مصر والتاج الصفيح

كَرِه حسني مبارك الشعارات القومية والجمل الانشائية. عبّر دائماً عن سخريته من الكلام الكبير الذي كان يطلقه من سبقوه في الحكم. احتقر فكرة المشروعات القومية، حينما كانوا يسألونه أسئلة من نوع: أين هوية مصر؟ الشباب ضائع؛ نريد مشروعاً قومياً لكي نجمع ونحمّس خلفه الشباب، كان يرد: لديكم مشروع الصرف الصحي وكباري القاهرة. ولما ملّ من الضغط بخصوص المشاريع القومية، رضخ في النهاية، وحوّل صفقة بيع أراض للوليد بن طلال ومستثمرين عرب، إلى مشروع قومي بعنوان مشروع توشكي.

وفيما كان مبارك يفتتح أضخم مشاريع الصرف الصحي في الثمانينات، كان الثنائي الشاب  السيناريست ماهر عواد  والمخرج  شريف عرفة  يقدمان  سلسلة من الأفلام التى تنكل بكل السرديات الكبري للخطاب الوطني المصري الحديث. بداية من “الدرجة الثالثة” وحتى “سمع هس”. كان لديهما حسٌّ ساخر وعدمي استخدماه في تهزيق التيمات الرئيسة لمشروع الدولة القومية، من الأناشيد الوطنية ومؤسسة العدالة في سمع هس“، وحتى مشروع الاستقلال الوطني في “يا مهلبية يا“.

يعجب الكثيرون من النقاد بتلك الفترة من تجربة شريف عرفة، ويرون أنه كان فناناً ثورياً متمرداً على خطاب السلطة. لكن، إذا استعدنا، للدقة، خطاب وهوية تلك السلطة في الثمانينات، سنجد تطابقاً واضحاً بين ما قدمه شريف عرفة، وما كانت تروج له السلطة السياسية في مصر وقتها. وحتى إذا اعتبرنا أن شريف عرفة وماهر عواد في تلك الفترة، كانا شابين متمردين، فالسماح لهما بإنتاج وعرض مثل تلك الأفلام، بل والترويج لتجارب مشابهة كتجارب سعيد حامد ورأفت الميهي، يعكس رضا السلطة عن هذا الخطاب التهزيقي لشعارات الدول الناصرية وقيمها.

لهذا نُحب شريف عرفة. إنه المخرج ابن الناس الكويسين، المصري المحترم الذي يعارض بأدب من أجل المعارضة البناءة، والذي يقدم الضحكة بلا بذاءة، والاستعراض والرقصة بحشمة. إنه مخرج العائلة المصرية الذي نثق في توقيعه على أي فيلم بحيث يتوافر فيه الحد الأدنى من الاتقان وتماسك السرد، وبالطبع دائماً النهايات السعيدة حيث يتعانق ضابط الشرطة الشريف مع رجل الشعب وينتصر الخير وتعم الفرحة على الجميع. لكنه المخرج القادر على التقاط حساسية السوق واتجاه الريح. فقط شريف عرفه، يمكنه أن يصور ما يشبه الفيلم التسجيلي عن مبارك، ثم بعده بشهور يصور فيلماً قصيراً عن الثورة التي خلعت مبارك، وفي الحالتين يلتقط حساسية السوق وموجة السلطة ويركب فوقها.

يأتي فيلم “الكنز” المعروض حالياً في السينما، بعد شهور قليلة من عرض فيلم مروان حامد “الأصليين“. يشترك الفيلمان في استخدام الفانتازيا التاريخية، تقديس رجال الأمن والسلطة، والبحث عن هوية خفية، سر مكنون، كنز مدفون يحتوي على القلب النابض لمصر.

يردد الرئيس ومن خلفه جوقة السلطة أن مصر ستصبح أم الدنيا، بل هي أم الدنيا. يتحدث عن وجوب أن نكون يداً واحدة في حين تتعارك أصابع تلك اليد، وتُبتر الأصابع التي لا تعجبه. هناك مؤامرات ودسائس، حروب الجيل الرابع، أشرار مرسلون لخراب مصر كما “صلاح الكلبي” في فيلم “الكنز”. ووسط كل هذا، ليساً مهماً من يحكم أو من في السلطة، بل المهم أن نثق في رجل الأمن الذي يعرف كل شيء ويساعد الفقراء ويُحسن إليهم، لكنه جاهز لمعاقبتهم إذا ما اختلفوا معه، لأن هذا الاختلاف يضرّ بمصر، وبعقابهم فإننا نحميهم من شرور أنفسهم، كما خالد الصاوي في فيلم “الأصليين”.

في الفيلمين، يتجلى مفهوم مصر كرؤيا هيولية مُمتدة عبر الزمن وعبر آلاف السنين. هناك مصر واحدة وهي أبدية وخَالدة، ولها جوهر ثابت، هذا الجوهر قد يكون مدفوناً في صورة كنز أو رمز كبير، مثل بهية وعيون بهية في “الأصليين”. وفي الفيلمين، مثل خطاب السلطة، لا يخبرنا أحد ما هو جوهر هذه الـميصر” –بصوت الشيخ الشعراوى؟ وما علاقة هذا الجوهر بواقعنا الآن؟ ولماذا يريدون إجبارنا على تصديق خرافة أن هذا الجوهر خالد وأبدي؟ وكيف يكون ثابتاً وهذا البلد، حتى 150 عاماً خلت، كان أهلها لا يفهمون لماذا بنوا هذه المعابد وهذه الأهرامات؟

إن تاريخ هذا البلد هو سلسلة من الانقطاعات والنسيان، ثم إعادة تذكر ما نريد، ودفن ما لا نريد، وهي استراتيجية نافعة للبقاء. فجّرت السنوات الأخيرة، وما صاحبها من صراع سياسي، مناقشات وأسئلة عميقة لدى سكان هذا الوادي، حول هويتهم وتصوراتهم عن ذواتهم والحياة التي يرغبون فيها. هذه الأسئلة كلها كُتمت بفوهة البندقية، ودُفنت تحت جنازير الدبابة. وبدلاً من السؤال والنقاش في اضطراب الهوية لجماعتنا المتخيلة كمصريين، تتبنى السلطة الجديدة خطاباً تعكسه هذه الأفلام، وسنشاهد في السنوات المقبلة المزيد من الأفلام والمسلسلات التي تعكس تصور الهوية الجديدة التي يجري بناؤها. ويمكن وضع عنوان فرعي لها: “إطفح وانت ساكت”. فالمهم ليس “جوهر مصر”، بل أن تثق في حارس هوية مصر وكنزها المدفون، أن تُسلم له، وأن تعاونه وتنصره لأنه يضحّي بكل شيء من أجل مهمة سامية، مثل محمد سعد رئيس القلم السياسي في فيلم “الكنز”، والذي يسجن أخاه ويعتقل المعارضين لكنه يحب الفن ويطارد الحب المستحيل ويحرس الكنز.

لكن الواقع أن تلك السلطة لا تحمي أي كنز، بل هي تبيع وتبيع وتتنازل. منطقها في الحكم والإدارة هو منطق إدارة السوبرماركت: كله على الرف بالسعر المناسب، أو كما قال رئيس السلطة ذات مرة اللي يقدر على مصاريف مصر يشيل. وبالتالي، فالغرض من أفلام مثل “الكنز” و”الأصلين” هو إضفاء زخرفة رديئة تُشبع أسئلة المراهقين عن هويتهم، وتقدم للسلطة كوكتيل مصر الجميل، حيث حتشبسوت ترتدي تاجاً، وحيث سر عبقرية المصريين يكمن في تناولهم المخدرات وزهرة اللوتس الأزرق كما في “الأصليين”.

أما إذا كنت أذكى من ذلك، واكتشفت خواء السلطة، وأن بهية التى تحرس عيونها ليست إلا راقصة وعاهرة كانت تابعة لياسين قاطع الطرق، فالحل الذي يقترحه مروان حامد وأحمد مراد أن نذهب جميعاً للصحراء لنؤسس فندقاً بيئياً ونبحث عن السلام والخلاص النفسي في اليوغا والتأمل، ونترك المهام الكبرى وحراسة الكنز لرجال السلطة والأمن، حراس عيون بهية.

ملحوظة عابرة عن فيلم الكنز وواقع الحرفة الآن

احنا بقي عندنا مشكلة خطيرة فعلا يا جماعة في السوق، الناس من كتر ما اتعودت على شغل النحت نسيت الشغلانة والفن. افلام زى الكنز او الاصليين رغم الطموح العالي فيهم، لكن سقف الافكار والخيال والتنفيذ لا يتجاوز مستوى اعلان سمنة منحوت من اعلان زبدة امريكانى. علشان كدا حاجات زى افلام بيتر ميمى وامير كرارة واحمد السقا فيها منطق ونضج اكتر من المستوى الركيك اللى طالع عليها الافلام دا.

ايمن ابو المكارم دا مثلا مدير تصوير اخره يصور سيت كوم وتوريه قبل كل مشهد الريفرينس اللى يشتغل عليه، تجيبه في حاجة زى الكنز فينور معبد فرعونى بكينو ونيون ومفيش شعلة نار او مصباح زيت واحد ويقعد يكافح هو وشريف عرفة علشان يعملوا اى حاجة عميقة او مغايرة فيجيبوا درونز تصور، فالدرون وهى بتصور يقوم يبان الكاميرا واللوكيشين، … والمفروض لسه ان فيه انسانة قاعدة على المونتاج بعد كدا قصت وعملت المشهد عادى، وقدمت لنا دا وراحت تنام بدون ذرة تأنيب ضمير 

.لان كل اللى شغالين اتعودوا مش بس على شغل النحت والريفرينس، لكن كمان ان يكون فيه عميل يشوف الشغل قبل عرضه وان العميل هو اللى بيتحمل مسئولية العمل، فعادى واحدة قاعدة على مكنة المونتاج عماله تخرف ونايمه على المكنة ومخرج كبير يطلع لنا فيلم بالركاكة التقنية دى

آفاق الثقافة ومهمة الفن في الستينات: ‏ صناعة مصري المستقبل

كتتويج لإنجازات وتجربة واحد من أبناء ثورة ونظام يوليو الفنانين والمبدعين، خصصت وزارة الثقافة المصرية هيئة كاملة بعنوان فخيم هو “مركز الفيلم التجريبي” ليرأسه المخرج والفنان ومصمم الديكورات شادى عبد السلام.

رأس شادى عبد السلام مركز الفيلم التجريبي لمدة خمس سنوات بدأت منذ 1970، وخلال هذه المدة أنتج المركز أكثر من فيلم معظمها كانت من إخراج شادى عبد السلام ذاته. أي أن شادى كان يستغل منصبه في الوزارة لينتج أفلام يخرجها هو. في بعض النظم والمعايير القانونية يعتبر هذا الأمر شبهه أو دلالة على الفساد الإداري، لكن في المعايير المصرية يعتبر تقدير من جانب الدولة لواحد من فنانيها الذي نجحوا في انتزاع الاعتراف العالمى وفي تمثيل مصر بخير الصور والأشكال في المحافل الثقافية الدولية.

ولد شادى في 15 مارس 1930 بالإسكندرية، وتلقي تعليمه بين لندن والقاهرة والإسكندرية من المسرح حتى العمارة بكلية الفنون الجميلة. ليلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1956. وهى السنة التي كان فخوراً بشدة بيها وتحدث عنها في أكثر من سياق، ومثلت فرصة لابن البرجوازية المصرية بالالتقاء بفئات وطبقات مختلفة من الشعب المصري. شهدت هذا السنة أيضاً تألق المشروع الناصري، وإعلان انتصاره الذهبي وقدرته على تحدي عدوان من ثلاث دول بعدما أعلن عبد الناصر تأمين قناة السويس. نجيب محفوظ واحد من أقل المتحمسين لنظام عبد الناصر وصف إحساسه عام 1956 بعد انسحاب الدول المعتدية على مصر قائلاً: “شعرت أننا دولة عظمي”.

بدأت مسيرة شادى الفنية بعد ذلك بتصميم الملابس والرقصات، كانت البداية مع تصميم لبدلة رقص أعده لتحية كاريوكا، ثم عمل كمصمم للمناظر مع قائمة طويلة من المخرجين تبدأ من صلاح أبو سيف وحتى جوزيف مانكيفيتش في الفيلم الأمريكي “كليوبترا”، وروبرتو روسيلينى في فيلمه التسجيلي عن الحضارة القديمة (1967).

بينما يشق شادى مسار رحلته الخاصة، كانت الدولة في مصر تأمم المجال الفني بشكل كلى، ويشمل هذا تأميم شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة، وتأميم شركات التوزيع. بمعنى أن أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض أصبحت كلها في يد الدولة. أنشئت الدولة الجمهورية أيضاً “وزارة الثقافة والإرشاد القومى” التي تحولت بعد ذلك لتصبح “وزارة الثقافة” حيث غاب الإرشاد والتوجيه من الاسم لكنه حضر في أفعال وبرامج الوزارة.

داخل هذه البيئة طور شادى مشروعه الفني، الذي جاء ملتصقاً بالهوية الجماعية المصرية وامتداداً للسياسية الثقافية ومفاهيم التنوير السائدة في ذلك الزمن. اهتمام شادى بالملابس والديكورات وغيره من أشكال التعبير البصري جعله يدرك أن الملابس والديكورات ليست أشكال جمالية، بل تعبير عن تصورات عن الهوية وأفكار وقيم اجتماعية تشكل حياة الناس وعلى أساسها تشكل ملابسهم والبيوت التي يعيشون فيها.

في مقدمة الفيلم التسجيلي “الفرعون الأخير” والذي يوثق لتجربة شادى عبد السلام يقول شادى: ” منذ أن بدأت أعمل وأنا أعتقد أن لى قضية، قضيتى هي التاريخ الغائب أو المفقود الناس الذي نراهم في الشوارع والبيوت، في الحقول والمصانع، لهم تاريخ. هؤلاء الناس أغنوا الإنسانية، كيف نعيدهم للدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟ لا بد أولاً أن يعرفون من هم؟ وماذا كانوا؟ وماذا قدموا؟ لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان الغد…هذه هي قضيتى”.

  صورت ثورة يوليو نفسها، كعودة للوعى الغائب. فالثورة أتت بجمال عبد الناصر، أو رئيس مصري لمصر، كما كانت تتفاخر دعاية نظام يوليو بذلك. وفي سياق هذه البروبجندا فقد نهضت وزارة الثقافة والمثقفين العاملين فيها بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية، وجعلوا من أنفسهم كما يعلق بدر الديب في روايته إجازة تفرغ حراس على الهوية والفلكلور. في روايته البديعة التي تتناول قصة نحات يقرر اعتزال العمل الفني نهاية الستينات لعدم قدرته على الاندماج مع المؤسسات القائمة الفنية والثقافية حتى تنتهى عزلته بانتحار أمام البحر مع مقطوعتها النحتية التي عمل على إنجازها في عزلته، يقدم بدر الديب فكرة دالة على طبيعة الأدوار المنوط بها الجماعة الفنية والثقافية في هذه المرحلة قائلاً:

أنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقي ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القري أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سري وبعضها احصائي وبعضها يستحيل إلي مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.

ومنتقداً استنباط صور محددة الأطر عن الهوية من خلال حياة الناس ثم محاولة فرض تلك التصورات عليهم قائلاً: “لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروي الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهاراً أخري مهما فعلت. قد تعلم الناس أن يرقصوا كالقرود فإذا سحبت الطبلة والموزة عادوا إلي لعبهم الخاص الذي لا تستطيع أن تمسك به أو تتحكم فيه.” فهو يحددون ما هو الفلكلور المصري وما هي الهوية المصرية، وينقون هذا الفلكلور من فطريته أو مل يتعارض مع القيم التقدمية التي يروجون له، ثم يجعلون من أنفسهم حراساً على هذا الفلكلور.

فيلم آفاق لشادى عبد السلام، والذي يثمل توثيق لأنشطة وبرامج وزارة الثقافة، هو في جوهرة جزء من هذه البروبجندا الدعائية. ويمكن اعتباره بمثابة المشهد الختامي حيث بداية من السبعينات في عهد السادات ستشهد وزارة الثقافة تقلصات في ميزانيتها، وتحول في سياساتها التنويرية.

لذا فالفيلم يمكن اعتباره رؤية أحد كهنة التنوير والهوية المصرية شادى عبد السلام في 38 دقيقة من البروبجندا لجهاز الدولة الثقافي وآفاقه. يمكن الحديث في مقال آخر حول جوانب الصنعة والمهارة الفنية في الإخراج والتنفيذ وهذا التكلف المعتاد لدى شادى حتى وهو يصنع فيلماً “تسجيلياً”. لكن ما يهتم به هذه المقال هو الأفكار والقيم التي يروج لها الفيلم عن الهوية الثقافية المصرية، وكيف يعكسها في تيمات بصرية تحتشد في كل كادر من كادرات فيلم آفاق شادي. إلي جانب شهادات بعض الفنانين الذين يظهرون في الفيلم وطبيعة علاقتهم بشادي، والتي تكشف عن سيادة أنماط من الشللية والأخوية تقود عملية إنتاج مثل هذه الأفلام، وتعطينا لمحة عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية، والمسافة بين ذلك والقيم التي تحاول تقديمها والترويج لها.

المصري  يرتدى البدلة ويعزف الموسيقي السيمفونية

يفتتح شادى فيلمه على كادر لأوركسترا القاهرة السيمفونى بقيادة يوسف السيسي يتسع مع تصاعد إيقاع افتتاحية كارمينا بورانا لكارل أورف (Carl Orff). للأوبرا والموسيقي السيمفونى مكانة خاصة في الوعى المصري. دخلت الموسيقي السيمفونية الغربية مصر في القرن التاسع عشر، كأحد الفنون الغربية المفضلة للأسرة العلوية الحاكمة والنخبة الأجنبية البرجوازية في مصر. أثناء الاعداد لاحتفالات افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل الموسيقار الإيطالي فريدي بتأليف أوبرا عايدة لعرضها في حفل الافتتاح، لكن عملية تصميم الملابس والديكورات تأخرت –سيصبح التأخير صفة ملازمة لعمليات الإنتاج الفني والثقافي في مصر بعد ذلك–مما أضطر القائمين إلي الاستعانة بفرقة إيطاليا أخيرة لتقديم أوبرا ريجوليتو. وحينما كون نجم العهد الملكى في أفوله الأخير، سيكون حريق القاهرة والأوبرا الخديوية عام 1971هو تلويحة الوداع لحقبة كاملة. لكن شغف السلطة الحاكمة بالفنون الأوبراية المختلفة سيستمر حتى مع العهد الجمهوري. في 1963 وبكلمات صلاح جاهين شاعر النظام الأولى سيغنى عبد الحليم نجم الثورة ملخصاً البرنامج الثقافي لثورة يوليو “تماثيل رخام على الترعة، وأوبرا.. في كل قرية عربية”.

الأوبرا ليست للبرجوازية بل للجميع للفلاحين في القري، والنجوع. ولهذا حينما يفتتح شادي فيلم عن أنشطة وزارة الثقافة بمشهد للأوركسترا فكأنه يقدم إجابة بالصورة على حلم جاهين وعبد الحليم من عشر سنوات. وهو حلم في قلبه يحمل قدر من الندية في تصور مثقف الجمهورية عن ذاته كمثقف قادر على تذوق فنون الغرب الاستعماري، وأثبات مساواته أمام أصحاب الدم الأزرق الملكي في قدرته على تذوق الفنون الأوبراية وإنتاجها.

المصري فلاح يعيش في بيئة يعرف مقاييسها وأسرارها كهنة العمارة المصرية

المشهد التالي رمسيس ويصا واصف (1911- 1974) يتحرك داخل مدرسة الحرانية للنسيج. ويصا معماري مصري حصل على دبلوم الفنون من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، وشكل مع حسن فتحى مدرسة للعمارة المصرية اعتمدت على توظيف تقنيات البناء التقليدي، وعلى خطوط ما يعتبره معبراً عن الهوية المصرية. في الفيلم تستعرض كاميرا شادى عبد السلام بيوت كلها منحنيات مهندسة بدقة بالغة تحاول في يأس محاكاة الفطرية التلقائية في بيوت الفلاحين. ينعكس هذا على الخزف الذي يتراص في فراغات الجدران في مبانى مدرسة الحرانية.

أسس رمسيس ويصا، مدرسة الحرانية للحفاظ على صناعة النسيج اليدوى في مقابل زحف الماكينات الحديثة على الصناعة. دافعت النخبة الثقافية عن توجهات فنية ومعمارية كتوجهات ويصا وحسن فتحي لأسباب منبعها الأساسي الحفاظ على ما يعتبرونها ممثلاً للهوية المصرية. وهو ببساطة ما يتجسد في مشروع ويصا من خلق لبيئة مصنعة كنموذج محاكاة مثالي لما يتصورونه عن الريف، وتنمية احاسيس طبقية وقومية، وعكس هذه التصورات في منتجات صناعية تحمل هذه الرسائل وتحمل صفة الفن لمجرد كونها منتجها ضمن هذه المحاكاة. الفلاحون يجدون أنفسهم في قبضة مهندسين يريدون منهم أن يعملوا بأيديهم دفاعاً عن الصناعات التقليدية، لكن ما ينتجونها لن يتم عرضه والتعامل معه كمنتجات صناعية، بل كأعمال فنية سيروج لها المهندسون مضيفين عليها المزيد من الصفات تجعلها مؤهلة للعرض في الجاليرهات الفنية كنسخة لا يمكن تقليديها أو تكرارها بالتالي سيتم اعتباره فن مكانه الجاليري.

في أماكن كمدرسة الحرانية، كان يتم سلخ الحرف والصناعات الشعبية عن بيئتها، وتجميدها لإعادة إنتاجها تحت إشراف مهندسين وأوصياء كرمسيس ويصا ثم تصوير تلك العملية لإنتاج منتج ثالث كفيلم شادي هنا.

ما الذي يفعله محمد صبحي هنا؟ أنه صديق المخرج

مثل كل مؤسسات الدولة في هذا الوقت كانت المؤسسات الثقافية تمارس عملها بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية، ونظام المحاسبة الأساسي المتبع هو القائم على الرضا الأمني وعدم الانحراف عن الخطوط العام للسياسية الثقافة للدولة. وفي مثل هذا المناخ تتغلغل شبكات العلاقات الشخصية لعلاقات العمل، ويختفي الحد الفاصل بين تضارب المصالح. فمحمد صبحي الممثل والذي كان وقتها ممثلاً شاباً أعجب به شادى ورشحه لدور في فيلمه الذي لم ينفذ اخناتون. في شهادة لمحمد صبحى عن شادى عبد السلام قال أنه دعاه للتمثيل والظهور في فيلم آفاق لأنه علم أن صبحي على وشك الخطوبة فقرر أن يصور معه في الفيلم حتي تكون وسيلة ليمنحه أجر يساعده في اتمام خطبته.

أن مثل هذه الممارسات ليست من قبيل شبهات الفساد فقط، بل تعطينى فكرة عن الحالة البراجماتية التي تعامل بها شادى مع الفيلم، والمحاذير التي بدا واضحاً انه خضع له. ففي ذات الشهادة يقول محمد صبحي بأن شادى كان يحاول في البداية التملص من اخراج الفيلم، لأن فكرة أن ينتج فيلم بالأمر المباشر وليس نابعاً من رغبته لم تكن تروق له. لكنه تراجع بعد ذلك وأنتج الفيلم. في ذات الشهادة أيضاً يقول صبحي بأن شادى قام بتصوير مبنى الأوبرا بعد حرقه وأنه أراد أن يظهر فيلم آفاق الأوبرا التي يفتتح بها الفيلم في البداية بكامل جمالها وعملها، وأن يظهرها بعد الحريق لكن لأسباب رقابية لم يتمكن من وضع الجزء الذي صور فيه الأوبرا بعد احتراقها. فالأمر بالطبع لا يتماش مع فيلم عن البروبجندا الثقافية كما طلب من شادى.

الفنان روح هائمة تطل على العالم من مشربية عربية

شهدت فترة الستينات تغييرات جذرية في سوق الفن التشكيلي، فالتأميم وهجرة الأجانب من مصر أثرت على القدرات الاستهلاكية للطبقة البرجوازية المصرية، وتضاءل وجود الجاليرهات الخاصة التي تبيع الأعمال الفنية. وتأميم الدولة لذلك المجال شمل تأسيس قطاع الفنون التشكيلية، كجهة مشرفة على المتاحف الفنية، وإقامة المعارض، ورعاية الفنانين. أحد أدوات الوزارة في المجال الفني كانت منح التفرخ ومنح الإقامة. جري تخصيص عدد من المساحات والمبانى الأثرية كاستديوهات لبعض الفنانين. يظهر منهم في الفيلم، عز الدين نجيب، حامد ندا، عبد الوهاب مرسي، محمد نبيل، وآدم حنين. يبدو التجريد عنصر مشترك في معظم اللوحات التي تعرض في الفيلم لهؤلاء الفنانين. وهم يقيمون في قصر المسافر خانة (احترق بالكامل في عهد فاروق حسنى عام 1998).

في الجزء الأول من الفيلم يظهر حسن سليمان في مرسمه الخاص. المكان هو الأقل تنظيماً والأكثر تلقائية في كل الأماكن التي تظهر في الفيلم. يظهر في الكادر أرفف مكدسة بالكتب، وأشكال مختلفة من براد الشاي، مستنسخات للوحات عالمية، ولوحة تبرز فيها كتلتين واحدة قد تبدو ككتاب والآخري كوب. حسن سلمان يظهر في الكادر يرتدى الروب “دى شامبر”. مرتاحاً فيما يبدو كمنزلة، يتناول لعب ورقية كالأرجوز يحركها بيده بينما تحلق فوقه مراكب تحمل علم مصر.

يختتم الفيلم بقطع نحتيه لآدم حنين تنتصب في الصحراء، وآخر قطعة نراها منحوتة لجسد يظلل عينيه بيديه، يد كأنها تغطي العين اليسري واليد الأخيرة تصنع حجاب فوق كلتا العينين، ثم نشاهد طاقم العمل ينصرف باتجاه أتوبيس الإنتاج وظهره للكاميرا. ينصرف أتوبيس الإنتاج ويظل الكادر مفتوح على الصحراء حتى “تيتر” النهاية.

وسط ركام الإشارات وثقل البروبجندا الواضح في معظم كادرات الفيلم، إلا أن مشهد حسن سليمان والنهاية المفتوحة على تماثيل آدم حنين يبدوان كخروج مقصود عن مسار النوتة المرسومة للفيلم. مساحة خافتة يمنحها شادى لأصوات منحازة لعوالمها الخاصة وصوتها المنفرد. وسط ثقل الدولة وظل برنامجها الدعائي الجاثم على عناصر الفيلم. لكن الآمر ليس فقط أن شادى وغيره من الفنانين كانوا مضطرين للعمل في هذه البيئة. بل إن في حالة شادة كان هناك إيمان صادق بهذا المشروع، بقدرة الفن على حل أزمة هوية مجتمع كامل بل وكما يقول شادى أن “يصل بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر لنقدم إنسان الغد”. يمكن لشادى أو أي فنان أن يتصور ما يشاء عن قدرات فنه والغاية مما يقوم به. لكن شادى ظل مؤمناً بأن مهمة تقديم إنسان المستقبل منوط بها مؤسسات إنتاج الخطاب القومى والدولتى. هي ذاتها الدولة التي رفضت تمويل مشروع فيلمه الأخير الذي مات يحلم به اخناتون. وظل هو وفياً للعهد ولأفكاره رافضاً كل العروض الأجنبية التي قدمت  لإنتاج الفيلم، لأنه أراد للفيلم أن يكون مصرياً خالصاً وصك المصرية هنا تحمله الدولة المنوط بها الوصل بين إنسان الماضى وإنسان الحاضر.

كتتويج لإنجازات وتجربة واحد من أبناء ثورة ونظام يوليو الفنانين والمبدعين، خصصت وزارة الثقافة المصرية هيئة كاملة بعنوان فخيم هو “مركز الفيلم التجريبي” ليرأسه المخرج والفنان ومصمم الديكورات شادى عبد السلام.

رأس شادى عبد السلام مركز الفيلم التجريبي لمدة خمس سنوات بدأت منذ 1970، وخلال هذه المدة أنتج المركز أكثر من فيلم معظمها كانت من إخراج شادى عبد السلام ذاته. أي أن شادى كان يستغل منصبه في الوزارة لينتج أفلام يخرجها هو. في بعض النظم والمعايير القانونية يعتبر هذا الأمر شبهه أو دلالة على الفساد الإداري، لكن في المعايير المصرية يعتبر تقدير من جانب الدولة لواحد من فنانيها الذي نجحوا في انتزاع الاعتراف العالمى وفي تمثيل مصر بخير الصور والأشكال في المحافل الثقافية الدولية.

ولد شادى في 15 مارس 1930 بالإسكندرية، وتلقي تعليمه بين لندن والقاهرة والإسكندرية من المسرح حتى العمارة بكلية الفنون الجميلة. ليلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1956. وهى السنة التي كان فخوراً بشدة بيها وتحدث عنها في أكثر من سياق، ومثلت فرصة لابن البرجوازية المصرية بالالتقاء بفئات وطبقات مختلفة من الشعب المصري. شهدت هذا السنة أيضاً تألق المشروع الناصري، وإعلان انتصاره الذهبي وقدرته على تحدي عدوان من ثلاث دول بعدما أعلن عبد الناصر تأمين قناة السويس. نجيب محفوظ واحد من أقل المتحمسين لنظام عبد الناصر وصف إحساسه عام 1956 بعد انسحاب الدول المعتدية على مصر قائلاً: “شعرت أننا دولة عظمي”.

بدأت مسيرة شادى الفنية بعد ذلك بتصميم الملابس والرقصات، كانت البداية مع تصميم لبدلة رقص أعده لتحية كاريوكا، ثم عمل كمصمم للمناظر مع قائمة طويلة من المخرجين تبدأ من صلاح أبو سيف وحتى جوزيف مانكيفيتش في الفيلم الأمريكي “كليوبترا”، وروبرتو روسيلينى في فيلمه التسجيلي عن الحضارة القديمة (1967).

بينما يشق شادى مسار رحلته الخاصة، كانت الدولة في مصر تأمم المجال الفني بشكل كلى، ويشمل هذا تأميم شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة، وتأميم شركات التوزيع. بمعنى أن أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض أصبحت كلها في يد الدولة. أنشئت الدولة الجمهورية أيضاً “وزارة الثقافة والإرشاد القومى” التي تحولت بعد ذلك لتصبح “وزارة الثقافة” حيث غاب الإرشاد والتوجيه من الاسم لكنه حضر في أفعال وبرامج الوزارة.

داخل هذه البيئة طور شادى مشروعه الفني، الذي جاء ملتصقاً بالهوية الجماعية المصرية وامتداداً للسياسية الثقافية ومفاهيم التنوير السائدة في ذلك الزمن. اهتمام شادى بالملابس والديكورات وغيره من أشكال التعبير البصري جعله يدرك أن الملابس والديكورات ليست أشكال جمالية، بل تعبير عن تصورات عن الهوية وأفكار وقيم اجتماعية تشكل حياة الناس وعلى أساسها تشكل ملابسهم والبيوت التي يعيشون فيها.

في مقدمة الفيلم التسجيلي “الفرعون الأخير” والذي يوثق لتجربة شادى عبد السلام يقول شادى: ” منذ أن بدأت أعمل وأنا أعتقد أن لى قضية، قضيتى هي التاريخ الغائب أو المفقود الناس الذي نراهم في الشوارع والبيوت، في الحقول والمصانع، لهم تاريخ. هؤلاء الناس أغنوا الإنسانية، كيف نعيدهم للدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟ لا بد أولاً أن يعرفون من هم؟ وماذا كانوا؟ وماذا قدموا؟ لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان الغد…هذه هي قضيتى”.

  صورت ثورة يوليو نفسها، كعودة للوعى الغائب. فالثورة أتت بجمال عبد الناصر، أو رئيس مصري لمصر، كما كانت تتفاخر دعاية نظام يوليو بذلك. وفي سياق هذه البروبجندا فقد نهضت وزارة الثقافة والمثقفين العاملين فيها بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية، وجعلوا من أنفسهم كما يعلق بدر الديب في روايته إجازة تفرغ حراس على الهوية والفلكلور. في روايته البديعة التي تتناول قصة نحات يقرر اعتزال العمل الفني نهاية الستينات لعدم قدرته على الاندماج مع المؤسسات القائمة الفنية والثقافية حتى تنتهى عزلته بانتحار أمام البحر مع مقطوعتها النحتية التي عمل على إنجازها في عزلته، يقدم بدر الديب فكرة دالة على طبيعة الأدوار المنوط بها الجماعة الفنية والثقافية في هذه المرحلة قائلاً:

أنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقي ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القري أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سري وبعضها احصائي وبعضها يستحيل إلي مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.

ومنتقداً استنباط صور محددة الأطر عن الهوية من خلال حياة الناس ثم محاولة فرض تلك التصورات عليهم قائلاً: “لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروي الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهاراً أخري مهما فعلت. قد تعلم الناس أن يرقصوا كالقرود فإذا سحبت الطبلة والموزة عادوا إلي لعبهم الخاص الذي لا تستطيع أن تمسك به أو تتحكم فيه.” فهو يحددون ما هو الفلكلور المصري وما هي الهوية المصرية، وينقون هذا الفلكلور من فطريته أو مل يتعارض مع القيم التقدمية التي يروجون له، ثم يجعلون من أنفسهم حراساً على هذا الفلكلور.

فيلم آفاق لشادى عبد السلام، والذي يثمل توثيق لأنشطة وبرامج وزارة الثقافة، هو في جوهرة جزء من هذه البروبجندا الدعائية. ويمكن اعتباره بمثابة المشهد الختامي حيث بداية من السبعينات في عهد السادات ستشهد وزارة الثقافة تقلصات في ميزانيتها، وتحول في سياساتها التنويرية.

لذا فالفيلم يمكن اعتباره رؤية أحد كهنة التنوير والهوية المصرية شادى عبد السلام في 38 دقيقة من البروبجندا لجهاز الدولة الثقافي وآفاقه. يمكن الحديث في مقال آخر حول جوانب الصنعة والمهارة الفنية في الإخراج والتنفيذ وهذا التكلف المعتاد لدى شادى حتى وهو يصنع فيلماً “تسجيلياً”. لكن ما يهتم به هذه المقال هو الأفكار والقيم التي يروج لها الفيلم عن الهوية الثقافية المصرية، وكيف يعكسها في تيمات بصرية تحتشد في كل كادر من كادرات فيلم آفاق شادي. إلي جانب شهادات بعض الفنانين الذين يظهرون في الفيلم وطبيعة علاقتهم بشادي، والتي تكشف عن سيادة أنماط من الشللية والأخوية تقود عملية إنتاج مثل هذه الأفلام، وتعطينا لمحة عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية، والمسافة بين ذلك والقيم التي تحاول تقديمها والترويج لها.

المصري  يرتدى البدلة ويعزف الموسيقي السيمفونية

يفتتح شادى فيلمه على كادر لأوركسترا القاهرة السيمفونى بقيادة يوسف السيسي يتسع مع تصاعد إيقاع افتتاحية كارمينا بورانا لكارل أورف (Carl Orff). للأوبرا والموسيقي السيمفونى مكانة خاصة في الوعى المصري. دخلت الموسيقي السيمفونية الغربية مصر في القرن التاسع عشر، كأحد الفنون الغربية المفضلة للأسرة العلوية الحاكمة والنخبة الأجنبية البرجوازية في مصر. أثناء الاعداد لاحتفالات افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل الموسيقار الإيطالي فريدي بتأليف أوبرا عايدة لعرضها في حفل الافتتاح، لكن عملية تصميم الملابس والديكورات تأخرت –سيصبح التأخير صفة ملازمة لعمليات الإنتاج الفني والثقافي في مصر بعد ذلك–مما أضطر القائمين إلي الاستعانة بفرقة إيطاليا أخيرة لتقديم أوبرا ريجوليتو. وحينما كون نجم العهد الملكى في أفوله الأخير، سيكون حريق القاهرة والأوبرا الخديوية عام 1971هو تلويحة الوداع لحقبة كاملة. لكن شغف السلطة الحاكمة بالفنون الأوبراية المختلفة سيستمر حتى مع العهد الجمهوري. في 1963 وبكلمات صلاح جاهين شاعر النظام الأولى سيغنى عبد الحليم نجم الثورة ملخصاً البرنامج الثقافي لثورة يوليو “تماثيل رخام على الترعة، وأوبرا.. في كل قرية عربية”.

الأوبرا ليست للبرجوازية بل للجميع للفلاحين في القري، والنجوع. ولهذا حينما يفتتح شادي فيلم عن أنشطة وزارة الثقافة بمشهد للأوركسترا فكأنه يقدم إجابة بالصورة على حلم جاهين وعبد الحليم من عشر سنوات. وهو حلم في قلبه يحمل قدر من الندية في تصور مثقف الجمهورية عن ذاته كمثقف قادر على تذوق فنون الغرب الاستعماري، وأثبات مساواته أمام أصحاب الدم الأزرق الملكي في قدرته على تذوق الفنون الأوبراية وإنتاجها.

المصري فلاح يعيش في بيئة يعرف مقاييسها وأسرارها كهنة العمارة المصرية

المشهد التالي رمسيس ويصا واصف (1911- 1974) يتحرك داخل مدرسة الحرانية للنسيج. ويصا معماري مصري حصل على دبلوم الفنون من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، وشكل مع حسن فتحى مدرسة للعمارة المصرية اعتمدت على توظيف تقنيات البناء التقليدي، وعلى خطوط ما يعتبره معبراً عن الهوية المصرية. في الفيلم تستعرض كاميرا شادى عبد السلام بيوت كلها منحنيات مهندسة بدقة بالغة تحاول في يأس محاكاة الفطرية التلقائية في بيوت الفلاحين. ينعكس هذا على الخزف الذي يتراص في فراغات الجدران في مبانى مدرسة الحرانية.

أسس رمسيس ويصا، مدرسة الحرانية للحفاظ على صناعة النسيج اليدوى في مقابل زحف الماكينات الحديثة على الصناعة. دافعت النخبة الثقافية عن توجهات فنية ومعمارية كتوجهات ويصا وحسن فتحي لأسباب منبعها الأساسي الحفاظ على ما يعتبرونها ممثلاً للهوية المصرية. وهو ببساطة ما يتجسد في مشروع ويصا من خلق لبيئة مصنعة كنموذج محاكاة مثالي لما يتصورونه عن الريف، وتنمية احاسيس طبقية وقومية، وعكس هذه التصورات في منتجات صناعية تحمل هذه الرسائل وتحمل صفة الفن لمجرد كونها منتجها ضمن هذه المحاكاة. الفلاحون يجدون أنفسهم في قبضة مهندسين يريدون منهم أن يعملوا بأيديهم دفاعاً عن الصناعات التقليدية، لكن ما ينتجونها لن يتم عرضه والتعامل معه كمنتجات صناعية، بل كأعمال فنية سيروج لها المهندسون مضيفين عليها المزيد من الصفات تجعلها مؤهلة للعرض في الجاليرهات الفنية كنسخة لا يمكن تقليديها أو تكرارها بالتالي سيتم اعتباره فن مكانه الجاليري.

في أماكن كمدرسة الحرانية، كان يتم سلخ الحرف والصناعات الشعبية عن بيئتها، وتجميدها لإعادة إنتاجها تحت إشراف مهندسين وأوصياء كرمسيس ويصا ثم تصوير تلك العملية لإنتاج منتج ثالث كفيلم شادي هنا.

ما الذي يفعله محمد صبحي هنا؟ أنه صديق المخرج

مثل كل مؤسسات الدولة في هذا الوقت كانت المؤسسات الثقافية تمارس عملها بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية، ونظام المحاسبة الأساسي المتبع هو القائم على الرضا الأمني وعدم الانحراف عن الخطوط العام للسياسية الثقافة للدولة. وفي مثل هذا المناخ تتغلغل شبكات العلاقات الشخصية لعلاقات العمل، ويختفي الحد الفاصل بين تضارب المصالح. فمحمد صبحي الممثل والذي كان وقتها ممثلاً شاباً أعجب به شادى ورشحه لدور في فيلمه الذي لم ينفذ اخناتون. في شهادة لمحمد صبحى عن شادى عبد السلام قال أنه دعاه للتمثيل والظهور في فيلم آفاق لأنه علم أن صبحي على وشك الخطوبة فقرر أن يصور معه في الفيلم حتي تكون وسيلة ليمنحه أجر يساعده في اتمام خطبته.

أن مثل هذه الممارسات ليست من قبيل شبهات الفساد فقط، بل تعطينى فكرة عن الحالة البراجماتية التي تعامل بها شادى مع الفيلم، والمحاذير التي بدا واضحاً انه خضع له. ففي ذات الشهادة يقول محمد صبحي بأن شادى كان يحاول في البداية التملص من اخراج الفيلم، لأن فكرة أن ينتج فيلم بالأمر المباشر وليس نابعاً من رغبته لم تكن تروق له. لكنه تراجع بعد ذلك وأنتج الفيلم. في ذات الشهادة أيضاً يقول صبحي بأن شادى قام بتصوير مبنى الأوبرا بعد حرقه وأنه أراد أن يظهر فيلم آفاق الأوبرا التي يفتتح بها الفيلم في البداية بكامل جمالها وعملها، وأن يظهرها بعد الحريق لكن لأسباب رقابية لم يتمكن من وضع الجزء الذي صور فيه الأوبرا بعد احتراقها. فالأمر بالطبع لا يتماش مع فيلم عن البروبجندا الثقافية كما طلب من شادى.

الفنان روح هائمة تطل على العالم من مشربية عربية

شهدت فترة الستينات تغييرات جذرية في سوق الفن التشكيلي، فالتأميم وهجرة الأجانب من مصر أثرت على القدرات الاستهلاكية للطبقة البرجوازية المصرية، وتضاءل وجود الجاليرهات الخاصة التي تبيع الأعمال الفنية. وتأميم الدولة لذلك المجال شمل تأسيس قطاع الفنون التشكيلية، كجهة مشرفة على المتاحف الفنية، وإقامة المعارض، ورعاية الفنانين. أحد أدوات الوزارة في المجال الفني كانت منح التفرخ ومنح الإقامة. جري تخصيص عدد من المساحات والمبانى الأثرية كاستديوهات لبعض الفنانين. يظهر منهم في الفيلم، عز الدين نجيب، حامد ندا، عبد الوهاب مرسي، محمد نبيل، وآدم حنين. يبدو التجريد عنصر مشترك في معظم اللوحات التي تعرض في الفيلم لهؤلاء الفنانين. وهم يقيمون في قصر المسافر خانة (احترق بالكامل في عهد فاروق حسنى عام 1998).

في الجزء الأول من الفيلم يظهر حسن سليمان في مرسمه الخاص. المكان هو الأقل تنظيماً والأكثر تلقائية في كل الأماكن التي تظهر في الفيلم. يظهر في الكادر أرفف مكدسة بالكتب، وأشكال مختلفة من براد الشاي، مستنسخات للوحات عالمية، ولوحة تبرز فيها كتلتين واحدة قد تبدو ككتاب والآخري كوب. حسن سلمان يظهر في الكادر يرتدى الروب “دى شامبر”. مرتاحاً فيما يبدو كمنزلة، يتناول لعب ورقية كالأرجوز يحركها بيده بينما تحلق فوقه مراكب تحمل علم مصر.

يختتم الفيلم بقطع نحتيه لآدم حنين تنتصب في الصحراء، وآخر قطعة نراها منحوتة لجسد يظلل عينيه بيديه، يد كأنها تغطي العين اليسري واليد الأخيرة تصنع حجاب فوق كلتا العينين، ثم نشاهد طاقم العمل ينصرف باتجاه أتوبيس الإنتاج وظهره للكاميرا. ينصرف أتوبيس الإنتاج ويظل الكادر مفتوح على الصحراء حتى “تيتر” النهاية.

وسط ركام الإشارات وثقل البروبجندا الواضح في معظم كادرات الفيلم، إلا أن مشهد حسن سليمان والنهاية المفتوحة على تماثيل آدم حنين يبدوان كخروج مقصود عن مسار النوتة المرسومة للفيلم. مساحة خافتة يمنحها شادى لأصوات منحازة لعوالمها الخاصة وصوتها المنفرد. وسط ثقل الدولة وظل برنامجها الدعائي الجاثم على عناصر الفيلم. لكن الآمر ليس فقط أن شادى وغيره من الفنانين كانوا مضطرين للعمل في هذه البيئة. بل إن في حالة شادة كان هناك إيمان صادق بهذا المشروع، بقدرة الفن على حل أزمة هوية مجتمع كامل بل وكما يقول شادى أن “يصل بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر لنقدم إنسان الغد”. يمكن لشادى أو أي فنان أن يتصور ما يشاء عن قدرات فنه والغاية مما يقوم به. لكن شادى ظل مؤمناً بأن مهمة تقديم إنسان المستقبل منوط بها مؤسسات إنتاج الخطاب القومى والدولتى. هي ذاتها الدولة التي رفضت تمويل مشروع فيلمه الأخير الذي مات يحلم به اخناتون. وظل هو وفياً للعهد ولأفكاره رافضاً كل العروض الأجنبية التي قدمت  لإنتاج الفيلم، لأنه أراد للفيلم أن يكون مصرياً خالصاً وصك المصرية هنا تحمله الدولة المنوط بها الوصل بين إنسان الماضى وإنسان الحاضر.

الحذاء الأصفر للإله الغائب

نشرت لأول مرة على مدونة وسع خيالك في 2011

يبدأ فيلم “الفتاة ذات البوت الأصفر” للمخرج الهندى “Anurag Kashyap  ” بحيلة درامية تذكرنا أو تذكرنى بشكل شخصي بواحدة من روياتى المفضلة لنجيب محفوظ وهى “الطريق”.

هذا المرة الفتاة الإنجليزية تذهب إلى بومباي لتبحث عن والدها الذي لا تعرف عنه أى شي. ومثل رشدى أباظة في فيلم “الطريق” فحتى اسم ذلك الأب ليس واثقة فيه أو وجوده بل يتداخل مع أسماء أخري في المدينة الكبيرة بومباى.

تحمل رواية نجيب تأويلات عديدة. واحدة منها أن الأب لغويا في بلاد المغرب يستخدمون كلمة “رب” مرادفاً لكلمة الأب. وبحث رشدى أباظة عن والده هو رحلة طويلة للبحث عن الإجابة النهائية والكاملة. الأصل والفرع. المرجعية التى تحمل جميع الأسئلة وإجابتها. نماذج الأمتحانات التى لن يخرج الإمتحان عنها. والأهم في رواية الطريق ليس الوصول إلى الأب أو الرب، بل الرحلة ذاته وما تكشفه ويتكشفه المرتحل فيها.

في فيلم فتاة البوت الأصفر، تقوم الممثلة التى فشختنى بشكل شخصي في دماغى “Kalki Koechlin” بالعمل في بيت للمساج والتدليك، معظم رواد المكان القابع في قلب عشوائيات بومباى من الرجال العجائز أو اللذين تتكلس عضلاتهم نتيجة ركود الحياة.

شارلي شبلن في خطبة الديكتاتور يقول فيما معناه “لقد طورنا السرعة لكن لا نزال في مكاننا”. وفي فيلم البوت الأصفر، يشتكى أحد الزبائن العجائز من الإزعاج والحفر والهدم في كل شوارع بومباى. يقدم لنا نظريته بشكل عرضي “أعتقد أن الحكومة تسمح بكل هذه الأعمال المزعجة لكى توهمنا بأننا نتطور ونحرز تقدماً”.

n646737443_424361_4599

بقناعة واثقة في مثاليتها العليا ينهى نجيب محفوظ رواية الطريق واثقاً أن بطله لن يجد ما يبحث عنه لكنه الحركة بركة، ولا بد أنه اكتشف شيئاً وأشياء أخري. تكتشف الفتاة ذات الحذاء الأصفر الكثير من الحقائق. منها أن الزبون ذو الشعر المصبوغ بالأصفر الذي إلي جانب المساج تقدم له خدمات “ووظائف اليد” ليس إلا ربها الذي يعترف باكيا أنه يحبها. ومع ذلك لأن الإنسان دائماً كان جهولاً، عاصياً، خارجاً، ترفض الفتاة هذا الحب.

يغيب رب رشدى أباظة في رواية محفوظ ولا يتجلى ولا يظهر ويترك ابنه لنار التجربة. أما رب فتاة البوت الأصفر فيسير في شوارع بومباي باكيا محزونا مكلوماً.

 وأنا القتيل يا حاج عمر…