى في مسمار أعلى المرقد الذي فرد عليه بطانتين بعدما طبقهم ليصبحوا كأنهم مرتبة. اقترح حمادة عليّ الاستحمام ولم أكن قد استحممت منذ يوم المحاكمة. أخرجت غيار داخلى ومنشفة واتجهت لنهاية العنبر حيث خمس حمامات على اليسار وعلى اليمين سخان كهربائي لطهو الطعام بجوارة ثلاث أحواض لغسل الوجه، دخلت الحمام الأول وأغلقت الستارة البلاستيكة القذرة خلفي.

دشٌ معدنى في الأعلى. وفي الأسفل مبولة بلدى تطفو داخل عينها قطعة خراء بنية الون. خلعت ملابسي ثم قرفصت جالساً في وضع التبول لكن بعيداً عن حفرة الخراء. أغمضت عينى في تركيز وكتمت أنفاسي لثوانى لأركز قوتى في عضلاتى التى تحزق، شعرت بأثر الضغط في أمعائي لكن بلا نتيجة. أخذت نفس أخر وكررت الأمر ثانية بلطف أولاً ثم أقوى قليلاً وقد شعرت بعضلات دبري تستجيب هذه المرة. نظرت لأسفل ما بين فخذى لم يخرج شئ بعد. حزقت أكثر فظهر طرف الكيس البلاستيكى خارجاً من صرم طيزى. كان الألم موجعاً في أمعائى لكن مع كل حزقه وكل دفع كنت أشعر بالراحة كأن الألم يولد منها منفصلا بوجعه. مددت يدى بين ردفي، وأمسكت بأصابعى أطراف الكيس، وبالتزامن مع الحزق أخدت اسحب الكيس خارج صرم طيزى وبفضل كريم الشعر الذي دهنته كانت الولادة/ الاخراج انسايبية، حتى خرج الكيس كاملاً وبداخله الأوراق مطوية على شكل أسطوانة وقد علقت بعض قطع الخراء بالكيس الذي يغلفها. فتحت المياة، وتحت القطرات المنسابة من الدش غسلت الكيس مزيلاً آثار الخراء وكريم الشعر قدر المستطاع. فردت الكيس فاستويت الأوراق التى يحتويها.

منذ سنوات بعيدة وفي يوم واحد عرفت أن حب حياتى وزوجتى قد ماتت أثناء قيامها بعملية إجهاض على يد ذات الطبيب الذي كانت تخوننى معه وحملت منه دون أن أعرف. في ذات اليوم ماتت أمى أمام عينى بالسكتة القلبية بعدما انفجرت فيها معنفاً ومهيناً كل ما بذلته من أجلى. قتلت أمى الحبيبة ذات القلب الضعيف بكلماتى الخارجة القاسية لكنهم قالوا أن وفاتها طبيعية وقضاء قدر، وكان عقابي الوحدة واليتم والألم حينها اكتشفت الكتابة لأول مرة، لكن ظهرت عطيات والكأس والبار وانتزعونى من الأوراق. وتطلب الأمر سنوات لأنسي ثم لأتذكر حتى أعود للكتابة، واكتب قصتى في شكل رواية، وبسببها تم التنكيل بي ودُفعت للمحاكم ومعدة العدالة الامبراطورية لهضمى وإعادة تشكيلي وتوجيهى. وها أنا مرة أخري وقد فقدت كل شئ، عطيات والبار، وحريتى لكنى ما خشرت السبيل، لدى الكتابة وأوراق وثلثي روايتى الثانية التى أعمل عليها، وعلى الورقة الأمامية اسمى. أنا كامل رؤوبة لاظ وهذه ليست حكايتى فقد حكيت قصتى سابقاً.

 

 

 

 

 

 

الشك باليقينن -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.


الشك باليقين -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.

 

العلم يعري الحلم

في تجربة متكررة، يتم ادخل المتطوع إلى جهاز الأشعة المقطعية، وعلى الشاشة يتم عرض مجموعة من الصور لعناصر مُتعددة. تم قياس كل عمليات النشاط الدماغى التي تحدث في الدماغ عند رؤية كل عنصر وتسجيلها. بعد ذلك طلب من ذات الأشخاص إغلاق أعينهم وتذكر ذات العناصر والنتيجة هي تكرار ذات العمليات الكيمائية والكهربائية في المخ. لم توصل هذه التجارب لإجابة سؤال الرؤيا، هل نري بالعين كعضو من أعضاء الجسم إذا اشتكى تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمي، أما نري بالمخ الذي يترجم ويخزن ويخلق العلاقات ويكسب الألوان والأشكال المعانى المختلفة.

ثم تبين أن البعض يمكنهم الرؤية بعيون مغلقة. وجميع البشر يمكنهم الرؤية وهم في حالة النوم على حسب ما يرونه يتم تصنيف الأمر تحت فروع متعددة تنبثق عن بندين رئيسين، الحلم والكابوس.

1004419_539568756101087_1186123563_n