فالأمل للمسجون عذاب.. عزيزى أشرف فياض

عزيزي أشرف فياض،

أكتب إليك بلا أمل، لأنى أعرف إن الأمل للمسجون عذاب. صحيح إن غياب الأمل يوقع المرء في ضلالات الوحدة والاكتئاب، يبذر الغضب والنقمة على العالم، لكن هذا ما نحتاجه جميعاً ألا ننسى ولا نغفر، حتى وإن تظاهرنا بالخضوع لسلطان الغول الذي يفتح فكيه على اتساع المدى مبتلعاً كل أحلامنا ومغامراتنا.

منذ أكثر من عشر سنوات كنت أنت من طاردت السراب في صحراء السعودية محاولاً تحويل الفن المعاصر في السعودية من مغامرات فردية إلى حراك متحرر. بأعمالك ومقالاتك ونشاطك التنظيمي ساهمت في التعريف بمشهد فنى مغاير من هناك.

أنت المولود في السعودية عشت عمرك كله هناك بلا جنسية.

 الفلسطينى بلا انتماء لتنظيم سياسي يدافع عنك.

 بلا قبيلة تطالب بالافراج عنك.

 المسجون الآن بينما الفنانين الذين كنت تقدمهم من سنوات وتكتب عن أعمالهم وتنظم لهم المعارض ينطلقون الآن في فضاء العالمية على بساط مؤسسة “مسك” أحد أذرع الغول التي قبضت على المشهد الفنى المعاصر وحولته إلى وردة في جيب دشداشة الغول.

صورة للشاعر والفنان أشرف فياض
صورة للشاعر والفنان أشرف فياض

أكتب إليك بغضب، لكنى أمضغ غضبي في فمى بينما الشفاه تبتسم، لأن الغول الذي يسجنك في أحشائه، أذرعه في كل مكان وإن أراد قادر مهما ابتعدت على معاقبة كل من لا يبتسم له أو يصفق لبلاهته.

في السجن أحياناً كان غضبي ينفجر، في الزملاء المساجين مرة، وفي المخبرين السجانين مرة، وأحياناً ما حبست نفسي في الحمام وأخذت أصفع وجهى غاضباً من نفسي على سوء تقديري وأخطائي التي قادتني إلى هذا المكان. لكن خارج السجن هنا الآن لا يمكننى الغضب، بل أحمل الخوف كملاك على كتفي الأيسر، ابتسم للجميع سواء كان رفاق أو غيلان، واعبر لهم عن امتنانى لأني خارج السجن.

 

بعد نوبات الغضب في الحمام، غالباً ما كنت استمنى ثم استحم، وأخرج لانعزل في فراشي لساعات طويلة غارقاً في كتاب ضخم. رويداً رويداً، تعلمت توجيه غضبي نحو الفعل الصحيح، لا صفع الوجه أو ضرب الرأس أو الاستمناء بيأس بل بالقراءة ثم القراءة.

بالاستغراق في القراءة يمكنك الانعزال عن محيطك، أحياناً في بعض الكتب تزول حوائط السجن، لكن الأهم مهما كان مستوى الكتاب فهو يدفعك للتفكير، ينشغل ذهنك عن مأساتك، والأفضل من ذلك حينما تنام فتأتيك أحلام ليس فيها السجن، بل يتداخل هذيان الذاكرة بما تقرأها، ويشيد المخ في الحلم عالماً من السراب والضباب الملون.

لم ننس يا أشرف، رغم ضعفنا وقلة حيلتنا بل وانحنائنا للغول ومحاولة تفادى سلطانه، لم ننس ولم نغفر.

 السجن عزلة، مثلما يستهدف عزلك عن المجتمع ومعاقبتك بتدمير نفسيتك، يستهدفنا نحن كذلك باجبارنا على نسيانك، بأن نتحول لسجانين. إن نعتاد غيابك. إن نعتاد سجن الشعراء والكتاب والفنانين. أن يكون الخوف خبزنا اليومى.

يحدث إن يعمى الغضب المرء عن رؤية العالم، شعرت أحياناً في ليالى السجن بأننى لن أخرج أبداً، بأننى حتى لو خرجت لن يغادرنى السجن، بأن تسممت تماماً، وتلك الحشرات التي عشت بصحبتها  دخلت تحت جلدى ولن يمكننى التخلص منها أبداً. لكن كل هذا زال، وكل الكوابيس التي تحاصرك في جدران السجن ستزول، سيمضى كل هذا يا أشرف فوجه غضبك في المسار الصحيح، لا تجلد ذاتك، ولا تترك الغول يمسخك.

بأخوة الكتابة والأدب، بأواصر الفن والأحلام ينمو اتصالنا، حتى لو تقطعت سبل التواصل، فأتمنى إن تصلك محبتنا وأن تمدك بالطاقة على الحلم.

ورد الوردوش: رسالة الخروج من السجن

كتبت هذه التدوينة مباشر بعد الخروج من السجن، ونشرت لأول مرة على صفحة “وسع خيالك” وصفحة “ضد محاكمة الخيال” بتاريخ 24 ديسمبر 2016

صباح الخير، وورد الوردوش على الجميع..‏

بعد أكثر من 300 يوم من العزلة عن العالم الخارجي والانترنت الحبيب، يدور المكن ببطء ‏في محاولة لاستيعاب ما يحدث في العالم وإيقاع اللحظة حتى أكون قَادراً على التحدث بما ‏يمكن فهمه، لذلك عذراً على التأخر في الكتابة.

‏ لا أزال في المرَاحل الأولى لاستيعاب ما حدث وكل رسائل الحب والتضامن التى فاقت كل ‏توقعاتى ولم أكن أعلم عنها شيئاً طوال فترة السجن حيث كان يتم حجب هذه الرسائل لذلك لا ‏أزال في صدمة استيعاب كل ما كان يدور بالخارجِ طوال عشرة شهور مضت ومعرفة كل ما ‏فعلتوه. الموضوع مُذهل خصُوصاً بالنسبة لشخص غير اجتمَاعى مثلي، ولا مُثقف تنويري. ‏كل ما حدث وما يحدث من حُبكم يبدو مُفاجأة مُتجددة أحتاج لوقت طويل لاستيعَابها. أدين لكل ‏هذه الرسائل بالطاقةِ والدفء التى كانت أفضل عون للاستمرار والتماسك والقدرة على ‏ممارسة وتجاوز التجربة.‏

أدرك أيضاً أن الكثير من هذا التضامن ليس لشخصي الضعيف ولا لـ #استخدام_الحياة بل ‏يأتى من أفراد يهمهم أن يكونوا في مُجتمع صحى أكثر بحد أدنى من سقف لحرية الرأى ‏والتعبير. من أخرين لديهم هذا الشغف بالأدب وبالايمان بأخوته العابرة للحدود القومية ‏والأعراق الجنسية. وأنا لم أكن أتخيل أن يكون عدد أفراد الفئات سابقة الذكر بمثل هذا العدد ‏وهذا الاهتمام والحماس للتعبير عن أنفسهم، وعن ما نحب. فشكراً لهؤلاء الذين لا أعرفهم ‏لأنهم فتحوا عينى عل عالم كنت أظنه في هشَاشةِ الزجاج بينما أتضح أنه في قوة الماء.‏

الشكر بالتأكيد في القلب من كل ذلك لفريق المحامين الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعي، خالد ‏على، ياسمين حسام الدين، محمود عثمان وكل فريق عمل موسسة حرية الفكر والتعبير. إلي ‏جانب كل الأساتذة والزملاء الذين حضروا معانا جلسات الاستشكال المتعددة. أدين للجهد ‏القانونى والصبر وتكاتف جهود الجميع بخروجى الآن وكتابة هذا.‏

الزملاء الكتاب سواء في مصر أو الدول العربية، على عهد المقاومة والمرواغة وسعيد بأنى ‏جزء من هذه الفيسفَاءالمُتنَاقضة المُتنافرة الشَاردة وسط خرابات الشرق الأوسط الكبير، وفي ‏زمن عودة الانحطاط القومى الغربي مُدججاً بقوة سخَافة الديمقراطية فأخوة الكُتاب مُمتدة ‏ومتمَاسكة، وسعادتى لا توصف برسائل التضامن والمحبة التى وصلتنى بشكل خاص من ‏كتابي المفضلين وبعضهم كانت أعمالهم اللذة الوحيدة المتاحة في السجنِ، والبعض الآخر ‏قرأت لأول مرة له أيضاً داخل السجن.‏

أما مفاجأة العام فقد كانت هذه التيار من السياسيين والبرلمانيين المصريين الذين أظهروا ‏انحيازهم للدستور أولاً الذي أقسموا عليه، ولتعزيز حرية الرأى والتعبير من خلال تغيير ‏القوانين المعوقة لحرية الرأى والتعبير أو التى توقع عقوبات سَالبة للحرية على النشر أو ‏التعبير الفنى مما يحمل تناقض صريح مع الدستور. صحيح أن جهود هؤلاء لا تزال جزء من ‏عملية الشد والجذب في حلبةِ الصراع اللاسياسي في مصرنا الحنونة. لكن شهدنا زمن يكون ‏فيه البرلمان هو المبَادر بتغيير العقوبات السَالبة للحريةِ في جرائم النشر والعلانية بينما ‏تعترض الحكومة. وهى خطوة أولى على طريق طويل.

بشكل شخصي أوجه الشكر للنواب ‏أحمد سعيد، ود.نادية هنري على مبادرتهم بتقديم مقترح لتغيير العقوبة السالبة للحرية في مادة ‏خدش الحياء بما يتماشي مع الدستور وعلى التكاتف والتأييد الذي أبداه عدد من النواب ‏أبرزهم أعضاء حزب المصريين الأحرار. وخارج البرلمان كان التكاتف والاهتمام من جانب ‏عدد من الأحزاب السياسية دليل آخر أنه حتى وسط وحش التضخم الذي نهوى جميعاً داخل ‏أحشاءه لا نزال قادرين على التفكير في حقوقنا الطبيعية.‏

أيام السجن بصراصيرها وعرقها وبردها ومهانتها. لم أكن بقادرٍ على تحملها ‏وتخطيها إلا بسبب رفقة الزملاء المساجين، وبشكل خاص زملاء عنبر 4-2 بسجن الزراعة، ‏والسادة البكايتة والدباديب من كل الجنسيات الأفريقية واللاتينية والعربية في عنبر 1-2. ‏وأمنيتى للجميع أن يأتى الغد بتعديل أكثر انسانية لقوانين الحبس الاحتياطى بحيث لا يكون ‏عدد مرتدى الأبيض في السجون أكثر من مرتدى الأزرق.‏

الزملاء الصحفيين والإعلاميين. شكراً على المتابعة والاهتمام والتغطية. لدي ظروف صحية، ‏والتزامات عائلة تحتل الآن ولأيام قَادمة الجزء الأكبر من وقتى إلي جانب عدم وجودى داخل ‏القاهرة. فقدت خط هاتفي لكن سأحاول الحصول على رقم جديد في أقرب وقت. ليس لدى ما ‏أضيفه أو أرغب في التعليق عليه في الوقت الحالي، والأولوية للالتزامات العائلية الآن، ‏أعتذر عن عدم قدرتى على تلبية أى دعوات لإجراء أى أحاديث أو تصريحات في الوقت ‏الحالي حتى نرفع المكن ونزيت الماتور وأفهم ما الذي يحدث يدور في الكون الذي يدور، ‏شكراً لاهتمامكم وتفهمكم.‏

الأصدقاء والصحاب والأحباب نفر نفراية وفرد فردايه، في سويداء القلب ومحبة موصولة ‏دائماً وليالينا قادمة وكلام وأحضان كتير في انتظارنا.

أخيراً، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال هناك جلسة مصيرية يوم الأحد بعد القادم أمام محكمة ‏النقض. تضامنكم وحبكم حتى نتجاوز تلك الخطوة الأخيرة بكل الخير وبسعادة.‏

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fahnajeahmed%2Fposts%2F948574795273674&width=500