طيف سامية في مطعم الزهور

لم يكن مُهمًا لي أن أعرف إلى أين نتجه، لكن بسهولة كنتُ أرى أننا نتجه نحو ميدان السيدة عائشة، وهو ما جعلني أحاول أن أتذكر أي مطعم باسم “الزهور”، هامّ ومثير لدرجة أن يدعوني أنور وليلي، ليس إلى تناول الغذاء فيه معهما، بل وتخصيص نصف يوم كامل للاستمتاع بنزهة جميلة – كان هذا هو التعبير المحبب لدى ليلى- في مطعم الزهور.

أعرف أنور وجدي منذ فترة طويلة، لكن علاقتي بهما ظلت مُتوقفة لفترة على السلام العَابر حينما نلتقي في حفلات لأصدقاء مشتركين. في واحدة من هذه الحفلات تبادلتُ حديثًا قصيرًا مع أنور حول المزيكا عبرت فيه عن إعجابي بجيري لويس، لكنه اختلف معي مُفضلا جوني كاش عنه. أما سام كوك فقد كان رقم واحد بالنسبة إليه، حتى أنه دعاني للاستماع إلى بعض أغانيه وعبر عن استعداده لمنحي بعض تسجيلاته النادرة لسام كوك.

ذهبتُ إلى منزله واستمعتُ إلى سام كوك وشربنا البيليز بقطعة ثلج واحدة في كل كوب،  وبعدما انتهت الزجاجة انتقلنا إلى الويسكي حتى مكثنا في هزار ونكات مُستمتعين بأمسية بديعة انتهت بغناء ليلى لنا وصرنا أصدقاء من بعدها.

ذات ظهيرة بينما كنتُ واقفًا في شرفة منزلهما بجاردن سيتي أدخن سيجارة بصحبة أنور، دخلتْ علينا ليلى ترتدي قميصًا منزليًا أبيض خفيفًا ذا حمالات رفيعة تنسدل إحداها كل لحظة عن كتفها. وقفت بجواري مستندة إلى سور الشرفة وقالتْ وهي تمسح العرق من على جبهتها: “أوفف الجو حر جدًا”. بدا أنور غير مُنتبه وهو يتابع غروب الشمس من أعلى القاهرة، فجاوبتُ ليلى: “كل دا واحنا لسه في يونيو، بعد كدا الواحد مش عارف هيعمل ايه في أغسطس”. أخرجتْ تنهيدة قصيرة أخرى، وقربتْ كتفها العاري أكثر باتجاه كتفي.

كنتُ أرتدي قميصًا بنصف كُمَّ، لذا شعرت بملمس بشرتها البيضاء رطبًا في تلامس خفيف مع ذراعي، وبطرف عيني كنتُ ألمح قلادتها الذهبية تتأرجح بين ثدييها، الذي كشف القميص ذو الفتحة الدائرية عن جزء كبير منهما. وفي لحظة التفتت إلى أنور فخرجتْ أنفاسها ساخنة في وجهي وهي تقول: “أنور احنا لازم نروح مطعم الزهور”، رد أنور دون أن يلتفت: “فكرة هايلة.. وأنت كمان لازم تيجي معانا”.

تبسمتُ، وهززتُ رأسي موافقًا بمعنى ماشي الحال. انصرفتُ يومها وقد نمت مشغولًا ببياض بشرة ليلى وبروز حلمتيها.

* * *

في سيارة أنور الكاديلاك قطعنا الطريق من جاردن سيتي إلى القصر العيني، عبر أنور بالسيارة ميدان السيدة عائشة وبدا متجهًا إلى القلعة، لكن وقبل أن نصل إليها انحرف يسارًا لندخل شارع ضيق وسط المنطقة السكنية المجاورة للقلعة. مشينا في الشارع بصعوبة حيث كان الطريق غير مسفلت وتوقفنا حوالي خمس دقائق لأن أحد الأغبياء أوقف سيارته في منتصف الشارع، لكننا أكملنا الطريق. يمين في شمال وشمال في يمين. كنا الآن في قلب مسَاكن القلعة أو هكذا خمنتُ، ثم وصلنا إلى ساحة يلعب فيها الأطفال كرة القدم، فأوقف أنور سيارته على طرف الساحة بجوار عدد آخر من السيارات الفخمة، والتي بدا وجودها في هذه المنطقة غريبًا.

نزلنا من السيارة متجهين نحو أحد المنازل الشعبية ذات الأبواب القديمة، ووسط السيارات لمحتُ سيارة جاجوار سوداء انخلع لرؤيتها قلبي. وقفنا أمام الباب فضغط أنور بيمينه على زر الجرس بينما يده اليسرى كانت تحمل حقيبة المناشف ولباس السباحة. فتح الباب رجل ضخم يرتدي جلبابًا بلديًا بني اللون، ابتسم ما أن رأى أنور وليلى وسَلَّم عليهما بحرارة شديدة، ثم قادنا من الباب في ممر طويل حتى أوصلنا إلى سلالم تمتد إلى الأسفل، فنزلناها حتى وصلنا إلى باب آخر يجلس أمامه أحد رجال الأمن غارقًا في عرقه، واضعًا بجواره مروحة ماركة فريش، فتح لنا الباب وهو ينحني ودخلنا.

* * *

شكرتُ أنور وليلى على النزهةِ الجميلة وعزومة الغذاء، وطلبتُ أنا وسعيد أبو بكر منهما إنزالنا في ميدان الأوبرا. كان أنور وليلى مرهقين وينويان التوجه إلى منزلهما، بينما بالنسبة لي أنا وسعيد كان اليوم لا يزال في بدايته. الساعة لا تزال العاشرة والنصف، مما يعني أن بار البراندي سوف يفتح أبوابه بعد نصف ساعة.

مشيتُ أنا وسعيد في ميدان الأوبرا وجلسنا تحت التمثال العظيم للفارس المحارب إبراهيم باشا، أخرج سعيد سيجارتين ماركة فاطيمه من جيب معطف بدلته السوداء، أشعلتُ له السيجارة من ولاعتي، أخذ نفسًا وقال لي:

–        أنت شفت سامية النهاردا؟

جاوبته: “لا جينا متأخر بعد ما خلصت، بس شفت عربيتها”. ابتسمتُ بلا سبب وأنا أضع السيجارة في فمي، ناظرًا لحواجبه السوداء الكثيفة وصلعته الخفيفة، التي ينعكس عليها ضوء مصابيح الشارع. لم يلحظ ابتسامتي، لكنه رد قائلاً :”آه الجاجوار السوداء دى رهيبة.. بنت الإيه، عارف جابتها من مين”. قاطعته: “يلا نروح نشرب براندي”، لكنه استمر بصوته الحاد: “فاكر الراجل اللي كان بيجي دايمًا في نايت كلوب الخديو”، فقاطعته بحدة أعلى: “يلا نروح نشرب براندي يا سعيد، ومش عايز اعرف جابتها من مين”. انخرس سعيد، وقمنا من تحت التمثال متجهين باتجاه بار براندي عبده.

* * *

يتكون مطعم الزهور من قاعة دائرية كبيرة في منتصفها قرص خشبي، قدرتُ أنه يشكل البيست أو بلغة أهل العرب ساحة الرقص، وحول القرص الدائري تتراص ما يمكن أن نسميه الطاولات، وهي عبارة عن أحواض جاكوزي صغيرة تتسع لأربعة أفراد، وفي المنتصف طاولة لوضع الطعام.

كنت منبهرًا بالشكل، وأنا أشَاهد الجميع يتحركون في المايوهات وأردية السبَاحة، وعملًا بنصيحة سابقة لأنور لم أفهم مغزاها وقتها، كنتُ قد ارتديتُ أسفل ملابسي المايوه، حيث لم أحتج إلا لخلع القميص والبنطال ووضع الشراب في الحذاء في واحدة من خزائن الملابس الملحقة بغرفةِ جَانبية.

جلستُ أنا وأنور وجدي وليلى، يصل الماء إلى مُنتصف صدرنا. طلبنا بيرة فحضرت البيرة. كان شعوري بالماء البارد محيطًا بجسدي منعشًا خصوصًا في مثل هذا الطقس، الذي جئنا منه في الخارج بينما كان المكان مُكيفًا على درجة حرارة مُنخفضة يمكن وصفها باللطيفة. في الجو كانت تنتشر رائحة بخار، خليط من الياسمين وشيء لم أستطع تحديد ماهيته، ربما يكون اللافندر. نظرتُ لزجَاجة البيرة الباردة تتساقط قطرات الماء من على جانبيها. عن يميني كانت تجلس ليلى وأنور بجوارها، وقطرة من الماء تنحدر من على كتفها الأبيض العاري.

* * *

بالصدفة أتى سعيد وشاركنا الطاولة. المشكلة الوحيدة في المكان أن التدخين ممنوع بداخله. استأذنا أنا وسعيد وذهبنا لشرب سيجارة وبينما كنا نسير في اتجاه الباب لمحتها خارجه بكامل بهائها. كانت تلف نفسها في عباءة سوداء تحتها فستان أسود قصير، مع جزمة ذات كعب عال ورفيع ينغرس سنه الفضي في قلبي مع كل خطوة تخطوها في اتجاه سيارتها الجاجوار السوداء.

انحنى لها الحارس وهو يفتح الباب انحناءة خادم فخور بأنه ينحني لسامية جمال. انحنى راضيًا مبتسمًا لبهائها. بهائها الذي نبذني كمجذوب يجب نفيه وحرق روحه. لماذا أحرقتِ روحي يا سامية؟

* * *

شربتُ أنا وسعيد ما أعتقد أنه كان نصف لتر من البراندي الرديء، وأكلنا كيس شبيسي من الحجم الكبير كاملًا، أما الترمس والفول فلم نستهلك إلا طبقًا واحدًا.

كان سعيد كلما رفع حبة ترمس إلى فمه يفتح حنكه ويمد حبة الترمس بين فلقتي شفتيه ويقشرها، ولا أجد حرجًا لأقول أنني وجدت المنظر مقززًا، خصوصًا في إطار اللحظة الشعرية التي كنتُ أعيشها، كشخص مُحبط شَاهد حبيبته القديمة التي هجرته، يسكر بالبراندي ويحرق السجائر، لذا فقد تحاشيتُ أن أطلب طبقًا ثانيًا من الترمس، مكتفيًا بالسجائر. لا أملك غيرها منذ غادرتني سامية.

* * *

مشيتُ سكرانًا من ميدان الأوبرا حتى شارع 26 يوليو ومنه إلي محطة الإسعاف، وبجوار الكنيسة الإنجيلية جلستُ وبكيتُ.

 

16731190_10158246512470343_858280118_o

نشرت في مجموعة لغز المهرجان المشطور، ونشرت أولا عام 2007 بجريدة البديل

نهاية تلفزيونية -قصة قصيرة جداً

وقفتْ تصرخ في منتصف الغرفة، بينما أنا لا أسمع أي صوت. وأعني حرفيًا لا أسمع أي صوت. بدا الأمر كما لو أن أحدهم قد أطفأ زرار الصوت، أو أنني فقدتُ حاسة السمع لما يقرب الدقيقتين، أخذتْ هي فيهما تلوح بذراعيها وتتشنج عضلات وجهها وتتقلص وتنبسط، وحينما أوشكتْ على الإنتهاء كان آخر ما سمعته منها، وهي تستلقي في الوضع الجنيني على الفراش وتسحب الغطاء حتي رأسها:

“أنا خلاص تعبت بجد”.

عادى

صادف ذات يوم أنني كنتُ عائدًا في وقت متأخر إلى 6 أكتوبر، حينما ظهرتْ لي فَجْأَة شرموطة عَاملة بالزي الرسمي، عباية سوادء دون طرحة، بل شعر أسود تسقط منه قُصةعلى جبينها، وتَحمل بالطبع حقيبة ضَخمة جدًا ذات لون فسفُوري.

للدقة فقد تجاوزتها ببطء وأخذتُ أرَاقبها من خلال مرآة السيارة وهي تنظر للسيارة. توقفتُ وعدتُ بالسيَارة إلي الورَاء. أغلقتُ الموسيقى. أنزلتُ الزُجاج وبكل براءة وأدب طفل سعيد: “حضرتك، رايحة مكان؟ تحبي أوصلك؟

باختصار ركبتْ، وكانتْ تريد الذهاب إلي الحي 12، وهو بعيد عن منطقة سكني حاليًا، لكن قضيتُ فيه فترة طويلة أيام سنوات الدراسة الجامعية، بالتالي كان لدي شوق وحنين قوي لزيارة مرابع الشباب، ثم سألتُها: “أنت رايحة فين في الحي الاتناشر؟فردتْ، وهي تعبث في حقيبتها: “عند الكشك الأخضر“.

سَقَطَت نظرة من عيني على صدرها الكبير، الذي ظهر جزء منه من تقويرته، ثم عدتُ ونظرتُ بتركيز إلى الطريق تفاديًا لأي مطب قد يظهر من تحت الأرض، أو يسقط من السماء، انتبهتُ لحركتها فنظرتُ فإذ بالشرموطة قد أخرجتُ سكينًا ناصعةً، ووضعتْ طرفها على حافة معدتي وهي تصرخ: “وقف العربية على جنب يا ابن المتناكة“.

نظرتُ للسكين، ثم لها، تمامًا كما الأفلام، وابتسمتُ في ثقة مكملًا القيادة بهدوء: إيه دا يا وزة؟، نغزتْ طرف السكين الضخمة أكثر في خصري، ثم نزلتْ به مرورًا بفخذي، حتى أصبح السكين بين فخذيّ، وطرفه ينغز بالضبط في زبري المنكمش خوفًا.

—— —

من قصص مجموعة لغز المهرجان المشطور

السنيورة

نشرت القضة في مجموعة لغز المهرجان المشطور التى نشرت مؤخراً عن دار ميريت للنشر والتوزيع

كنتُ شغوفًا بكُسها، كشغفي بالانترنت. أو ربما كنتُ معلقًا بين الاثنين، ورأسي في المنتصف.

أقول رأسي لا قلبي لأن هذه ليست قصة عاطفية أو إيروتيكية أو بورنوجرافية، لذلك لا أريد أن أجنح للمبالغات. بالطبع لديّ شغف عام بالكُس، لكن كُسها بشكل خاص، كان شغفي الأهم.  راقبتُه طوال سنوات علاقتنا عن كثب وملاحظة، فكرتُ أكثر من مرة أن أقوم بتصويره، لكن خفتُ من ردة فعلها، فاحتفظتُ بالرغبة سرية مكبوتة كرغبات أخرى، حتى انتهى الأمر بالخسارة التامة.

لايزال ماثلاً في ذهني، والفضل يعود إلى الأيام والليالي، التي قضيتها مفتونًا بتقلباته وتحولاته المختلفة. عرفتُه نائمًا مضموم الشفتين، وسجلتُ بدقة كيف ينفتح كشمس تنبثق من خلف الجبال على شاطيء نويبع.

رأيتُ كيف يُضخ الدم إلى شفتي كُسها عند الاستثارة فتتمددان ويتحولان من اللون الزهري إلى الوردي، ثم إلى الأحمر. شاهدتُ آثار المداعبة بالأصابع عليه، وباللسان، وكيف يتحول إلى عاصفة شمسية ذات لون أكثر اشتعالًا عن بقية الكرة الشمسية الصغيرة أثناء وبعد النيك. كان تشممي لرائحته أمرًا محببًا للنفس، وكانت الرائحة تتبدل على حسب مزاجها ومزاجه. أحيانًا حينما كنت استيقظ قبلها كنت أهرع إلى دورة المياه، أفرّش أسناني برائحة الفلوريد وأعود لأتسلل بين فخذيها لتكون رائحته أول ما أشمه. تذوقته في كل الأوضاع، وتابعتُ تغير طعمه مع كل درجة ترتفع فيها نحو الإثارة، وشجرة السعادة تتدلى علينا كما أوراق الجوافة. لو غميتُ عيني وتذوقته بين سبعة أكساس مختلفة لعرفته بطرف لساني، شيء ما صار مرتبطًا بينه وبين بقية حواسي.

لم يكن كُسها هو المثير لجنوني فقط، بل كل فتحاتها، كثيرًا ما كنتُ أطلب منها أن ترقد على بطنها. اتصنع إجراء نوع من المساج لها، وأتعجل النزول بيدي إلى أسفل، أوسّع بين ردفيها وأبدأ في تشممهما وتمشية لساني بينهما. أتخيل ثبات المشهد والزمن لساعات طويلة تمتد إلى أيام وصوت جريس سليك يأتي من الخلفية ينساب متغلغلًا كنفس هادئ من الحشيش يأكل الدماغ بطيئًا، ها أنت تذوب والأرنب الأبيض ينتظرك على مدخل الحفرة، تتذكر حارس البناية الآن، كيف كانت البداية إذن؟

في أحد الكوابيس كنتُ واقفًا متجمدًا على ضفة النهر بينما مجموعة ضخمة من الكلاب تنبح بوحشية وهي تقترب مني، ولم يكن الخوف من الكلاب بقدر ما كان المأزق هو الجسد المتخشب، الذي فقد القدرة على الحركة دفعة واحدة. ركب العناد بعد ذلك ودلدل رجليه. كان هناك القليل من الصراخ والكثير من الدموع، وانفطر القلب أكثر من مرة، بدا كما لو أن السعادة تتبدد. كنا على ما يبدو قد شربنا سعادة بعضنا البعض.

انقطعت علاقتنا لفترة عملتُ فيها كمسئول مبيعات في إحدى شركات خدمات المحمول. اشتريتُ سيارة من البنك وتفرغتُ لحياة جديدة ناجحة وتعرفتُ على شبكات اجتماعية جديدة وتعلمتُ الرقص وأصبتُ في حادث سيارة، وحينما استيقظتُ في المستشفى بكسر في الذراع الأيسر وخدوش في الوجه، قررتُ أننى لا أريد هذا. وفي تلك الليلة حلمتُ بأنني أغطس في مياه البحر الأحمر وفقدتُ الأكسجين ولم يكن من مصدر للتنفس أمامي سوى كُسها فهرعتُ نحوها لالتقاط أنفاسي. استيقظتُ من الكابوس شاعرًا بالبرد، رغم أننا كنا في الصيف. لففتُ سيجارة حشيش، ثم اتصلتُ بها وقلتُ:”هل فكرتي في أن تطبخي الحشيش بنفسك؟“.

قالت إنها أتت بدافع الفضول، ابتسمتْ وجلسنا على طاولة صغيرة، فككتُ ورقة بانجو ناشف أحضرتها، وبدأتُ في تنقيته بصبر، ثم أحضرتُ وعاء بلاستيك، وضعتُ قطعة قماش بلاستيك فوق الوعاء وأحضرتُ مصفاة شاي، بدأتُ بفرك أوراق البانجو في المصفاة وهى تدخن سيجارة وتحتسي قهوتها. كان الكلام عالقًا في الغرفة، تقطعه هي بعبارات تستحثني على الكلام، كنتُ خائفًا من جملة خاطئة تفسد المشهد أو تجعل الوقت يمضي منتهيًا أسرع مما أردتُ. صفيتُ الأوراق المفروكة في المصفاة وتحتها قطعة الشاش مشدودة فوق الوعاء، وضعتُ ما تبقي في المصفاة جانبًا وبدأتُ في دعك ما سقط من المصفاة على قطعة الشاش.

وإيه كمان؟، سألتني وهي تستحثني على التحدث أكثر، لكن الهواء كان في حنجرتي ضئيلًا وروحي منقبضة في قلبي.

بدأتُ في شرح الخطوات التي أقوم بها لها، أوضحتُ أن الغرض الآن هو تنقيه البانجو من الشوائب حتى نصل لزهرة الزهرة. أزحتُ قطعة القماش، كانت البودرة الخضراء مترسبة في قاع الوعاء البلاستيكى. أحضرتُ الحنة، وأنا أقول: “في العادة يجعلون نسبة الحنة إلى البانجو 2:1، لكننا سنحاول جعلها 3:1 “.

قمتُ بتصفية الحنة بنفس الطريقة، ثم خلطتُ البانجو مع الحنة وأعدتُ تصفيتهما مرة أخرى.

وبعدين.. وإيه كمان؟، مرة أخرى طرحتْ السؤال.

في سينا مثلا مش بيحطوا حنة، علشان كدا بيطلع لونه أخضر أو مصفر فاتح، كمان في سينا مش بيحطوا عسل أسود. في المغرب ولبنان بيجففوا الورق ويكبسوه، الزرعة هناك فيها الراتنج أعلى ومش بيحتاج إضافات صمغية“.

قمتُ من على الطاولة وعدتُ وفي يدي وعاء عسل أسود، أكملتُ وأنا أشرح لها: “معظم الطبخات اللي في مصر بالإضافة للكيميا والبنج، مش بيحطوا عسل أسود وبيفضلوا اللبان الدكر. احنا بنحتاج العسل علشان نعجن الحنة مع الحشيش وتطلع الحتة متماسكة. بدون العسل أو اللبان الدكر عمر ما حتة الحشيش هتطلع متماسكة معاك ولا هتعرفي تفرديها وتعملي منها دبوس لو عايزة“.

وانت معندكش لبان دكر؟

اللبان الدكر ريحته بتبقى ظاهرة أوي، وبيخلى حتة الحشيش حامية وبتضرب في النافوخ على طول، وكمان لو لفيتها في سيجارة هتطلع معاك روكيتس“.

ابتسمتُ وأشرتُ إلى حرق صغير في التيشيرت الذي ترتديه، وأكملتُ: “واحنا مش عايزين روكيتستانى يا آ كوكو، مش عايزين ألم ولا وجع أكثر من الموجود“.

تكونت في قاع الوعاء البلاستيكي ذي اللون البرتقالي عجينة طرية، تناولت موس حلاقة من على الطاولة، وأخذتُ أجمع به العجينة من قاع الوعاء، ثو وضعتها على ورق سلوفان  وأخذت أُشكلها، أغلقتُ السولفان عليها بحرص، ثم قطعتُ ورقة فويلفضية لامعة ولففتها حول السولفان. نظرتُ لوجهها، كانت أشعة الشمس القادمة من نافذة البلكونة تنتشر في الصالة وتنير وجهها فيظهر صافيًا، شعرتُ برغبة جارفة في تقبيل شفتيها.

ابتسمتْ وقالت:

-“ها.. وبعدين؟

ناولتها ورقة الفويل، وأنا أجاوبها:

-“تعرفي تحطي دي في الفرن، على نار هادية..”

تناولتها واتجهتْ إلى المطبخ. ظللت جالسًا مكاني أحدق في الكرسي الفارغ الذي غادرتْه. تذكرتُ حلمًا رأيتني فيه معلقًا في مطار أجنبي مع حقائب ثقيلة في مدينة لا أعرفها، في انتظار طائرة ستأتى غدًا، ثم تحضر هي بسيارة حمراء موديل الثمانينات. أتاني صوتها:

–        أنت بتولع الفرن بإيه؟

دخلتُ إلى المطبخ. كانتْ منحنية تحاول التفاهم مع الفرن، تقدمتُ نحوها واحتضنتها من الخلف.

قررنا المحافظة على الأمر كسر صغير، على ألا يغير من الوضع القائم، ما هو الوضع القائم؟ كنتُ أغطس في البحر الأحمر حينما انقطع حبل الأكسجين فجأة.

طلبتْ هي في المرة الثانية أن تقوم بالعملية بنفسها، بدأتْ في القراءة عن طرق التصنيع المختلفة والأشكال، التي يتخذها الحشيش وعمليات معالجات النباتات والحشائش. في البداية كنا نقوم بتدخين ما نطبخه سويًا.

ثم ذات مرة عرضتْ عليّ عرضًا لا أستطيع رفضه. كنّا في انتظار تسوية عجينة الحشيش في الفرن حينما قالتْ كمن يقص حكاية عن زيارة والدته: “أنا امبارح رحت عملت ليزر شيلت كل الشعر اللي هنا، وأشارتْ إلى ما بين فخذيها.

أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفتْ أين سرحتُ بخيالي، باغتتني بالعرض:

أنا بفكر نبيع. مش دا انتاجنا الخاص“. عرضتْ الأمر بصيغة شراكة تجارية سرية، أساسها الصداقة والمنفعة والاستمتاع بمتعة الطبخ، التي تحولتْ معها إلى طقوس هرمونية معقدة. اختتمتْ العرض بعبارتها، التي تؤكد بها كل اتفاقنا:

–        لكن هذا لن يغير من وضعنا القائم.

كانتْ تختفي لأسابيع لا ترد فيها على اتصالاتي، ولا تحكي لي عما تفعله، وحينما كنّا نلتقي صدفة في مكان عام تصافحني مادة يدها بيننا لتحرمني حتى من قبلة الصداقة أمام من يعرفونا، بل ذات مرة كانت تبيع إلى أحدهم صباع حشيشمما طبخناه معًا وتحكي أسطورة عن الديلر الشبح، الذى تتعامل معه ولديه أنواع متعددة من الاستفات، وأنا ملتزم الصمت، بل وأتصنع الاندهاش.

رسمتْ في البداية أسطورة الشبح، ثم اعترفتْ لدوائر من المقربين بأنها من تطبخ الحشيش ولديها خلطتها الخاصة، عند تلك النقطة بدأتْ في استخدام مكبس معدنى طلبتْ نقش كلمة Siniora عليه. كانتْ تكبس به العجينة، وبدأتْ أسطورة السنيورة في التشكل.  

في الخارج عرفت باسم سنيورة الحشيش. أما بيتي، الذي كان مقر الطبخة فقد تحول إلى معبد تتجلى فيه كإلهة من شوارع المدينة. تنفذ الطلب الوحيد، الذي اشترطتُه لحظة إغلاق الباب خلفها، تخلع الجزء الأسفل من ملابسها. ثم تجلس على الكنبة، أو على الأرض – لم تفضل أبدًا الطاولة الصغيرةتفتح ساقيها وتبدأ في إعداد الطبخة. أظل حولها أدخن أو اختار الموسيقي وعيوني معلقة فقط بكُسها المنتوف الخالي من الشعر، مضيئًا كشمس صغيرة. “الوضع على ما هو عليههش جدًا وقابل للانكسار وردود الأفعال المدفوعة بتفاصيل الماضي والخسائر السابقة. أحيانًا كنتُ أظن أن الوضع على ما هو عليهليس حقيقيًا مائة في المائة. ربما هو وهم أو بنته تخيلات ولًّدَها الفقد والوحشة، وحتى لا أفقد لذة اللحظة، لا أقترب أو أحاول لمسها. أكتفي فقط بقواعد الشراكة السرية التي فرضتها، ونسبتها الأكبر في حصة ما هو مباع.

عرفتُ أنها لم تعد تذهبْ إلى العمل بانتظام وتفكر في تركه وتأسيس مشروعها الخاص، لكنها لم تفصح لي ما هو. بدأتْ في تحسين مستوى جودة المنتجات التي تقدمها ورفع سعرها، وخلق تمايز وأسماء لبلاطات الحشيش التي تنتجها، استغللتُ البلكونة وحجرة المكتب وبدأتُ في زراعة النباتات بنفسي. قادتنى توجيهاتها حول كيفية الرعاية، كلما كانت الأوراق طازجة يساهم هذا في زيادة جودة الحشيش في النهاية، كما أن معالجة الأوراق الطازجة في الخلاط والكبس يجعلها قادرة على استخراج جرامات صغيرة من زيت الحشيش تبيعه بأسعار أعلى.

كانتْ تكبر وتتطور، حياة جديدة تنفتح أمامها، أو بالأحرى ديانة جديدة تشرق على الإنسانية من المعبد، الذي نصبته في الشقة لكُسها المنتوف. وكنتُ أنا العجوز، الذي يبحث عن خرافة دينية يؤمن بها في نهاية حياته لتمنحه قدرًا من الطمأنينة.

ثم اختفتْ.

لم يصلنى رد منها إلا بعدها بثلاثة شهور، وكانت هذه أطول مرة تغيب عن المعبد منذ بدأنا شراكتنا. كانت الرسالة مختصرة وحاسمة. لا داع لأن نلتقي مرة أخرى، نحن نأكل أرواح بعضنا البعض“.

حاولتُ العودة إلى ما كنتُ فلم أعرف ما هو. فقررتُ استكشاف الحاضر، كان العالم قد تغير تمامًا من حولي. بدأتُ في الخروج واستعادة العلاقات القديمة واكتساب خبرات وآلام جديدة، لكن في الوقت نفسه حافظتُ على رعاية النباتات. لم أطبخ الحشيش مرة أخرى. بدأتُ أسمع في الدوائر المقربة عن نوع جديد من المخدرات يحمل اسم السنيورة“. كان الانتشار كبيرًا ورغم أن الشكل والرائحة مشابهين للحشيش إلا أن التأثير كان مختلفًا.

ناره هادئة، لا يسبب أي حرقان أو آلام في الحلق حتى مع شربه بطريقة الخابور السكندري أو الدبوس. كما تميز السنيورةبكثافة زيته ورائحته النفاذة التي تعلق باليد، كان يتسلل ببطء، وإلى جانب تأثيرات الحشيش العادية، يسبب حالة من البهجة والسعادة وفيضان في المشاعر غريب من نوعه، كأنما يطلق كل ما هو مكبوت ويجعل كل الماضي ضحكة، ينزع الألم عن الحاضر، ويضفي ضحكة بين الأصدقاء، وقبلات وحبًا طاهرًا سعيدًا على الجميع.

جربته أول مرة واندهشتُ من تأثيره، فاشتريتُ قطعة منه وأحضرتها للمنزل. حاولتُ استعادة كل تفاصيل طريقتها، كانت لديها إضافات وخلطات مختلفة في كل مرة كانت تجرب شيئًا جديدًا، كأنما كانتْ في مرحلة شراكتنا تتدرب من أجل صناعة أفضل طبخاتها، وجدتْ أنواعًا متعددة من الحنة والعسل الأسود، وأنواعًا مختلفة من الأسمدة. كان لديها جدول منتظم تنبهني فيه لتوقيت وضعها بالتربة. تبدت حماقتي كاملة حينما اكتشفتُ أنني أعرف القليل عن تفاصيل خلطتها. كنتُ طوال مراحل الطبخ أركز أكثر مع الموسيقي أو ساقيها وكُسها المنتوف، وانتظر اللحظة، التي ستقوم فيها للمطبخ لوضع العجينة في الفرن حتى أشاهد ردفيها يتحركان كما الكواكب وهى تدندن: “ماشية السنيورة.. كدا كدا، وتغيب في الممر نحو المطبخ. كنتُ ضائعًا في بهائها، أبحث عن غفرانها وانتظر وأعد ضحكاتها مع كل لحظة نلتقي فيها. وكانتْ مع كل طبخة تجعلني أتذوق أول سيجارة، وتسألني رأيي، ثم تدونْ ملاحظات صغيرة في دفتر صغير عليه صورة أفيش فيلم “Kill Bill”.

نشرت الجرائد صفحات خاصة عما أسمته مخدر السنيورة، وخطورته على الاقتصاد والصحة وأنه يدمر خلايا المخ. بدأ الكثيرون يواجهون صعوبة في الحصول على السنيورة، وقدرتُ أنها تخوض حربًا مع تجار المخدرات الآخرين وشبكات المصالح التي تتحكم في تجارة المخدرات في البلاد. كانت تتوسع في توزيعها، والأساطير تسبق حشيش السنيورة“. قال أحدهم بعد ثالث نفس من السيجارة: “السنيورة جاءتْ لتنقذ العالم“.

تصنعتُ القوة، ومارستُ ضغوطًا كبيرة لأجل النسيان، لكن في كل مرة كنتُ أحاول مغادرة المعبد المتهدم، حيث أعيش وأزور بشرًا آخرين. كان الحديث يتحول إلي السنيورة، من تكون؟ وما هو سر الحشيش الذي تصنعه. أحيانًا يصيبني حزن عميق، فأجلس في المنزل أعتني بالنباتات وأشاهد أفلامًا أمريكية في التلفاز. ثم ذات يوم رأيتُ في الحلم كأن الماضي يفرض نفسه على لحظة الحاضر. كنّا نعيش مع بعضنا البعض. قبل السنيورة وقبل أن يركب العناد الرأس ويدلدل الرجلين. كنتُ نائمًا في الحلم وأتتْ هي واحتضنتني من ظهري، وشعرتُ كما لو أن السعادة كانت هنا دائمًا أمام العينين. لكن كان لابد من رحلة الآلام الطويلة. وفي الحلم كان لدينا كلب ضخم، رغم أنني وهي لم نكن نحب الكلاب.

استيقظتُ من الحلم، وأخذتُ أبكي في صمت شاعرًا بحموضة تخرج من بطني لحلقي، حينما رن التليفون وظهر اسمها على الشاشة. شهور طويلة قد مضت دون أي اتصال منها، كتمتُ دموعي وسيطرتُ على تنفسي، قبل أن أرد في صوت محايد:

ألو.. ازيك  أ كوكو؟

في حسم وعجالة، كما أصبحتْ جميع مداخلاتها، طلبتْ أن نلتقي. حددتْ هي الموعد وقالتْ سوف آتي لزيارتك، لكن لا تخبر أحدًا، حياتي الآن تغيرتْ، وختمتْ الحديث: “لن يغير هذا من الوضع القائم“.

حينما دخلتْ المنزل لم أعرف هل تغيرتْ، أم بسبب طول مدة غيابها بدت لي مختلفة، وإن كان لطلتها الحضور الذي يجعلني ابتسم بلا سبب، جلستْ على الطاولة، أخذنا نتحدث في أمور عابرة، ثم أخرجتُ قطعة حشيش متبقية لديّ وبدأتُ في فركها، سألتني وهى مبتسمة: “دي أنت اللي طابخها؟، هززتُ رأسي وجاوبتها:”لا دي حشيش السنيورة.. يا سنيورة“.

وضعتْ قدميها على الطاولة أمامي، حول قدمها اليسرى كان هناك خلخال رقيق وشفاف. سلسلة فضية رفيعة تلتف حول ساقها الرخامية، بشرتها تلمع في منطقة ما تحت الضوء. من السلسلة تتدلى كرات صغيرة تشكل الكواكب التسعة، كل كرة مُفرغة وداخلها كوكب أصغر، بحيث إذا سارت تهتز مُصدرة صوتًا كأصوات أجراس سرمدية.

ناولتها السيجارة ملفوفة. قصتْ عليّ تفاصيل من عالمها الجديد. معظم الوقت تعيش بجوار البحر الأحمر، تتنقل من العين السخنة إلى الجونة وسفاجا وحتى مرسى علم. تزور القاهرة على فترات متباعدة لإنجاز بعض البيزنسعلى حد تعبيرها. البيزنس كان عددًا من الشراكات مع ديلرات وتجار حشيش بنظام الفرنشايز“. تشرف بنفسها على الخلطة، وتعيش على عائداتها. لكن الأمور مؤخرًا لا تسير على مايرام. السوق ليس سهلًا والمنافسة شرسة، ولكي تحصل على حماية من الشرطة لا بد أن تقدم لهم بعض القرابين. أمام الرأي العام يجب أن تعلن الشرطة عن القبض على شخص أو شبكة من مروجي مخدر السنيورة، أخبرتني أنها تفكر في السفر إلى خارج البلاد لبعض الوقت حتى تهدأ الأجواء، لكنها لو غادرتْ السوق في الوقت الحالي، فلا مجال للعودة مرة أخرى.

سألتني: “وأنت.. عامل إيه؟

–        وحشتيني، أنا عايزك.

جاوبتها وانهمر شلال طويل من الاعترافات، كان الأمر بمثابة إعلان استسلام كامل. بلا سبب مفهوم حتى الآن، أخذتُ أحكي لها ذكرى قديمة عن مرة منذ سنوات كنا نسبح فيها على شاطئ نويبع، وأخذنا نتأمل الشعب ونطارد أسماكًا ملونة. مددتُ يدي إلى إحداها فجرحني شوكها، كانت ترتدي مايوه قطعتين بلون وردي، شعرها كان أطول قليلًا، المياه تجعله يلتصق بجسدها.

أخذتُ أقص عليها أوصاف السمكة بينما هي اقتربتْ مني وضمتني، تسارعتُ أنفاسي وأنا أعانقها. نبضات قلبي، كما لو كانت تخرج من سماعات تضخّمها، وأنفاسي تتسارع، بينما هي تضمني وتزيح ملابسي عني، وهى تردد كلمة واحدة: “بس.. بس، كأنما تهدهد طفلًا صغيرًا.

تعرينا وكانت دموعنا تختلط بالقبلات والعسل واللعاب. العظام تطقطق تحت ضغط الأحضان والعناق، والروح في الحلقوم. مارسنا الحب بحزن. كنتُ أرغب فقط أن أظل داخلها، بلا حراك، كمن يرغب في ثبات الزمن المستحيل. احتضنا بعضنا البعض بعد نصف نشوة لدقائق، ثم قامتْ وبدأتْ في ارتداء ملابسها، وهي تلقي جملًا مبعثرة مفادها الوداع.

ظللتُ ليومين في ذات الموضع الذي تركتني فيه عند مغادرتها للمنزل. شعرتُ أن كل الطاقة والرغبة في الحياة داخلي قد انتهت. أخيرًا استطعت النهوض، أخذت حمامًا بالماء البارد، ثم خرجتُ وبدأت في جمع كل أوراق النباتات المزروعة في البلكون وفي الغرفة، أخرجتُ العدة، وضعتُ أغنية لأم كلثوم، وأخذتُ أطبخ كل الحشيش الموجود في المنزل، وضعت العجينة في الفرن، ثم أجريتُ اتصالًا بمخبر شرطة. أخرجتُ المكبس المنقوش عليه اسم السنيورة وأخذتُ أكبس به بلاطات الحشيش، ثم رصصتها على الطاولة.

جلست أدخنُ، وأنا أحلم بأسوار طويلة ومكان قذر، لا مساحة فيه للأحلام ولا الرجاء.

براندى في برج العذراء

الأحد المَاضي التَاسعة صبَاحًا. أعبر من ميدان الشهيد عبد المنعم رياض إلي 26  يوليو.

من هنا لا أحفظ أسمَاء الشوارع، لكنني أعرف مكانها. بشكلِ مُنتظم ومنذ أول رمضَان ونحن نُحَافظ على مَوعدنا، الذي يكون غَالبًا في صبَاح الأحد أو الأربعاء. من ميدَانِ العتبة تَتفرع الشوارع والدهَاليز حتى أصل إليها. “بورصة برج العذراءمقهى وبَار صغير، بابه الصفيح نصف مُغلق والنوافذ مَقفولة بالتأكيد. لا أعرف كيف نجا مثل هذا المكان من سيَاقه التَاريخي والمكَاني.

مقهى وبَار مفتوح طوال السنة حتى أثناء الشهر الفضيل، الذي فيه تُصفد الشيَاطين وتُمنع الخمر من البيع وتُغلق المقَاهي بالنهَارِ، لكن برج العذرَاء يعرف زبَائنه جيدًا، الذين يحضرون له خصيصًا، عَارفين أنه المكَان الوحيد في نهَارِ رمضانِ، الذي يَفتح ذراعيه وما بينهما من خمر وبوظة وبراندي.

عرفتُ استفان منذ حوالي عام في نفس هذا التوقيت، تعرفنا علي بعض من خلال علاقات العمل، ثم بعدها تَوطدت الصدَاقة بيننا، بالطبع قبل ذلك كنتُ أعرفه من خلال التلفزيون والأفلام التي شَارك فيها. حينما كنّا نَسكر مع بعضنا البعض كنتُ أمَازحه بتقليدِ طَريقته في نطقِ عبَارات مُعينة كأن أقول له: “نشنت يا فالحوانفجر في الضحك، بينما يلوي شفتيه ويبرطم يا سخافة دمك.

في ليلة عيد ميلاد النبي أخذتُ أنا وهو نبحث عن أي بَار من بارات وسط البلد يقدمُ الخمورَ، لكن جميعها كان مُغلقا حتى المحلات. انتقلنا لبارات الزمَالك حيث يسكن، لكن نفس الأمر كانت تعاني منه، حينها وضع يده على كتفي وقَال لي:

-خلاص يا هبيبي مفيش ادمنا دلوقتي غير برج العذراء.

لم أكن أعرف برج العذراء وقتها، ولم يسبق أن سمعتُ بمكان بهذا الاسم، لكن من فوق كوبري 26 يوليو أخذنا تاكسي وذهبنا إلى العتبة، ومن العتبة دخلتُ لأول مرة لبرج العذراء مع استفان روستي.

* * *

الأحد المَاضي العاشرة صبَاحًا أعبر من 26 يوليو إلي العتبةِ. البَار غالبًا يَعود إلى زمن الخمسينات وله طَابع شعبي مُتَقشف، مسَاحته ضيقة، يتكون من مصطبتين وعدد من الحصائر المفروشة علي الأرضِ. جلس الزبَائن أما علي المصطبة أو الحصيرة. هنا لا توجد بيرة. المشروب الرسمي هو البوظة، تقدم في كوز بلاستيك، الكوز الواحد بجنيه. بجوار البوظة هناك، للقادرين على الدفع، زجاجات براندي صغيرة محلية الصنع. أما المَزّة فالفول النَابت والفول الأخضر الحراتي وسميط وجبنة وطماطم وجرجير.

استفان  يشرب براندي معصورًا عليه ليمونتان، وأنا كنتُ أشربه بلا أي إضَافات، وفي أحيان قليلة أشرب البوظة، التي كان يرفض أن يشَاركني فيها لأن مَعدته لم تعد تتحمل.

قبل رمضَان بحوالي شهرين، وضعوا فوق البَار تلفازًا ضخمًا، موصلًا بوصلة دش، معظم الوقت مفتوح على قنوات الأغَاني أو مُبَاريات كرة القدم.

* * *

الأحد المَاضي العاشرة ونصف أعبر من العتبة إلى زقاق ضيق ضاع اسمه. أنحني بقَامتي حتى أدخل من البَابِ، ما أن أدخل حتى أجد استفان ببدلته الرمادية الأنيقة جالسًا على المصطبة في فمه سيجارة وفي يمينه تمن براندي، بينما جلس عن يساره رجل آخر. ألقيتُ السلام فوقف لتحيتي وتقبيلي، ثم مددتُ يدي لأسلَم على صديقه، الذي بدا مألوفًا، فقال وهو يعرفنا ببعضنا البعض: “أحمد شاب يعجبك خالص، لطيف جدا. توفيق واحد من ولادنا الجُمال خالص“. فضلتُ الجلوس على الأرض بجوارهما، وطلبتُ ثمن براندي.

تحدثتُ مع توفيق الدقن عن عمله وعملي، وسببنا نحن الثلاثة في الشهر الفضيل، وتذكر استفان أن الأمور لم تكن تسير بهذه الطريقة في زمنه، وأنه لا يفهم لمَ تتوقف دور العرض السينمائي عن العمل، وذكره توفيق بأن رمضَان كان موسمًا فنيًا مثل الصيف، وعَلقتُ أن حديثهم ممل ويشبه حديث العجَائز. طلبنا مَزّة وأخرجتُ علبة السجَائر الكيلوباترا، أخذ توفيق واحدة ورفض استفان مُفضلاً سيجَارة من علبته الميريت الصفراء. في التلفاز كانت هناك أغنية ليسرا ترتدي فيها فستَانًا أحمر وتغني وهي ترقص: ” جت الحرارة/ في قلوب العذارى/ البيض الأمارة دبلوم التجارة/ ألووو../ يا أختي“.

امتدح تَوفيق الدقن مُسَلسل حدَائق الشيطَان، وعقّب استفان بأن سُمية الخشاب قُنبلة معاليكوضم أصَابعه وقبلها. جميلة هي ملامح استفان، هكذا قلتُ لنفسي وأنا أتأمل ضحكته، التي شَاركه فيها تَوفيق وهو يَضحكُ مُرجعًا رأسه للخلف. كانت ذقن استفان نابتة بعض الشيء، ومن مكان ما، بصيص من الضوء كان ساقطًا عليها، لذا فقد بدا بعظامه البارزة حوأنفه الحاد مع الذقن النابتة كملاك. “جت الحرارة في الخط المقسم/ الرئّة المسمسم تضحك له يتبسم/ يا أختي“. هدأ ضحكنا واستمرت يسرا في الرقص علي كلمات كوثر مصطفي، وعلى ما يبدو فتقريبًا كنا قد سكرنا. “جت الحرارة/ يا بادبادو/ السكر ماله مادوبتوا/ جت الحرارة/ يا بادبادو/ غسلي قلبي بالشامبو، ومع الموسيقى والإيقاع وصوت يسرا أخذ توفيق يخبط بكف يديه على فخذه وهو يهز رأسه، بينما استفان يهز رأسه للأمام وجسمه يرقص في إيقاع متزن بالطبع. “وآه.. من إيه؟/ سبلي ابن الإيه/ أنا بنت عادية/ أنا مش مادية/ ناداني وهعمل أيه“.

أوووه وقف استفان على قدميه وأخذ يرقص على النغم بإيقاع ساحر يحرق قدميه بتناسق مع ذراعيه مع حركة وسطه والجميع ينظر له ويبتسم. “جت الحرارةوقف الجميع وقد أخذ يرقص معه مساطيل من البوظة يهتزون في إيقاع شعبي محبب، بينما هو يحافظ علي إيقاع لحن الأغنية الأوربية بجسده. تبسمتُ أنا وتوفيق لبعضنا البعض ونحن نتنفس دخان سجائرنا ونشاهده. وحين انتهت الأغنية صفقنا نحن الاثنين معًا، بينما هتف توفيق :” حلاوتك يا آه يا آه“.

قبل اكتشَاف برجَ العذراءِ كنت مَفتونًا بشكلِ لا يصدق بدخولِ المقَاهي، التي تَفتحُ في رمضَانِ، حيث النوَافذ مُغَلقة والأبوَاب نصف مَفتُوحة والنَاس سَارحة مُتألقة، وسحَابة من الدخَانِ يَسترخي عليها إله الكسل الأعظم. لكن في حَالةِ البَارات، التي لا أعرف منها سوي بُرج العذرَاء، فالسحر مُضَاعف. أنا هنا أسبح في برجِ العذرَاءِ في رخَاءِ الكسل خَارج الزمن مُسترخيًا علي سحَابةِ الدخَان والبراندي بصحبة تَوفيق الدقن واستفان روستي.

16731190_10158246512470343_858280118_o

—– —

كتبت القصة عام 2006، ونشرت ضمن المجموعة القصيية لغز المهرجان المشطور- 2017 دار ميريت