ورد الوردوش: رسالة الخروج من السجن

كتبت هذه التدوينة مباشر بعد الخروج من السجن، ونشرت لأول مرة على صفحة “وسع خيالك” وصفحة “ضد محاكمة الخيال” بتاريخ 24 ديسمبر 2016

صباح الخير، وورد الوردوش على الجميع..‏

بعد أكثر من 300 يوم من العزلة عن العالم الخارجي والانترنت الحبيب، يدور المكن ببطء ‏في محاولة لاستيعاب ما يحدث في العالم وإيقاع اللحظة حتى أكون قَادراً على التحدث بما ‏يمكن فهمه، لذلك عذراً على التأخر في الكتابة.

‏ لا أزال في المرَاحل الأولى لاستيعاب ما حدث وكل رسائل الحب والتضامن التى فاقت كل ‏توقعاتى ولم أكن أعلم عنها شيئاً طوال فترة السجن حيث كان يتم حجب هذه الرسائل لذلك لا ‏أزال في صدمة استيعاب كل ما كان يدور بالخارجِ طوال عشرة شهور مضت ومعرفة كل ما ‏فعلتوه. الموضوع مُذهل خصُوصاً بالنسبة لشخص غير اجتمَاعى مثلي، ولا مُثقف تنويري. ‏كل ما حدث وما يحدث من حُبكم يبدو مُفاجأة مُتجددة أحتاج لوقت طويل لاستيعَابها. أدين لكل ‏هذه الرسائل بالطاقةِ والدفء التى كانت أفضل عون للاستمرار والتماسك والقدرة على ‏ممارسة وتجاوز التجربة.‏

أدرك أيضاً أن الكثير من هذا التضامن ليس لشخصي الضعيف ولا لـ #استخدام_الحياة بل ‏يأتى من أفراد يهمهم أن يكونوا في مُجتمع صحى أكثر بحد أدنى من سقف لحرية الرأى ‏والتعبير. من أخرين لديهم هذا الشغف بالأدب وبالايمان بأخوته العابرة للحدود القومية ‏والأعراق الجنسية. وأنا لم أكن أتخيل أن يكون عدد أفراد الفئات سابقة الذكر بمثل هذا العدد ‏وهذا الاهتمام والحماس للتعبير عن أنفسهم، وعن ما نحب. فشكراً لهؤلاء الذين لا أعرفهم ‏لأنهم فتحوا عينى عل عالم كنت أظنه في هشَاشةِ الزجاج بينما أتضح أنه في قوة الماء.‏

الشكر بالتأكيد في القلب من كل ذلك لفريق المحامين الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعي، خالد ‏على، ياسمين حسام الدين، محمود عثمان وكل فريق عمل موسسة حرية الفكر والتعبير. إلي ‏جانب كل الأساتذة والزملاء الذين حضروا معانا جلسات الاستشكال المتعددة. أدين للجهد ‏القانونى والصبر وتكاتف جهود الجميع بخروجى الآن وكتابة هذا.‏

الزملاء الكتاب سواء في مصر أو الدول العربية، على عهد المقاومة والمرواغة وسعيد بأنى ‏جزء من هذه الفيسفَاءالمُتنَاقضة المُتنافرة الشَاردة وسط خرابات الشرق الأوسط الكبير، وفي ‏زمن عودة الانحطاط القومى الغربي مُدججاً بقوة سخَافة الديمقراطية فأخوة الكُتاب مُمتدة ‏ومتمَاسكة، وسعادتى لا توصف برسائل التضامن والمحبة التى وصلتنى بشكل خاص من ‏كتابي المفضلين وبعضهم كانت أعمالهم اللذة الوحيدة المتاحة في السجنِ، والبعض الآخر ‏قرأت لأول مرة له أيضاً داخل السجن.‏

أما مفاجأة العام فقد كانت هذه التيار من السياسيين والبرلمانيين المصريين الذين أظهروا ‏انحيازهم للدستور أولاً الذي أقسموا عليه، ولتعزيز حرية الرأى والتعبير من خلال تغيير ‏القوانين المعوقة لحرية الرأى والتعبير أو التى توقع عقوبات سَالبة للحرية على النشر أو ‏التعبير الفنى مما يحمل تناقض صريح مع الدستور. صحيح أن جهود هؤلاء لا تزال جزء من ‏عملية الشد والجذب في حلبةِ الصراع اللاسياسي في مصرنا الحنونة. لكن شهدنا زمن يكون ‏فيه البرلمان هو المبَادر بتغيير العقوبات السَالبة للحريةِ في جرائم النشر والعلانية بينما ‏تعترض الحكومة. وهى خطوة أولى على طريق طويل.

بشكل شخصي أوجه الشكر للنواب ‏أحمد سعيد، ود.نادية هنري على مبادرتهم بتقديم مقترح لتغيير العقوبة السالبة للحرية في مادة ‏خدش الحياء بما يتماشي مع الدستور وعلى التكاتف والتأييد الذي أبداه عدد من النواب ‏أبرزهم أعضاء حزب المصريين الأحرار. وخارج البرلمان كان التكاتف والاهتمام من جانب ‏عدد من الأحزاب السياسية دليل آخر أنه حتى وسط وحش التضخم الذي نهوى جميعاً داخل ‏أحشاءه لا نزال قادرين على التفكير في حقوقنا الطبيعية.‏

أيام السجن بصراصيرها وعرقها وبردها ومهانتها. لم أكن بقادرٍ على تحملها ‏وتخطيها إلا بسبب رفقة الزملاء المساجين، وبشكل خاص زملاء عنبر 4-2 بسجن الزراعة، ‏والسادة البكايتة والدباديب من كل الجنسيات الأفريقية واللاتينية والعربية في عنبر 1-2. ‏وأمنيتى للجميع أن يأتى الغد بتعديل أكثر انسانية لقوانين الحبس الاحتياطى بحيث لا يكون ‏عدد مرتدى الأبيض في السجون أكثر من مرتدى الأزرق.‏

الزملاء الصحفيين والإعلاميين. شكراً على المتابعة والاهتمام والتغطية. لدي ظروف صحية، ‏والتزامات عائلة تحتل الآن ولأيام قَادمة الجزء الأكبر من وقتى إلي جانب عدم وجودى داخل ‏القاهرة. فقدت خط هاتفي لكن سأحاول الحصول على رقم جديد في أقرب وقت. ليس لدى ما ‏أضيفه أو أرغب في التعليق عليه في الوقت الحالي، والأولوية للالتزامات العائلية الآن، ‏أعتذر عن عدم قدرتى على تلبية أى دعوات لإجراء أى أحاديث أو تصريحات في الوقت ‏الحالي حتى نرفع المكن ونزيت الماتور وأفهم ما الذي يحدث يدور في الكون الذي يدور، ‏شكراً لاهتمامكم وتفهمكم.‏

الأصدقاء والصحاب والأحباب نفر نفراية وفرد فردايه، في سويداء القلب ومحبة موصولة ‏دائماً وليالينا قادمة وكلام وأحضان كتير في انتظارنا.

أخيراً، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال هناك جلسة مصيرية يوم الأحد بعد القادم أمام محكمة ‏النقض. تضامنكم وحبكم حتى نتجاوز تلك الخطوة الأخيرة بكل الخير وبسعادة.‏

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fahnajeahmed%2Fposts%2F948574795273674&width=500

تيريسا بيبِه: “الأدب” يُحاكم في مصر

نشر هذا المقال في مدى مصر بتاريخ 11 ديسمبر2015

في أغسطس 2014، وجد مواطن مصري يدعى هاني صالح توفيق مصادفة العدد رقم 1097 من جريدة أخبار الأدب الأسبوعية. أثناء قراءته لصفحات قسم “إبداع”، قال إنه أصيب باضطراب في ضربات القلب، وانخفاض في ضغط الدم، وتعرض لوعكة صحية شديدة. ذهب توفيق إلى المحكمة وقدم بلاغًا ضد كل من صاحب النص، الروائي والصحفي المصري أحمد ناجي، ورئيس تحرير أخبار الأدب طارق الطاهر لنشره “مقالاً جنسياً” أصابه بأضرار ليست فقط صحية وأخلاقية، ولكنه قال إن المقال يُسيء للأخلاق والآداب العامة.

النص الذي أحدث كل هذا هو فصل من رواية “استخدام الحياة“، أحدث أعمال ناجي (دار التنوير – 2014). وهو يحتوى أوصافًا جنسية صريحة- كما هو الحال مع الكثير من الأعمال الأدبية العربية (انظر كتاب “الحب والجنسانية في الأدب العربي الحديث”، 1994).

في 14 نوفمبر، ذهب ناجي وطاهر ليدافعا عن نفسيهما وعن الرواية أمام محكمة الجنايات. (وسيمثلان مجدداً أمام المحكمة غدا السبت الموافق 12 ديسمبر). يواجه المؤلف ما يصل إلى سنتين من الحبس أو غرامة تصل إلى 10 آلاف جنيه إذا وجد مُذنِباً، إذ تقع التهمة تحت طائلة المادة 187 من قانون العقوبات، والتي تتحدث عن حماية الآداب العامة. الطاهر أيضًا متهم لإهماله مسؤولياته كرئيس تحرير أخبار الأدب، حيث قال للنيابة إنه لم يقرأ الفصل قبل أن يسمح بنشره.

كتب ناجي على حساب فيسبوك الخاص به أن الاتهام الموجه إليه يعد النص المنشور مقالاً، وليس جزءاً من رواية، والتي هي بطبيعة الحال عمل أدبي. لم يُفهَم الفرق بين “الصحافة” (المفترض أنها تستند إلى أحداث حقيقية) و”الرواية” (المعتمدة في الأساس على الخيال). لذا وجدت النيابة أن أفكار بطل الرواية “باسم بهجت” وسلوكياته، المُضِرة بالأخلاق العامة، تعود في الواقع على المؤلف نفسه.

يُسرَد الفصل في الواقع بضمير المتكلم؛ يحكي عن يوم عادي من حياة باسم (23عامًا) في القاهرة، المدينة المُنفِّرة، التي لا تنام، بل يتمدد نشاطها وتنفث بحركة غير عادية. يجد باسم عزاءه وسط أصدقائه، فمعهم يقضي الليل في تدخين الحشيش، شرب الكحول، الاستماع إلى الموسيقى والحديث عن الجنس. تبدو هذه المجموعة من الأصدقاء هي الشيء الوحيد الذي أعطته إياه هذه المدينة. يقضي باسم اليوم التالي في جزيرة الزمالك، الحي الأكثر هدوءًا وخُضرة، مع حبيبته السيدة “ملعقة”، كما يحب أن يدعوها بسبب الأقراط التي ترتديها. تُوصَف بأنها مسيحية مصرية، تعلمت في الخارج وتكبره بتسع سنوات، وقد قررت أن تعيش الباقي من حياتها في مصر، ولكنها لم تعد تُرجِح احتمالية أن تكون هناك علاقة بينها وبين رجال من عمرها. تبدو جزيرة الزمالك والراحة التي يشعر بها في منزل حبيبته ملاذاً في مدينة غير مستقرة. يتوَّج الفصل بوصف مشهدي وشعري لممارستهما الجنسية. وينتهي بباسم محاطًا من جديد بأصدقائه، محدّقين في الغروب من على قمة جبل المقطم.

مُستخدِماً لغة القرن التاسع عشر ومصطلحاته، يصف وكيل النيابة الفصل بأنه “مادة شهوانية” ويتهم ناجي باستخدام عقله وقلمه لـ”أغراض خبيثة تنتهك حرمة الآداب العامة”، متجاهلًا حقيقة أن الرقابة المصرية سمحت بدخول الرواية إلى مصر، عند استيرادها بعدما طبعتها دار التنوير في لبنان.

رواية ناجي ليست الكتاب المصري الأول الذي يذهب إلى المحكمة لنشره أموراً “لاأخلاقية”. ففي 2008، حدثت تجربة مشابهة لذلك مع مجدي الشافعي بعد نشر روايته المصورة “مترو“. وقد غُرِّم المؤلف وناشره خمسة آلاف جنيه، وصودِرت “مترو” ومنعت من النشر حتى قبل سنتين من وقتنا.

****

ولكن أخبار محاكمة ناجي ذكرتني لحظة سماعها بقصة محاكمة المؤلفة اللبنانية “ليلى بعلبكي” عام 1964، وهي موجودة بالكامل في كتاب “نساء شرق أوسطيات يتحدثن” (1977). مثل ناجي، اتهمت بعلبكي بنشرها محتوى جنسياً صريحاً في كتابها “سفينة حنان إلى القمر” (1964). وُجِه إليها السؤال حول عبارتين: “كان يستلقي على مؤخرته، أخذ بيدي ووضعها على صدره، ثم تنقل بيده على بطني، لعق أذنيّ، ثم شفتيّ، أحاط جسده بي كلياً، استلقى فوقي وهمس وهو في نشوة أنني نضرة، ناعمة لدرجة خطيرة. وأنه لهذا، افتقدني كثيرًا.”

مثل حالة ناجي، كانت رواية بعلبكي قد نشرت قبل ذلك بتسعة أشهر، بعد أن حصلت على تصريح قانوني بطبعها ونشرها. وقد صودر الكتاب بعد هذا الاتهام (لا تزال رواية ناجي متاحة في المكتبات).

الرقابة

بعد ما يزيد عن 50 عام، يبدو تقرير محاكمة بعلبكي مكتوباً بلغة قانونية جافة، ولكنه ما زال يعطينا إشارات ويسلط الضوء على بعض المسائل الهامة المتعلقة بالأدب كممارسة، ومعنى الكتابة الروائية والرقابة. يُظهِر التقرير بعض النقاط التي يجب أن يشار إليها في الدفاع عن ناجي ككاتب، وفي الدفاع عن الأدب والإبداع عمومًا.

محامي الدفاع الخاص ببعلبكي، الذي أُشير إليه فقط بـ”سالم”، حصل على خطاب دعم من لجنة مفكرين لبنانيين معروفين، والذين طُلِب منهم قراءة الرواية وباقي أعمال بعلبكي قبل المحاكمة. قال سالم إن لجنة من هؤلاء سوف تكون قادرة بشكل أفضل منه على توضيح أن هذا العمل الذي يقع تحت المساءلة القانونية هو عمل أدبي؛ هدفه الارتقاء بالأدب عامة، وهو هدف بعيد بقدر ما يمكن عن إثارة الرغبة الجنسية لدى القاريء والإضرار بالأخلاق العامة. ومن بين النقاط التي أثارها المحامي واللجنة أثناء المحاكمة، واحدة تهتم بإيضاح دور الكُتاب وطبيعة الكتابة الأدبية:

أود أن أُذكِر المحكمة أن المدعى عليها هي كاتبة هامة. ماذا يمكن أن يكون الكاتب؟ هو الشخص الذي يحاول أن يتواصل بأفكاره/ا وعواطفه/ا مع الآخرين عن طريق الكلمات كوسيط. المؤلف/ة، أو الكاتب/ة، هو بمثابة الكاميرا، ولكنه/ا يصوّر الحياة بالكلمات، يخلق الصور بحيث يمكننا أن نرى أفكاره/ا ومشاعره/ا بوضوح.

في هذه الفقرة، يشرح المحامي أن كُتاب الأدب وُهِبوا حاسة خاصة تُمكِنهم من تفكيك الواقع المحيط وتصويره من أجل القراء. وعلى عكس الصحفي، الذي تعتمد كتابته على الحقيقة الواقعية والموثوق بها، يكتب الأدباء عن حقائق عاطفية وموضوعية مستندين إلى أفكارهم، ومشاعرهم، وعواطفهم.

في الفصل المنشور من “استخدام الحياة” والذي هو تحت التدقيق القضائي الآن، يبدو ناجي بعيدًا عن إعطائنا معلومات تفصيلية عن الشخصية؛ يركز على عواطف باسم ومشاعره عندما يتجول في المدينة. العلاقة الجنسية مصورة بطريقة واقعية، وهو أسلوب كتابة سائد في معظم الأدب العربي من بداية القرن العشرين. ناجي، تمامًا مثل بعلبكي، أعطى الأفعال والعواطف أسماء محددة ليُضفي واقعية على الفكرة التي يقدمها. قراءتي بيّنت لي أن الفقرة لم تكن تهدف لإثارة الرغبة الجنسية، ولكن لتُظهِر أن الجنسانية هنا تُمارس كملاذ آمن بعيداً عن المدينة الصاخبة الفوضوية، مدينة تميل لمحو إنسانيتنا. الجنسانية هنا تُمارس كفعل تحرر في مجتمع محاصر بالسلوكيات القمعية والمحافظة تجاه الجسد. هذا ما يؤكده باسم وهو يجتّر: “في هذه المدينة، محظوظون أولئك الذين يتخطّون مرحلة القمع الجنسي ويجدون أنفسهم في وضع يكون فيه الجنس مكوِناً صغيراً في علاقات الصداقة. غير ذلك، يصبح الجنس هاجساً.”

****

يبدو هنا أن ناجي لا يأمل أن يتحدث باسمه فقط، أو باسم شخصيته الخيالية، ولكنه يصوِّر حال قطاع كبير من الشباب المصري الذي يكافح في العاصمة من أجل البقاء. يعكس “باسم” حقيقة أنك لو نظرت إلى القاهرة سوف ترى “البشر يظهرون مثل نمل يبيع، يشتري، ويتبول بينما عجلة الإنتاج لا تتوقف أبدًا.” ولكنه بالوقوف على قدميه بين الزحام، يشعر وكأنه “فأر صغير تم الإيقاع به بين تروس عجلة الإنتاج”، غير قادر على الخروج من قفصه، ولا حتى إدراك نتائج تحركاته.

هذا الشعور بالتيه والاغتراب في المدينة والمجتمع عامة يظهر في أحيان كثيرة في النتاج الأدبي لناجي. فقد قُدِم في روايته السابقة “روجرز” (دار حروف، 2007)، والتي تحكي حياة بطل الرواية الشاب من خلال تقنية “الفلاش باك”، وتقدم أوصافاً للهلوسة التي يسببها الكحول والحشيش وكلمات ألبوم “بينك فلويد” (الحائط). نفس التيمة أيضًا موجودة في مدونته “وسع خيالك كأنك تلعب” والتي تحوي كتابات تنتمي لما يمكن تسميته “السيرة الروائية”. في هذه المدونة، يختار ناجي “إبليس” اسمًا متخيّلًا ليغري القراء بإطلاق خيالهم ومشاركته عالماً مأهولاً بسفن الفضاء والحيتان؛ حيث يجلس بجوار تروتسكي، وجوني كاش، والراقصة الشرقية المصرية سامية جمال. إنه أمر مثير للسخرية بشكل ما أن يختار ناجي هذا الاسم عنوانًا لمدونته، ثم يُدفَع به إلى المحكمة لأن عمله يُقرأ بوصفه تسجيلًا لحقائق.

يستمر محامي بعبلكي في عرض حجّته:

إنه من المهم للمحكمة أن تنظروا سعادتكم في الكتاب إجمالًا؛ بدلًا من اقتطاف عبارتين من العمل كنموذج دلالي أو شاهد على أنه قد يكون عملًا مضرّا بالأخلاق والآداب العامة.

يبدو هذا تكرارًا لمطالبة سانت أوغسطين المكتوبة قبل ما يزيد عن 1600 عام فيما يتعلق بالكتب المقدسة، والتي تشير إلى أن المعاني التي توجد في جزء من النص يجب أن تكون متسقة مع المعنى الموجود في باقي الأجزاء. بعبارة أخرى، يجب أن تُطَبق التأويلات والتفسيرات على النص بأكمله. وبالمثل، ناقش ريني ويليك وأوستين وارين في عملهما “نظرية الأدب” (1949)، فكرة أن العمل الأدبي “منظومة بالغة التعقيد تتشكل من طبقات عدة ذات معانٍ وعلاقات متعددة” تحتاج إلى تحليلها كُليًا.

بقراءة الرواية بأكملها، يفهم المرء أنها ليست عملًا عن الجنس وكيفية تناول المخدرات. “استخدام الحياة” هي عمل مركب من الرواية العادية والرواية المصورة، فهي تحتوي على النص السردي لناجي ورسوم لرسام الكاريكاتير المصري أيمن الزرقاني. فالقصة تدور حول شخصتين أساسيتين: باسم والقاهرة. باسم في صحبة مجموعة من أصدقائه، وجمعية “مخططو المدن السرية”، والتي تهدف إلى إحداث تحول راديكالي في معمار العاصمة. ومن بين أعدائه، نجد الكاتب ما بعد الحداثي إيهاب حسن، والساحر بابريكا، وهو الأمر الذي يُظهِر مرة أخرى أن الرواية تُقدِم شيئًا من السريالية، وفي الوقت نفسه تشتبك مع ثقافة “البوب”.

محامي بعلبكي يلخِّص دفاعه بقوله:

يجب أيضًا أن يُناقش مبدأ الآداب والأخلاق العامة، كما أن التشريع اللبناني لا يُعطي تعريفًا تفصيليًا لـ “الأخلاق العامة”، علاوة على أنها شيء قابل للتغيير والتطور تبعًا للزمن. فهي عرضة للتغيير والتطور تبعًا لزمن الكاتب.

خلال العام الماضي، قامت الحكومة المصرية باعتقالات وملاحقات قضائية لمثليين وشيعة وراقصات شرقيات تحت مسمى الدفاع عن “الأخلاق العامة”. وفي مناقشة أجرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في أغسطس 2015، أشار الباحث عمرو عزت إلى أن المناقشات التي تلي إلقاء القبض على هؤلاء المواطنين، تستخدم تعبير “الأخلاق العامة” استخدامًا متكررًا ولكن في الوقت نفسه بطريقة غامضة جدًا. حالة ناجي، مرة أخرى، تجلب الانتباه إلى المعنى المتناقض لهذه العبارة، في وقت تملأ المشاهد الجنسية والمواد الإباحية الإنترنت والتليفزيون، نجد أنه- في بعض الأوقات- ليس مسموحًا أن يوجد شيء مثل الذي تحدثنا عنه في عمل روائي. يمكن القول أن أي اتهام يشير إلى الأخلاق العامة يجب أن يُعرّف ما المقصود بـ”الأخلاقي” في الوقت الذي يعتدي فيه المسؤولون في الدولة على حقوق الإنسان الأساسية، ويضطهدون صحفيين، وفنانين، ونشطاء سياسيين، بل عموم جيل الشباب الذي قاد انتفاضة يناير 2011.

بُرِئت بعلبكي في النهاية، وعادت الكتب المصادرة إلى أصحابها، في ختام مسيرة قضائية شاقة. مع ذلك، اختفت بعلبكي تقريبًا من المشهد الأدبي، وفضّلت أن تمارس الصحافة بدلًا من ذلك. في الوقت الحالي، يُظهِر مؤلفون وكُتاب في العديد من الدول دعمهم لناجي عن طريق ما يكتبونه على مدوناتهم، وفيس بوك الخاص بهم، وفي مقالاتهم، كما يشاركون في الكتابة على هاشتاج #لماذا_يذهب_الكلام_للمحكمة لدعم الروائي أحمد ناجي.

لتفاصيل وقفة التضامن مع ناجي ومتابعة تطورات جلسة الأمس وباقي المحاكمة تابع صفحة “ضد محاكمة الخيال” https://www.facebook.com/EgyptArtOnTrial/وعلى تويتر @EgyptArtOnTrial

د.خالد فهمى: عن أحمد ناجى

نُشر على “فيسبوك” في ١٤ ديسمبر ٢٠١٥ تعقيبا على مقال كان قد كتبه حسن عبد الموجود في “مبتدأ” حول قضية أحمد ناجي

أنا متابع لهذه القضية عن قرب، ومتعاطف جداً مع ناجى ومعكم جميعاً، وأتفق معك على أن “شر البلية ما يضحك”. لكن لى تحفظ صغير يتعلق بتوصيفك لـ”المجتمعات الراقية”. أنا أعيش فى أحد تلك المجتمعات، وأعترف أن فيه قدراً كبيراً من الرقى، ولكنى أدرك جيداً أن مبدأ حرية الرأى فيه مهدد دائماً وأبداً، هناك ضمانات كثيرة، بالتأكيد، من نصوص قانونية، ومبادئ دستورية، ومؤسسات راسخة. لكن هناك أيضاً من يتربص بهذا المبدأ، مبدأ حرية الرأى، تارة باسم الدفاع عن الوطن ضد الإرهاب، وتارة باسم الحفاظ على تماسك المجتمع.

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

ولكن فى مقابل هذه الآراء المحافظة، هناك دائما وأبداً من هم مستعدون للدفاع عن هذا المبدأ، إدراكا منهم أنه “أى المبدأ” مهدد، وأن الضمانات الدستورية والقانونية لا معنى لها إلا إذا كان هناك من هو مستعد لخوض معركة الدفاع عنها.

ولكى أكون أكثر وضوحاً، أنا لا أرى ما يحدث فى قضية ناجى استثناء، بل هى حالة دالة لهشاشة مبدأ حرية الرأى ولضرورة الدفاع عنه.

الاختلاف الذى أراه بيننا وبين “المجتمعات الراقية” هو أننا لم نخض بعد المعركة المبدئية حول حرية الرأى، بمعنى أننا وبالرغم من كثرة القضايا والحالات التى تعرض فيها هذا المبدأ للتهديد على مدار القرن الماضى، إلا أن أنصار هذا المبدأ ما برحوا يدافعون عن هذا المبدأ بشكل سجالى “مثل: القوى الظلامية فى مواجهة التنوير”، وليس بالاشتباك الموضوعى مع القضية.

ما يجب علينا عمله هو خوض المعركة بشكل جدى، يجب علينا أن نجد إجابات مقنعة للأسئلة التالية: لماذا يجب الدفاع عن حرية الرأى؟ هل الموضوع يتعلق بحقوق شخصية “حق الفنان / الكاتب / الصحفى فى أن يقول ما يريد”، أم أنه يتعلق بحق المجتمع فى المعرفة؟ ما الفائدة التى ستعود على المجتمع من السماح بحرية الرأى دون قيود؟ ألن يؤدى هذا إلى الفرقة والارتباك؟ أليس من الأفضل الحفاظ على مقومات الأمة/ الوطن/ المجتمع؟ لماذا نعرض الناس للأذى والضرر نتيجة السماح لبعض الكتاب/ الفنانين/ الصحافيين، بأن ينتجوا كلاماً أو أعمالاً فنية فيها ما يؤذى الجمهور ويجرح شعورهم؟ كل المجتمعات ترسم خطوطاً حمراء لما هو مسموح وما هو غير مسموح. أين يقع هذا الخط الأحمر فى حالاتنا المصرية؟ بمعنى: أين الفاصل بين المسموح والمحظور؟ وكيف يُرسم هذا الخط؟ ومن الذى يقوم بذلك؟

نحن أمام موجة محافظة عاتية تشابه الفاشية إلى حد كبير. ولكن وبغض النظر عن التشبيهات، فإننى أفضل النظر للحظة الحالية بأنها لحظة فرصة على قدر ما هى لحظة تحدٍ، فرصة لبلورة آرائنا وتوضيح أفكارنا عن الكثير من القضايا التى فجرتها الثورة. وأعتقد أن قضية حرية الرأى من أهم هذه القضايا وأخطرها.

وأعتقد أيضا أن قضية ناجى، بالرغم من العبثية التى قد تبدو بها، قضية دالة ومحورية وتضعنا أمام تحد حقيقى: كيف يمكن الاستفادة منها ليس للرد على النيابة بل الهجوم على الفكر الرجعى، الذى يمثله وينوب عنه بتقديم منطق متماسك ومتزن وواثق من نفسه عن أهمية مبدأ حرية الرأى وضرورة الدفاع عنه، دائماً وأبداً.

—- —

نقلاً عن موقع د.خالد فهمى: http://khaledfahmy.org/ar/2015/12/14/%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%8A/

%d bloggers like this: