هانى مهنى: سيعود أوديسيوس الناجي إلى “إيثاكا” ولو بعد حين

في 20 فبراير من العام التالي لفوز مرشح الضرورة، المصري عبد الفتاح السيسي، حُكم على روائي/صحفي شاب، هو “أحمد ناجي أحمد حجازي” بعامين من السجن المُشدد، على خلفية بلاغ مقدم من مواطن ادعى أن نصًا روائيًا تسبب له “باضطراب في ضربات القلب وإعياء شديد وانخفاض حاد في الضغط وأن حياءه خُدش.” وذلك وفقًا للدعوى القضائية التي أسرعت النيابة العمومية بتحريكها، لتحصل في محكمة الابتداء على حيثيات براءة ارتكزت لمواد دستور يكفل حرية الإبداع ويمنع سلب المُبدع حريته لنشر نص مُعلن، إلا أن النيابة العامة، كوكيل عن عموم الشعب -وأنا منهم- ارتأت أن المصلحة العامة تحتّم الطعن على حكم البراءة، ليحكم استئناف القاهرة، بعد إعادة نظر القضية، بحبس شاب لأنه تجرأ على أن يدخل في لغة الأدب بضعة ألفاظ عامية، توصف على إنها بذيئة. وهو ما وصفته النيابة في مرافعة لا بد من أن نتذكرها، قائلة: “إنهم يريدون الإتيان على فضائل الآداب بكل ساعد.. فكيف نتحرج نحن أن نأتي بنيانهم من القواعد”.

كل ذلك معلوم، ومدون على الأنترنت، ولا يعوَّل كثيرًا عليه، لذلك لن نتعرض له بالمدح أو القدح أو التفنيد، فقط أرغب في الإشارة إلى أنه بسبب ذلك الحادث غير المتوقع نشأت حملة تضامن متباينة ومختلفة ترى كما صاغ مِصري، أن ما يحدث الآن “لحظة التهام وانتقام، حيث يغيب السلام الاجتماعي كما لم يغب من قبل في مصر” فلا سلام مع مجانين الحكم. وإن رغبت، أنصحك على سبيل الاستفادة بقراءة مقالتي أحمد شافعي “هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن“، وماهر عبد الرحمن “حكايات للأمير حتى يخرج” وذلك حتى نبدأ.

(عُ)

DSC_1644
أحمد ناجى في بورتريه غير شخصي

يقول قسطنطين كفافيس: “عندما تنطلق في رحلتك إلى إيثاكا/ ادعُ أن يكون الطريق طويلًا/ أن يكون مليئًا بالمغامرة/ مفعمًا بالمعرفة.”

في قصيدته إيثاكا، يتحدث كفافيس إلى عوليس/ أوديسيوس، العائد لتوه من المتاهة، وهو بطل شهير لملحمة عُرفت باسمه، ونعرفها باسم الأوديسة، لا تخبرنا الأوديسة عن مصير عوليس/ أوديسيوس بعد العودة، حيث اكتفى هوميروس أو جماعته بالمشهد الختامي الشهير. “عائد من التِيه/ متحديًا إله البحر -بوسيدون العظيم- أمام عرشه/ ليجد الغرباء/ يحتلون بيته وينهبون طعامه وينتخبون من بينهم من يضاجع زوجته”. وبعد أن تنهي بينلوبي أخر عُقدة ببساط الانتظار الطويل، يعود لينقذ ما تبقى.. “كَهلًا لكنه غاضب/ مُتعب من عناِء الرحلة لكنه مفعم بالمعرفة/ واهن لكنه مليء بالمغامرة/ ومشدود كمنجنيق”.. يعود أوديسيوس ليحكي عن الرحلة بلغة أقرب لقصيدة النثر، التي طالما كرهها -فاجرًا كما أحب.. دون أن يخشي رقيبًا أو وكيل نيابة طيب.. لمجتمع قبيح.

وحتي لا يصاب بالسأم، عند العودة، مهم أن يجد “ما تبقى” ينتظره أفضل مما كان.

(و)

حدث ذلك حسبما أظن في خريف ما، في عام من تلك الأعوام التي نظنها اليوم بعيدة رغم قربها، ونحن نتحدث عبر تطبيق “الياهو ماسينجر”، -وذلك ﻹعطائك لمحة عن السنة- أرسل إلىّ تعليقًا استفزازيًا، فتجاهلته، فلحقه بتعليق آخر، مع رابط مدونته على البلوج سبوت. مدونته حديثة وليدة، وكان صاحبها يشاغب ويتورط في معارك كلامية لا طائل منها إلا لفت الانتباه، يكتب بدأب راهب، وبجرأة تجبرك أن تتجاهل حتى أخطائه اللغوية أو النحوية، الحقيقة أننا تعلمنا جميعًا ألا نقمع الأخطاء اللغوية، كنا نصوبها ولكن بلا اضطرار، لكننا كنا ضد كل ما هو غير منطقي، ولذلك كانت المدونات حاضنة أفكار ومعملًا للأسلوبية وتحليل الخطاب، كان يكتب عن دورته اليومية كشخصية افتراضية، في صحراء أكتوبر يحكي عن حيتان تمرح في بحر الرمال. بين طوابق منزل والده هناك دورة ما بين المرحاض والكيبورد. ويمارس فانتازيا ذهنية سريالية، غير مؤذية، يقيس سجادة الصلاة بحافة مسطرة، ليرى إن كانت تصلح للاستخدام كبساط السندباد، ثم يقتبس المشهد كاملًا في روايته الأولى “روجرز”.

تلك حقبة غابرة، حقبة مليئة بالألعاب الذهنية واللغوية، يجهلها أغلب المتضامنين اليوم مع أحمد ناجي، حقبة المدونات، حيث الكلام مُباح، واللغة منفلتة من قواعد الصرف، والغضب وقود. تعلمنا سويًا كيف نزيح ذلك الهامش اللزج، لنخلق عالمًا أخر موازيًا، يسع ثورة الهرمونات، وكان واحدًا ممن دعوا لتوسعة الخيال. ليصبح ثقبًا أسود، اليوم خياله يُسأل، بينما يكتب أحد المتضامنين مع وسم #ضد_محاكمة_الخيال قائلاً: “بصراحة، لا أجد في حكاية أحمد ناجي فرصة للوقوف ضد الفاشية والظلام، ليست مُناسبة أخرى للدفاع عن الحريات، لا يهمني سوى أن يخرج صديقٌ من السجن، ونخرج معه من حالة (النكد) التي نعيشها. يستعيد أيامه، ونستعيد حياتنا الخاصة كأقلية في مجتمع يكره الأقليّات.”

وفي مجتمع يكره المجتمع، لم يخبرنا كاتب المقال كيف سيخرج “ناجي” دون أن يتحرر خياله؟ لكي يستعيد هو حياته الخاصة، وبصراحة أكثر، هو ككل “الانتلجنسيا” غير مُطالب بالدفاع عن الحريات، فقط عليه أن يتعلم كيف يمارس تلك الحرية باستخدام الحياة.

وبتعبير أكثر راديكالية: لم لا يكون كـ “أوسكار وايلد” إن استطاع؟ عليه أن يرسم لنا أولًا صورة دوريان غراي القبيحة، المخفية بحرص في قبو النخبوي المهذب، ذلك هو الحِنْثُ العَظِيمُ، لأننا سأمنا كل موظف على شاكلة حضرة المحترم.

(ل)

اِبْتِدَاءً مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تلك حرب جيل يتحدى الملل، هناك من تعلم قدسية الخيال، وأن الدهشة عتبات المعرفة، لذلك اندهش أغلبنا عند سماعنا بالحكم على “أحمد ناجي”، لم نغضب في البداية، بل تساءلنا عن صدق تلك الرواية “ده بجد.. ده حقيقي!!”.

خيالنا الضيق لم يتحمل الكابوس، في الزمن الآني هناك من يرى سببًا لتقيد حرية شخص، لـ 700 يومًا، بعيدًا عن الإنترنت، محرومًا من الشمس، محكومًا بمواعيد إطفاء النور، لا يرتدي سوى الأزرق، لأنه سَخَّر أنامله لتوصيف أعضائنا التناسلية بأسماء دارجة على كل لسان مصري فصيح.

هذا يحدث فى مصر العام 2016، حيث هناك كل صباح من يستخير محركات البحث، اسأل جوجل عن مدونة أحمد ناجي وسيجيب! وأتحداك أن كرهت ذلك الأديب، حتى ولو خدش حيائك.

كنا كأبطال قصص الكوميكس، أتين نحمل فوق ظهورنا خطايا التعليم والبطالة ونعاني من سوء التغذية، في مجتمع تجاوز المنطق، واتفق على تسمية العهر أصولًا، وثقل الظل خفة، والفساد فهلوة، والركون والكمون استقرارًا، والخنوع والمذلة حكم، والظلم.. انضباطًا. كنا نحلم باكتمال تحولات الدولة، لتصبح دولة، وكزهور برية تنبت دون بذور فوق سحابة، أدركنا أن الدولة أصل كل تلك الشرور.

تلك هي الأغلبية النسبية اليوم، الفاعلة في عالم يتغير، أمة صغيرة قد بلغت سن الرشد، فتعلمت أن عليها أول شيء أن تحطم النفاق، عملة ذلك المجتمع الرائجة، أن تخدش حيائه المزعوم، اختارت أن تسأل السؤال الصحيح، كنوع من المعرفة، أو كنفثات بالصدور، أفراد نهيم في بحور من الظلام أعوام، أعلنّا منذ اللحظة الأولى انتمائنا لـ “عائلة المدينة”، وهو مصطلح غير ثوري/ غير رومانتيكي -حتى لا يهرب المعنى- أطلقناه على الأصدقاء، وكنا نعلم أن “الصداقة علاقة مؤقتة، ليست كصلة الدم أبدية، وقد تنقلب إلى عداوة مع تغيير الأفكار والانحيازات، وأن الأصدقاء [عائلة المدينة] يحملون في جوهر وجودهم احتمال العداوة”. تلك الجماعة اليوم تسأل لماذا لا نخدش الحياء؟ إذا كان هناك حياء! تاركين الإجابة لمن يلينا.

(ي)

“الحرية ثمرة جهاد الأحرار، لا تجيء نتيجة لوجود المجتمع الحر، ولكنها هي التي تخلق المجتمع الحر” – [يخبرنا حضرة الموظف المحترم “نجيب محفوظ”، يوليو ١٩٩٢]

لذلك فكل ما نطلبه منكم اليوم أن تمارسوا حريتكم على الإنترنت، نطالبكم بها رغم علمنا أنكم تعيشون في مجتمع غير حر، حبس كاتبًا، وحاكمه على شهوة الخيال، بدعوى حماية القيم.

نطالبكم اليوم، إن لم تستطيعوا إعلان رأيكم صراحة، بإعلان الحياد التام، بين تلك الدولة التي أعلنت الحرب على الخيال، واثقة من النصر، وبين جيل تربى وتعلم كيف “سيتعامل”. وهو قادر على حماية وضعه.

وإن لم تستطيعوا إعلان الحياد التام، فكل ما نطلبه منكم، أن تتركوا لنا الإنترنت كمرفق مستقل.

“نحن ليست لنا حكومة منتخبة ولن تكون لنا على الأرجح حكومة؛ لذا نخاطبكم بسلطة لا تزيد على تلك التي طالما تحدثت بها الحرية نفسها لإعلان أن الفضاء الاجتماعي العالمي [الإنترنت] الذي ننشئه مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعون لفرضه علينا؛ ليست لكم شرعية لتحكموه ولا بيدكم وسيلة لقهره تستحق أن نخشاها. أنتم لم تنخرطوا في محاوراتنا. أنتم لا تعرفون ثقافتنا، ولا أخلاقنا، ولا قوانينا غير المكتوبة التي تنظم مجتمعنا. نحن نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغض النظر عن قدر تَفَرُّدِ هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكره على الصمت أو على التوافق. مفاهيمكم عن الملكية والتعبير والهوية، والحراك والسياق لا تنطبق علينا، فكلها مبنية على المادة، ولا مادة هنا.” ذلك إعلان لاستقلال الإنترنت. وقد ارتضيناه.

(س)

في المرة التي اجتمعنا فيها، على سبيل السخرية، ضمن “ملتقى الأدباء والمثقفين”، لم نتحدث، لكني أتذكر أنه قال شيئًا ما فجأة عن شعوره الأخلاقي، بالتزام ما تجاه القراء، ومن ثم انفجرنا سويًا في الضحك، كان كلانا يعلم رأي الأخر في القراء ومثقفي الحقبة الاشتراكية، وندوات الشعر الحماسي، وبنيوية حزب التجمع الوحدوي والغرض من مدارس الكادر السياسي، والمناقشات العميقة عن طبيعة اللون في معارض الفنانين التشكيكيين -دون ذكر أسماء- والمؤسسات الدينية والسياسية والسيادية، كنا نعلم أنكم مجتمع عاجز عن الفعل، وأنكم تتفاخرون ولا تعلمون، وإنكم أن تمكنتم من خيالنا ستخصونه، لذلك كنا ندون -هناك- على سحابة، تاركين لكم أعمدة الورق لتلوثوه.

ويوم كتبت عند بلوغي الـ 25 عن اكتمال الدائرة بالنسبة لي، كنص أخر مخادع يكتبه مهزوم يرغب في أن يظل مهزومًا دون أن يتوارى أو يلفظ من المجتمع، يحمل خطاياه وندوب فشله كالأوسمة والنياشين دون أن يتحول الفشل لوصمة عار تلاحقه، مثلما يحدث اﻵن مع رواية ناجي، التي وسمتها المحكمة بالمسمومة، ترك لي تعليقًا لا زلت أذكره “عارف اللغة اتخلقت ليه؟؟ علشان تخدعني الخدعة المناسبة، علشان نكتب نص زي دا، ونعيش فيه بشكل لائق ومناسب ونظن إننا أحرار”.

ذاك هو الفارق الجوهري، كما فهمناه، ما بين الفن/ الأدب/ الرغبة في الفعل. وبين أي شيء أخر، مثل القانون، لذلك خلق الله الناموس، ووضعت الدولة القانون لتقيد الحق في الممارسة (حقيقة مطلقة) ثم أتى الإنسان فمنح الإنسان القدرة على الخيال، فكان الإبداع ليحرره من أسر اللغة والأخلاق وأوثان الآباء. (حقيقة آخرى لكن نسبية) ولذلك استشعر أوديسيوس الناجي نصي ولم يستخف به.

فلتظنوا إذًا أننا نهاب دولتكم، نخشي سيف قضائكم وقهره، لكننا ونحن ننظر إليكم ونعريكم، كل ما نفعله هو طرح السؤال الأزلي “لماذا تخشون من تسمية الأشياء بأسمائها؟”، وهل “استخدام الحياة” رواية أم فاكهة  محرمة؟

نعم، نحن نحتفي بذلك الخراء -استخدام الحياة- ونعلم أنه ليس بهراء، نقف مع الفن الهابط لأننا نعي أنه طوق النجاة الوحيد للخلاص من شجرة بؤس لغتكم الخالية من المعنى. فمن أنتم حتى تحاكمونا؟ غير قوم تطالبون بأن نصبح مثلكم.

كل ما أرجوه ألا يعود أوديسيوس الناجي، على غرار قصيدة “ألفريد تنيسون” الشهيرة “عوليس”، ليعلن ضجره واستيائه، لأنه وجدنا كما تركنا. نخجل من كس الأمهات.

كل ما أرجوه أن يعود أديبًا، وليس ناشطًا يدافع عن حرية الرأي والتعبير. كل ما أرجوه أن يحافظ على الروح ليستخدمها كما اعتاد.

عزيزي أوديسيوس: أتمنى أن تصلك تدوينتي تلك، أينما كنت، هنا أو هناك، فقط عليك أن تعلم أنك وإن كنت الآن هناك، فأنت هنا، بيننا بخيالك السارح، وأننا ملتزمون اليوم، ريثما تعود، على أن نُبقي اللعبة كما تركتها، ممتعة. نصف مشبعة كعادة سرية.

وحتى نقتل ذلك الميناتورالغبي، ونحررك من تلك المتاهة، ربما نجلس حينها لنفعل كل ما اشتهينا من غير المعقول واللاأخلاقي دون حزن أو أسف. ربما نجد وقتها المعنى في أن نجلس لندون ذلك الكتاب الجامع، نحصي بحر رمال الصحراء، والكلمات منه لا تنفذ، حتى يثقل على كواهل الرجال المستحين، أثقل من كتب الدين، كتاب يحكي عقيدة ذلك الجيل، حكاياته كالثعابين تأكل أذيالها، يمجد بالكلمات روعة الفشل.. وليحيا كل ما هو هابط.

“وإن وجدتها فقيرة، فإيثاكا لم تخدعك/ فبعد أن أضحيت حكيماً/ وبعد أن تمتعت بهذه التجربة المديدة/ لا بد أنك أصبحت تفهم ماذا تعني إيثاكا.” – قسطنطين كفافيس. (1863-1933).

نائل الطوخى: دروس مستفادة من حبس ناجي، أولها الفردية

تمر هذه اﻷيام ستة أشهر على حبس اﻷديب أحمد ناجي بسبب مقاطع نشرها من روايته “استخدام الحياة” في جريدة أخبار اﻷدب، واتهم على إثرها بـ”خدش الحياء العام”. يُعد ناجي اﻷديب الوحيد المحبوس حاليًا في سجون النظام بسبب أدبه، ولكن على ما يبدو فهذا لا يكفي لتفسير اختلاف قضيته عن سائر القضايا في عيني المتابعين. بهذه المناسبة، وبعد أن هدأت قليلًا حدة البيانات الانفعالية المتضامنة، يمكننا أن نحاول اﻹجابة على سؤال “لماذا يختلف حبس أحمد ناجي عن حبس غيره؟”، ما يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر: “لماذا يختلف أحمد ناجي عن غيره؟”

شارك ناجي في ثورة يناير، ولكن لم يمنعه هذا أبدًا من اتخاذ مواقف مستفزة طول الوقت لجموع الثوريين. لم يكن ممن انخرطوا بعنف في الاستقطابات التي اشتعلت في مصر عقب الثورة، وإنما كان يقف على حافة الاستقطاب دائمًا ، يتأمل من الخارج حارقًا دم جميع المستَقطبين. وعلى العموم، فقد وصف ناجي فيما بعد مشاركته في الثورة بـ”العمل الصبياني”.

12441_217603880350_541205350_4538118_6655916_n
بورترية لنائل الطوخى

طول الوقت يغني الكثير من الشعراء والأدباء للفردانية، ولكن ما أن يظهر على أرض الواقع شخص كامل الفردية، متخلص من ضغط الجماعات المتناحرة من حوله، حتى يشعرون بعدم ارتياح. لهذا كره الكثيرون ناجي؛ ﻷن الفردية الكاملة، رغم كونها قيمة محبوبة نظريًا (انظر لكم اﻹعجاب الذي تُنطق به عبارة “لا يشبه إلا نفسه”)، هي في الحقيقة شائكة وموحشة وغير مريحة، حتى لمن يتغنّون بها.

يشكل القطيع دائمًا حماية للشخص؛ يستأنس به ويشعر بالدفء في وجوده. وبالتأكيد يشكّل تهديدًا للسلطة، فالمجموع أقوى من الفرد بطبيعة الحال، ومجموعات متحدة يمكنها تكسير جدار لا يقوى على تكسيره فرد واحد. ولكن ما نريد قوله إن الانتظام في جماعة ربما أيضًا لا يكون عمليًا في جميع اﻷحوال؛ أحيانًا ما يسهّل القطيع سيطرة السلطة على المعارضة. فلأن القطيع يلزمه رأس، يمكن تشتيته بمجرد نزع رأسه.

هذا يقودنا إلى ثورة يناير، والتي كانت عبارة عن مجاميع ضخمة تتكون من أفراد لا يملك كل منها إلا حسابًا على فيسبوك.

في فيلم “حياة براين”، يتبع المؤمنون براين، الذي يتصورونه المسيح الجديد. يؤكد لهم هذا مرارًا وتكرارًا أنه ليس المسيح فلا يصدقونه، فيصرخ فيهم “ليس عليكم أن تتبعوا أي شخص، أنتم أفراد”، فيهتفون بشكل جماعي ومتجانس تصديقًا لكلامه: “نحن أفراد!” يصرخ فيهم “كلكم مختلفون عن بعض”، فيهتفون بشكل جماعي: “نعم. نحن كلنا مختلفون عن بعض!” يبدو لي كثيرًا أن هذا التزاوج بين الفردي والجماعي كان مفتاح ما حدث في الثورة.

على خلاف اﻹخوان المسلمين، الذين هم أكبر جماعة منظمة في تاريخ مصر الحديث، والتي أمكن تشتيتها فقط عبر نزع رأسها، فلم يمكن هذا بعد مع ثوريي يناير. لا يزال اﻷخيرون قادرين على الإلهام وعلى توجيه المجتمع باتجاه رؤاهم.

“التشتيت” ليس اللفظ اﻷدق. فصحيح أن اﻹخوان المسلمين تشتتوا، ولكن الثوريين مشتتون طول الوقت أيضًا. قد يكون اللفظ اﻷدق هو “نزع السحر”. أمكن نزع السحر عن اﻹخوان المسلمين عبر عزل مرسي، ولم يمكن هذا بعد مع الثوريين. الثورة بلا قائد، كان هذا من البداية إلهام الثورة ومقتلها في آن. وﻷنها بلا قائد، وﻷنها عبارة عن مجموعات مختلفة ومتباينة، تتكون من أفراد مختلفين ومتباينين، لا يجمعهم إلا السخط على الوضع القائم، فقد أمكن لهؤلاء اﻷفراد التسلل في المجتمع، أحرارًا ومرنين، ونزع السحر عن النظام العسكري الحاكم وعن اﻹسلاميين في الوقت ذاته.

في هذا كان ناجي ممثلًا لروح الثورة، أو لروح “الإنترنت”، أو لـ”المعاصرة”. واﻷخيران، اﻹنترنت والمعاصرة، كانا حجته الدائمة. يكفي أن يشير ناجي إلى نظرية بأنها قديمة، حتى تبدأ مجموعات من حوله في الانفضاض عنها، تتبعها مجموعات أخرى أوسع، وهكذا.

المؤسف والمعقد أنه كما كان ناجي فردًا كاملًا، فقد أتى التضامن معه فرديًا أيضًا. بعد فورة البيانات القوية لم يعد يشير لناجي إلا أشخاص معدودون. رغم محاولات اﻷدباء لتنظيم حركات تضامن واسعة، على غرار الحركات التي تطالب بالحرية لفلان أو لغيره، إلا أن شيئًا في وعي المتضامنين كان يشير إلى أن الموضوع مختلف قليلًا. كأن ناجي لم يرغب هو نفسه في هذا التضامن. أو كأن التضامن الجماعي هو ضد مشروعه باﻷساس.

هذا هو العيب الأساسي للفردية، كونها غير قادرة على توفير الحماية لصاحبها. قد تحميه فكريًا، ولكنها لن تحمي جسده من الإيذاء على يد السلطة.

***

اﻵن يبدو طبيعيًا أن يُحبس ناجي بسبب كتابته، ولكن هذا ليس إلا بأثر رجعي. قبلها، لم يتخيل أحد من أصدقائه أو المتضامنين معه إمكانية حبسه. ظل ناجي وحده في مكان بعيد عن الصراع السياسي الدائر، وبالتأكيد عن اﻷحكام بالحبس، ﻷنه فرد أولًا ولا يعبر سوى عن وجهات نظر شديدة الفردية، وﻷن في سجالاته شيء شديد الشبه باللعب.

بعد حبسه، خمن الكثيرون أنه حُبس ﻷسباب لا علاقة لها بالبذاءة، وإنما لأسباب سياسية، في محاولة ربما للتقليل من شأن قدرة البذاءة على استفزاز السلطة. ورغم وجاهة النظريات المطروحة، فقد كان التفسير اﻷبسط أكثر إقناعًا؛ ناجي محبوس بسبب الألفاظ البذيئة التي استعملها في كتاباته. رجاء عودوا إلى الفصل المنشور وفكروا، هل يمكن لمصري من الطبقة الوسطى، مصري غير مثقف ولا يؤمن بحرية التعبير، ألا يغضب من ألفاظ كهذه؟ ثم السؤال التالي: ماذا سيفعل شخص كهذا إن وجد نفسه يملك سلطة الحبس، وهو يقرأ الفصل المنشور؟ سيستخدم السلطة التي يمتلكها بطبيعة الحال. وكل الكلام (الدستوري) حول “الحق في التعبير” و”حرية الرأي” و”لماذا يؤخذ الكلام إلى المحكمة”، لن يعدو أن يكون رطانة بالنسبة له، قبيحة أو جميلة، ولكنها في نهاية الأمر رطانة تتحطم أمام هذا الولد الذي يحتاج لإعادة تربية من جديد.

في هذا السياق، لا تمكن اﻹشارة لشخص أحمد ناجي بدون اﻹشارة لسخافاته المتكررة. بدا ناجي طول الوقت كأنه يأخذ موضوع “التساخف” كلعبة مسلية، حتى وإن لم يخل تساخفه من منطق ومن ذكاء في كثير من اﻷحيان. كان قادرًا على تحويل أي رأي جاد لمسخرة بكلمتين، وعلى إحراج الكثيرين ممن بذلوا مجهودًا ضخمًا في صياغة نظرية ضخمة بكلمة واحدة. وفي المقابل، بدأ الكثيرون مع الوقت أيضًا ينمّون مهارة التعامل مع سخافاته، حتى أصبح التساخف والتساخف المضاد لعبة مثيرة بالنسبة لنا، نمّت ذكاءنا وعلمتنا أن الآراء لا ينبغي أن تقال بسبب الوجاهة التي تمنحها لقائلها، ﻷن ناجي (ومعه الإنترنت) قادران على هدم هذه الوجاهة في ثانية.

ما حدث بالضبط هو أن شخصًا أتى من الخارج، بلا أي معرفة بقواعد اللعبة، فمزق أوراقها وحبس لاعبًا فيها. هذا التفسير الأبرز لإحساس الصدمة وعدم التصديق لدى الكثيرين من حبس ناجي، بالأحرى لدى الكثيرين ممن تساخف عليهم ناجي سابقًا؛ هناك شيء ما انتُهك في القواعد؛ ناجي ينتمي للمساحة التي نلعب فيها، لا المساحة التي يلعبون فيها.

هناك بالطبع الكثيرون ممن تساخف عليهم ناجي وهاجموه بعد حبسه، وهذا طبيعي، فأحيانًا يرغب المهزوم في اللعبة بأن تأتي السلطة وتعتقل المنتصر. ولكن اﻷغرب هم هؤلاء الذين لم يحتك بهم ناجي أبدًا، ولم يطب لهم الهجوم عليه إلا بعد حبسه. ربما خافوا من احتمال أن يتساخف عليهم في المستقبل؟ ربما كان وجوده مريبًا بالنسبة لهم، حتى مع عجزهم عن تعريف سبب الريبة هذه؟ ربما أحسوا أنه ابن ثقافة معادية لهم بالضرورة؟ على العموم، كثيرًا ما يجتمع الجبن والنذالة في نفس الشخص، ولا ينبغي أن يشغل المرء باله بهذا النوع من الجبناء اﻷنذال، ﻷنهم في الغالب تعساء أيضًا.

***

بالإضافة لفرديته، فناجي ليس شخصًا واسع التأثير كذلك. لا يظهر على التليفزيون، ولا كتبه تباع بعشرات اﻵلاف، ولا يملك منصبًا حكوميًا عدا عن كونه صحفيًا في جريدة “أخبار الأدب” النخبوية. لا يملك إلا حسابًا على فيسبوك وآخر على تويتر، ومقالات يكتبها كلما عنَّ له.

ربما يكون عميق التأثير، ولكن ليس واسعه، أعني أنه ذلك النوع من اﻷشخاص الذين يتسرب تأثيرهم إلى من حولهم، بفضل طزاجة منطقهم فحسب، وليس بفضل احتلالهم مواقع واسعة التأثير بطبيعتها. هذا أيضًا واحد من أسباب اﻹحساس بالصدمة لدى من يعرفونه، ﻷنه لا يُخشى من تأثيره السياسي الواسع، وﻷنه لم يدع أي دور قيادي.

ركز ناجي سهام سخريته كثيرًا على “المكانة الاجتماعية”، حطم مكانات اجتماعية كثيرة لأناس حوله بمنتهى البساطة، ومع كل هذا، فلم يدعِّ الزهد والصعلكة، على غرار شعراء الستينيات مثلًا، بل كان دائم التغني مثلًا بأهمية الفلوس وبأن يحيا المرء حياة جيدة. بعد رحيل البرادعي لفيينا مع ما أثاره هذا من خذلان في قلوب محبيه، حياه ناجي بحرارة على صفحته الشخصية ﻷنه قرر أخيرًا أن يعيش حياة مريحة كبرنس معه فلوس.

إن كان هناك هدف رئيسي لناجي يؤمن به فهو التقدم، وإن كان لهذا الهدف تكنيك فهو الصراع. كثيرًا ما أخذ يردد في السنوات اﻷخيرة: “الصراع دينامو التقدم”. ويبدو لي أحيانًا أن التقدم كما يعنيه هو أن يفكر البشر من حوله في أشياء لم يفكروا فيها من قبل. وهذا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، وإنما يمر عبر طريق طويل من استفزاز العقل والتساخف المستمر، وكان ناجي شديد المهارة في كليهما.

محمود الوردانى يكتب: ما جرى ليس كارثيًا جدًا

عندما تلقيتُ خبر حبس أحمد ناجي شعرتُ بالصدمة والغضب معًا، وبدا الأمر لي كارثيًا إلى أقصى درجة، ليس فقط بسبب معرفتي الشخصية بناجي كأحد أكثر الكتاب الجدد جنونًا ونزقًا وموهبة وامتلاء بالحرية وممارسة لها في الكتابة، بل أيضًا لأن المستقبل القريب بدا أمامي منذرًا بتوالي كوارث من هذا النوع، خصوصًا لأن هناك عشرات الدعاوى المشابهة، مرفوعة فعلًا من ناس وجهات ومؤسسات، ضد أعمال أدبية وفنية ومقالات وأشعار، تنتظر دورها في أروقة النيابة وقاعات المحاكم. وحبس الأستاذ إسلام بحيري والحكم بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت ثم حبس ناجي، سيتلوه بلا أي شك أحكام على هذه الشاكلة على الأقل، فهم يحاربون الخيال، وأول خطوة في قمع الخيال ودحره، هي تجفيف المنابع وإشاعة الخوف وممارسة الإرهاب بتضييق المجال العام ثم المزيد من تضييقه.

01_02line
صفحة من رواية استخدام الحياة

قضيتُ اليومين الماضيين في التقليب في عدد من الأوراق والكتب باحثًا عن أي خيط يقودني لفهم إلى أين تمضي بنا كارثة بهذه الغباوة. ويحفل تاريخنا القريب بعشرات وعشرات من أحكام و قرارات بالمنع والمصادرة والحبس أيضًا، مثلما جرى لعلاء حامد عام 1992 بحبسه سنة لتأليفه  كتاب “مسافة في عقل رجل” الذي كان قد صدر قبلها أصلًا بثماني سنوات، وبالمناسبة وفي العام نفسه، 1992،  صدر حكم على صلاح الدين محسن لتأليفه ثلاثة كتب هي “عبطاوي” و”ارتعاشات تنويرية”، و”مسامرة مع السماء” بالحبس ستة أشهر أمضى منها أربعة أشهر قبل أن تُصدر محكمة جنح طوارئ أمن الدولة بالجيزة حكمها بإيقاف التنفيذ.

هذا عن الحبس بسبب تأليف الكتب والعياذ بالله فقط، ناهيك طبعا عن مصادرة الكتب أو الغارات الهجومية على المطابع لضبط كتب خادشة للحياء بشتى أنواعه والازدراء بمختلف ألوانه، مثل “ألف ليلة وليلة” و”الفتوحات المكية” لابن عربي و”فقه اللغة” للويس عوض، هذا إلى جانب العشرات من حالات التدخل الرقابي الفظ من جانب الرقابة الرسمية بالحذف لعبارات وفقرات لكُتّاب مثل يوسف إدريس وإدوار الخراط وصنع الله إبراهيم والطيب صالح ومحمد روميش ونجيب محفوظ وشريف حتاتة وفتحي غانم وغيرهم وغيرهم.

ومع كل ذلك الذي ذكرته، وهو مجرد أمثلة عشوائية، فإن حالة ناجي بدت لي أكثر كارثية في  مجتمع أشعل شبابه فتيل الثورة بعيدة الغور، حتى على الرغم من المآل المؤقت  الذي آلت إليه. لن أستطرد هنا، فهو شائع ومعروف، ولكن على سبيل المثال فقط، فالمادة 67 من الدستور النافذ بعد أن استُفتي الشعب عليه، تنص بوضوح على عدم توقيع أي عقوبة سالبة للحرية “في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري”. هنا عدوان واضح على الدستور ذاته، أليس كذلك؟ وعلى سبيل المثال أيضًا فإن الحكم السابق مباشرة انتصر لحرية الإبداع وقضى ببراءة ناجي، وهو حكم لم يمض عليه إلا أسابيع قليلة.

لا منطق ولانظام بل انتهاك، وليس مجرد خدش للدستور والقانون. النص المنشور في “أخبار الأدب” سبق نشره في كتاب، ومن لا يريد أن يُخدش حياؤه لا يقرأ الكتاب، هل هناك أكثر بديهية من هذا؟ كما أنه ليس من سلطة النيابة والقضاء الحكم على الأعمال الأدبية والفنية،  بل من سلطة النقد الأدبي، وهذا ما أوضحه بجلاء الأستاذان صنع الله إبراهيم ومحمد سلماوي أمام المحكمة في جلستها السابقة، لكن النيابة لم ترعوِ واستأنفت فكان الحكم الصادم.

لا أريد أن أستطرد أيضًا حول التهمة التي زُج ناجي في السجن بسببها، وهي خدش الحياء العام. من يحدد معايير خدش الحياء العام؟ هل لوحات محمود سعيد وموسيقى زكريا أحمد وأغاني عبد الوهاب وتمثيل فاتن حمامة خدش للحياء العام؟ مجرد مناقشة مثل هذه البديهيات تصيب الواحد بالضجر.

هناك إذن شيء ما أو أشياء، لا يمكن وضعها في سياق، لا على مستوى تنفيذ القانون ولا على مستوى المنطق.

أنا على سبيل المثال، شعرتُ بغضب شخصي، بل بالإهانة، بسبب اتهام المصريين، بعد ثورة بحجم ثورة يناير، بالسُعار الجنسي والهياج، بحيث تتأثر جموعهم بما احتوت عليه رواية ناجي من ألفاظ تثير اللعاب. أي خدش للحياء يتحدثون عنه؟وهل ما يفعله مرتضى منصور وأحمد موسى مثلًا يشكل خدشًا للحياء أم زغزغة ومهارشة بريئة مثلًا؟

وعندما يحدث هذا في وقت يتم فيه بكل قوة وحزم تضييق المجال العام، بدءًا بالأحكام الصادرة على الشباب في قضايا التظاهر والاحتجاج السلمي، وعودة السيطرة الأمنية على أجهزة ومؤسسات الإعلام، ومطاردة منظمات المجتمع المدني، وليس انتهاءً بحبس إسلام بحيرى وحكم فاطمة ناعوت ثم حبس أحمد ناجى، عندما يحدث هذا، فمن الطبيعي أن أرى أن ما جرى ويجري أمور كارثية، ولكن رد الفعل خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية كان مذهًلا. ليس فقط الحالة المعنوية العالية لناجي في محبسه، وسرعة تضامن العشرات من زملائه الكُتاب والفنانين من كل الأجيال والتيارات والاتجاهات، بل أيضًا التضامن العملي من جانب نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين وجبهة الحريات وغيرها من المنظمات والهيئات.

وهكذا فإن ما جرى أخيرًا ليس كارثيًا جدًا، وأغلب الظن أن المواجهة المنتظرة بين سدنة قمع الخيال وتضييق المجال العام من جانب، وقوى المجتمع الحية من الكُتاب والفنانين من جانب آخر، لن تنتهي بهزيمة الخيال.

إتجدّعن يا ناجي، واحنا عارفين إنك جدع

 

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

هيثم الوردانى يكتب: ضمير المتكلم وسياسة اﻷدب

يقبع الكاتب “أحمد ناجي” في السجن منذ فبراير الماضي تنفيذًا لحكم بالحبس لمدة عامين بعد إدانته بتهمة “خدش الحياء العام”. وتعاقبت فصول محاكمة ناجي كما هو معروف إثر نشر جريدة أخبار الأدب القاهرية الفصل السادس من روايته “استخدام الحياة” في صيف ٢٠١٤، إذ أقام أحد القرّاء دعوى على الكاتب والجريدة بعد “إصابته بارتفاع في ضغط الدم واضطراب في نبضات القلب” من هول ما قرأ في الفصل المنشور. وقبلت النيابة الدعوى المقدَّمة، ثم شرعت في التحقيق مع الكاتب الشاب (30 عامًا) منطلقةً من أن الجزء المنشور من الرواية هو مقالة صحفية وليس عملًا إبداعيًا، ووُجهت له تهمة “خدش الحياء العام”. جاء حكم درجة التقاضي الأولى في مطلع يناير ٢٠١٦ ببراءة الكاتب لعدم توافر القصد الجنائي، أعقبه حكم محكمة الاستئناف المفاجئ في فبراير الماضي بإدانة الكاتب. ودخل ناجي السجن، في حين بقيت روايته، للمفارقة، حُرّة طليقة، تُباع على أرفف المكتبات وأرصفة بائعي الكتب.

من يتكلم؟

تأتي قضية ناجي في لحظة استثنائية وصلت فيها الخصومة السياسية في مصر إلى درجة غير مسبوقة من التوحش والفُجور. فلا يكاد يمر يوم من دون خبر اعتقال أو إخفاء قسري أو تصفية خارج إطار القانون. ومن نافل القول إن حرية الصحافة أو التعبير لا تحظى بوضع استثنائي في هذا المشهد الكئيب. لكن رغم التسيس الذي لا مفر منه في اللحظة الحالية، ورغم انخراط أحمد ناجي وجيله في نشاطات وممارسات استطاعت تغيير المشهد السياسي جذريًا على مدار العقد الماضي، رغم كل ذلك فإن قضية ناجي هي قضية أدبية في المقام الأول وليست قضية سياسية. أو على نحو أكثر دقة، قضية ناجي لا تتعلق بالسياسة بوصفها صراعًا على السلطة، وإنما بما أسماه “جاك رانسيير” سياسة الأدب. أي تلك السياسة التي ينحتها الأدب من خلال ممارساته. فالكتابة، حتى ولو لم تتناول مواضيع سياسية، أو تروج لفكرة سياسية، هي دائمًا في حالة اشتباك مع الواقع. والانحيازات الأدبية للكتابة، أي طرقها المختلفة للعمل على مادتها، من تنظيم وتوزيع وتأطير وتشتيت، هي ما تخلق سياسةً للأدب، وتتيح له التفاعل مع واقعه. قضية ناجي بهذا المعنى هي قضية لا تنتمي إلى الصراعات السياسية الحالية، أو على الأقل لا تنتمي إليها فقط، وإنما تنتمي بعمق إلى معركة الأدب القديمة، أي منذ ظهوره كشكل جديد من أشكال فن الكلام. هذه المعركة تتمثل في إصراره على تأسيس سياسة نصيّة مستقلّة والعمل من خلالها. تتقاطع هذه السياسة مع الواقع في نقاط مختلفة عن تلك التي تتقاطع معه فيها السياسة بمعناها التقليدي. وفي زمن احتقار السياسة، بل ومحاولة وأدها من قبل الجميع، يغدو من الأهمية بمكان تلمس أفق جديد للسياسة، نوع آخر من السياسة، وذلك من خلال فهم معركة الأدب وتأملها في خصوصيتها وصيرورتها، لا باعتبارها مجرد تابع لصراع سياسي راهن، من دون أن يعني ذلك بالطبع عزل تلك المعركة عن اللحظة الحالية.

ث

يمكن القول إجمالًا إن قضية ناجي بُنيت على تهمتين، إحداهما مضمرة والأخرى معلنة، التهمة المضمرة هي قيام الكاتب أحمد ناجي نفسه بالأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية في روايته، والمقصود بالأفعال هنا هي أفعالٌ من قبيل تعاطي المخدرات وممارسة الجنس. أما التهمة المعلنة فهي كتابة ونشر ألفاظ وعبارات تُعدّ خادشةً للحياء العام. التهمة الأولى كانت حاضرة بقوّة في التحقيقات الأوليّة حسب شهادة من حضرها، ثم تراجعت تدريجيًا، وهيمنت التهمة الثانية شيئًا فشيئًا على مسار القضية، لتصبح في النهاية قضية خدش حياء عام. غير أن هذا لا يقلل من الأهمية الكبرى للتهمة الأولى المضمرة، إذ إنها تنطوي على أحد أسئلة الأدب الجوهرية. فهي تحيلنا مباشرة إلى صراع خافت يعمل في قلب قضية ناجي، صراع آخر غير الصراع على حرية التعبير أو حدود الخيال، إنه الصراع على ضمير “الأنا”. هذا الصراع يدور حول سؤال: من يتكلم على لسان ضمير المتكلم؟ من هي هذه “الأنا”؟ رواية “استخدام الحياة” لمن لم يقرأها اختارت أن تسرد ما حدث لبطلها “بسّام” باستخدام ضمير المتكلم. “بسّام”، أي المتكلم، هو شاب يعيش في قاهرة المستقبل. يعمل “بسّام”، ويحب، ويمارس الجنس، ويدخل في صراعات مع آخرين في المدينة، تمامًا كما يحدث عادةً مع غيره من الشخصيات الروائية. وبعد نشر الفصل السادس من الرواية في صحيفة أخبار الأدب انفجر فجأة هذا السؤال القديم مرة أخرى في وجه الجميع: من يتحدث هنا بضمير المتكلم؟ هل هو المواطن أحمد ناجي متخفيًا وراء شخصية مختلقة؟ أم هو الشخصية المختلقة “بسّام”؟

الادعاء رأى أن ما نُشِر هو مقال، وبالتالي فهو يسجّل حقائق. هذه الحقائق تُنسَب إلى من كتب المقال، أي ناجي، وبالتالي يحق للقانون محاسبته عليها. أما دفاع الكاتب أحمد ناجي فحاجج بأن ما نُشِر ليس مقالًا صحفيًا وإنما نص ابداعي متخيل ومقتطع من رواية، يسرد أفعالًا قامت بها شخصية مختلقة تدعى “بسّام”، ومنفصلة عن شخصية كاتبها. هناك إذن طريقتان في فهم الذات تتصارعان في هذه القضية. الأولى ترى في الذات وحدة مكتملة، متوحّدة مع نفسها ومنفصلة عن أي آخر. أقوالها متسقة دومًا مع أفعالها. والثانية ترى في الذات وحدة غير مكتملة، يداخِلُها الآخر وتعتريها الشقوق. أقوالها لا تتسق دائمًا مع أفعالها.

لذلك فعندما يكتب أحمد ناجي نصًا بضمير المتكلم على لسان “بسّام”، فإن الطريقة الأولى في فهم الذات – وهي ليست قاصرة على القارئ مقيم الدعوى أو الادعاء، بل تنتشر بدرجات مختلفة بين كثير من القراء، والكتّاب أيضًا – هذه الطريقة سترى في هذا النص اعترافًا بأفعال حقيقية وقعت لناجي نفسه، لأن ذاته هي ذاتٌ مكتملة، مسؤولة عن أفعالها، وأقوالها تشير إلى أفعالها تلقائيًا بصرف النظر عن أي حِيَل كتابية. في حين سترى الطريقة الثانية أن الذات، أيّةُ ذات، هي مكان للاختلاف والغيرية، وبالتالي يمكن لناجي أو غيره أن يتحدث مستخدمًا “أنا” لا تخصه، “أنا” أخرى، لقول حقيقة لم تقع بالضرورة. لنُسمِّ الآن الأنا التي تقترحها الطريقة الأولى “الأنا القانونية”، والأنا الثانية “الأنا الأدبية”.

يعتمد القانون، بما هو إدارةٌ للحقوق والواجبات، اعتمادًا كليًّا على منظومة الذوات. عليها يضبط الحقوق والواجبات، ومن دونها لن يمكنه أن يقوم بوظيفته. الذات من وجهة نظر القانون هي شرط وقوع الفعل. فلا يوجد فعل من دون فاعل، أي من دون “أنا” يُنسب إليها هذا الفعل، سواء قامت به أو وقع عليها، وسواء اعترفت به أم لم تعترف. ولا يمكن للقانون أن يقبل بفك الارتباط بين الفعل والفاعل، أو بتعقيد مفهوم الفاعل، لإن ذلك يعني فساد منطقه. فالذات إذا لم تكن نقطة ثابتة ومحددة في الفراغ، فلن تُمكن نسبةُ الأفعال إليها، وبالتالي ستسقط المسؤولية من وجهة نظر القانون، ولن تمكن محاسبة المرء على ما فعله. الذات قانونيًا هي إذن وحدة إدارية، تقع في إطار نظام حكم سياسي واجتماعي معيّن. وتنبع مسؤوليتها القانونية من واقع ارتباطها بأفعالها بعلاقة سببية تخارجية، أي أنها سبب خارجي ومستقل عن الفعل نفسه، ومن ثمّ تمكن محاسبتها عليه. أما الأدب فمن خلال الصدع الذي يحدثه في ضمير “الأنا”، أي من خلال إتاحته الفرصة لاستعارة أو إعادة تشكيل الأنا أثناء الكتابة، فإنه يُخرج الذات من البناء القانوني المحكم، ويجعل الفعل نشاطًا لا يصدر عن فاعل يسبقه، بل عن فاعل يتشكل من خلال الفعل نفسه.

فعل الكتابة هو نشاط تقوم به ذات قيد التشكل، فالكاتب يحصل على ذلك الاسم فقط عندما يكتب وليس قبلها، وينتج ذوات أو شخصيات روائية هي أيضًا قيد التشكل. والعمل الأدبي ينبع، في إحدى مداراته، من حركة ترفض رؤية الواقع بوصفه قد اكتمل بالفعل، فالأدب يبحث دائمًا عن طرق ووسائل لإعادة فتح الواقع بعد أن بدا أنه قد تجمّد وأخذ شكلًا نهائيًا، من أجل العمل عليها وإعادة تشكيله. أين تكمن إذن المسؤولية في الأدب إذا كانت الأفعال فيه تتماهى دائمًا مع فاعلين قيد التشكل؟

في الأدب لا توجد قوانين تَفرض على الذوات واجبات أو تمنحهم حقوقًا، بل هناك ذوات تتداخل في طريق تخلقها وتشكلها. ذوات لا ترغب في البقاء على ما هي عليه، أو ما كُتب عليها أن تكونه. وهذه هي مسؤوليتها. بكلمات أخرى، المسؤولية الأدبية هي إعادة فتح الواقع من أجل جعل عملية إعادة تشكيله ممكنة. في الأدب يصعُب بالتأكيد نسبة فعلٍ ما إلى نقطة وحيدة تُدعى الذات كما يفعل القانون، لأن هذه النقطة أصبحت غيمة من ذوات متداخلة، قيد التشكل دائمًا. لكن ذلك لا يجعل المسؤولية تسقط، وإنما يجعلها تتعاظمi.

سؤال من هي هذه “الأنا” التي تتكلم هو سؤال سياسي بامتياز. فهو وثيق الصلة بسؤال إلى أيّ جماعة تتحدث هذه الأنا، وأيُّ إطار يحكم العلاقة بينهما. الذات القانونية هي ذات من الممكن حُكمها وإدارتها بيروقراطيًا. من السهل سوقها وتحريكها في حشود، ومن السهل أيضًا تفريقها وعزلها داخل أبنية القانون. فهي نقية ومتسقة مع نفسها، مسؤولة عن أفعالها. عندما تقول “أنا”، تعني ما تقوله، لأنها تعرف ما هي هذه “الأنا”. إنها مكعب صغير يقف جوار مكعبات أخرى صغيرة ليكوّن معمارًا مجردًا يسمى الجماعة، ومسؤوليتها تجاه جماعتها تنظمها حزمة من القوانين والحقوق والواجبات التي تضمن عدم تداخل هذه المكعبات. أما الذات الأدبية فإنها عندما تقول “أنا” فهي تعني شيئًا آخر غير ما تقوله. لأنها لا تعرف على وجه الدقة ما هي هذه “الأنا”. أو لأن هذه “الأنا” هي دائمًا قيد التشكل، هي طيف من ذوات متداخلة، هي جماعة صغيرة. عندما يستخدم الأدب ضمير الأنا فإنه يُغيّر مرجعيته، مُفسحًا الطريق لنوع آخر من الذاتية. “الأنا” في النص الأدبي لا تحيل إلى ذات مكتملة مُعرَّفة، سواء كانت ذات الكاتب أو غيره، وإنما هي أقرب إلى كونها إمكانية جديدة، أو ولادة ثانية. الأنا هنا تُحيل، إن جاز التعبير، إلى ذاتية قائمة على ممارسةٍ داخليةٍ للغيرية. ولعلّ ذلك هو أحد الفروق الجوهرية بين الشخصية الأدبية والشخصية الواقعية. فالشخصية الأدبية ليست محض استنساخ لنمط الشخصيات الواقعية بكل خصائصها، بل هي نوع آخر من الذاتية. ذاتية تحيل إلى إمكانية الاختلاف والتغيير. هي نقد للذاتية كما يعرفها القانون.

DSC_0029
واحدة من رسائل التضامن التى وصلت لى عن طريق نادى القلم الدولى

كيف يمكن إذن حُكم وإدارة مثل هذا الذاتية التي يقترحها الأدب؟

ما هو الإطار الذي ينظم علاقتها بجماعتها؟

لا يُمكن بالتأكيد أن يتم ذلك بقوانين إدارية. ما يقترحه الأدب هو، ويا للغرابة، رفع المسؤولية إلى مرتبة القانون الأساسي. فتصبح أفعال تلك “الأنا”، أيّة “أنا”، خاضعة في الأساس لمسؤوليتها أمام نفسها، أي مسؤوليتها المترتبة على فهم أن الذات ما هي سوى مكان لاختبار الغيرية. بنية لا يمكن أن تستقر، وإذا استقرت تخلّت عن مسؤوليتها. الأدب لا يكفّ عن إنتاج شخصياته وإخراجها إلى الواقع، لا لتمييع المسؤولية، وإنما على العكس، من أجل تعقيدها. والمسؤولية التي يقترحها الأدب كإطار لعلاقة الفرد بجماعته هي مسؤولية إعادة فتح الواقع، إعادة فتح الماضي، إعادة فتح الذات، لا لترسيخ كل ما سبق، وإنما من أجل جعل إمكانية تغييره واردة. فالأدب ليس شأنًا خاصًّا يحدث فقط في الكتب، بل هو أداة اجتماعية يمكن للجميع استخدامها. أداة لفهم الذات وصياغتها بناءً على التفاوض المستمر مع المستحيل في لحظة تاريخية بعينها. وضمير “الأنا” كما يمارسه الأدب يصلح أيضًا للتطبيق خارج الكتب بالكفاءة نفسها. فخصوصية الأدب في فهمه للسياسة، لا تعني عزلته، وإنما تعني دقّته في تشكيل مجال عمله. تعني رغبته في الانتماء إلى الواقع المشترك من خلال محاولة تغييره، على طريقته. أو كما قال “رانسيير” في كتابه “سياسة الأدب” “إنه [أي الأدب]، باختصار، مركزٌ آخر للمدركات وطريقة أخرى في ربط قدرة انفعالية حسيّة بقدرة على الدلالة. إلّا أن رابطةً أخرى بين المعنى والعالم الحسيّ، وعلاقةً أخرى بين الكلمات والكائنات، تعني أيضًا عالمًا آخر مشتركًا وشعبًا آخر”.

ما هي هذه البنية التي نسميها “أنا”؟

هل هي بنية تخيلية؟ أم هي بنية قانونية؟ أم لعلها مزيج منهما؟

بتقدم التحقيقات في قضية ناجي توارى سؤال الأنا شيئًا فشيئًا، وتراجعت التهمة الأولى لكي تتصدر التهمة الثانية الخاصة بخدش الحياء مجريات القضية، حتى أصبحت الأخيرة تتمحور حولها. وصدر الحكم النهائي بعقوبة السجن بعد أن أثبتت المحكمة تهمة خدش الحياء تحديدًا. لكن الالتباس الخاص بالتهمة الأولى وسؤال من هي “الأنا” التي تتكلم ظل مخيمًا على القضية، وظهر جليًا في منطوق الحكم. فالمنطوق يشير إلى نص ناجي تارةً باعتباره “مقال للعرض والتوزيع حوى مادة كتابية”، وتارةً أخرى باعتباره “مادة مكتوبة”، وتارةً ثالثة باعتباره “مقال”. في الجلسة الأخيرة للقضية قبل صدور الحكم، وبعد أن يأس الحاضرون من رفع هذا الالتباس، قام رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب، والمتهم الثاني في القضية، طارق الطاهر، وقال للقاضي إن لديه ما يرغب في إثباته في محضر الجلسة.

ما الذي رأى الطاهر أن من المهم إثباته في هذه اللحظة التي ترتسم فيها ملامح الكارثة في الأفق؟ ما أراد الطاهر إثباته هو أنه في أثناء إحدى جلسات التحقيق التي لم يحضرها ناجي قال له ممثل الادعاء إن بإمكانه حبس ناجي بتهمة تعاطي الحشيش الذي كان يدخنه بسّام في الرواية. وعندما أثبت الطاهر ذلك في محضر المحاكمة دافع ممثل الادعاء عن موقفه قائلًا إنه كان بإمكانه أيضًا حبس ناجي بتهمة تصنيع الحشيش، لأن بطل قصة “السنيورة” التي كتبها ناجي أيضًا بضمير المتكلم، قام بطبخ الحشيش، لكنه لم يفعل. مما يدل من وجهة نظر الادعاء على أن موقفه من ناجي موقف غير شخصي. من المستبعد أن تكون بادرة الطاهر قد لعبت دورًا في حكم المحكمة النهائي، إلا أن أهميتها تكمن في كونها آخر ما يمكن الدفاع به. كأن لسان حال هذه البادرة يقول: إذا لم يكن من الممكن دفع الالتباس، فعلى الأقل يمكن تسجيله. بعدها رُفعت الجلسة للحكم، وأُدين طارق الطاهر أيضًا في القضية، وحصل على أقصى عقوبة يوقعها القانون على رئيس التحرير في جرائم النشر، وهي غرامة مالية قيمتها عشرة آلاف جنيه.

الجسد الأدبي

يزخر التراث العربي بالكثير من النصوص التي تتحدث صراحة ومن دون تورية عن الجنس. لذا لم يكن من الغريب أن يحاجج دفاع ناجي على براءة موكله من تهمة خدش الحياء العام مستخدمًا مقاطع من “العقد الفريد” و”أغاني الأصفهاني” و”أخبار أبو نواس”. في هذه المقاطع نقرأ عن نساء يتحايلن لكي يضاجعهن أزواجهن، وعن أمراء يغرقون في عسل جواريهم. نقرأ ما قاله الظرفاء عن الأعضاء الجنسية، وما أنشد به الشعراء في المضاجعة. ورغم منطقية هذا الدفع الذي يستند على وجوب إجازة لناجي ما أُجيز لمن سبقه، وذلك بحكم انتماء الجميع إلى الحقل المعرفي نفسه، أي الكتابة، إلا أن هناك اختلافًا جذريًا بين الأدب بمعناه الحديث، والذي تنتمي إليه رواية ناجي، وبين النصوص التراثية التي تتناول الأخبار والنوادر وأوضاع الجماع.

الفارق باختصار هو أن الأدب كما نعرفه اليوم هو خطاب مباين تمامًا للخطابات التي تقف الأعمال الأدبية التراثية على أرضيتها، فهو شكل جديد من أشكال فن الكلام، شكل تاريخي مرتبط بعالم لم يعد يسكنه فقهاء وأمراء وجواري ورعايا، وإنما يسكنه أفراد يعيشون في عمران ينفجر كل يوم في وجوههم، وتحكمهم فيه سلطة سياسية لم تعد تتركز في يد شخص واحد.

الجنس في الأدب الحديث ينتمي إلى ذاتية لم تعد تبحث عن إطار فقهي لرغباتها، أو عن أبيات تحتفل بفحولتها. إنها ذاتية باتت أكثر تعقيدًا ووعيًا بما يلحق بمسارات رغبتها من انسدادات جراء وضعها المعيشي. والأدب هو خطاب لهذا النوع من الذاتية، والتي يمثل الجنس أحد خطوط مواجهتها مع المجتمع وأخلاقه. على هذا الخط تفحص الذات ضعفها وهشاشتها، تفحص شبقها وانحرافها عن المعياري. مشهد الحفلة في الفصل الأزمة الذي قاد ناجي إلى السجن ينطلق من سؤال: “ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟” أو بكلمات أخرى، ما هي الإمكانيات المتاحة في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ بعد هذا السؤال تأتي تلك الجملة التي وقفت على الأرجح في حلق القارئ صاحب الدعوى، وهي الجملة التي تذكر الأعضاء الجنسية بأسمائها المعتادة، ثم مشهد ممارسة الجنس مع السيدة “ملعقة”. ما حدث لباسم بطل رواية “استخدام الحياة”، وما حدث لكاتبها أحمد ناجي من بعده، هو بالضبط ما تقدمه القاهرة اليوم لشبابها.

10483911_739261326135048_8090798527048330377_n
تفاصيل من لوحة صلب المسيح لوليد عبيد

من المثير ملاحظة أن منطوق الحكم لا يعارض تناول الجنس في الأدب بشكل منهجي، بل يعارض استخدام ألفاظ بعينها. يقول منطوق الحكم إن “من علوم اللغة العربية علم البلاغة ومن أساليبها أسلوب الكناية والتورية، فلو كان المتهم عالمًا بأساليب اللغة وآدابها لاستخدم أيًا منهما في التعبير عما أراد إذا ما اقتضى سياق الرواية ذلك، ولكن أنّى له بعلوم اللغة فقد اختار لنفسه أحطّ الألفاظ التي لا تستخدم إلا في مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. ليس من الصعب أن يخمّن المرء سبب الارتباط شبه القدري بين الجنس والكلمات الفاحشة في كل اللغات. إذ يظهر للوهلة الأولى أن الجنس، الذي كثيرًا ما تصمه المجتمعات المحافظة بـ “القذارة”، يجد صورته في الألفاظ “القذرة”، لأنها مثله محرمة ومستبعدة. أو لعلها استُبعدت بعد أن عبّرت عنّه. على أية حال هناك فيما يبدو جذر محافظ، أو ارتباك قديم حيال الرغبة مرّت به معظم المجتمعات وخلّف أثره في اللغة. بين الجنس والكلمات الفاحشة ما يشبه الحبل السُري. كلاهما يحمل ما يهدد النظافة الاجتماعية الكاذبة، ويُعيد وحش الرغبة الذي أراد الجميع إخفاءه بعيدًا. بلا كناية أو تورية.

لكن ما هي هذه الألفاظ التي تخدش الحياء العام؟

الألفاظ الخارجة النابية الفاحشة البذيئة الإباحية الساقطة القذرة؟ ما هي الألفاظ التي أسمتها المحكمة “أحطّ الألفاظ”، والتي أُقيمت عليها التهمة الثانية في القضية، وقادت ناجي إلى السجن؟ إنها ألفاظ تجري على الألسنة كغيرها من ألفاظ اللغة. لكن على ألسنة من؟ على ألسنة من أسمتهم المحكمة “مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. إنها لغة السوقة والدهماء، لغة الأوغاد والسفلة، لغة المراهقين والمتمردين. وكمجرم تائب يتسامح المجتمع مع استخدام هذه الألفاظ مؤقتًا، شريطة أن يجري التخلّي عنها بعد ذلك. المجرم القديم الذي يعرف حلاوة الخروج عن القانون سيتسامح مع المراهقين والشباب إذا ما عزفوا عنها بعد وصولهم لمرحلة النضج والتحقق. وسيتسامح مع استخدام السوقة لها إذا ما تخلّوا عنها أمام مترفيهم. جريان الألفاظ النابية على الألسن يعكس إذن تصورًا اجتماعيًا للحياة كرحلة تصعد بالأفراد من القاع إلى القمة، من القذارة إلى الطهارة، من الفقر إلى الغنى، من سوقية الطبقات الدنيا إلى حذلقة الطبقات العليا. كأن السوقية هي ما تجب مغادرته إلى الأبد في سلم الترقي الاجتماعي، وليست أداة تعبير تكون هي الأدق والأفصح في سياقات معينة. لكن ما يثير الدهشة حقًا، أيًّا كان تصور المجتمع عن نفسه، هو عمق الجرح الذي تسببه هذه الألفاظ عندما تُقرأ في كتاب، مقارنة بالجرح الذي يمكن أن تحدثه عند سماعها فقط. مالذي يستدعي مقاضاة ناجي وعدم ترك روايته ببساطة جانبًا كما يحدث عندما يجد المرء نفسه في مكان يكثر فيه السباب مثلًا فيغادره؟ هل لأن الكتاب مرتبط بالطهارة؟ هل لأن القراءة مرتبطة بتصور طُهراني عن الذات؟ مرتبطة بتلك الخرافة الجماعية لرحلة عصامية تحمل المرء من القاع إلى القمة؟

اللغة مادة الأدب الأولى، والألفاظ الفاحشة هي منتج عضوي أفرزته اللغة نفسها، لذلك من الطبيعي أن يتوقف الأدب أمام هذه الظاهرة التي تجعل بعض الكلمات محرّمة وأخرى محلّلة.

أليس استخدام ألفاظ فاحشة في نص أدبي هو مراجعة لهذه التراتبية، بما يحمله ذلك من مراجعة لتراتبية الناطقين بكليهما، وبذلك هو جزء من سياسة الأدب؟ أليس استخدام ألفاظ نابية مراجعةً لأسطورة الطهارة؟ وإذا كان هذا هو هدف الكاتب حقًا فكيف يمكنه استخدام هذه الألفاظ من دون السقوط في الشعبوية أو الابتذال؟ ليس أحمد ناجي هو أول من يقف أمام كل هذه الأسئلة، فتاريخ الأدب المصري حافل بأمثلة متنوعة لخلق إجابات عنها، ولعلّ أكثرها زخمًا وقوّة هو ديوان الشاعر نجيب سرور، غير المطبوع والمنتشر رغم ذلك على نطاق واسع، ديوان “… أميّات” الشهير. وهو ديوان غني عن التعريف، صاغ شعرية شعبية مستخدمًا كل الألفاظ المحرّمة على الشعراء. الكلمة الأولى في عنوان الديوان غير خافية على معظم القراء، لكن كاتب هذه السطور قرر أن يستخدم مكانها النقاط الثلاث الشهيرة، فهل هذا هو عمل الرقابة الذاتية؟ عمل شرطة الأدب الداخلية؟ ربما. أو لعل الأمر مرتبط أيضًا بسياسة الأدب، فالأخيرة هي ما تجعل نصًّا يختار ممارسة حقّه في استخدام كلمة باتت تُعدّ خارجة، رغم أن الجميع يستخدمها ليلًا نهارًا، في حين يختار نص آخر وضع النقاط الثلاث، لأن قضيته ليست ممارسة الحق في استخدام ألفاظ يعدّها المجتمع خارجة، وإنما تأمّل هذا الحق.

كل اختيار منهما مرتبط بسؤال وبمجال بحث. مرتبط باختيار أدبي وانحياز في الكتابة في لحظة بعينها، باختصار مرتبط بسياسة أدبية. ومن حق كلا الاختيارين التواجد والعيش.

نعم، ليس ناجي هو أول من يقف أمام سؤال الألفاظ الفاحشة، ولا أول من يقف أمام سؤال الجنس في الأدب، ولكنه أول من يُودع السجن بسببهما في تاريخ الأدب المصري الحديث.

لماذا صدر الحكم ضد ناجي في هذه المرحلة تحديدًا؟ لماذا انتهت القضايا الشبيهة سابقًا إلى سحب الأعمال من الأسواق أو فرض غرامة مادية فقط على مؤلفيها؟ هل يرجع ذلك إلى الظروف السياسية الحالية والدور الذي تلعبه السلطة القضائية فيها؟ هل يعود ذلك إلى تغيّر في ذائقة المجتمع وتوجهه أكثر إلى المحافظة؟ هل سنشهد إذن مزيدًا من القضايا ضد أعمال أدبية؟ أم أن الأمر هنا سوء حظ ومصادفة عبثية؟ من الصعب العثور على إجابة مقنعة عن كل تلك الأسئلة، فهناك عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية التي تنشر في مصر اليوم يتضمن نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا.

كذلك لا توجد جهة رقابية حكومية تُعرض عليها الأعمال الأدبية قبل صدورها، وتملك سلطة رفضها أو الموافقة عليها. من ناحية أخرى، فهناك أكثر من قضية نشر حُكم مؤخرًا فيها بحبس الكتاب، مثل قضيتي الإعلامي إسلام البحيري الذي يقضي في السجن عقوبة بالحبس لمدة عام لتقديمه حلقة تليفزيونية اُعتبرت مسيئة للإسلام، والكاتبة فاطمة ناعوت المقيمة حاليًا خارج البلاد بعد صدور حكم بحبسها بتهمة ازدراء الأديان في تعليق لها على موقع الفيسبوك. جميع هذه القضايا أثيرت بدعاوى أقامها مشاهدون أو قراء. مما قد يشير إلى تنامي سلطة ما يدعون بـ “المواطنين الشرفاء.” لكن ما هي معايير عمل سلطة المواطنين الشرفاء تلك إن صح وجودها؟ وعلى أي أساس تُرفع قضية على عمل ما دون الآخر؟ لا أحد يعرف بدقة. هذه الضبابية هي سمة اللحظة الحالية في مصر، إذ لا يمكن معرفة ما إذا كان المرء قد تجاوز خطًا ما أم لا، ويصبح من العسير تقدير الخطوة التالية. يمكنك أن توجه نقدًا للنظام السياسي في مقال صحفي ولا يحدث لك شيء، أو تكتب رواية بها مشهد جنسي فتودع السجن. وهو الأمر الذي يثير الرعب حقًا.

لنعد مرة أخرى إلى تناول الجنس في الأدب.

الجنس في الأدب ليس ألفاظًا جنسية فحسب، بل أجساد أيضًا، أي نوع آخر من الكلمات يسمّى الضمائر. ومثلما يمتد حبلٌ سُري بين الجنس وبين الألفاظ الفاحشة، يمتدّ حبلٌ آخر بينه وبين ضمير المتكلم.

بالطبع لا تقتصر معالجة الجنس في الأدب على مقاطع تتحدث بضمير المتكلم، لكن هناك صدى شهواني خافت يرافق ضمير المتكلم، حتى ولو خلا كلامه من أي شهوة أو جنس. فالأنا مشحونة جنسيًا بطبيعتها، هي تجسّد وحميمية، بمجرد ظهورها يظهر جسد يتقاطع مع جسد الواقع الأكبر. الأنا ليست لحظة انتباه فكري فقط، أو جزءًا من تنظيم سياسي واجتماعي، وإنما أيضًا لحظة انتباه وتفتُّح جنسي. لحظة اتصال بالطاقة الليبيدية التي تسري في الحياة. إنها تمدّ تلك الطاقة بالحضور الذي تحتاجه، ليتشكل الجسد الذي ستتلبّسه في هذه اللحظة، ومن دونها تظل هذه الطاقة متخيلة وغير متعيِّنة. لكن ما هو هذا الجسد الذي يظهر مع ظهور الأنا؟ ما هو هذا الجسد الأدبي؟

إذا كان الأدب يرى في الأنا مجالًا للغيرية والتحول، كيف يمكن إذن لهذه الغيرية أن تحلّ في جسد؟ إنه جسد غريب بلا شك. جسد بلا اسم. درجة من التجسّد مختلفة عن الجسد الفيزيقي. فالأخير هو جسد هويّاتي، أو حُكم عليه أن يحمل هوية واضحة لا لبس فيها. أما الجسد الأدبي فهو الإمكانية التي لم تُكتشف بعد في الجسد، هو تجسّد خال من التأطير، وبالتالي فهو بلا اسم علم، حتى ولو حمل واحدًا. الجسد الأدبي هو إعادة فتح للجسد الفيزيقي من أجل شق مسارات داخل الانسدادات التي أصابته، من أجل البحث عن إمكانية جديدة لم يُلتفت إليها فيه. بكلمات أخرى، فالجسد الأدبي هو إعادة اكتشاف الجسد الفيزيقي وكل ما لا يزال كامنًا فيه، من أجل إعادة تشكيل لما ظننا أنه أخذ شكلًا نهائيًا إلى الأبد.

15619_10206083415233058_5471382005290153661_n
الأنا والعالم. خريطة فلكية قديمة لجسد السماء ومواقع الأبراج والأفلاك

يومًا ما سنقرأ تاريخًا لضمير الأنا في الأدب العربي. سيخبرنا هذا التاريخ كيف تتشكل الذاتية على ضفاف النص المكتوب، وكيف تُعاد صياغتها مع كل حقبة وسياق فكري واجتماعي وسياسي. سيرينا هذا التاريخ أن هناك طرقًا متعددة لتكوّن الذاتية كعلاقة بين الذات ونفسها، هذه العلاقة تربط الأفراد بالسياق الخارجي الحاكم لحياتهم، والذي يتغير في كل حقبة. سيكشف لنا هذا التاريخ كيف يمكن للأنا أن تصبح مركزًا للمقاومة، وكيف يمكن أن تلتف على نفسها لتتحول إلى ثقب أسود. تاريخ مثل هذا سيرينا الخطوط والمحطات التي تطوّرت الذاتية عبرها، وقد يعرّج في إحدى محطاته القريبة على كتابة التسعينيات في مصر، بوصفها الكتابة الأقرب إلى ضمير الأنا في الأدب الحديث، والصوت الأكثر التصاقًا بالذاتية. فكتابة التسعينيات مسكونة بضمير المتكلم، عثرت فيه على حليفها في رحلة انطلقت من الذات والجسد، رحلة جاءت في لحظة كان الجسد فيها يختفي تحت أستار التنميط والأيدولوجيا. لن يضع هذا التاريخ الذاتية على الطرف النقيض من الجماعية، ولن يساويها بالانعزالية، بل سيراجع اختيار الأنا التسعينية موضعة نفسها داخل جسدها الفردي كاستراتيجية للخلاص، ليحدد متى نجحت هذه الاستراتيجية في انتزاع حق تشكيل الحياة بشكل مستقل أمام التنميط الاجتماعي، ومتى انغلقت على نفسها لتعيد إنتاج التنميط الاجتماعي. سيراجع مثل هذا التاريخ كل ذلك، لأن الأنا التسعينية هي في النهاية “أنا” تاريخية.

الخيال كأداة للحقيقة

لا تكتمل الكتابة من دون أنا أُخرى أو ذات أُخرى، تعمل عليها قوى الكتابة. إنها ذات القارئ التي هي المجال الحقيقي لعمل الأدب. فالأدب هو تأثير ذات على ذات. لذلك لا يصعب تصديق القارئ الذي اختصم ناجي عندما قال إنه شعر “باضطرابات في نبضات القلب، وارتفاع في ضغط الدم”، فهذا هو بالضبط رهان الأدب. رهان الأدب هو أن الكلمة، على كل هشاشتها، يمكنها أن تُغيّر، يمكنها أن تؤثّر، يمكنها أن تجرح الواقع وتعيد فتحه بعد أن بدا أنه أُغلق إلى الأبد. هناك دومًا ذات تتلقى النص الأدبي مهمًا كان الضمير الذي كُتب فيه، ذات تفكر في ما تقرأه بينها وبين نفسها. اللغة لم تسعفنا بضمير خاص بالقارئ على غرار ضمير المتكلم، أي بتلك الأنا التي لا تتكلم وإنما تقرأ وتستمع. تلك الأنا الشاردة في الكتاب الذي بين يديها، غائبة عن الواقع وحاضرة فيه في آن. لذلك ليس أمامنا سوى استخدام ضمير واحد لكليهما، أنا واحدة. وقد يكفي ذلك بالفعل، لأن الأنا هي ذلك الحيز الذي يتغيّر فيه صاحبها كما رأينا. والقراءة الحقّة هي أيضًا استعداد لمبارحة النفس، وقبول دعوة التغيير التي يحملها النص المقروء، وليست مراكمة لما يُقرأ في مستودع داخلي يدعى الذات.

الكتابة والقراءة إذن تؤسسان لنوع خاص من الذاتية، فهما لا تنفكان تتصلان بضمير الأنا، ومعركة الأدب المستمرة هي كيفية فهم هذا الضمير. هل هو وسيلة لتحريك الواقع أم وسيلة لتثبيته؟ هل تقف وراءه ذات قيد التشكل أم ذات قد فرغت من تشكيل نفسها؟ بإمكان القارئ أخذ دعوة المراجعة والتغيير التي يطلقها الأدب بجدية، أو يهملها جانبًا. بإمكانه الاستمرار فيها أو العمل ضدها. فهذه هي مسؤوليته. ومن هذا المنطلق فإن جميع قضايا النشر الأخيرة هي قضايا تتعلق بمسؤولية القراءة وتبعاتها. هناك قراءة تؤدي إلى إقامة دعوى على الكاتب، وأخرى تسمح للنص أن يُغير القارئ. قراءة تنخرط في خدش الواقع، وأخرى تقيم حوله الأسوار.

هذا الواقع الذي خُدش يتأسس مثله مثل أي واقع آخر داخل خطاب ما للحقيقة، خطاب يحدد ما هو واقعي وما هو غير ذلك. لنعد الآن مرة أخيرة إلى الالتباس الأولي في هوية نص ناجي عند القارئ عندما نُشر في الجريدة. ما هو هذا الخطاب الآخر الذي خُلط بينه وبين الأدب في بداية القضية؟ إنه الكتابة الصحفية. رافع الدعوى وممثل الادعاء، بل والمحكمة في منطوق حكمها، الجميع تعامل مع فصل الرواية المنشور باعتباره مقالًا صحفيًا، أو في أفضل الأحوال باعتباره مقالًا حوى كتابة روائية. وما هي الصحافة؟

ما هو هذا الخطاب الذي نسميه صحافة؟

الصحافة الحرّة هي خطاب يضع على عاتقه في المقام الأول تقديم معلومة صحيحة، بعيدة عن التزييف أو الدعاية. فيمدّ قارئه بتقارير وآراء دقيقة وموضوعية، وبتحقيقات استقصائية تكشف الحقيقة. أو لنقل إن معركة الصحافة الحرّة أو الجادة مع غيرها من أنواع الصحافة هي معركة على ضمان صدق الخبر ونزاهته. هذه المعركة لا تُخاض فقط ضد الصحافة المدلِّسة، بل ضد أنواع أخرى من الصحافة أيضًا. علينا فحسب أن نتذكر المعركة التي شهدتها الصحافة العقد الماضي مع ظهور أشكال صحفية أخرى مثل المدونات وصحافة المواطن، ودارت رحاها حول كيفية التثبت من صحة المعلومة التي تقدمها تلك الوسائل الصحفية الجديدة، وضمان نزاهتها. باختصار يمكن القول إن الصحافة تنتمي لخطاب الحقيقةiv، هدفها تقديم الحقيقة وحمايتها من التزييف، وإشراك قارئها في هذا الخطاب لكي يكون جزءًا من الواقع الذي تؤسسه هذه الحقيقة. قارئ ناجي والادعاء خلطا إذن بين الصحافة والأدب، وتعاملا مع الأخير باعتباره خطابًا يُنتظر منه أن يقول الحقيقة. وفي خطاب الحقيقة لا توجد شخصيات مختلقة أو قصص مؤلفة. عندما تُدلي الأنا بشهادتها، عندما تقول إنها فعلت شيئًا، يُنتظر منها أن تكون صادقة فيما تقول، وبالتالي قد قامت بذلك بالفعل، وتتحمل تبعاته، وإلّا فإنها تكذب. ما منبع ذلك الخلط؟ هل الأدب لا ينتمي حقًا إلى خطاب الحقيقة؟ هل الأدب “كذب”؟ ما هي الحقيقة الأدبية؟

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

الأدب هو عمل دؤوب لإلحاق الخيال بالحقيقة. والحقيقة الأدبية المعجونة بخميرة الخيال ليست هي حقيقة ما حدث وتمّ بالفعل، ليست واقعة منتهية يمكن فقط معرفتها من خلال الاعتراف أو التقصّي، وإنما هي حقيقة غريبة تتعلق بما يمكن أن يحدث، أو ما كان يمكن أن يحدث. أي أنها حقيقة لم تقع بالضرورة بعد، أو لن تقع أبدًا. باختصار الأدب معنيٌ بتأسيس الحق في نسبة ما لم يقع (بعد) إلى الحقيقة.

تأسيس حق الخيال، لا الكذب، في الانتماء إلى خطاب الحقيقة. الأدب من هذه الزاوية يقدم أرضًا جديدة لخطاب الحقيقة بعيدًا عن أرض الصدق والكذب التقليدية. إنها أرض الخيال. والخيال هنا ليس مجرد تهويمات في الفراغ، بل هو تقنية لاختبار الحقيقة.

هو إعادة فتح الحقيقة من أجل العمل عليها، هو بالضبط رفض تصوّر الحقيقة بوصفها قد تمّت واكتملت، وإنما بوصفها دائمًا صالحة لإعادة التشكل. ولا يمكن لهذا الاختبار أن يحدث دون القراءة. أو على نحو أدق، القراءة هي اختبار الحقيقة عبر أدوات الأدب. مالذي يجعلنا نقرأ الأدب؟ لماذا لا نكتفي بقراءة العلم أو الدين أو غيرهما من مصادر الحقيقة النهائية؟ أو قراءة القصص الصحفية الجادة والتعليقات السياسية التي سترشد طريقنا في عالم مضطرب؟ ألا تكفينا كل هذه السرديات التي تحيط بنا؟ لماذا نحتاج ما يزيد حيرتنا وبلبلتنا؟

ربما لأننا بحاجة دومًا إلى البحث عن مخرج. فالأدب ليس مركزًا لإنتاج الحقيقة، وإنما لمراجعتها. إنه لا يدّعي تقديم مضمون الحقيقة أو فحواها داخل سردية، وإنما تقديم أدوات من أجل الخروج على سردية الحقيقة. والحقيقة بالنسبة إليه ليست جوهرًا مخبأ في مكان بعيد المنال، وإنما تتشكل في اللحظة التي ينفتح فيها الواقع على إمكانية مفاجئة. وأين يبدأ كل ذلك؟ في القراءة. فهي ما يجعل الخيال رجعًا لصدى الواقع، أرضًا نضع فيها الحقيقة على المحكّ، وليست أرضًا نهرب إليها من الواقع.

عندما يلجأ الأدب لضمير المتكلم فإنه يُلحق الذاتية بخطاب الحقيقة، فيصبح ضمير الأنا إحدى أدوات الأخير. هذه الأداة تختلف عن أدوات الحقيقة الأخرى مثل الاعتراف والتقصّي. عندما يتكلم ضمير الأنا في النصوص الأدبية التي تستحق فعلًا هذا الاسم فإنه لا يكذب علينا، بل يتحدث بمنتهى الصدق. لكنه لا يريدنا أن نفهم ما يقوله على أنه مضمون الحقيقة، وإنما يريدنا من خلال القراءة أن نفرك الحقيقة بورقة الخيال الخشنة التي يمدنا بها، ثم نقف لنتأمل الإمكانيات الجديدة الكامنة في الحبيبات المتساقطة.

في فصل الرواية المنشور في الجريدة يتحدث بسّام عن ممرات سرية تحت القاهرة يحتمي فيها من العاصفة التي دفنت القاهرة تحت أطنان من الرمال والأتربة، فهل يريدنا أن نصدق أن هذا ما سيقع للقاهرة فعلًا في المستقبل؟ أم أنه يقدم لنا أداة تساعدنا على مراجعة واقع المدينة؟ يقدم لنا حقيقةً لن تحدث لكي نختبر بها حقيقةً تحدث؟ ما نسميه الخيال هو مجموع التقنيات والأساليب والأجناس التي يبتكرها الأدب أثناء احتكاكه بمادة الحقيقة. القصيدة والرواية والقصة ما هي إلا أشكال مختلفة لدفع الحقيقة إلى حدودها القصوى، للضغط عليها حتى تتوهج. الأدب يقدح الحقيقة بحجر مجازها فيتطاير شرر الجمال. ومع الجمال قد يولد ذلك العالم الآخر أو الشعب الآخر الذي يتحدث عنه “رانسيير”.

هذا النص هو محاولة لإعادة قضية ناجي إلى بساط الأدب. محاولة لتأمل اللبس القديم بين الأنا الذي تظهر في النصوص الأدبية وبين تلك التي تعيش في السجلّات القانونية.

اللبس الذي تسبّب – ولو جزئيًا – في دخول الكاتب أحمد ناجي إلى السجن، ليس بالجديد، بل قديم قِدَم الأدب، يتجدد في كل عصر بقضية جديدة وضحية جديدة، وينطوي على واحد من أكثر أسئلة الأدب جوهرية. وسعى هذا النص إلى القول بأن الفارق بين طريقتي فهم ضمير الأنا يكمن باختصار في أن مدخل الأنا الأدبية إلى الحقيقة ليس الاعتراف بها، وإنما وضعها موضع اختبار. اختبار يقوم به قارئ. والحقيقة التي يريد الأدب اختبارها وإعادة فتحها ليست حقيقة مكتملة ونهائية، وإنما يُعاد تشكيلها مع كل مرة تُفتح فيها. هذه الحقيقة هي ما يؤسس الذات كحيّز للتحولات، ويؤسس الجسد كمكان للاكتشاف. وهذه الطريقة في فهم الحقيقة هي ما يمكّن الأدب من صياغة سياساته في التعامل مع الواقع.

الدفاع عن الأدب انطلاقًا من الحق في حرية التعبير وحرية الخيال هو دفاع مشروع وضروري بلا جدال. فلكل إنسان الحق في التعبير عن أفكاره كيفما شاء، بما في ذلك كتابة الأدب. لكن هل تعريف الأدب حقًّا هو أنه كلام حُرّ؟ هل ما يميز الأدب عن غيره من الخطابات النصيّة هو حرّيته في التعبير عن نفسه؟ بالتأكيد لا.

الحرية في أن يقول كل من يريد، ما يعنّ له، بالطريقة التي تحلو له، وفي الوقت الذي يجده مناسبًا، هذه الحرية هي الوعد الذي تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي لمستخدميها. أمّا الأدب فهو خطاب من نوع آخر. الأدب ينتمي إلى خطاب الحقيقة. فهو لا يريد أن يقول أي شيء فحسب، بل يريد أن يختبر الحقيقة، وهذا هو وعده. وهو يعمل على ذلك من خلال سياسات واستراتيجيات دقيقة خاصة به، مختلفة عن سياسات الأنواع الأخرى لخطاب الحقيقة مثل الصحافة أو القانون أو التاريخ، ولها أثمان غالية، يدفعها الكتاب من أعمارهم كما حدث في حالة ناجي أو غيره من الكتاب الذين سجنوا بسبب ما كتبوا. بين الكاتب والقارئ عالم مشترك. يريد الكاتب أن يفحص حقيقة شيء ما فيه، يريد أن يعيد صياغة هذا العالم المشترك، وهذه هي حريته. ويريد أن يفعل ذلك بمنتهى الصدق، ومن دون أن يتعرض للسجن أو الأذى، وهذا هو حقه.

سيخرج أحمد ناجي من السجن حتمًا عمّا قريب. إن لم يخرج اليوم فغدًا، وإن لم يخرج في هذا العام ففي الذي يليه. أمّا الجرح الغائر الذي أحدثته قضيته في جسد الأدب المصري فسيبقى مفتوحًا لعقود طويلة.

—— —–

نشرت في موقع مدى مصر عام 2016

ريشار جاكمون: أحمد ناجى استخدام الحياة والزومبي

ما إحساسك عندما تعلم أن مؤلف الرواية التي قرأتها واستمتعت بها على مدار الأيام القليلة الماضية حُكم عليه بالحبس عامين لخدش الحياء العام؟ تقول ها هو اسم آخر يضاف إلى القائمة. فهناك آلاف المواطنين أمثاله ملقى بهم في السجن، يتعرضون إلى شتى الانتهاكات، بلا محاكمة عادلة ولا حتى محاكمة صورية -بعضهم محبوس لارتدائه تي شيرت، وبعض آخر للتظاهر ضد القانون الذي يحرمه من حقه في التظاهر، وغيرهم الكثيرون محبوسين لأنهم تواجدوا في المكان الخطأ بالوقت الخطأ.

لقد أمضيت الأسبوعين الماضيين حزنًا على جوليو ريجيني. تحاول مع أصدقائك وزملائك الإيطاليين والمصريين وغيرهم التكهن بأسباب قتله وعواقبه، وتفكر في مسؤوليتك الشخصية تجاه طلابك. تتذكر زميلك عاطف بطرس، واحد من أفضل وأشجع الباحثين المصريين الذين قابلتهم خلال السنوات القليلة الأخيرة، وقد مُنع من دخول بلده وأُرسل ليعود إلى ألمانيا في اليوم السابق لوصولك مطار القاهرة آخر مرة. ما العمل؟ ما الذي يمكنك فعله هنا في فرنسا سوى أن تنفث عن غضبك على فيسبوك وتوقع على العريضة المعتادة؟

إلا أنك ما تلبث أن تتذكر أنك قد قرأت “استخدام الحياة” لا بغرض الترفيه فقط وإنما أيضًا لأنك قد كرست معظم حياتك المهنية لدراسة وترجمة الأدب المصري، وأن ذلك يلقي على عاتقك مسؤولية من نوعٍ خاص. تتذكر قصة بيير رابحي عن الطائر الطنان. قد لا يكون اسم بيير رابحي معروفًا للقارئ المصري، لكنه واحد من أكثر المفكرين المؤثرين في مجال البيئة في فرنسا. حدثنا رابحي عن هذه الأسطورة من تراث الأمريكيين الأصليين:

ذات يوم كان هناك حريق هائل في الغابة. شعر جميع الحيوانات بالذعر وقلة الحيلة وهم يشاهدون الكارثة. خاف الجميع عدا الطائر الطنان، الذي أخذ يطير ذهابًا وإيابًا ما بين الحريق وبركة مياه، ليلقي في كل مرة بضع قطرات مياه على اللهب. انزعج حيوان المدرع العجوز من هذا الحماس المثير للشفقة وصاح به: “كف عن هذه الحماقة! لن تطفئ الحريق ببضع قطرات من المياه تلقي بها واحدة تلو الأخرى!”، رد عليه الطائر الطنان قائلًا: “أعلم هذا، لكني أقوم بدوري.”

لحسن الحظ يبدأ العديد من الناس من حولك في التحرك، وبعد بضع ساعات تجد نفسك حلقة في سلسلة التضامن التي تمكنك من القيام بدورك بأفضل طريقة ممكنة. تتصل بك إحدى معارفك القدامى، والتي تعمل حاليًا مع الجامعة الدولية لحقوق الإنسان (IFHR). تسألك إن كنت ترغب في التوقيع على بيان أعدته الجامعة وترجمة الفصل المُجرَّم من الرواية باللغة الفرنسية. هذا أقل ما يمكنك فعله. تبعث الفصل إلى زميلك فريدريك لاجرانج وتعود إلى العمل على الرواية.

تعد الترجمة أقرب ما يكون إلى “القراءة المتمعنة”، ولذلك فهي على الأرجح أضمن طريقة لاختبار جودة النص. ومع ترجمة السطور الأولى تشعر أن نص أحمد ناجي يجتاز الاختبار بنجاح. أمامك كل ما تقدره في النص الأدبي: المباشرة والسخرية والصدق. ومن ضمن ما تجده علاقة الحب والكراهية مع القاهرة، والتي تربطك بها والعديد من المصريين من كل الأعمار. تستمتع بقدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويزيد ذلك من إعجابك به. إنه دليل آخر على حداثة الرواية العربية. فقد حاربت أجيال من الكتاب العرب لأكثر من قرن من أجل حرية التعبير عن أنفسهم، كيفما يحبون، وكما هم. تتذكر النص الاستهلالي في رواية “تلك الرائحة” (1966) حيث اقتبس صنع الله إبراهيم قول جيمس جويس: “أنا نتاج هذا الجنس وهذه الحياة. ولسوف أعبّر عن نفسي كما أنا.” ناجي ابن بار لهذا التاريخ.

في نهاية الفصل وفي منتصف المشهد الجنسي الذي يُزعم أنه قد أزعج قارئ “أخبار الأدب” وجعله يقيم الدنيا ويقعدها، تمر بفعل لم تشهده قط في آلاف صفحات الأدب العربي الذي قرأته: “رهزتها.” وكما هو معتاد في تلك الحالات تظن للوهلة الأولى أنه خطأ مطبعي، لكنك تجد أنه تفسير غير معقول. تعود إلى المرجع المقدس: النسخة الإنجليزية من قاموس هانس فير العربي الألماني. القاموس لا يضم الجذر. تزداد فضولًا. كاتب معاصر يستخدم جذرًا نادرًا لدرجة أن هانس فير لم يقر به، لا بد وأنه قارئ جيد للتراث العربي -وهي نقطة أخرى تحسب لناجي. تبحث على موقع لسان العرب على الإنترنت من خلال محرك الباحث العربي وتجد الكلمة:

الرهز: الحركة. وقد رهزها المباضع يهرزها رهزا ورهزانا فاهترزت: وهو تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة.

مذهل! هذا واحد من الأسباب التي جعلتك تقع في غرام هذه اللغة منذ أكثر من 30 عامًا، وما زال تأثيره فعالًا. ما زال هناك مجال لاكتشاف فعل عربي كلاسيكي من كلمة واحدة ذي معنى دلالي دقيق لا تجد له نظيرًا في اللغة الفرنسية، ويأتي ذلك في سياق رواية نشرت قبل بضعة أشهر. وأي معنى هذا: “تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة” -ونلاحظ أن لسان العرب يغفل الفروق النوعية بين الرجل والمرأة.

تتأمل الأمر لفترة لا يستهان بها، بينما تبحث عن فعل فرنسي من كلمة واحدة ينقل المعنى نفسه، ويكون وقع كل الكلمات التي تجدها فجًا بالطبع، بالمقارنة مع هذا الفعل العربي الممعن في القدم على نحو ساحر، ولا تجد أي مقابل يوحي بمعناه الدقيق. هل فهم القارئ المنزعج المعنى الحقيقي لكلمة “رهزتها” قبل أن يغيب عن الوعي؟ هذا لا يهم. المهم هو أنه كان هناك وقت يكتب فيه الشعراء والكتاب وعلماء الدين وكثيرون غيرهم ممن يكتبون بالعربية مستخدمين كلمات كهذه. وقت لم يخجل فيه زملاؤهم الذي جمعوا معاجم العربية الفصحى من إدخال هذه الكلمات في معاجمهم مع ذكر المصادر والاشتقاقات والمعاني. كما تجد أيضًا جذر كلمة “نيك” (نكح) في لسان العرب، لكنك لا تجده في أي معجم عربي حديث.

وتلك واحدة من أغرب تأثيرات عصر النهضة العربية وأكثرها خفاءً. لم تكتف النخبة المثقفة في عصر النهضة باستيراد الحس القومي والرواية والعديد من المنتجات المادية والثقافية من أوروبا، بل استوردت أيضًا القيم الفيكتورية الدخيلة على الثقافة العربية وسعت إلى فرضها على المجتمعات، وحدث ذلك بمساعدة النموذج الإسلامي الوهابي الذي دعت إليه الدولة السعودية في عقود لاحقة.

لم تكف المجتمعات العربية قط عن رعاية شتى أنواع ومساحات مقاومة هذا الإخصاء الأخلاقي المفروض من قبل النخبة، علمانية كانت أم دينية. وقد يكون الأثر الأكثر عمقًا والأطول أجلًا لثورات عام 2011 نابعًا من زعزعتها لهذا النمط الأبوي والبطريركي والتطهري للهيمنة الاجتماعية وإحداثها صدع به. هذا أكثر ما يخيف السلطات الحالية، ولهذا السبب فعدوها الأول ليس “الإرهاب،” أيما كان معنى هذه الكلمة، بل هذا الشباب المتمرد الذي نزل إلى الشوارع في 2011، والذي ينتمي إليه ناجي وأقرانه، ويعبرون عنه.

تصادف أن تعرفي الأول على كتابات ناجي كان قد جاء قبل بضعة أيام من سفري إلى القاهرة في يناير الماضي، وكان ذلك من خلال نص قصير نشر في كتاب “Génération Tahrir” (“جيل التحرير”) الذي اشترك في كتابته مع بولين بوجنيه (صور) وعمار أبو بكر (رسوم)، ونشر في مارسيليا (عن دار لو بيك أون لير Le Bec en l’air). في هذا النص القوي تحت عنوان “وداعًا للشباب” يضع ناجي الشباب في مقابل “الزومبي.” قبل الثورة “كان الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق.” ثار الشباب، لكن الآن وبعد مرور خمس سنوات قرر الشيوخ والزومبي والجنرال “أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودي بك إلى السجن.”

وسأترككم مع خاتمة ناجي:

“هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.”

عبد الله غنيم: نبؤة القاهرة في رواية “استخدام الحياة” و “عطار

كان يمكن للإسكندرية، استكمالًا لدورها تحت الحكم الروماني، أن تظل عاصمة لمصر حتى بعد الحكم الإسلامي، فقد خطَّط عمرو بن العاص للإبقاء عليها عاصمة لولايته بعد غزوها في 641 ميلاديًا، إلا أن خطابًا ورد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جاء فيه أن “لا تجعلوا بيني وبينكم ماء، فمتى أردت أن أركب راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت”، فغيّر عمرو خطته ليعود من شمال غرب النيل لشرقه، وينشئ مدينة الفسطاط، بجوار حصن بابليون – حي مصر القديمة حاليًا، وهو النواة الأولى لما سيعرف بالقاهرة في ما بعد.

بعد أكثر من 300 عامًا من وجود العرب المسلمين في مصر، توالت عليها فيها أربع دول، نشأت القاهرة. في الأول جاء قائد بأصول أوروبية، وبولاء للمعز لدين الله الفاطمي، اسمه جوهر الصقلي بجيش قوامه 100 ألف جندي، فرض به سيطرته على “مدينة مصر”، بحسب اسمها القديم، دون حرب، ومن الليلة الأولى لوصوله وضع الأساس للمدينة الجديدة “المنصورية”، وضمَّ بها المدن القديمة؛ الفسطاط والعسكر وما تبقى من القطائع، وبنى الجامع الأزهر.

بعد أربعة أعوام كانت المدينة مستعدة لاستقبال الخليفة الفاطمي، الذي انتقل بعائلته ورفات آبائه ودولته من المنصورية –جوار القيروان- إلى منصورية مصر، ليسميها القاهرة، التي تقهر الدنيا. وكانت تلك بداية الدور السياسي التاريخي للقاهرة، فبعدما كانت ولاية تابعة صارت مركزًا لإدارة جديدة للخلافة الإسلامية، تناطح سطوة الخلافة العباسية في بغداد على زعامة الدولة الإسلامية. ومنذ تأسيسها اتسعت القاهرة، حتى صارت القاهرة الكبرى المعروفة حاليًا.

نبوءة الجحيم

تصلح مدينة القاهرة لاستضافة فعاليات عديدة للجحيم، الجحيم اليومي الحالي الممثل في الانتقال بين نقطتين عبر كوبري أكتوبر مثلًا، أو في قاهرة 455 هجريًا، كما يرسمها الكاتب محمد ربيع في روايته “عطارد”، الصادرة عن “دار التنوير”، حيث صخر الخزرجي الشاب ابن الموت، الذي يموت ويُبعث في عام 455، لينذر الناس أنهم في الجحيم خالدين، أنهم “ما كانوا وما عاشوا، أنهم عاشوا على الأمل ولا أمل”. جحيم يضم الحشد المرعوب المسيّر كالموتى يوم الحشر؛ يصرخون أن “اللهم اقبضني”، رجل يلطم وآخر يصرخ أنه يلد، ويرى الواقفون المولود يشبه الكلب، قبل أن يعوي الجميع فيما يشبه الصراخ ولا يدرون أنهم يعوون. تنطق جثة صخر: “أنتم ميتون، كلنا ميتون” ليسأله أحد الواقفين: “كيف متنا ونحن نقف أمامك؟” فيرد أن “كلنا نقف في الجحيم”، كانوا يمشون في شوارع القاهرة الفاطمية، في عهد المستنصر بالله، تحديدًا قبل الشدة المستنصرية التي ضربت القاهرة بعامين، كأنها إرهاصة لما قبل الجحيم الذي ستعيشه القاهرة لسبعة أعوام، وسيقضي على أكثر من نصف السكان، مع مجاعة يأكل فيه الناس الكلاب، تتخللها أعمال السلب والنهب وعموم الفوضى. واشتدت تلك المجاعة حتى لم يجد الناس شيئًا يأكلونه، فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا. وتكونت فرق اصطياد البشر بغرض أكلهم، في جحيم سيغير خريطة القاهرة للأبد.

كان النيل في فيضانه يغطي اليابسة من حوله، وتصل المياه لحدود المنصورية، فأنشأ جوهر الصقلي، ضمن ما أنشأ، قنطرة سُميّت بـ”المقسي”، تقع عند الأزبكية حاليًا، وبعد نحو 300 عام سيتوقف النيل عن الجريان وتنحسر ماؤه لسبع سنوات عجاف، في ما عُرف بـ”الشدة المستنصرية”، وستجف المقسي وينبت بها الزهر والشجر حول البرك لتسمى بـ”بستان المقسي”، ثم “بركة بطن البقرة”، وفي عهد المماليك سيأتي أمير اسمه أزبك ليمهِّدها ويُجري إليها الماء من النيل ويسميها “بركة الأزبكية”. يصعد ويهبط نجم حي الأزبكية، مع المماليك ثم الفرنسيين، ثم يصير مع الخديو إسماعيل حيًا أوروبي العمارة في قلب القاهرة، تسكنه الطبقات العليا من المجتمع، حتى تأتي حركة الضباط في 1952، ويتحول معها الحي وتتغير علاماته، ليصبح مسرح حديقة الأزبكية هو المسرح القومي، وتتحول العتبة الخضراء إلى سوق لكل شيء.

في هذا الميدان سيجلس النقيب أحمد عطارد، في قبة سماوية تحملها أربعة تماثيل أعلى مبنى تيرينج الشهير، سيصطاد الناس من حوله، بموضع يتيح له قتل الناس. ببندقية قنصه وصناديق من الذخيرة سيقتل المارة عبر ميدان العتبة وميدان الأوبرا وكوبري الأزهر. سيقتل كل من يقع تحت منظار بندقيته، البائع والمشتري، السيدة والشابة. سيضع أسماء لضحاياه. سيظن نفسه ملاكًا وشيطانًا يخلص الناس من عذابات جحيمهم، أو يرسلهم لجحيم جديد.

يحدث هذا في قاهرة عام 2025. أصبح ميدان العتبة مسرحًا لقتل عشوائي، لم يتبق من تمثال إبراهيم باشا المميز لميدان الأوبرا غير ثلاث قوائم لحصانه، بعدما نُشرت رأسه وسُرقت أجزاؤه الواحد تلو الآخر. بعد غزو مصر تحت أقدام وتحليق طيران نحو نصف مليون فرد من جيش فرسان مالطا، تتحول القاهرة لديستوبيا حقيقية؛ تخلو جزيرة الزمالك من السكان، في حين تظل القاهرة الغربية -مدينة الجيزة غربي النيل- “محررة وتحت سيطرة المصريين تمامًا”، رغم تعرض بعض مبانيها للهدم بسبب القصف. تصور الرواية تعرض معالم القاهرة في بداية الاحتلال عام 2023 للقصف والتدمير والانهيار التام، وتشمل مبنى جامعة الدول العربية والبنوك والفنادق ودار الأوبرا والوزارات.

في القاهرة المحتلة من فرسان مالطة، وتحديدًا في شرفة برج القاهرة، يصف العقيد أحمد عطارد القاهرة كما يراها بعيني قناص؛ مبنى ماسبيرو رجل بمؤخرة ضخمة وردفين هائلين، وصدر وجذع نحيلين، ومبنى الخارجية رجل أوروبي طويل القامة بعمامة شرقية، ركام فندق هيلتون النيل الذي تهدم مع بداية الاحتلال هو سائح أمريكي سكران سقط ولا يدري شيئًا مما حوله.

رسم ربيع عالم روايته بدقة بالغة. في قاهرة عام 2025 تهدمت الأبنية التقليدية في العاصمة المصرية، في جحيم متخيل/متوقع إذا ما تعرضت مصر لاحتلال بلا مقاومة كما في فصول 2025 في “عطارد”؛ انتحار الناس في الشوارع قفزًا من الجسور والأسطح، القتل والسرقة والاغتصاب، خاصة بعد رحيل فرسان مالطا المحتلين بلا سبب، تقنين الدعارة وتعاطي الناس لمخدر جديد يُصنع من الحشرات اسمه “الكربون”. هذا حفل يأس لا نهائي، القاتل القناص فيه يخلِّص الناس، بقناع بوذا الذي لا يعرف القنص بغيره، وفعل القتل يصير مقدسًا على نحو ما. وحين يتوقف عن القتل، سيبحث الناس عنه، سيهتفون “أين ذهبت؟ عد واضرب”. إنّهم في الجحيم، والموت ينقلهم إما إلى الجنة أو إلى جحيم جديد لا يذكرون فيه جحيمهم السابق.

نبوءة بحر الرمال

هذه قاهرة لا تقهر الدنيا، بل تقهر نفسها وتشهد نهايتها، أو بالأحرى نهاياتها التاريخية، وقد تأتي النهاية على يد جيش محتل، لا خطط استعمارية لديه، أو بكارثة بيئية، تحيل الأخضر للأصفر الصحراوي، كما في رواية “استخدام الحياة- دار التنوير” للكاتب أحمد ناجي، فيما يُعرف بـ”تسونامي الصحراء”، الذي تغرق فيه القاهرة المحدودة ما بين المعادي والجيزة ومدينة نصر وشبرا تحت أطنان من الرمال، وشلالات الرمال المنسابة من كباري المدينة. خليط من الرياح الساخنة والعواصف والرطوبة يدوم لأكثر من أسبوعين بلا انقطاع، تتبعه عدة زلازل وهزات أرضية، ثم زلزال عظيم وتشققات أرضية تبتلع شوارع كاملة وتغير وجه المدينة المألوف كما تغير مجرى النيل، وبدلًا من خلو جزيرة الزمالك من السكان في “عطارد” محمد ربيع، فهي تختفي بالكامل هنا، تتهدم الأهرامات وتتحول لكومات من الأحجار. كل ما يميز الوجه الحضاري والتاريخي للقاهرة ينتهي متحولًا لصحراء، القاهرة الفاطمية والخديوية تصبح خرائب باستمرار العواصف الترابية، وتنتقل العاصمة للقاهرة الجديدة.

كل هذا يحدث في قاهرة مستقبلية، في زمن وسط بين أزمنة الرواية الثلاثة، والتي تدور بكاملها عن القاهرة، ويعلِن خلالها بطل الرواية “بسام بهجت” سخطه تجاه القاهرة الكبرى، زمن يحوي وصفًا للقاهرة الكبرى المعاصرة، بزحامها وسكانها وعمارتها العشوائية، الطريق الدائري والمجتمع المتاخم له، أكوام الزبالة ومزارع الخنازير.

بالتزامن مع لقاءاته العملية كباحث ومعد للأفلام التسجيلية يحضِّر بهجت أفلامًا عن عمارة القاهرة ويتورّط مع “جمعية معماريي المدن”، جماعة سرية أزلية التكوين، تدين بالمعرفة وتبحث في عمارة المدن حول العالم، وتهتم بالقاهرة “أم المدن” بحسب وصف إحدى عضواتها. في هذه الرحلة يتبدى بحث الكاتب في تاريخ عمارة القاهرة.

يحكي إيهاب حسن، أحد الأعضاء البارزين بجمعية معماريي المدن قصة أسطورية، عن قوم من جماعة قابيل ابن آدم، أول من اخترع الزراعة والقتل، وهما أول خطوتين في تأسيس المدينة، أن قافلة من سبعين راكبًا على رأسها نقراوس الجبار بن مصراييم بن مركاييم بن دوابيل بن مرباب بن آدم ظلت سائرة، حتى وصلت للنيل فأعجبها فيضه، واستقرت إلى جواره ومنحوها اسم التلميذ “مصراييم” فصارت مصر. صنعت حضارتها ومدنها، وتبدلت عواصمها عبر التاريخ حتى صارت القاهرة، بكل دورها السياسي والتاريخي في الماضي، أو تغيراتها الجغرافية والديموغرافية المعاصرة، مقالب الزبالة والزحام والتكدس فيها، مركزيتها واستقبالها للملايين يوميًا، فضلًا عن الملايين من سكانها، بعقدهم الاجتماعي الذي يفرض عليهم مزيدًا من الضغط والرقابة المتبادلين بين أفرادهم، وإيذاء بعضهم بعضًا لمجرد أن أحدًا يستطيع ذلك.

حلول أزمة القاهرة كمدينة تأتي على حساب مركزيتها، علاجها يأتي عن طريق التخلص منها. تطرح بابريكا، إحدى عضوات جمعية معماريي المدن، علاجًا للواقع الكابوسي للقاهرة وعشوائيتها وزحامها، هو تحويل مجرى النيل بعيدًا عنها، أي سحب الميزة الأهم لها، وهكذا تذوي المدينة وتفقد رونقها، وتقل كثافتها السكانية لصالح مدن عمرانية جديدة، ما يتيح الوقت والفرصة لعلاج قلب المدينة القديمة، أو اعتباره منتجعًا تاريخيًا مفتوحًا.

تأتي العاصفة “تسونامي الصحراء” متبوعة بالزلازل والتشققات الأرضية، يتحول مجرى النيل، تذوي المدينة لصالح مدينة جديدة. وكما تغيرت القاهرة تغير العالم، وخضع لحكم تحالف اقتصادي يضم 99 شركة، تتحكم بها بابريكا المهيمنة على شركة “معمار”. يتحكم التحالف في كل شي، من الزراعة لصناعة الأدوية والأسلحة والتحكم بشبكة إنترنت عالمية. أصبحت مدينة أكتوبر الجديدة تطل على النيل وعلى بحر رمال برتقالية تمتد وتحمل العديد من المراكب الشراعية المعتمدة في حركتها على حركة الرياح ومد وجذر الرمال. تبتلع رمال ناعمة السيارات وتحمل السفن. تضم مشهدًا سورياليًا كما في لوحة سلفادور دالي “إصرار الذاكرة”، صحراء ممتدة وساعات متدلية ستعرف باسم “صحراء دالي”. لا قاهرة في المستقبل، فقط رمال وصحراء ومعمار جديد، ههنا في المستقبل قاهرة سيريالية يقود فيها القرود المناطيد في بحر الصحراء.

هنا القاهرة، مدينة صالحة للجحيم المتجدد ما بين العصور، مدينة سيريالية ولا تزال تحتمل فرص أكثر للسيريالية وسيناريوهات النهاية، ماتت وولدت مرات عدة وتبشر بنهايات وميلادات أكثر، كما تبدو في كتابة روائيين شابين صدر عملاهما عنها عام 2014، أي بعد ثلاثة أعوام من الثورة، وفي مطلع فترة حكم يعتبرها كثيرون هي الأسوأ في تاريخها.