لكن منير ليس مسؤولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

 

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

لكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

وداعاً للشباب

رأيت الوحش لأول مرة في 2005، في وسط القاهرة أمام سلم نقابة الصحفيين حيث تجمع عشرات من الشباب والفتيات للهتاف “كفاية”. خرج الوحش من سيارات الشرطة بملابس عسكرية، وأحياناً متنكراً بملابس مدنية، ضرب المتظاهرين، سحل الشباب، وفي الشوارع قامت قوات الأمن بتعرية المتظاهرات وهتك عرضهن. وقتها كانت الصدمة الكبيرة، وتخيلنا أن هذا أقصى ما يمكن أن يفعله الوحش بنا، تخيلنا أن الكثير من الحب وتشجيع الآخرين على الانضمام لنا كفيل بأن يكبر جبهتنا من بضع مئات إلى مئات الآلاف وربما الملايين، وأن هذا كفيل بالقضاء على الوحش. هكذا كانت سذاجة الشباب وغروره بنقاء القلب وصدق المشاعر. وأنا، بدافع الاشمئزاز من خطابات الحماسة والمواجهة، كنت أنصرف عن كل معركة يظهر فيها الوحش.

Génération Tahrir
فوتوغرافيا: بولين

قابلت السذاجة وصدق المشاعر قبل ذلك بخمس سنوات. كنت طالباً في المدرسة الثانوية، وفي عام 2000 شاركت في مظاهرة طلابية تضامناً مع انتفاضة الأقصى التي اشتعلت بعد زيارة المدان بارتكاب جرائم حرب ورئيس وزراء إسرائيل بعد ذلك “آرييل شارون” إلى المسجد الأقصى، واغتيال القوات الإسرائيلية للطفل محمد الدرة وهو في أحضان والده. كان المدرسون في المدرسة يشجعوننا، دون أن يشاركوا، على السير في مجموعات صغيرة غاضبة تهتف بالحرية لفلسطين، وتتوعد بعدم نسيان حق “الدرة”. وسمح لنا الأمن بفتح أبواب المدارس لنسير في مجموعات أكبر في شوارع مدينة “المنصورة” حيث قضيت مراهقتي. تملكت الأطفال وطلبة المدارس حولى نشوة وحماس ناتج عن انتزاع حق الصراخ وامتلاك الحرية في الشارع للمرة الأولى. وحينما كانت تختلط مجموعات الطلبة كانوا يبتسمون في بلاهة ويحيون بعضهم البعض ويتعانقون في أداء مسرحي مبالغ في افتعاله. مدارس الذكور، في المنصورة، مثلما في معظم أرجاء مصر، مُنفصلة عن مدارس الإناث، وكان من المدهش في المظاهرة مشاهدة كيف يختلط الجنسان من المراهقين للمرة الأولى في سياق آخر غير سياق انتظار الطلبة الذكور أمام مدارس الفتيات للتحرش أو الاصطياد أو المغامرات العاطفية. لكن الزحام، وضرورات الموقف بما تفرضه من زعيق وانفعالات، وتضخم ذوات أفراد بؤساء يحلمون بقيادة الهتاف، كل هذا جعلنى منفصلاً ذهنياً عن الجماعة رغم أنى كنت جزءاً منها.

بعدها بخمس سنوات وأنا أغادر المرحلة الجامعية، سأتعلم أن نظام مبارك كان يترك المظاهرات المعادية لإسرائيل، بل ويدعمها ويقودها أحياناً. لتصور الكاميرات الجموع الغاضبة وهى تحرق علم إسرائيل، ثم يشير مبارك لآلهة الإغريق في جبال أوسلو أو سهول واشنطن ويقول: “أنا هنا للسيطرة على هؤلاء الوحوش حتى لا يحرقوا كل شيء.” وحينما خرجت المظاهرات ضد مبارك كان الأمن يحاصرها، ولأنهم لم يكونوا وحوشاً بعد، فقد كان مبارك لا يزال يسعى لتحويلهم لوحوش من خلال محاصرة المظاهرات القليلة وتعرية السيدات والتعدي الجنسي على الشباب المشاركين فيها، ولكنهم بدلاً من أن يصبحوا وحوشاً فضلوا منطق الهزيمة والانتقام وتقمص حالة الضحية.

شعرت بسأم دائم، وبسخافة كل المسرحيات المعروضة والتي نُستدعي للمشاركة فيها، مسرحية للانتخابات، ومسرحية للرقابة على حرية العقيدة والجنس باسم الدين، ومسرحيات آخري تبتدع مفهوم الوطن وصورته وضرورة أن تحبه والكيفية التي يجب أن تحبه بها. كان هذا لا يناسبني، وعرفت بسبب الإنترنت آخرين غيرى لم يناسبهم الأمر، وفضّلنا صناعة أكاذيبنا الخاصة على الإنترنت، مساحة خارج رقابة السلطة ومغايرة لسأم وملل الآباء وأخلاقهم الراكدة. كانت مصر تمر بلحظات عظيمة. الجميع يتحدثون في التلفاز عن التحول الديمقراطي، وفي الزوايا المعتمة من عالمهم أخذنا نخلق مساحات صغيرة لنقيم فيها حفلاتنا ونعزف موسيقانا الممنوعة من البث في الإذاعات الرسمية والخاصة، لأنها لا تتحدث عن الحب والرموش والشوق والحنين. في واحدة من هذه الحفلات سيقترح علاء سيف أن ننشئ موقعاً إلكترونياً، هو نسخة من موقع الرئيس لكن بمحتوى ساخر ومضحك أقوم بكتابته. كانت هذه أنواع اللعب التي نمارسها، ندخل لقوقعتنا على الإنترنت، ونضحك على الملك العريان وحاشيته وعبيده الذين يمتدحون جمال ثوبه.

تعرفت على زوجتى الأولي في منتدى على الإنترنت لمحبي محمد منير. كنا مراهقين لا نتجاوز الثامنة عشر وقتها، وستمر عشرة سنوات تتخللها علاقة مضطربة أحياناً تشمل الزواج والطلاق ودورة حياة كاملة. أخرون بدأت دورة حياتهم من منتديات ومدونات للإخوان المسلمين، أو الاشتراكيين الثوريين، أو محبي فيتش أقدام النساء، أو جنود الشيخ أسامة بن لادن، أو منتدى “فتكات” لربات البيوت الشابات. عوضاً عن السأم المنبعث من لون صبغة الشعر السوداء لمبارك الذي لم يكن يتغير، كان الإنترنت يجمع الهائمين في أفلاك متقاربة، وهدير حديث وحوارات هذه المجموعات يتصاعد خافتاً. العجائز بأجهزة تقوية السمع وصفوا هذه الهمهمات بأصوات الشباب. نعتوا الشباب بالاغتراب، والعمالة، وقلة الأدب، ولم يتعاملوا معها بجدية أو ربما لم يفهموها رغم أنها كانت رسالة بسيطة..

“على الجثث القديمة أن تترك مكاناً للجثث الجديدة”.

الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق. كنا مضطرين أن نخالط الزومبي، ونبادلهم حديثهم، ونتودد لهم، ونمدحهم أحياناً حتى نأمن شرهم، نندس وسطهم بأطراف مجمدة، ننظر ولا نرى، بحد تعبير يوسف رخا بعد ذلك بسنوات في قصيدته الرائعة، وحينما نختلف معهم أو نرفض أن نأكل الجثث القديمة لمعاني الوطن والدين، يكون التعذيب والتهميش والحصار هو ما يواجهوننا به.

“عيشوا عيشة أهاليكو” يقول الزومبي. وعيشة أهلنا كما يصفها شادى عبد السلام في فيلم “المومياء” هي عيشة الضباع. تسير الفتاة وأكتافها محنية ورأسها للأرض، لا تلفتت يميناً أو يساراً، تتقبل المعاكسة والتحرش صامتة، وحينما ترفض الرضوخ للتحرشات الجماعية في قلب المدينة، يتهم الزومبي الضحية باجتذاب المجرم وإثارته. تخرج المظاهرات احتجاجاً على تعذيب الشرطة للمواطنين، ويُتهم المتظاهرون بإهانة الشرطة. كبرت المظاهرات ثم تحولت إلى المطالبة برحيل الزومبي وكبيرهم الذي علمهم صبغة الشعر. اجتمع الزومبي وخاطبوا الشباب قائلين: “اعتبره زى أبوك يا أخى.”

العواطف الجياشة وسهولة التأثر والانفعال العاطفي من سمات الشباب. ومثلما تكون العاطفة وقوداً للثورة، تدفع الدماء أحياناً في عروق الجموع الهائجة، فهى أيضاً تبعث الرحمة والعاطفة والشفقة. كانت تلك العواطف هى ما سيحول ما يلى الثورة إلى رحلة للبحث عن حق الشهداء والثأر، وستمنع الأبناء من قتل الأباء الزومبي.

في أكثر من صورة لبولين سنشاهد نقاشات محتدة بين فتيات وأمهات، وشباب وعجائز. في الصور لن يمكننا سماع ضجيج الصراخ والنقاش والاختلاف. لكن الصور توضح لنا مقدار السلطة التي امتلكها الآباء الزومبي، ومقدار العاطفة التي ظل هذا الجيل واقعاً تحت سطوتها.

عرفت شباباً وشابات ينزلون إلى الشارع يحرقون الإطارات ويتقدمون صفوف المواجهة ضد مجرمى الشرطة، لكن حينما يرن هاتفهم يهربون بحثاً عن مكان هادئ ليحدثوا منه أمهاتهم “أنا كويس وبعيد عن القلق”، ظناً أن التمرد واقع افتراضي يمكن خلقه داخل فقاعة بعيداً عن حياتهم الواقعية والعائلية. عرفت نشطاء في مجال حقوق المثليين جنسياً لديهم شجاعة إعلان ذلك في مجتمع كالمجتمع المصري، وخوض نقاشات ومجادلات أمام القضاة ووسط ضباط الشرطة، لكن ليس لديهم شجاعة إعلان ذلك أمام أمهاتهم أو آبائهم. صديقاتي اللواتى تلقى بعضهن رصاص الشرطة المطاطي بأجسادهن دون أن يسقط أصبعهن الأوسط المرفوع في وجه الشرطة، كن ينهرن من البكاء جراء ضغوط المجتمع والأسرة وصعوبة أن يخترن تصوراً لمستقبل حياتهن لا يشمل الزواج والإنجاب والاندماج في سياق دورة إنتاج الزومبي.

هذا الجبن وهذا التردد هما ما جعلا خيارات هذا الجيل دائماً تحاول إمساك العصا من المنتصف، ثم يأتي الآباء ليأخذوها كلها من أيديهم. صفقوا للاسلام الوسطى وصوتوا لمحمد مرسي، قال شباب الإسلاميين، الإسلام هوية ودين وسطى جميل يمكنه التعايش مع الديمقراطية، والعلمانية ليست من هويتنا الوطنية. ثم جاء الزومبي الكبار وقالوا: لا فرق بيننا وبين داعش، والقتلة في سوريا، نحن إخوة، سنقول عنهم مجاهدين وسنرسلكم للحرب معهم. وحينما صفق شباب النخبة المدنية للائتلاف المدنى بقيادة الجنرال العسكري، وقالوا: انظروا لعيون السيسي، إنها تشع حباً ودفئاً وسينقذ هذا الوطن ويبنى مصر دولة مدنية على الطريق نحول العلمانية، منع الجنرال الحديث أو الكلام ووضعهم داخل السجون، والباقي قتله حرقاً في الميادين أو على بوابات الاستاد.

الجنرال لم يكن ذكياً، لكن من خلفه وقف شيوخ الخليج، وكلاء الآلهة الإغريق في المنطقة. هؤلاء، مع الزومبي والجنرال، قرروا أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودى بك إلى السجن. ضخوا داخل الإنترنت ذاته عشرات ومئات الملايين، بحيث تحول لمول كبير، هم من يتحكمون فيما يعرض فيه من خلال شركات وفرق “السوشيال ميديا” التي أصبحت تصنع الآن الموضوعات الرائجة على الإنترنت. وهكذا، فحينما تظهر قصة تعذيب جديدة من داخل السجون المصرية، تختفى تحت التكرار وضغط بث الأخبار حول الأشكال الجديدة التي يمكن لمؤخرة كيم كاردشيان أن تأخذها.

شعرت منذ أسابيع بآلام خفيفة لكن مستمرة في خصيتى اليسرى، وحينما زرت الطبيب أخبرنى أني أعانى من دوالى الخصية، ويجب ألا أقف لفترات طويلة وأن أقتصد في ممارسة الجنس، ولا أعرضه لفترات انتصاب طويلة، وحينما سألته عن السبب في كل ذلك قال الجملة ببساطة دون أن يرفع عينيه عن أوراقه: “غالباً أسباب وراثية وعامل الزمن”.

لا فترات انتصاب طويلة لهذا الجيل بعد اليوم، مشتتون هم اليوم في الأرض. البعض في السجون، والبعض منفيون، والبعض يستعدون للغرق أمام سواحل أوروبا المتوسطية، وآخرون يبحثون عن طريق للخروج من الجحيم نحو جنة الله الموعودة عن طريق صناعة سلم نحو الله من الرؤوس المقطوعة. أما من بقوا فقد نجحوا في انتزاع بعض الأماكن من الجثث القديمة، ويمارسون الآن دورهم كزومبي، يظهرون في التلفاز كممثلين للشباب، يلتقطون السيلفي مع كبار الجنرالات الزومبي وكبار الشيوخ الزومبي، ويتنافسون على التقاط الفتات الذي يلقيه الأمير أو الشيخ الخليجي عليهم من وقت للآخر.

هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.

—————————————–

*نُشر هذا النص بالفرنسية كمقدمة لكتاب فوتوغرافيا صدر مؤخراً للمصورة البلجيكية بولين بوني بعنوان “جيل التحرير“، تتبعت فيه، على مدار خمس سنوات، حكايات متنوعة لمجموعات من الفنانين والسياسيين أثناء سنوات الثورة.