جعلونى مجرم بيتكوين

تشرفت أثناء سجني العام 2016، بالتعرف على أهم وأكبر ثلاثة تجار عملة في مصر. سُجن الثلاثة كإجراء احترازي العام 2016، مع تجار عملة آخرين، في إطار حملة استباقية فرضتها الحكومة قبل قراراها تعويم الجنية. مع ذلك، كل مساء، كانوا يخبرونني بالسعر الرسمي والسعر في السوق السوداء غداً، وكنا ننتظر وصول الجرائد للسجن صباح اليوم التالي، وفي كل مرة يصدق توقعهم، حتى عرفت أنه لم يكن توقعاً، بل كانوا يحددون سعر الدولار وهم في السجن.

قضيت فترة طويلة من مدة سجني مع السادة تجار العملة، وبعض المتهمين في قضايا مالية متنوعة من تجار العملات، إلى المضاربة في سوق الفوركس، وحتى قضايا النصب وتوظيف الأموال. كان الحد الأدنى لدخول ذلك العنبر في السجن، ألا تقل القضية المتهم فيها المسجون عن مبلغ عشرة ملايين جنيه، أى ما يوازي مليون دولار بأسعار ذلك الوقت. والحقيقة أنني استفدت وتعلمت من هؤلاء الزملاء، عن بنية الاقتصاد العالمي والمحلي، أكثر مما قرأته في حياتي، حتى أني أصبحت أهتم وأقرأ الصفحة الاقتصادية في الجرائد، والآن ابدأ يومي بالاستماع إلى نشرة اقتصادية مُكثفة، بينما اغتسل وأُعد الفطور صباحاً.

بعد خروجي من السجن، كان قراري الأول هو التخلص من كل الأصول الثابتة، وجمع مدخراتي القليلة، وتحويلها إلي عملات افتراضية، تحديداً البيتكوين والايثاريم. لكن، على ما يبدو كنت قد تأخرت، فمنذ العام 2017، فرضت السلطات المالية المصرية، متمثلة في مدير البنك المركزي طارق عامر، حظراً على التعامل بالعملات المشفرة في السوق المصرية. نتيجة لذلك، توقفت المواقع الموثوقة في الانترنت، عن بيع أي عملات افتراضية للمواطنين المصريين.

تهدمت كل طموحاتي في إنقاذ مدخراتي التي كان يأكلها التضخم، كانت لدي محفظة إلكترونية تحتوي على عدد من العملات اشتريتها منذ سنوات على سبيل التجريب. كان بإمكاني الوصول إلى تلك المحفظة، لكن ليس في استطاعتي الشراء.

بدأت أسأل الأصدقاء والمعارف، انتقلت الكلمة من أذن على أذن، حتى حصلت على ثقة زملاء من السوق السوداء لعالم العملات الافتراضية، فتم ضمي إلى مجموعات سرية مغلقة متنوعة في فايسبوك. في العادة، تحمل المجموعة أسماء مستعارة، تمويهاً عن الغرض منها، مثل “رابطة محبي تربية الخراف الكشميري”، أو “جروب هواة تربية أسماك الزينة الذهبية”. يتحدث أعضاء الجروب عن عمليات نصب كثيرة تحدث، وعن مطاردات أحياناً من قبل مباحث الأموال العامة، لذا لا يتم فتح هذه المجموعات للأعضاء الجدد، إلا بناء على ترشيح أعضاء موثوق فيهم في المجموعة.

تمثل هذه الجروبات أسواقاً سرية لمحبي وتجار العملات الافتراضية، لكنها سوق سوداء، لا ترتبط إطلاقاً بالسوق العالمية للعملات الافتراضية، وذلك نتيجة لالحظر المفروض من قبل طارق عامر. فمثلاً، إذا فرضنا أنك مواطن مصري ترغب في شراء العملة “س” وسعرها العالمي يساوي 10 دولارات، فسترفض كل المواقع وبورصات تجارة العملات البيع لك، حيث أن معظمها يحتاج إلى التحقق من شخصيتك ويطلب اثبات هوية واثبات محل الاقامة، وتستغرق العملية أياماً حتى يتم التأكد من كل هذه المعلومات. ولأنك مصري فسترفض الموافقة على حسابك. طبعاً يبقى امامك مواقع البيع غير الرسمية، لكن عامل المخاطرة كبير.

أما في صفحات “فايسبوك”، فستجد تجار السوق السوداء يبيعونك العملة “س” بسعر العشرة دولارات، لكن بينما يبلغ سعر الدولار حوالى 18 جنيهاً، سيبيع لك تاجر السوق السوداء عبر صفحات “فايسبوك” على اعتبار أن سعر الدولار هو 21 جنيهاً.

لكن السوق الأنشط هو سوق التعدين، فجميع العملات الافتراضية تحتاج للتخديم على شبكتها إلى “المعدنين”، وهم أشخاص يستغلون أجهزة حواسيبهم لمراقبة وإجراء سلسلة من العمليات الحسابية والبرامجية التي تضمن صحة السجلات والتحويلات بين المَحافظ المختلفة. ولرفع كفاءة الحواسيب، يحتاج العاملون في التعدين إلى شراء “كروت الشاشة” وتركيبها في أجهزة الكومبيوتر. وبينما يبلغ سعر كارت الشاشة الواحد حوالى 500 دولار، يباع هنا في السوق المصري بما يوازي 800 وأحياناً ألف دولار.

لذا، فالغرض الأساس من كل الجروبات والصفحات السرية، هو أن يتبادل العاملون في التعدين، المعلومات والأسعار حول قطع الغيار اللازمة لتشغيل أجهزة الكومبيوتر في عملية التعدين، لكن مع ارتفاع أسعار الكهرباء مؤخراً أصبحت عملية التعدين غير مجدية. فمثلاً، لتشغيل ثلاثة كروت في التعدين، ستصل فاتورة الكهرباء الشهرية إلى حوالى 400 جنيه، وهذا استهلاك الكروت وحده، من دون احتساب كهرباء التكييف. مع العلم أن العائد من وراء تلك الكروت قد يتراوح من 20 إلى 60 دولارا شهرياً، بحسب العملة التي تُعدن فيها، وبحسب تقلبات سوق العملات الافتراضية.

بعض العاملين في التعدين يلجأون إلى حِيل أخرى، كتصميم تطبيقات ألعاب بسيطة أو برمجيات سهلة الانتشار بين المستخدمين، لتسيطر على أجهزتهم، واستخدامها في التعدين لصالح المبرمج الأصلي. ببساطة، تخيل فيروساً مصمماً على هيئة دعاء، إذا قلته، بنيتَ لك قصراً في الجنة، أرسل الرسالة إلى عشرة آخرين. كل شخص يفتح الرسالة، يستخدم موبايله او حاسوبه الآلي للتعدين في عملة معينة لصالح مصمم برنامج “قصر في الجنة”.

العام الماضي، كان حديث مجتمع العملات الافتراضية المصرية، مجموعة من التلامذة في المرحلة الثانوية في واحدة من أرقى مدارس اللغات في مصر، حولوا أجهزة الكومبيوتر في معمل المدرسة، إلى مناجم لتعدين الايثاريم والبيتكوين والعملات الأخرى، وكانوا يجنون حوالى 500 دولار شهرياً.

في يناير الماضي، اكتشف صديق آخر وخبير تعدين، أن موقع جريدة “اليوم السابع”، يستخدم برمجيات تسطو على أجهزة القراء وتستخدمها في تعدين عملة افتراضية مجهولة تحوم حولها الشبهات. وسارعت “اليوم السابع” إلى الاعتراف بوجود مثل هذه البرمجيات لكنها انكرت مسؤوليتها واتهمت شركة الاعلانات، بالرغم من أني شخصياً شاهدت الكود المستخدم وكان في قلب بناء الموقع وليس إعلاناً.

شباب التعدين الشرفاء يرفضون مثل هذه الأمور. وفي صفحات وجروبات العملات الافتراضية، كثُر الحديث مؤخراً عن الألواح الشمسية. أحد الشباب، من واحدة من محافظات الدلتا، فرش بامتداد نصف فدان من أراضيهم بالألواح الشمسية، التي تمد غرفة تحتوي على 8 أجهزة كمبيوتر بالطاقة اللازمة تعمل جميعها في التعدين، أما كابوس هذا الصديق فهو أن يبلغ أحدهم الشرطة عنه.

أفضل ما تصنعه مصر دائماً هو تحويل أفضل عقولها إلى مجرمين، من خلال الاستمرار في التجريم الشفوي للعملات الافتراضية، من دون تشريع واضح لها، بل قرارات من طارق عامر لا نعرف سببها.

قمت بأول صفقة لي منذ بضعة أسابيع، كانت لدى محفظة صلبة للعملات الافتراضية، أو ما يعرف بـ”Hardware Wallet” اشتريتها بحوالى 90 دولاراً من الخارج، ولم استخدمها لأسباب يطول شرحها. عرضتها للبيع وبعتها بحوالى 150 دولاراً. بعد مفاوضات وأسئلة تأمينية، التقيت بالمشتري في مقهى بمنطقة مهجورة على أطراف مدينة نصر. فوجئت أني أمام رجل أشيب الشعر في منتصف الاربعينات، لكنه بهيئة رجل في الستين. بدا الشاري مضطرباً وكأني أبيع له الهيروين، تضايقت من اضطرابه وشرحت له أن الأمر ليس أكثر من فلاشة، وأن مثل هذه الأجهزة غير مجرَّمة في مصر، فلماذا هذا الاضطراب؟ ارتاح الرجل وفجأة تحول اللقاء القصير إلى ساعتين من الحوار الطويل، مثل أي اثنين اجتمعا في حب الايمان بالعملات الافتراضية. لم أمنحه معلومات شخصية عن حياتي، لكني ذكرت رغبتي في السفر. حينها ابتسم، وأخرج ثلاث ورقات بيضاء، فردها أمامي.

“ما هذا؟”، سألته.

“عقد عمل”، أجاب.

كان العقد مكتوبا باللغة الروسية، وبالطبع لم أفهم منه شيئاً. شرح لي أن الحكومة الروسية تدعم مزارع التعدين وتتوسع فيها، وتبحث عن مبرمجين للعمل فيها، ولديه قريب يعمل هناك. إذا أردت، يمكنني السفر والعمل براتب يصل إلى 2000 دولار شهرياً، شاملة الاقامة والطعام عليهم. اعتذرت بلباقة للشاري، ولسبب ما جرحه اعتذاري وتحول حديثة لكلام عدائي يتهمنا بأننا جيل فاشل، وكسول ولا نرغب في العمل. أخذ يحرك ذراعيه في الهواء وهو يشير إلى الصحراء الخربة الممتدة أمامنا، ويقول لي: “هتقعد هنا تعمل ايه يعني؟ المستقبل هو البيتكوين، والبلد دي ضد المستقبل والبيتكوين”.

أمعنتُ في تمويه شخصيتي الحقيقية، وقلت له: معاك حق، لكني لا أقدر على ترك مصر، سأظل هنا حتى ابني مصر وأجعلها خرابة أفضل.

مصر والتاج الصفيح

كَرِه حسني مبارك الشعارات القومية والجمل الانشائية. عبّر دائماً عن سخريته من الكلام الكبير الذي كان يطلقه من سبقوه في الحكم. احتقر فكرة المشروعات القومية، حينما كانوا يسألونه أسئلة من نوع: أين هوية مصر؟ الشباب ضائع؛ نريد مشروعاً قومياً لكي نجمع ونحمّس خلفه الشباب، كان يرد: لديكم مشروع الصرف الصحي وكباري القاهرة. ولما ملّ من الضغط بخصوص المشاريع القومية، رضخ في النهاية، وحوّل صفقة بيع أراض للوليد بن طلال ومستثمرين عرب، إلى مشروع قومي بعنوان مشروع توشكي.

وفيما كان مبارك يفتتح أضخم مشاريع الصرف الصحي في الثمانينات، كان الثنائي الشاب  السيناريست ماهر عواد  والمخرج  شريف عرفة  يقدمان  سلسلة من الأفلام التى تنكل بكل السرديات الكبري للخطاب الوطني المصري الحديث. بداية من “الدرجة الثالثة” وحتى “سمع هس”. كان لديهما حسٌّ ساخر وعدمي استخدماه في تهزيق التيمات الرئيسة لمشروع الدولة القومية، من الأناشيد الوطنية ومؤسسة العدالة في سمع هس“، وحتى مشروع الاستقلال الوطني في “يا مهلبية يا“.

يعجب الكثيرون من النقاد بتلك الفترة من تجربة شريف عرفة، ويرون أنه كان فناناً ثورياً متمرداً على خطاب السلطة. لكن، إذا استعدنا، للدقة، خطاب وهوية تلك السلطة في الثمانينات، سنجد تطابقاً واضحاً بين ما قدمه شريف عرفة، وما كانت تروج له السلطة السياسية في مصر وقتها. وحتى إذا اعتبرنا أن شريف عرفة وماهر عواد في تلك الفترة، كانا شابين متمردين، فالسماح لهما بإنتاج وعرض مثل تلك الأفلام، بل والترويج لتجارب مشابهة كتجارب سعيد حامد ورأفت الميهي، يعكس رضا السلطة عن هذا الخطاب التهزيقي لشعارات الدول الناصرية وقيمها.

لهذا نُحب شريف عرفة. إنه المخرج ابن الناس الكويسين، المصري المحترم الذي يعارض بأدب من أجل المعارضة البناءة، والذي يقدم الضحكة بلا بذاءة، والاستعراض والرقصة بحشمة. إنه مخرج العائلة المصرية الذي نثق في توقيعه على أي فيلم بحيث يتوافر فيه الحد الأدنى من الاتقان وتماسك السرد، وبالطبع دائماً النهايات السعيدة حيث يتعانق ضابط الشرطة الشريف مع رجل الشعب وينتصر الخير وتعم الفرحة على الجميع. لكنه المخرج القادر على التقاط حساسية السوق واتجاه الريح. فقط شريف عرفه، يمكنه أن يصور ما يشبه الفيلم التسجيلي عن مبارك، ثم بعده بشهور يصور فيلماً قصيراً عن الثورة التي خلعت مبارك، وفي الحالتين يلتقط حساسية السوق وموجة السلطة ويركب فوقها.

يأتي فيلم “الكنز” المعروض حالياً في السينما، بعد شهور قليلة من عرض فيلم مروان حامد “الأصليين“. يشترك الفيلمان في استخدام الفانتازيا التاريخية، تقديس رجال الأمن والسلطة، والبحث عن هوية خفية، سر مكنون، كنز مدفون يحتوي على القلب النابض لمصر.

يردد الرئيس ومن خلفه جوقة السلطة أن مصر ستصبح أم الدنيا، بل هي أم الدنيا. يتحدث عن وجوب أن نكون يداً واحدة في حين تتعارك أصابع تلك اليد، وتُبتر الأصابع التي لا تعجبه. هناك مؤامرات ودسائس، حروب الجيل الرابع، أشرار مرسلون لخراب مصر كما “صلاح الكلبي” في فيلم “الكنز”. ووسط كل هذا، ليساً مهماً من يحكم أو من في السلطة، بل المهم أن نثق في رجل الأمن الذي يعرف كل شيء ويساعد الفقراء ويُحسن إليهم، لكنه جاهز لمعاقبتهم إذا ما اختلفوا معه، لأن هذا الاختلاف يضرّ بمصر، وبعقابهم فإننا نحميهم من شرور أنفسهم، كما خالد الصاوي في فيلم “الأصليين”.

في الفيلمين، يتجلى مفهوم مصر كرؤيا هيولية مُمتدة عبر الزمن وعبر آلاف السنين. هناك مصر واحدة وهي أبدية وخَالدة، ولها جوهر ثابت، هذا الجوهر قد يكون مدفوناً في صورة كنز أو رمز كبير، مثل بهية وعيون بهية في “الأصليين”. وفي الفيلمين، مثل خطاب السلطة، لا يخبرنا أحد ما هو جوهر هذه الـميصر” –بصوت الشيخ الشعراوى؟ وما علاقة هذا الجوهر بواقعنا الآن؟ ولماذا يريدون إجبارنا على تصديق خرافة أن هذا الجوهر خالد وأبدي؟ وكيف يكون ثابتاً وهذا البلد، حتى 150 عاماً خلت، كان أهلها لا يفهمون لماذا بنوا هذه المعابد وهذه الأهرامات؟

إن تاريخ هذا البلد هو سلسلة من الانقطاعات والنسيان، ثم إعادة تذكر ما نريد، ودفن ما لا نريد، وهي استراتيجية نافعة للبقاء. فجّرت السنوات الأخيرة، وما صاحبها من صراع سياسي، مناقشات وأسئلة عميقة لدى سكان هذا الوادي، حول هويتهم وتصوراتهم عن ذواتهم والحياة التي يرغبون فيها. هذه الأسئلة كلها كُتمت بفوهة البندقية، ودُفنت تحت جنازير الدبابة. وبدلاً من السؤال والنقاش في اضطراب الهوية لجماعتنا المتخيلة كمصريين، تتبنى السلطة الجديدة خطاباً تعكسه هذه الأفلام، وسنشاهد في السنوات المقبلة المزيد من الأفلام والمسلسلات التي تعكس تصور الهوية الجديدة التي يجري بناؤها. ويمكن وضع عنوان فرعي لها: “إطفح وانت ساكت”. فالمهم ليس “جوهر مصر”، بل أن تثق في حارس هوية مصر وكنزها المدفون، أن تُسلم له، وأن تعاونه وتنصره لأنه يضحّي بكل شيء من أجل مهمة سامية، مثل محمد سعد رئيس القلم السياسي في فيلم “الكنز”، والذي يسجن أخاه ويعتقل المعارضين لكنه يحب الفن ويطارد الحب المستحيل ويحرس الكنز.

لكن الواقع أن تلك السلطة لا تحمي أي كنز، بل هي تبيع وتبيع وتتنازل. منطقها في الحكم والإدارة هو منطق إدارة السوبرماركت: كله على الرف بالسعر المناسب، أو كما قال رئيس السلطة ذات مرة اللي يقدر على مصاريف مصر يشيل. وبالتالي، فالغرض من أفلام مثل “الكنز” و”الأصلين” هو إضفاء زخرفة رديئة تُشبع أسئلة المراهقين عن هويتهم، وتقدم للسلطة كوكتيل مصر الجميل، حيث حتشبسوت ترتدي تاجاً، وحيث سر عبقرية المصريين يكمن في تناولهم المخدرات وزهرة اللوتس الأزرق كما في “الأصليين”.

أما إذا كنت أذكى من ذلك، واكتشفت خواء السلطة، وأن بهية التى تحرس عيونها ليست إلا راقصة وعاهرة كانت تابعة لياسين قاطع الطرق، فالحل الذي يقترحه مروان حامد وأحمد مراد أن نذهب جميعاً للصحراء لنؤسس فندقاً بيئياً ونبحث عن السلام والخلاص النفسي في اليوغا والتأمل، ونترك المهام الكبرى وحراسة الكنز لرجال السلطة والأمن، حراس عيون بهية.

أيتها العاملات.. الآتي أشرس

حينما خرجتُ من السجن، بعد عام قضيته بعيداً من شوارع القاهرة، كان أول ما لاحظته، إلى جانب كثافة سُحب الإكتئاب والإحباط على وجوه سكان المدينة، هو تلك الزيادة في عدد النساء والفتيات العاملات، بل ظهورهن بكثافة ندر وجودهن فيها في القاهرة. ظننت أن الأمر شخصي وأني بسبب البقاء في السجن لشهور طويلة، بلا تواصل مع الجنس الآخر، أصبحت حساساً لوجودهن وأكثر ملاحظة لهن. حتى مررت ذات مساء أمام واحد من مطاعم الوجبات السريعة في وسط البلد، اعتدت التعامل معه طوال أكثر من عشرة أعوام، ولا أذكر أبداً أني رأيت فيه أي أنثي عاملة. كان الوقت قد تجاوز الحادية عشرة ليلاً، ووقفت أمام “الكاشير” لطلب السندويش فوجدت فتاة تجلس خلف ماكينة الحسابات.

استغربت الأمر لأن وردية الليل في هذا المطعم تنتهى في الثانية بعد منتصف الليل، فما الذي تفعله هذه الفتاة هنا؟ لاحظت كيف أنها، خلافاً لزميلها الجالس بجوارها على ماكينة آخرى، وضعت أمامها طبقاً صغيراً لتضع فيه “الفكة” فيأخذها الزبون، حتى لا تضطر للتعرض لملامسة يد الزبائن. لكن، بعدما طلبت ما أريده، لم أستطع أن أقاوم فضولي وسألتها: “هو أنت بتشتغلي هنا من زمان؟”. جاء الرد بارداً بالطبع، كأنها ملّت من هذا النوع من الأسئلة والحوارات، وقالت: “اتفضل يا أستاذ روح خد طلبك من جوا”.

10393722_516183941843269_569061840803221652_n
صورة من تدريبات السيدات في الدفاع المدنى في الخمسينات بمصر أثناء العدوان الثلاثي

بدأت ألاحظ هذه الزيادة في عدد الفتيات والبنات العاملات في المطاعم وفي أماكن خدمية آخرى، مثل بعض محطات البنزين وحتى المقاهي الشعبية. لم تكن مطاعم القاهرة باستثناء مطاعم الفنادق لترحب بعمل الفتيات، وفي الغالب كانت الكافيهات التى توظف الفتيات توصف بأنها مفتوحة لأغراض أخرى غير تقديم المشروبات.

حاولت كذلك الوصول إلى أرقام أو إحصائيات ترصد أي تغيير في معدلات عمل المرأة في سوق العمل، لكني لم أجد أي أرقام واضحة يمكن الاعتماد عليها. اكتفيت بسؤال الأصدقاء والدوائر القريبة ومعظمهم رصد الظاهرة ذاتها. مالك ومدير سلسلة من مطاعم الوجبات السريعة، أكد لي الأمر، قائلاً إنه بدأ، العام الماضي، بتعيين فتيات للعمل لديه، وأنه قبل ذلك كان يرفض الأمر لأن “البنات مشاكلهم كتير” على حد قوله. فمطاعمه متخصصة في الوجبات الشرقية (سندويشات الفول والطعمية بشكل أساسي)، وبالتالي يرى أن زبائنه من طبقات متنوعة ومعظمهم من طبقات شعبية، ومن الممكن لأحدهم أن يتطاول أو “يعاكس” إحدى العاملات. لكن موقفه تغيير مؤخراً مع ارتفاع معدل التضخم وازدياد الأسعار.

“لما تحسبها تلاقي البنت بتكلفني أقل من الولد”، يلخص بهذه الجملة تغيير سياسته في التوظيف. فمعظم العاملين لديه طالبوا برفع أجورهم مع ارتفاع الأسعار، ولما رُفض طلبهم، غادروا المحل.

“البنت أو الست اللي نازله تدور على شغل تبقى محتاجة الشغل بجد، مش هتنزل من بيتها ولا راجلها هيسيبها تنزل إلا إذا كانت محتاجة القرش، مش زي الشاب اللي نازل يدور على شغلانة على مزاجه وعايز يشتغل في التكييف”، يقول. بدأ صاحب هذا المطعم بتوظيف الفتيات في المطبخ، ثم لتقديم الطلبات في الصالة، والآن تمثل الفتيات حوالى 20% من العاملين/العاملات لديه، وذلك كله حدث في عام واحد.

لا قوانين تنظم العمل في مثل هذه الوظائف، معظم العاملين لا يتم تعيينهم بعقود. ومعظم المطاعم تعتمد على الأطفال والقاصرين في العمل للسبب ذاته، لأنهم “أرخص”، ويمكن الاستغناء عنهم بسهولة. يدافع صاحب المطعم عن التمييز في الرواتب بين الذكور والإناث، بأن دوام عمل الشاب يبلغ عشر ساعات، بينما دوام الفتاة عنده ثماني ساعات، كما أن الفرق في الأجر ليس كبيراً، وهو لا يحاسبهن على البقشيش بل يتركه لهن، والفتيات رزقهن واسع ويمكنهن أن يحصلن على بقشيش أكثر من الشبان. كنت أهز رأسي وأنا ابتسم له، وأثني على “عبقريته وطيبة قلبه” في مساعدة تلك الفتيات ليجدن مهنة شريفة، فيصدمني أكثر بالمزيد عن ظروف العمل. فالمطعم يعمل طوال اليوم، حتى في الإجازات والأعياد، وبالتالي فإنه لا سياسية للإجازات لديه. أما أغرب ما قاله، هو أنه لا يوظف فتيات متزوجات أو مطلّقات، ولم يفسر السبب إلا بجملة “حتى لا تكون عيونهن مفتوحة”.

ترسخ السلطة الذكورية في أي مجتمع، ليس نتيجة أفكار دينية واجتماعية فقط، بل الأساس ينهض على البنية الاقتصادية داخل ذلك المجتمع. وفي المجتمع المصري، تتراكم الثروة من خلال الأراضي والمنقولات العقارية، وحيث يفرق القانون في الميراث بوضوح شديد بين المرأة والرجل. وحتى هذا القليل لا تحصل عليه المرأة في الكثير من مناطق الجمهورية، فالأرض لا تورث للفتيات في الصعيد، وفي الكثير من مناطق الدلتا. بالتالي من الطبيعي أن تظل النساء في كنف الرجال، طالما ظلت عملية تراكم الثروة تصب في مصلحة الرجل، وطالما استطاع هذا الرجل تلبية احتياجات بيته.

كنت شاهداً وبشكل شخصي على وصول سيدة من الفيوم، لتعمل في “مدينة 6 أكتوبر”، كحارسة عقار، وفي تنظيف الشقق، وكيف تحملت لسنوات بطالة زوجها واستيلائه على ما تجنيه، حتى اكتشفت أنه تزوج بمالها شابة ثانية. حينها، ثارت عليه وطلبت الطلاق وحصلت عليه بالفعل، وعاد هو زاحفاً بعد عام بدعوى مسؤوليته عن أولاده. لكنها أبداً لم تعد القطة “المغمضة” التي أتت إلى شارعنا منذ خمس سنوات، بل بسطت سلطتها على كل عمارات الشارع وزوجها الذي كان يضربها، أصبح يعمل على “توك توك”، ويأتي ليقف عند باب المنزل في انتظار ظهور أولاده، إذ ترفض دخوله المنزل. صحيح أنها ما زالت تسمح لابنها الصغير أن يضرب ويتطاول على أخواته الفتيات بدعوى أنها ولد و”راجل” البيت الآن، لكن وكما الدرس الذي يعرفه يعلم الجميع، تظل الاستقلالية الاقتصادية المسمار الأول في نعش الذكورية المجتمعية.

سيقلص التضخم والكساد الاقتصادي في البلاد من فرص العمل، سينفجر غضب الرجال في وجوه النساء اللواتي من المفترض أن يخضعن لسلطانهم. الأسرة التي كان من الممكن أن يرعاها رجل واحد، ستحتاج الآن لعمل الأم، بل والابنة، لكي تستطيع البقاء. سيواجَه نزول النساء إلى سوق العمل بالاستغلال والتمييز، وستزداد حوادث التحرش والعنف ضد النساء. أخبار مثل تخفي سيدة وزعمها أنها رجل لكي تحصل على عمل ستزداد بالتأكيد.

كل عنف وتحرش جنسي شهدته القاهرة خلال السنوات الماضية، لم يكن سوى رد فعل مباشر وغير مباشر على وجود النساء في المجال العام، على تحركهم في الشارع، على تهديدهم من خلال العمل والاشتباك مع القضايا العامة لتلك السلطة الراسخة. لكن الموجة المقبلة ستكون أعنف. الأخبار الإيجابية أن المجال الآن مفتوح مع المؤسسات النسوية لتستعد للمزيد من الحقوق التي يمكن اقتناصها. فوسط الحصار الذي يعانيه المجتمع المدني بكافة تشكيلاته القتالية، يبدو الأمل في النساء وفي حركتهن وفرضهن لشروطهن -وهذه المرة الفرصة لتشكيل حراك حقيقي- ليس مضطراً للاعتماد على غطاء من قبل سيدة أولى في قصر الرئاسة.

لماذا يكره المصريون الفراعنة ويحبون صورهم؟

كلما قرأت أو سمعت عن خبر كشف أثري جديد تقوم أو تشرف عليه الدولة، مُتمثلة في وزارة الآثار، يَقفز مرتطمًا في سقف مخي السؤال الذي يحيرني منذ سنوات طويلة:

لماذا تنفق الدولة المصرية كل هذه الأموال على «الفحت» والحفر وإخراج التماثيل من جوف الأرض وتصويرها وأرشفتها أحيانًا وأحيانًا أخرى لا، ثم تقوم بدفنها مرة أخرى داخل مخازن وزارة الثقافة والآثار؟

قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس.jpg
قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس

مخازن الآثار لمن لا يعرف هي عبارة عن مساحات شاسعة من الخرابات يتم تكويم التماثيل والقطع الأثرية فيها وتعيين حارس برتبة غفير لحراسة كل هذا، لا يسمح للجمهور العادى بزيارة تلك المخازن ولا يعرف الباحثون عنها شيئاً ولا توجد قاعدة بيانات موحدة عن طبيعة محتوياتها. تترك فيها الآثار حتى يطمرها النسيان أو حتى تجد ابن الحرام المناسب لسرقتها وتهريبها.

الإجابة التي توصلت إليها أن الأمر يتعلق برغبة وطموح المؤسسات العلمية والأكاديمية الغربية واليابانية التي تحتوي على كليات للدراسات المصرية، وبالتالي ترسل البعثات العلمية إلى هنا وبالتالي تجدها الوزارة فرصة للركوبِ في المصلحةِ والظهور أمام الإعلام المحلي في صورة «أنديانا جونز»وفاتح مغارة على بابا. وبعدما تخفت أضواء الكاميرات تساق الآثار لمخازن وزارة الثقافة. فالبلد الذي يتفاخر بأنه يمتلك ثلث آثار العالم لا يمتلك التمويل الكافي لرعَاية وصيَانة وعرض رُبع هذه الآثار.

جميع المشاريع التي تتعلق بالآثار المصرية الفرعونية من المتحف الكبير المزمع افتتاحه قريبًا و حتى   الاكتشاف  الأخير في المطرية جميعها تعتمد على التمويل الأجنبي، لذا فطبيعي أن تكون نظرة السلطة العامة في مصر للآثار الفرعونية أنها ليست إلا وسيلة للحصول على العملة المجانية، وهو موقف يشترك فيه قطاع كبير من المواطنين مع السلطة، وإن اختلفوا أحيانًا حول تقاسم الأرباح.

من أجل كل ما سبق، لم أفهم حتى الآن سر الجدل حول الصور المتعلقة بالكشف الأثري الأخير في منطقة المطرية. الوزارة من جهة فخورة بالاكتشَاف حيث يعلم كل تُجار الآثار أن المطرية تعوم على مدن قديمة كاملة، لكن الوزارة سعيدة بأن الخواجة الألمانى أكد هذه المعلومة. حتى الآن كل شيء جيد، لكن فجأة عبر جمهور الإنترنت عن صدمته من الصور، بل وصل الأمر إلى استجواب الوزير في البرلمان.

ما هو الصادم؟

لم أفهم حتى الآن.

قرأت تعليقات أن «اللودر» وبعض الآلات التي استخدمت في الحفر وظهرت في الصور كان وضعها مشينًا أو مهينًا أو خادشًا، وكأن عمليات الحفر والتنقيب والانتشال من المفترض أن تتم بمكعبات «اللوجو»، لأن شكلها سيكون أجمل على «إنستجرام». تعليقات أخرى أشارت إلى الفوضى وانعدام النظام في موقع التنقيب والاستهانة بالآثار وأهمية الاكتشاف.

لكن إذا كانت بضع معدات وفوضى في موقع تنقيب تمثل إهانة، فماذا عن الإهانة في قلب المتحف المصري بالتحرير حيث تُعرَض جثث رمسيس الثاني وحتشبسوت والرموز الذين بنوا هذه الدولة القديمة وصنعوا أبرز الآثار الباقية لهذا التاريخ. جثثهم عارية معروضة بلا أي قيمة علمية. فقط إهانة وتحقير مُتعمد لجثثِ الملوك بحشرهم في تلك الغرفة التي تحمل لافتة «غرفة المومياوات».

ورغم أن التصوير ممنوع في تلك الغرفة، لكن ورقة بخمسين جنيهًا للحارس الجالس في الغرفة سيسمح لك بأخذ سيلفي مع جثة رمسيس الثاني باعتباره فرعون موسى وسيؤكد معلوماته «انظر إلى عظامه ستجدها بيضاء من أثر المياه بالملح، لأنه مات غريقًا»، أيضًا سيسمح لك بأخذ السيلفي مع جثة الملكة حتشبسوت باعتبارها «زليخة التي أغوت سيدنا يوسف». وفجأة وسط الهذيان والسياح العرب الذين يبحثون عن تأكيدات للخرافات الإسرائيلية عن الحضارة المصرية ستسأل نفسك، هل حقاً أنت وهذا الحارس والقائمون على هذا المكان وهذه الوزارة وهذا البلد لديهم أي علاقة بهؤلاء الملوك المعروضة جثثهم؟

هل حقًّا هم أجدادهم؟ وهل حقًّا يؤمن المصريون بأنهم فراعنة؟ وأن هناك رابطًا بينهم وبين هؤلاء المساخيط والكفار؟

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يقبل المصري المعاصر أن يعرض جثث أجداده خارج توابيتهم ومقابرهم؟ من أجل ورقة بخمسين جنيهًا؟ هل هوعيشالضباع فقط كما وصفه شادى عبد السلام في فيلم المومياء أم هناك جذر لمشكلة أعمق؟

ليس الأمر نتيجة للجهل أو الحاجة المادية، بل نمط وأسلوب خاص في التعامل مع الآثار الفرعونية لا يمكن أن نجده مثلاً مع الآثار الإسلامية. تخيل مثلاً أن تدخل متحف الفن الإسلامى لتجد غرفة بعنوان «غرفة الأولياء» تُعرض فيها جثث لعدد من الأولياء وحكام مصر في العصر الإسلامي وقد انتزعوا من مقابرهم ووضعوا في صناديق زجاجية للعرض العام. بالطبع يستحيل أن يحدث هذا لكن يكون هذا هو الطبيعي مع الآثار المصرية القديمة الفرعونية.

رع حر آختي يبارك مرنبتاح، الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني من مقبرته بوادي الملوك KV8.

جوهر المسألة هو انعكاس للأزمة الأزلية لدى الإنسان المصري المعاصر في هويته ونظرته لذاته.

من جهة هناك أمثال الشيخ السلفي الذي يرى في كل ما هو مصري فرعوني حضَارة نجسة وأصنامًا وحجارة، ومن الطرف الآخر هناك أمثال أستاذ الآثار المصرية الذي لا يقدم في كتابته إلا الفخر بالريادة والمنجزات القديمة دون أي جهد لربط حياة المصري المعاصر بهذا التراث. بل إن السياسة العامة للدولة تعزز هذا الانفصال المعرفي مع الحضارة والتاريخ الفرعونى. فحينما يتم التعامل مع منطقة كشارع المعز والقاهرة الفاطمية تتم تهيئة المكان بحيث يظل سكانه في مكان إقامتهم وعملهم حتى يصبح المكان حيًا يزوره الشباب ويصنعون مع المكان ذكريات وتاريخًا خاصًا امتدادًا لتاريخه العام، لكن حينما يتم ترميم طريق الكباش في الأقصر يتم تدمير منازل الناس وإبعادهم، وذات الأمر مع سكان منطقة نزلة السمان، حيث تم فصلهم عن الهرم بجدار عازل وبناء الأسوار حول الهرم لتترسخ عزلته.

هكذا يجب أن تكون علاقتك كمصري معاصر مع التاريخ الذي يفترض أن تنتسب له، تشاهده من بعيد وسور عالٍ يفصل بينك وبينه، تكرهه في سريرتك لأنهم كفار ولأنك تجهلهم، لكنك لا تعلن هذه الكراهية لأنهم يمكن أن يشكلوا مصدرًا للرزق والعملة الأجنبية. هم أيضًا يكملون كوكتيل الهوية الذي تلوّن به وجهك حينما تقابل الآخرين. مقابل الخراب وخواء الحاضر هم أيضًا هؤلاء الكفار الذين تتكسب من وراء عرض جثثهم وبيع أعضائهم مصدر فخرك الوحيد بين الأمم المتحضرة.

فأي ضبع أنت أيها المصري المعاصر، وأي واقع تتوقع أن تكون عليه حياتك، إذا كانت هذه نظرتك للماضي، وإذا استمررت في إصرارك على عدم النظر في المرآة.

طز في الهوية

نشرت في المصري اليوم في نوفمبر 2012

تقول الأسطورة القديمة إن إيزيس بعدما جمعت أشلاء جسد أوزوريس الممزقة، وحملت منه بحورس. دفنت إيزيس أوزوريس في النوبة فكان رأسه في جزيرة «أنس الوجود» أو فيلة، وباقي جسده على طول الوادي من الشلال حتى الخرطوم. ثم جلست إيزيس على رأسه في جزيرة «فيلة» المقدسة. وأخذت تبكي فاندفعت دموعها محطمة صخور شلالات أسوان وغمر الخير أرض مصر.

والنيل يا أحبائي كما نعرف من أنهار الجنة.

واحتاج الأمر مني 27 عاماً حتى أكتشف، وعن طريق الصدفة، أن اللغات النوبية لها حروفها وأبجديتها الخاصة، لكن هذه الأبجدية في طريقها للنسيان مع انتشار كتابة النوبية بالحروف اللاتينة والعربية.

لماذا يحدث ذلك؟

ولماذا احتاج الأمر مني 27 عامًا لأعرف معلومة بسيطة كهذه؟

لأنك ولأني ولدنا في بلد استبدادي. تتم صياغة هويته من قبل سُلطة حمقَاء تُحدد بالخط الأحمر ما هو الوطن وما هو خارجه. وكأي سلطة استبدادية سعت دولة الجمهورية الأولى إلى ترسيخ وحصر الهوية المصرية بصفات مُحددة فكانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولةِ.

جرت على مر عقود عملية وأد وقتل ممنهج لكل اللغات والأقليات الثقافية الأخرى من أجل تحقيق هلاوس عبد الناصر حول القومية العربية. وهكذا تم تهجير النوبيين وتشريدهم، وفرض اللغة العربية كلغة رسمية، ورغم أن النوبية بفرعيها (فديجا) أو (كنزي) أقدم من اللغة العربية وهى لغة مصرية خالصة، لكن مع ذلك لا يتم تدريسها في أي من الجامعات المصرية. إلى جانب عدم ذكر أي شيء في المناهج الدراسية عن الثقافة والتاريخ النوبي وكم التضحيات التي بذلوها من أجل أن تسيل دموع إيزيس ويغمر الخير أرض مصر.

وحينما اهتمت الدولة باللغة والثقافة النوبية استخدمتها كشفرة في الحرب، ولم تهتم بعد ذلك بتدريسها ولا رعايتها، ربما للحفاظ عليها كشفرة سرية.

الآن يضع اليونسكو اللغة السيوية المصرية المتفرعة من اللغة الأمازيغية على قائمة اللغات المهددة بالانقراض، حيث وصل عدد متحدثيها إلى 15 ألفا من أصل 25 ألف مواطن أمازيغي مصري.

 لكن موقف اللغة السيوية في مصر أفضل كثيرًا من اللغة الدوميرية، والتي يتحدث بها الغجر المصريون وتنتشر على نطاق محدود في بعض مناطق القاهرة والأقصر، وإلى جانب ما سبق فهناك اللغة القبطية التي تصنف كلغة منقرضة منذ القرن 17 مع توقف التحدث بها واقتصار انتشارها وتدريسها داخل الكنيسة القبطية.

 هذا التنوع والثراء اللغوي والثقافي معرض كله للاندثار، بسبب إصرار البعض على إكمال النهج الاستبدادي في قمع الأقليات الثقافية، وفي إبقاء المادة الثانية كما هي دون حتى تضمين الدستور أي مادة تشير من قريب أو بعيد لحقوق هذه الأقليات اللغوية والثقافية. وهنا تصبح الهوية ليست تعبيرًا عن ثقافة وأسلوب حياة يتغير بتغير الزمن بل قيد وأداة تعذيب وترسيخ للاستبداد. وهنا يجب أن تكون الرسالة: طز في الهوية.

ولماذا حقيقي التمسك باللغة العربية، والرئيس مرسي نفسه لا يتقن حتى التحدث بها، أتابع مثلا محاولاته المسكينة للالتزام بقاعدة «سكن تسلم» ومع ذلك فكل مخارج الحروف فاسدة لديه، وكثيرا لسبب ما ينصب الفاعل، بل ويزيد على ذلك لا يعرف كيف يقرأ القرآن ويفسره بالمقلوب.

الهوية التي تسعى لجنة الدستور لفرضها مُمثلة في المادة الثانية وما يتبعها، ليست سوى كذبة. ينكرون كل اللغات الأخرى ويرفضون الاعتراف بها أو حتى دراستها وحمايتها من الانقراض، لترسيخ تصورات سطحية عن لغة هذا البلد وهويته لخدمة الاستبداد القائم على ما يدعون أنه شريعة، بينما هو في الحقيقة شعرة عند ياسر برهامي ساعة تروح وساعة تيجي، حيث الربا اليوم حرام، وغداً حلال لأنه مصاريف إدارية. والفجر كله يكتمل في حالة الزمر وشركاه المطالبين بتطبيق الشريعة بينما لو طبقنا الشريعة عليهم فبدل السجن كان يجب تطبيق حد الحرابة عليهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بجذوع النخل.

من يدري ربما يحدث هذا قريباً، وإن غداً لناظره لقريب

تجربة شارع مصدق: التحرش بين ضفتين

نشرت في المدن عام 2013

 

يقع مقر عملي الذي أمارسه طوال العام الماضي في شارع مصدق بحي الدقي في القاهرة، على جانبي الشارع تمتد مبانى عشرات الشركات الكبرى بداية من مجموعة طلعت مصطفي وحتى أحد مكاتب مجموعة “هيرمس” إلى جانب البنوك والكافيهات المتنوعة. هذه ليست منطقة برجوازية لكنها منطقة مَال وأعمال، ورواد الشارع في الغالب من “الناس الشيك”.

لكن نظراً لظروف عملي التي تفرض العمل حتى وقت متأخر حتى بعد منتصف الليل أحياناً، فقد لاحظت كيف وبانتظام يومي بعد الساعة الثامنة مساءاً تظهر فتاتان أو أكثر وتقفان في زَاوية ثابتة من الشارع. أحياناً تظهر واحدة وأحياناً يظهرهن في مجموعة من ثلاثة أو أربعة. تمتد الوقفة في أيام إلى السَاعةِ الواحدة بعد منتصف الليل.

بدا واضحاً طبيعة المهنة التي يقومن بها، والغرض من وقوفهن في هذه الزاوية، لكنى اندهشت من تواجدهن المستمر ليلاً، ومعظم الوقت بدون أي حماية يوفرها ذكور كما تقتضي تقاليد هذه المهنة العريقة. وحتى العاملات في هذه المهنة في مصر لا يقفن في الشارع بمثل هذه الطريقة، لكن شارع مصدق كشف لي أن هذا المجتمع من الصعب معظم الوقت التنبؤ بردود أفعاله.

من نافذة مكتبي تابعت كيف ينصرف الجمهور عن فتيات مصدق، أحياناً كان يصل الأمر إلى أن الفتاة هي التي تطارد شاب يسير في الشارع وتتحرش بهم، أو توقف أحدهم لطلب سيجارة فيهرول هارباً. الطريقة التي يقف بها فتيات شارع مصدق كانت تجعل زبائنهن المفترضين يشعرون بالتوتر، فالواحدة منهن لا تنظر للأسفل بل عيونها تراقب كل حركة الشارع، وإذا مررت بجوارها فلن تصرف وجهها أو تتصنع البرود بل تنظر في عينك بنظرة مُتحدية.

لكن على الضفة المقابلة من الشارع يقع أحد مراكز خدمة العملاء التابعة لشركة اتصالات “وكافية” فخم بالتالى تعج الحركة بفتيات الطبقة الوسطى محجبات وغير محجبات يسيرن كما تفرض عليهن مدينة القاهرة، الأكتاف مضمومة، الظهر من أعلى متقوس، الرأس لأسفل والعين في الأرض تنظر فقط لموضع قدميها. وبينما تعبر الطريق أو تدخل أو تخرج من أحمد المحلات، ينطلق سيل التحرشات المختلفة من العابرين في الشارع، شاب يلقي بكلمة بذيئة بصوت عالي، آخر يبطء من سيارته ويخرج رأسه ويلقي بكلمة آخر، ثالث يعبر فوق درَاجة نارية فيمد يده ويمسك قطعة من جسد الفتاة.

تابعت على مدار عام هذا التناقض بين ضفتي شارع مصدق ليلاً، ففي جهة تقف فتيات يحترفن الدعارة ولا يجدن زبائن، وفي الجهة الآخري فتيات لا يفعلن شيئاً سوى مُحَاولة عبور الشارع فتتحول إلى مُغَامرةِ خطرة لتجاوز المعاكسات والتحرشات.

بل شاهدت ذات يوم راكب دراجة نارية اقترب من فتاة وكان على وشك الاصطدام بها ثم مال يساراً في آخر لحظة ليتفاداها، وأطلق جملة معاكسة سخيفة. نفس الراكب استدار عند نهاية الشارع إلى الضفة الآخري وحينما أوشك على العبور بجوار “فتيات مصدق” الواقفات في ملل أبطء من سرعته وهو يتأملهن متوجساً، وما إن اقتربت واحده منهن وهى مبتسمة حتى ضغط على البنزين وانطلق بأقصي سرعة مبتعداً.

ليس لدى استنتاجات كبيرة أو عميقة تفسر لماذا يهرب الذكور المتحرشين من فتيات شارع مصدق العاملات في مجال الخدمات الجنسية؟ ولماذا نفس الذكور يستعرضن بذائتهم وفحولتهم بالتحرش بفتيات يتلبسهن الخوف منذ خروجهن من بيوتهن وحتى عودتهن.

ليس في الأمر علاقة بالكبت الجنسي، وبالتأكيد هو بعيد تماماً عن غياب التربية وضعف الأخلاق والقيم الدينية إلى آخر هذه الخرافات التي يتم الترويج لها كسبب من أسباب التحرش. وليس لدى إجابات الصراحة، وإن كانت تجربة مصدق معمل اختبار يمكن أن نفهم منه شيء ما..

كروش ونعوش

نشرت في المصري اليوم في 2013
مهما تناولوا من مشهيات، وسلاطات، وبابا غنوج وحمص وشاورما سوري وكباب وكفتة وسيارات فارهة ومنازل بحدائق وخدم وحشم، لا تمتلئ أبداً كروش «الشيوخ».
وفي هذا يقول ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا». والحمد لله لم يعد في عصرنا أمراء، بل أمير واحد هو الرئيس باراك حسين أوباما ومعه مجلس الكونجرس الموقر، وهم  في العاصمة «واشنطن دى.سي» لا يفتحون الأبواب للعلماء بل يصدرون إليهم الأوامر فيطيع الشيوخ الأمر ويهبون لتنفيذ رغبات أمير المؤمنين.
رأينا كيف ما إن وافق الكونجرس الأمريكي على تسليح المعارضة، كيف هب شيوخ الكروش من كل مكان ليطرقوا أبواب السلطان، القرضاوي في السعودية، والعريفي يدعو لمرسي في مصر، وأخيراً كل نخبة كروش الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح المعروفة باسم تكية شهبندار التجار خيرت بيه الشاطر الزغلول الكبير.
يقف العلماء أمام مرسي لا يسألونه عن ضحايا التعذيب الذين يموتون على يد جنده وضباطه في وزارة الداخلية، ولا يعاتبونه على كذبه المستمر بل ينافقون ويمدحون ويتغزلون في حلاوة دمعته ويقبلون الأيادي أمام الشاشات.. إذا لم يكن هؤلاء هم علماء كروش السلطان، فماذا يكونون؟
أوباما يعطي الأوامر، ملوك النفط في الخليج يدفعون، يلبي الشيوخ بكروشهم وألسنتهم الملتوية يزيفون الحقائق ويخدعون الناس لمصلحة السلطان. أو كما قال أحمد عدوية «هما الإدارة يا ليل.. واحنا الحيارى يا ليل». لكن كروش الشيوخ لا تشبع ولا تمتلئ مهما منحهم السيد الأمريكي من سلطة وتطمينات، ومهما انهال عليهم أمراء الخليج بالقروض والودائع، لا تمتلئ كروش الشيوخ إلا بالدم ونعوش الشباب الذين يدفعونهم نحو الموت باستمرار وإصرار وعزيمة لا تلين. فقط النعوش تملأ كروش الشيوخ.
كيف إذن يحصل شيوخ الكروش على نعوشهم؟
من خلال لعبتهم، التدليس، والنفاق، وتزييف الحقائق. فيصبح الاختلاف السياسي والمظاهرات أو التمرد يوم 30 يونيو فرصة للتكفير ودعوة للشباب للجهاد ضد الكفار المتمردين، كما يقول محمد عبد المقصود الشيخ المهاجر من ضيق السلفية وشحها إلى رحابة الفتة والمشويات في كرش الزغلول الكبير. يحب كرش عبدالمقصود دماء المتظاهرين السلميين الكفار العلمانيين والرافضة الشيعة.
أما علي السالوس ومحمد حسان، فكروشهما لا تكفيها هذه الأمور التافهة، وهم مستعدون للتلاعب بآيات الله، والمصطلحات الفقهية بحيث يتحول «رد الفئة الباغية» إلى «جهاد في سبيل الله»، وبحيث يتحول الصراع في سوريا لا بين شعب يحلم بدولة آمنة ديمقراطية متعددة الهوية والعرقيات، بل صراع بين فئتين سنة وشيعة رافضة، والنصر بالنسبة لحسان والسالوس لا يتحقق إلا بالذبح والنحر، وإبادة كل الرافضة الشيعة ورفض الحوار معهم ومنعهم من دخول البلاد.
يخاطب حسان والسالوس المواطن الجالس بلا كهرباء ولا ماء، يعددون فضائل وخيرات سوريا، ثم يدعونه إلى الجهاد، فإما الشهادة وإما الغنائم من خيرات الشام.
ومثلما ارتوت كروش شيوخ قبل ذلك بدماء الشباب المصري الذي تم إلقاؤه في الجحيم الأفغانى الذي كان حلالا وقت الجهاد ضد السوفيت وحرامًا الآن ضد الأمريكان، تنتظر كروش الشيوخ في تكية خيرت بيه الشاطر (هيئة الحقوق والإصلاح) النعوش التي ستأتى من سوريا وتروي وتملأ كروشهم. لن يتحرك أحد منهم بل سيدعون للجهاد من القاعات المكيفة في فنادق القاهرة كيهود موسى حينما قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فلدينا كروش نحتاج لملئها بالدماء والنعوش.
ورغم أنهم في السلطة ورئيسهم المنتخب كان حاضراً، ومجلس الشورى في يدهم. فهم لن يختاروا الطريق العلنية. لن ينادوا بخطة معلنة لتدريب الشباب أو تأمينهم أو حتى مشاركة القوات المسلحة المصرية فيما طالب به الرئيس مرسي من فرض لحظر طيران. بالطبع لا، للشيوخ طرق ملتوية أكثر تعبر عن نفسها ببجاحة حينما يهاجم الشيوخ الغرب الكافر والملحد وفي الوقت ذاته يطالبونه بأن يقف بجوارهم ويدعم السنة في سوريا ضد الرافضة الكافرين!
  أما هم فهم قاعدون على مؤخراتهم التي تأخذ يوماً بعد يوم شكل مقاعد مهرجى السلطان، ينتظرون الشباب الصغير ويرتبون طرق شحنه إلى سوريا في معركة بلا تدريب ولا تأمين ولا يعلم الهدف منها ليموت ويعود في نعش يغذي كرش الشيخ الجالس يسبح بحمد الرئيس في ظل خيرات الشاطر.