الشك باليقين -4- سلسلة هزلية غير مكتملة

تعالت أصوات الضجيج من الزنزانة المجاورة؛ آهات مكتومة وآخري مطلقة، وثالثة تحولت لصريخ، سباب، زئير، توسلات، صليل معدنى، صرخات ذكورية ثم صوت ضابط يسب الدين للجميع. حوار غير مفهوم التفاصيل بينه وبين أحدهم لكن على عكس المتوقع يبدو كأنما الضابط هو من يسعى لاحتوائه. ينفتح باب زنزانتنا ويقذفوا بشاب يحمل وجهه وسامة بعيدة. كفه الأيسر مربوط بشاش أبيض ملوث بالدماء وشورت وشبشب فلينى بصباع، أوساخ سوداء متراكمة تحت أظاهر القدمين الطويلة. ذقن نابته. وكف أيمن لوح بالسلام ثم ارتمى جالساً بجوار العجوزين.

عزم عليه العجوز المدخن بسيجارة وبدا كأنه يعرفه حيث خاطبه باسمه وكما سمعته كان “كسح”. انطلق في وصلة من السباب واللعن عن خناقة مع نزيل في الغرفة المجاورة، بينما العجوز الآخر غير منتبهاً لحديثه ومندمج أكثر في قرض أظافر يده بأسنانه. أخرجت سندوتشات عطية وتقاسمتها معهم كمحاولة لكسر الحاجز الجليدى وتوثيق المعرفة بالعيش والملح، سألنى أحدهم عن سبب وجودى هنا فحكيت باختصار بدو متأثرين. حسدنى كسح على النعمة حيث لن تطول إقامتى هنا حتى ينقلونى على السجن، أما هو فله هنا شهر ونصف في “قسم ابن وسخة، ومساجين أوطى من الموس على الأرض”. ثم مشيراً لحقيبة طعامى وملابسي نصحنى أهم وأول نصيحة لأيامى القادمة. “أنت جاى هنا، مش عارف هتخرج امتى، وكلمة لك يا زميل احسبها بالورقة والقلم، متعرفش ظروف اللى برا وإذا جت لك زيارة النهارده، متعرفش امتى ممكن تيجى لك حاجة ثاني.”

نصيحة رمتنى في حيرة التفكير في المستقبل في مجدى بيه وصاحب البار وعطيات التى وإن كان مد حنانها بحر فالجذر يضربه سريعاً. كما عرفتها ما أن تجد الباب مغلق أو الطريق شاقاً حتى تيأس وتلجأ لصرف الهم والغم عن نفسها بتسريحة شعر جديدة ونزهة في سيارى سريعة وقد تتذكر قصة حزينة –في هذه الحالة ستكون أنا- بشجن وثلج مشروبها يذوب وقدمها تهتز مع إيقاع أغنية قديمة.

ما الذي انتظره؟ وهل في الحياة غير ذلك؟

لم أعد ذلك الساذج الذي يثق بالإخلاص الزوجي مثلما خدعت لأول مرة منذ سنين، بالتالي لا يجب أن أعول الكثير على عشيقة وشيطانة كعطيات.

قام كسح متجهاً لزاوية الحمام. انزل الشورت الذي يرتديه، ثم قرفص عارياً وأخذ يحزق بلا مباله، حركت رأسي بعيداً لكنى انتبهت للعجوزان يراقبان بشغف حزق “كسح” ويده اللتى امتدت لمؤخرته تسحب طرف كيس بلاستيكى أسود خرج من صرمه. سحب الكيس كساحر يخرج منديل من قبعة خاوية. اتجه لصنبور الماء وغسل الكيس من قطع الخراء البنية التى علقت به ثم فتحه مخرجاً كيس آخر يحتوى على حبوب حمراء، وقبل أن يخرج حبة حمراء من الكيس انتبه لعيون العجائز التى كانت تدمع جشعاً وشهوة لا دموع، فأخرج حبة واحدة رماها باتجاههم “كل واحد نص”. ثم مد كفه الذي كان في صرمه نحوى قائلاً “تضرب يا زميل”. اعتذرت له بأنى ليس لى في أى نوع من المخدرات، وحينما بان التعجب في عينيه “ملكش في أى حاجة كدا”. خجلاً أجبت بصوت خافت “بيرة فقط”. مط شفتيه ورفع الحباية لفمه قائلاً “والله أنت جيت هنا غلط، حكومة بنت كلب ظالمة”.

* * *

فتحت الحقيبة، أخرجت لفافة وجبة المشويات. بلا اعتبار لنصيحة كسح بسطت الطعام وعزمت عليه هو والزملاء. هجم كسح وتبعه العجوزان بينما دسست يدى إلى قاع الحقيبة مخرجاً الأوراق المجموعة في غلاف بلاستيكى شفاف. تناول العجوز الصامت صباع كفتح، وهو يهمس مرحباً: حمد لله على السلامة زيارة سعيدة.

هل كانت زيارة سعيدة؟ كنت سعيداً لأنها أحضرت الأوراق وسيلة مقاومتى ونجاتى من ظلمات الجُب الذي رميت فيه. لكنى أحسست أنها قد تكون المرة الأخيرة التى أري فيها عطيات على الأقل حتى خروجى من هنا ..إن خرجت في يوماً غير معلوم.

حضرت عطيات الزيارة المسائية لوحدها وبعد أول عشر دقائق لم نجد ما نقوله. في مواقف سابقة صامتة مثل هذه كنت أعد لنا مشروب بارد يحتوى على البراندى أو تجذبنى نحوها وهى تخلع ملابسي عنى. لكن الآن خرجت من صمتها باقتراح متلجلج تلقته من مجدى بيه بأن تسافر معه إلى الساحل لتغيير الجو والخروج من ضغوط الأزمة. ثم أضافت “أحتاج إلى رأيك أولاً، هل اسافر معه؟ لا أريد أن اتركك لوحدك لكنى أشعر بالعجز.” لم أقاوم ظهور شبح الابتسامة على شفتي كانت عطيات عاجزة حتى عن تمثيل العجز أو الحيرة وحتى الحزن وهى تحدثنى. عملياً لا شئ يمكن عمله إلا انتظار تعاقب متسلسله الاجراءات البيروقراطية والقانونية. ربّت على كفها وكان بارداً وأخبرتها “أنا في السجن ولا فائدة ترجى من حبسك لنفسك” غيرت الموضوع وقالت:

-أحضرت لك أوراق روايتك الجديدة التى كنت تكتبها.

وضعت حزمة الأوراق أسفل منى. جلست عليها وتناولت الكباب والكفتة مع كسح ورفيقي السجن. وصدى صوت أغنية قديمة يتردد داخلى “ودع هواك وانسانى”.

ما أن انهينا الطعام وجمعنا البقايا في كيس بلاستيكى حتى فُتح باب الزنزانة ودخل اثنان من العساكر وميمون يحملان رجل مكبل اليدين والساقين في هيئة شنطة. ألقوه على ظهره ولم يفكوا حتى القيود. ساقاه مكبلان ويديه كذلك بقيود حديدية، وكلبش ثالث يغلق طرفه على الحديد الواصل بين الساقين والطرف الآخر على الحديد المقيد للذراعين. مرمياً على أرض الزنزانة عاجزاً عن الوقوف أو الجلوس وكدمات متفرقة في أنحاء جسده. لسانه خارج فمه والزبد يسيل منها مشكلاً بركة لعاب صغيرة على الأرض. بهيمة تفرفر في طلوع الروح.

أغلقوا الباب بينما اطلق كسح وصلة سباب فيمن أحضروا الذبيحة وفي المباحث والحكومة والظلمة والكفرة. انحنى هو والعجوز الصامت على البهيمة التى كانت انسان مقيد في هيئة شنطة. كان واضحاً أنه أتى من السلخانة لدى إدارة المباحث الجنائية لكن في الغالب لم يفلحوا في انتزاع أى شئ منه حيث لا يزال رغم كل العذاب الذي ترك آثاره على جسده غارقاً في غيبوبة داخل عالم آخر نتيجة ابتلاعه لكمية من حبوب المخدرات والصراصير. نثر كسح على وجهة قطرات مياة لكنه هز رأسه دليلاً على حياته وإن كان تائها في عالم آخر بعيد عنا.

لزم كلاً منا مكانه بحذاء جدران الزنزانة، في حين ظل الرجل الشنطة/الحقيبة مقيداً نائماً على جانبه الأيمن في منتصف الغرفة. بحركة غير ملحوظة -أو هكذا أوهمت نفسي- وضعت النقود التى أعطتها لى عطيات في جيب سري بالشنطة القماش التى تحتوى على ملابسي والصابون ومزيل العرق. تبقي الورق في المغلف البلاستيكى الشفاف، أخرجته وتصفحت الأورواق حتى وصلت لآخر صفحة كتبتها. قرأتها فعاودتنى كل تفاصيل العالم الذي وضعت أساسه وجدرانه وأنفاس أرواحه. أعدت الورق إلى المغلف. أثري وأهم ما أملك، لم أعده للحقيبة بل وضعته أسفل الفرشة التى تمددت فوقها مستلقياً. أخرجت كتاب إيزيس وحاولت القراءة لكن اضوء كان شحيحاً فأعدت الكتاب إلى الحقيبة، واستلقيت نائماً.

في سباتى غرقت في حلم كنت أطوف فيه حول منزل أبى فلا أجد الباب للدخول، لكن أشعر بسعادة لأن هذا يعنى أن الأب المتعنت السكير لم يعد له وجود، ثم أتذكر أنه مات منذ زمن بعيد وفجأة تلطمنى موجة من باطن الأرض ترفعنى لأعلى. انتبهت مستيقظاً من الحلم لأجد “كسح” يدق الباب الحديدى براحتى يديه وهو يصرخ “واحد بيموت يا حرس”. أحد العجوزين يشهق بصعوبه وصدره يرتفع للأعلى وظهره يتقوس مصارعاً جبال وهمية ليأخذ نفسه، بينما العجوز الآخر تناول منشفة وصنع منها مروحة ليهوى بها على الآخر. أما الرجل الشنطة فكان جسده ينتفض كأنما تيار كهربائي يعبر من خلاله.

جاوب أحد الحراس نداء كسح “في أيه؟”. فصرخ كسح “عم محمد العجوز مش عارف يأخذ نفسه.. واحد بيموت يا حرس”. أتى الرد ساخراً “وأنا أعمل أيه”.

“تعمل أيه” زعق كسح بالعبارة شاخراً وأخذ يخبط حديد الباب بكلتا يديه وقدميه. لثانية تساءلت وماذا عن الرجل الشنطة. لكن تبدد السؤال تحت حقيقة اكتشاف أن هذا الوضع الهيستيري حيث الموت واللا موت والعقاب ورائحة الروث والعرق وكوابيس النوم وأحلام الصحو هو لمحة من أيامى القادمة.

تجمدت في مكانى عاجزاً عن التفكير في شئ وكسح مستمر في الصراخ والسب والخبط بكف يده على الباب. همد كسح للحظة ثم مد يده لداخل فمه وأخرج شفرة من تجويف حلقه، وصرخ مخاطباً الحرس “هموت لك نفسي يا حرس، هموت نفسي عليك يا ناصر” ثم ضرب شفرة الموس في فخذه الأيسر فانبجس الدم من لحمه وتوالت ضرباته لتفجر الدماء وترسم خريطة للجروح على جسده وهو يضرب رأسه في باب الزنزانة. العجوز الذي كان يقوم بدور محرك المروحة بيده التى تمسك المنشفة توقف عن التهوية وأخذ يشارك كسح الصراخ والخبط على الباب.

أغمضت عينى وتكورت على جسدى متوقعاً الأسوء. لكن عكس ما توقعت استجاب الحرس وهرعوا تحت قيادة المدعو ناصر لفتح الباب. اخرجوا العجوز للخارج بينما قيدو كسح بعدما نزعوا الشفرة من يده. استدعوا سيارة الاسعاف وأخذوا الاثنان خارج الزنزانة وتركونى مع الرجل الشنطة والعجوز الذي كان مروحة. لاحظ الأخير الحيرة على وجهى ولأنه كان يعرف أنها تجربتى الأولى في السجن فلقد تطوع لشرح كل ما حدث بادئاً بوصله مديح لجدعنه ورجولة كسح، فعم محمد نزيه -العجوز الأخر- يعانى من الربو وأزمات تنفس ولأنهم يعرفون ذلك فكثيراً ما يتجاهلون أى شكوى تخصه لأن الأزمات أحياناً تنتهى ما أن يخرج للهواء الطلق أو من تلقاء نفسها. لكن قوات الشرطة في النهاية مسئولة عن المساجين وأجسادهم لهذا قام كسح بما قام به فاتحاً باب المشاكل والدوشة لهم. فالآن يجب على الضابط النبطشي أن يستدعى سيارة إسعاف في كل الأحوال لمعالجة جروح كسح، ولكى يمنحه الممرض تقرير طبي عن تلك الجروح لكى يضعه في محضر إثبات الحالة الذي يجب تحريره، ويجب أن يقوم الضابط ناصر باحتواء كسح حتى لا يقوم الأخير بتوجيه أى اتهامات لضباط القسم حينما يتم عرضه غداً على النيابة.فوتوغرافيا: Alvin Booths

لكن ماذا عن الرجل الشنطة الذي هدأت الآن انتفاضات جسده بينما استمرت آهاته خافتة.

كان هذا شنطة/حقيبة وليس انسان. فهو تابع لقوة جهاز المباحث والأرجح ليس مسجلاً على قوة القسم، بل المباحث في الدور الثانى هى من أحضرته وهؤلاء هم قوة الحقيقة ومن أجل الحقيقة لا نحتاج لأوراق أو تسجيلات إلا في المرحلة الأخيرة ما بعد انتزاع الاعترافات حيث تحضر الأوراق لتوثيق الحقيقة ودفترتها وإحالتها لسلطة القضاء الامبراطوري، وحتى الوصول لهذه المرحلة -إن نال شرف الوصول- فهذا ليس إلا شنطة/حقيبة.

 

الشك باليقين -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.

 

الشك باليقينن -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.