ضد الجمال، ضد السلطة التنفيذية

 

7_henein
جورج حنين الشاب على رمال مصر في انتظار عبور القطار

 

في إطار مشروع بدأته منذ سنوات “بدأت في تجميع كل النصوص التى اتهمت يوماً، ونصوص تلك الاتهامات حتى لو كانت إدعاءات بخدش الحياء والذوق العام. أحلم يوماً بمتحف مخصوص للمواد الخادشة للذوق العامة. يمنع من دخوله ضعاف القلوب، من يعانون من أمراض الضغط، أو العاملين في قطاع أمن النفاق، وفضيلة الإدعاء.

من بين عشرات القصاصات التى جمعتها وجدت هذه القصاصة المرحة والتى تعود إلي ما يقرب قرن من الزمن. في عام 1935 كان جورج حنين مع ثلة من الشعراء والكتاب الشباب يصدرون مجلة باسم “أنيفور”. نشر حنين في تلك المجلة نصاً بعنوان “قاموس لاستخدام العالم البرجوازى” جاء النص مصحوباً برسوم كاريكاتيرية لكامل الديب. ووما جاء في ذلك القاموس المرح:

فوضى: انتصار الروح على اليقين.

جمال: سلطة تنفيذية.

كرامة: افتراض جاهز لأيام الاستقبال.

امرأة شريفة: احتكار جنسي.

فكرة: لعبة لا تنكسر، مجانية وأحياناً قاتلة.

شرعية: لجام الشعوب.

الأنا: الشئ الأكثر أهمية في العالم.

متحف: أكبر مزبلة معترف بها رسمياً.

عمل: كل شيء لا ترغب في فعله”

يخبرنى سمير غريب في كتابه عن السيرالية أن هذا القاموس أثار استياء عدد من القراء، بل أن كاتبة علقت على هذا القاموس المختصر في جريدة “البورص اجبسيان” بأنه كلام شباب مسكين بقلب ميت وروح جامدة. فرد جورج حنين بتهكم عليها قائلاً: “تأكدى من فضلك، أن نداءك المهزوز أثر بلا شك في الكتاب اللغويين الذين أوحت لك أخلاقهم بمثل هذه الاحتجاجات العنيفة. لقد كان هؤلاء المتوحشون الدمويون بالتحديد في طريق الغرق في الوحل، عندما وصلت رسالتك الثأرية لتنقذهم من ممارسة مهامهم”

إحالة قضية استخدام الحياة إلي الجنايات #ضد_محاكمة_الخيال

قضت محكمة استئناف شمال القاهرة اليوم بعدم اختصاصها في نظر الدعوى المقامة ضد الفقير لله أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام بسبب نشر فصل من رواية #استخدام_الحياة في جريدة أخبار الأدب. و بإحالة الدعوى لمحكمة الجنايات.

يعنى هذا جولة جديدة من المحاكمات لكن هذه المرة أمام محكمة الجنايات.

أدين بالشكر للأساتذة ناصر أمين الذى قدم اليوم مرافعة رائعة والأساتذة محمود عثمان، محمد عيسي، خالد على ، نجاد البرعي. على كل الجهد الذي بذلوه ويبذلونه متطوعين لايمانهم بعدالة قضيتنا ودعمهم لحرية الرأي والتعبير.

ندخل في العام الرابع من هذه السلسلة من التحقيقات والمحاكمات، ما كان لى أن اتحمل كل ما جرى وما يزال يجرى لولا دعم ومحبة الاصدقاء والاحباء. شكرا لكم على كل هذه المحبة، هى كل ما نملك لنتمسك بها حتى نعبر سويا إلي مكان افضل نستحقه جميعا.

IMG-20170129-WA0111
بورتريه داخل المتحف المصري مع تمثال غامض بلا اى لوحة تشرح ماهيته

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

فيديو: جزء من مرافعة النيابة العامة

الفيديو المرفق هو جزء من مرافعة ممثل النيابة العام في الجلسة التى عقدت أمام محكمة جنح بولاق أبو العلا، حيث قضت المحكمة بالبراءة من كل اتهامات النيابة التى عادت واستئنفت على الحكم أمام محكمة الاستئناف

ريشار جاكمون: أحمد ناجى استخدام الحياة والزومبي

ما إحساسك عندما تعلم أن مؤلف الرواية التي قرأتها واستمتعت بها على مدار الأيام القليلة الماضية حُكم عليه بالحبس عامين لخدش الحياء العام؟ تقول ها هو اسم آخر يضاف إلى القائمة. فهناك آلاف المواطنين أمثاله ملقى بهم في السجن، يتعرضون إلى شتى الانتهاكات، بلا محاكمة عادلة ولا حتى محاكمة صورية -بعضهم محبوس لارتدائه تي شيرت، وبعض آخر للتظاهر ضد القانون الذي يحرمه من حقه في التظاهر، وغيرهم الكثيرون محبوسين لأنهم تواجدوا في المكان الخطأ بالوقت الخطأ.

لقد أمضيت الأسبوعين الماضيين حزنًا على جوليو ريجيني. تحاول مع أصدقائك وزملائك الإيطاليين والمصريين وغيرهم التكهن بأسباب قتله وعواقبه، وتفكر في مسؤوليتك الشخصية تجاه طلابك. تتذكر زميلك عاطف بطرس، واحد من أفضل وأشجع الباحثين المصريين الذين قابلتهم خلال السنوات القليلة الأخيرة، وقد مُنع من دخول بلده وأُرسل ليعود إلى ألمانيا في اليوم السابق لوصولك مطار القاهرة آخر مرة. ما العمل؟ ما الذي يمكنك فعله هنا في فرنسا سوى أن تنفث عن غضبك على فيسبوك وتوقع على العريضة المعتادة؟

إلا أنك ما تلبث أن تتذكر أنك قد قرأت “استخدام الحياة” لا بغرض الترفيه فقط وإنما أيضًا لأنك قد كرست معظم حياتك المهنية لدراسة وترجمة الأدب المصري، وأن ذلك يلقي على عاتقك مسؤولية من نوعٍ خاص. تتذكر قصة بيير رابحي عن الطائر الطنان. قد لا يكون اسم بيير رابحي معروفًا للقارئ المصري، لكنه واحد من أكثر المفكرين المؤثرين في مجال البيئة في فرنسا. حدثنا رابحي عن هذه الأسطورة من تراث الأمريكيين الأصليين:

ذات يوم كان هناك حريق هائل في الغابة. شعر جميع الحيوانات بالذعر وقلة الحيلة وهم يشاهدون الكارثة. خاف الجميع عدا الطائر الطنان، الذي أخذ يطير ذهابًا وإيابًا ما بين الحريق وبركة مياه، ليلقي في كل مرة بضع قطرات مياه على اللهب. انزعج حيوان المدرع العجوز من هذا الحماس المثير للشفقة وصاح به: “كف عن هذه الحماقة! لن تطفئ الحريق ببضع قطرات من المياه تلقي بها واحدة تلو الأخرى!”، رد عليه الطائر الطنان قائلًا: “أعلم هذا، لكني أقوم بدوري.”

لحسن الحظ يبدأ العديد من الناس من حولك في التحرك، وبعد بضع ساعات تجد نفسك حلقة في سلسلة التضامن التي تمكنك من القيام بدورك بأفضل طريقة ممكنة. تتصل بك إحدى معارفك القدامى، والتي تعمل حاليًا مع الجامعة الدولية لحقوق الإنسان (IFHR). تسألك إن كنت ترغب في التوقيع على بيان أعدته الجامعة وترجمة الفصل المُجرَّم من الرواية باللغة الفرنسية. هذا أقل ما يمكنك فعله. تبعث الفصل إلى زميلك فريدريك لاجرانج وتعود إلى العمل على الرواية.

تعد الترجمة أقرب ما يكون إلى “القراءة المتمعنة”، ولذلك فهي على الأرجح أضمن طريقة لاختبار جودة النص. ومع ترجمة السطور الأولى تشعر أن نص أحمد ناجي يجتاز الاختبار بنجاح. أمامك كل ما تقدره في النص الأدبي: المباشرة والسخرية والصدق. ومن ضمن ما تجده علاقة الحب والكراهية مع القاهرة، والتي تربطك بها والعديد من المصريين من كل الأعمار. تستمتع بقدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويزيد ذلك من إعجابك به. إنه دليل آخر على حداثة الرواية العربية. فقد حاربت أجيال من الكتاب العرب لأكثر من قرن من أجل حرية التعبير عن أنفسهم، كيفما يحبون، وكما هم. تتذكر النص الاستهلالي في رواية “تلك الرائحة” (1966) حيث اقتبس صنع الله إبراهيم قول جيمس جويس: “أنا نتاج هذا الجنس وهذه الحياة. ولسوف أعبّر عن نفسي كما أنا.” ناجي ابن بار لهذا التاريخ.

في نهاية الفصل وفي منتصف المشهد الجنسي الذي يُزعم أنه قد أزعج قارئ “أخبار الأدب” وجعله يقيم الدنيا ويقعدها، تمر بفعل لم تشهده قط في آلاف صفحات الأدب العربي الذي قرأته: “رهزتها.” وكما هو معتاد في تلك الحالات تظن للوهلة الأولى أنه خطأ مطبعي، لكنك تجد أنه تفسير غير معقول. تعود إلى المرجع المقدس: النسخة الإنجليزية من قاموس هانس فير العربي الألماني. القاموس لا يضم الجذر. تزداد فضولًا. كاتب معاصر يستخدم جذرًا نادرًا لدرجة أن هانس فير لم يقر به، لا بد وأنه قارئ جيد للتراث العربي -وهي نقطة أخرى تحسب لناجي. تبحث على موقع لسان العرب على الإنترنت من خلال محرك الباحث العربي وتجد الكلمة:

الرهز: الحركة. وقد رهزها المباضع يهرزها رهزا ورهزانا فاهترزت: وهو تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة.

مذهل! هذا واحد من الأسباب التي جعلتك تقع في غرام هذه اللغة منذ أكثر من 30 عامًا، وما زال تأثيره فعالًا. ما زال هناك مجال لاكتشاف فعل عربي كلاسيكي من كلمة واحدة ذي معنى دلالي دقيق لا تجد له نظيرًا في اللغة الفرنسية، ويأتي ذلك في سياق رواية نشرت قبل بضعة أشهر. وأي معنى هذا: “تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة” -ونلاحظ أن لسان العرب يغفل الفروق النوعية بين الرجل والمرأة.

تتأمل الأمر لفترة لا يستهان بها، بينما تبحث عن فعل فرنسي من كلمة واحدة ينقل المعنى نفسه، ويكون وقع كل الكلمات التي تجدها فجًا بالطبع، بالمقارنة مع هذا الفعل العربي الممعن في القدم على نحو ساحر، ولا تجد أي مقابل يوحي بمعناه الدقيق. هل فهم القارئ المنزعج المعنى الحقيقي لكلمة “رهزتها” قبل أن يغيب عن الوعي؟ هذا لا يهم. المهم هو أنه كان هناك وقت يكتب فيه الشعراء والكتاب وعلماء الدين وكثيرون غيرهم ممن يكتبون بالعربية مستخدمين كلمات كهذه. وقت لم يخجل فيه زملاؤهم الذي جمعوا معاجم العربية الفصحى من إدخال هذه الكلمات في معاجمهم مع ذكر المصادر والاشتقاقات والمعاني. كما تجد أيضًا جذر كلمة “نيك” (نكح) في لسان العرب، لكنك لا تجده في أي معجم عربي حديث.

وتلك واحدة من أغرب تأثيرات عصر النهضة العربية وأكثرها خفاءً. لم تكتف النخبة المثقفة في عصر النهضة باستيراد الحس القومي والرواية والعديد من المنتجات المادية والثقافية من أوروبا، بل استوردت أيضًا القيم الفيكتورية الدخيلة على الثقافة العربية وسعت إلى فرضها على المجتمعات، وحدث ذلك بمساعدة النموذج الإسلامي الوهابي الذي دعت إليه الدولة السعودية في عقود لاحقة.

لم تكف المجتمعات العربية قط عن رعاية شتى أنواع ومساحات مقاومة هذا الإخصاء الأخلاقي المفروض من قبل النخبة، علمانية كانت أم دينية. وقد يكون الأثر الأكثر عمقًا والأطول أجلًا لثورات عام 2011 نابعًا من زعزعتها لهذا النمط الأبوي والبطريركي والتطهري للهيمنة الاجتماعية وإحداثها صدع به. هذا أكثر ما يخيف السلطات الحالية، ولهذا السبب فعدوها الأول ليس “الإرهاب،” أيما كان معنى هذه الكلمة، بل هذا الشباب المتمرد الذي نزل إلى الشوارع في 2011، والذي ينتمي إليه ناجي وأقرانه، ويعبرون عنه.

تصادف أن تعرفي الأول على كتابات ناجي كان قد جاء قبل بضعة أيام من سفري إلى القاهرة في يناير الماضي، وكان ذلك من خلال نص قصير نشر في كتاب “Génération Tahrir” (“جيل التحرير”) الذي اشترك في كتابته مع بولين بوجنيه (صور) وعمار أبو بكر (رسوم)، ونشر في مارسيليا (عن دار لو بيك أون لير Le Bec en l’air). في هذا النص القوي تحت عنوان “وداعًا للشباب” يضع ناجي الشباب في مقابل “الزومبي.” قبل الثورة “كان الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق.” ثار الشباب، لكن الآن وبعد مرور خمس سنوات قرر الشيوخ والزومبي والجنرال “أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودي بك إلى السجن.”

وسأترككم مع خاتمة ناجي:

“هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.”