ألبير قصيري يحيا الآن

     تملكتني لذة مدنّسة، وأنا أعبث واقلب في أوراق وصُور ألبير قصيري التى وصلتنا من باريس من خلال ناشرته. رغم عدم قدرتي على القراءة بالفرنسية، فإن إحساس التلصص وانتهاك خصوصية واحد من كُتّابي المفضلين منحني مذاق الملذات المحرمة. كنتُ جالسًا مع لوسيان وديانا، في مكتبهما بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرةِ، أثناء إعدادنا لاحتفالية عشر سنوات على رحيل قصيري التي أقيمت ليومين في القاهرة. على بُعد خطوات منّا، تقع مكتبة جورج حنين الخاصة، والآن أمامنا ما تركه ألبير قُصيري بالغرفة الفندقية التي عاش فيها مجمل حياته. حقبة كاملة من الشِّعر والسرد والسخرية تحيط بنا، وشبح الفن والحرية يحلق فوقنا.

   المُقتنيات كانت دفَاتر يكتبُ فيها ملاحظاته. رسائل من ألبير، وأخرى موجهة إليه. دفتر يحتوي على ما يبدو وكأنه بداية لرواية جديدة. ومن بين المقتنيات، ظرف يحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية، غالبيتها مَطبوعة بأحجَام كبيرة. استعرضت مع لوسيان تلك الصور، بحثًا عن شخصيات نعرفها. غاب قصيري عن معظم تلك الصور، وإن حضر أصدقاؤه وأشخاص قرر لسبب ما الاحتفاظ بصورهم. بعض الصور ألصقت فوقها ورقة شفافة، وعلى تلك الورقة كان قُصيري بالقلمِ الرصَاص يُعيد رسم صور أصحابه، للدقة كان “يشف” هذه الصور، ثم يضيف للصورة أبعادًا أُخرى ويحذف ويضيف إليها. كأن تكون الصور لشخص يقف في فضاء منزلي، فيرسمه حتى وسطه، ثم يضيف للنصف السفلي تكوينًا آخر، ليخلق من الصور الجادة لأصدقائه ما يبدو كصورة أخرى غير مفهومة لنا. لكن فيها من الحميمية ما يجعلها أشبه بنكتة خاصة بين صديقين.

15726755_10154698645841405_3054464048610566890_n
قصيري في غرفته وسط كل متعلقاته

نكتة يائسة مثل كل نكتة، ذلك اليأس الذي يجعلك محتارًا بين البكاء أو الضحك على حالك. نكتة مريرة عمرها يقترب من القرن، ومحل إقامتها هو المدينة المصرية، التي تحمل أسماء مُتعددة، لكن جوهر علاقات القوة فيها ثابت. وروايات ألبير قصيري موضوعها بالأساس هو ذلك اليأس المثير للضحك والبكاء معًا، اليأس الذي ينذر دائمًا بثورة لا تأتي، وإن أتت فيسهل قهرها أو خداعها. وفي هذه المعركة الأبدية بين المتن والهامش، في المدينة المصرية التي تدعي التمدن والمعاصرة، يحيا أبطال روايات قصيري، يبحثون عن خلاصهم، أو وسائل تمكنهم أن يطفوا على أشلاء المعارك.

    يقدم لنا ألبير وصفًا لهذه المدينة في قصته “قتل الحلاق امرأته”، المنشورة لأول مرة بالعربية في العدد الأول من مجلة “التطور” -فبراير1940 بترجمةِ عن الفرنسيةِ لعلي كامل. كالعادة تعيش شخصيات قصيري في بيئات مُظلمة، يزدهر فيها الفقر وتسبح في محيط شَاسع من اليأس؛ ثورة مُحبطة لمجموعةِ من الكناسين، وشاويش يستعرض قوته على سكان الحي الشعبي الفقير، وطفل حافي القدمين لا يملك سوى جلباب خفيف في برد الشتاء ويحمل حزمة برسيم تحت إبطه ويحلم بخروف العيد.

    لكن الشر الحقيقي، وسبب كل هذا البؤس لدى قصيري –الثوري الشاب في ذلك الوقت- هو المدينة الأوروبية، التي يصفها بكلماته “أصبحت المدينة مرعبة على الأخص على امتداد شارعي فؤاد الأول وعماد الدين، فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تملكه مدينة متمدنة لإرهاق الناس ومضايقتهم، كانت هناك أماكن للتسلية لا طعم لها، وحانات يكلف المشروب فيها كثيرًا، وكابريهات ذوات راقصات تافهات وحوانيت وأماكن لبيع المصوغات وإعلانات كهربائية أيضًا. كان لا ينقص شيء من مظاهر الأعياد السعيدة، كان كل شيء يدفع إلى الضيق والملل“.

   تتغير الوجوه وأسماء الشوارع، شارع فؤاد يصبح شارع 26يوليو، لكن بلاهة تصنيع التمدن كما وصفها قصيري، نجدها تقطر من أسقف المولات الكونية، حيث أماكن التسلية التى لا طعم لها في ضاحية القاهرة الجديدة بتجمعاتها الخمس، ومدينة 6 أكتوبر، وامتدادات المدن الجديدة التي تُصنّع في الصحراء، بينما يغرق تعساء المدينة في الزحام الأبدي لشوارع وكباري القاهرة.

     قاهرة قصيري العام 1940، كانت تهرب من الفقر الناتج عن الفساد والاستغلال الطبقي، من الشقاء في أحيائها الشعبية، نحو مدينتها المتمدنة المشيدة على الطراز الأوروبي التي صارت وسط البلد. والآن حينما استنفذتها واستهلكتها السلطات المختلفة المتنوعة، ترحل بعاصمتها نحو مدينة متمدنة جديدة مُخلّفة المزيد من البؤساء، وطلاء جديد للمبانى التاريخية يجعلها أكثر إثارة للشفقة مثل مكياج رخيص.

قُصيري حي الآن. مُرشد أمين للمصري الملول، أو الحزين، وربما المهموم. قصيري جرس الإنذار على خطورة العنف وعلى تبريره كذلك.

13592699_10154198337031405_6436954291175889991_n

في العدد الثانى من مجلة “التطور”، سينشر ألبير قصيري، وبترجمة بديعة لعبد الحميد الحديدي، قصته “اضطرابات في مدرسة الشحاذين“. ينشأ خلاف فكري ويتحول إلى صراع ايدلوجى محتدم بين المعلم “أبو شوالي” الأستاذ بمدرسة تعليم الشحاذة، والأديب جاد، وأفكاره الحديثة القائمة على علم النفس حول فن الشحاذة. المعلم “أبو شوالى” سفير العنف وسؤال ضرورته، مبدأه الواقعية المجردة، ويعتمد على قيام الشحاذ بالامساك بخناق الزبائن والتشبث بملابسهم الثمينة والالتصاق بنوافذ سياراتهم المتوقفة عند إشارة المرور. ويتصف الشحاذون لدى “أبو شوالي” بأنهم “مخلوقات تتجمع فيها أفظع العاهات الجسمانية، غارقة في آلاف الأمراض المعدية التى لا تقبل الشفاء، مخلوقات بشرية تستطيع أن تبعث الرحمة في القلوب المتحجرة والضمائر الميتة، لا تبعث الرحمة فقط، بل تخيف أيضًا”.

أما الأديب جاد، الذي عبّر عن نظريته الجديدة في الشحاذة بينما كان جالسًا في “قعدة تحشيش”، فيرى أن سُكّان المدينة الجديدة لا يمكن الاعتماد على استدرار شفقتهم لأن هذه العاطفة قد اندثرت منذ زمن طويل، وحان الوقت لأن “يكف الفقراء عن التعلق بالوسائل التي تستدر الرحمة والشفقة، وليعتمدوا على الاستظراف الذي لم يستغله المتسولون بعد”.

أتذكر الآن هؤلاء الشباب الذي كانوا يقفون فوق الكباري بفرشاة طلاء ويطلبون من كل سيارة جنيهًا من أجل أن ننظف مصر، وهو ما طالب به الأديب جاد منذ ما يقرب القرن بأن تظهر “طبقة أخرى من الشحاذين، صغيرة السن تلبس الثوب النظيف وتظهر كدمى العيد الجميلة. فبهذا الهندام وبحركتهم اللطيفة يكتسب الغلمان حب الزبائن، الذين يجودون حينئذ بسخاء، إذ لا يعجب الإنسان الراضي أكثر من المنظر البهيج، ومما لا شك فيه أن من رقت قلوبهم من بلهاء الأحياء الأوروبية سيعجبون بهذه المناظر الحديثة إعجابًا شديدًا”.

سينشر قُصيري تلك القصص في مجموعة واحدة العام 1942 تحت عنوان “بَشَر نسيهم الله”. في هذه الفترة كان ابن حى الفجالة بالقاهرة، المولود العام 1913، يعج بالسخط الثورى لشباب جيل الحرب العالمية الثانية، ويقضي معظم الوقت في صحبة “جماعة الفن والحرية” وقائدها السياسي جورج حنين. يروى مجدى وهبة -أستاذ الأدب الانجليزى بعد ذلك- عن لقاء في العام 1942، عندما زار جورج حنين وكان يقيم في منزل والديه، حيث وجد عنده ألبير قصيري، رمسيس يونان، لطف الله سليمان وسلامة موسى. كان النقاش محتدماً. سلامة موسى يتحدث عن التنوير والسلام والحضارة المصرية واللغة العربية، بينما جورج حنين وجماعته يتحدثون عن الثورة المستمرة، وخيانة الاتجاه الثوري في الاتحاد السوفياتي، ونكوص أراجون عن السريالية ببقائه في الحزب الشيوعي الفرنسي، كما أبدى حنين اشمئزازه من كلام ستالين عن الموضوع القومى. ومبكرًا، سينسحب ألبير من هذه النقاشات لينتقل للعيش في فرنسا، لكنه سيستمر في الكتابة عن شخصيات يدفعها البؤس نحو مزيد من السخط على المجتمع، ينتظرون ثورة غير محددة الموعد. وحينما تأتى الثورة العام 1952، ستكون جماعة ألبير قصيري من أشد المتفائلين، حتى أن جورج حنين كتب في رسالة لهنرى كاليه أثناء أزمة مارس 1954: “نعم، صديقي العزيز، نحن لا نرفض شيئاً. الضوضاء والهيجان، الضجة والعاصفة، كلها هنا.. الأعصاب لم تستسلم بعد.. بالنسبة للمستقبل، فجَسور جداً من يعطيه اسمًا”.

    ألبير قصيري سيمنح مستقبل ثورة يوليو، اسمًا مناسبًا، بعد نصف قرن، في روايته “ألوان العار”، حينما يصفها بـ”طريق العمى وتوهم الكرامة”. والد أسامة، بطل الرواية، عامل مصنع فقد بصره في إضراب عمالي قبل الثورة، ومرّت السنون، ولا شيء تغيّر، فعاش أعمى في عزلة لا تقطعها إلا زيارات ولده التى يملأها بتخيل جنازة كريمة: “سيكون هناك رفقاء المصنع القدامى. أنا على يقين أنهم لم ينسوا أنني تلقيت ضربة الهراوة التي أفقدتني بصري أثناء كفاحنا المشترك. ولربما أيضًا أوفدت الحكومة الثورية واحدًا من وزرائها، أترى؟ لقد أعددتُ كل شيء حتى يتمّ دفني في لياقة وكرامة”.

Foucault_Bachelard.png
قصيري أثناء زيارته للقاهرة عام 1989

   سيصرح قصيري بعد ذلك، في حوار له، باشمئزازه من الطغاة، كما سيعترف بأنهم موجودون دومًا، وبالتالى من العبث محاربتهم. والأهم أن هذا لا يعني ألا نحب الحياة. “الحياة رائعة” سيقول لميشال ميتراني، وهو في التسعين من عمره، وللاستمتاع بروعة الحياة “يجب أن يكون الإنسان ذكيًا لكى يلاحظ بفرح هذا الاحتيال الذي يحيا به الطغاة، لكى يتناوله بسخرية بعدها“.

      يمنحنا أدب قُصيري الآن وجهة نظر قد تخفف من قسوة الواقع كما تفعل “الميمز” السياسية في “فايسبوك”، أو التعليقات الهزلية لرؤساء بعض الدول في “تويتر”. يمنح أدب قُصيري القارئ رؤية عدمية عن العالم، وهذا التعالي الذي يطرحه قصيري كوسيلة للتعامل مع العالم قد يبدو كما يحلو للبعض وصفه: كسلاً أو خمولاً. لكن، لنحذر، فالسخرية أو كما وصفها جورج حنين في مقال له: “الفكاهة السوداء” ليست “افيه” سريع الزوال، ولا نكتة غرضها التسلية.

      الفكاهة السوداء لدى قُصيري تنهض على سؤال رئيسي وهو الوجهة الفعلية لأي شيء. هل يتواجد هذا الشيء في مكانه الصحيح؟ وإذا كان مكانه، فبأي شرعية خُصص له هذا المكان؟

     السخرية عند قصيري لا تحترم التصنيفات المتفق عليها مُجتمعيًا. فهي، والنزعة المحافظة، لا يجتمعان. ولنحترس حتى لا تجرنا الفكاهة السوداء إلى المناطق العدمية الأكثر مجانية، بل يجب أن تدفعنا إلى عتبة واقع تغيّره جذريًا قضية لا تنازل عنها.

     الوصفة البسيطة لدى قُصيري: إذا نجحنا في السخرية من طغيان الأوغاد، بالشكل والقدر الكافي، فلن يخيفوا أحدًا، وبالتالي سيزولون. أما إذا لم ننجح في بلوغ هذا الأهداف، فعلى الأقل يمكن أن تتخيل شاطئًا ملغومًا، حيث سابحات خالبات الألباب، قد تعرض وجودهن دون أي اكتراث بالنتائج، وأن تحيا في غرفة مليئة بالأصدقاء، تعيد رسمهم من صورهم الفوتوغرافية.

Photo rare - Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery - Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart
Photo rare – Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery – Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart

عزيز بك ميلر وزوجته السيرالية ومراسلة الحروب

نشر مؤخراً خبر يشير إلي أن كيت وينسلت تستعد للقيام ببطولة فيلم روائي عن حياة مصورة الفوتوغرافيا الشهير “لى ميلر”. الفيلم واضح سيركز على دور ميلر كمصورة لمجلة الموضة والأزياء “فوج” أثناء الحرب العالمية، حيث عملت ميلر كمراسلة ومصورة عسكرية تغطى الحرب لمجلة الموضة.
لكن في جزء آخر قبل هذه المرحلة من حياة ميلر أنا شغوف به جدا. في بداية الثلاثينات كانت ميلر واحدة من أشهر عارضات الأزياء في أمريكا، شعرها الأشقر وملامح وجهها وجسدها في تلك الفترة شكلت نموذج الأنوثة ذات الجمال الشاحب في تلك الفترة، لكن يبدو بعد فترة من نعيم حياة الأضواء وصناعة الأزياء، قررت تسافر فرنسا علشان تتعلم فوتوغرافيا على يد “مان راى” المصور الفوتوغرافي وأحد رموز الحركة السيرالية في ذلك الوقت.
الحقيقة هى فرضت نفسها تقريباً على “مان راى” وتركت بعد كدا موضوع الموديلز، واتجهت إلي التصوير الفوتوغرافي. وأقامت أول معرض لها في باريس، ثم عادت لنيويورك وأسست استديو خاص بها. ثم بوووووووم
وقعت في الحب وألتقت برجل الأعمال المصري عزيز بك علوى، نار وفول بالزيت الحار. حبوا بعض وتزوجوا وراحوا قضوا شهر العسل في شلالات نياجرا كمان.
في هذا الأثناء زوجة عزيز بك علوى لم تتحمل الخبر واعتبرته إهانة شخصية، فاستخدمت مسدس زوجها وانتحرت.
الخبر كان مثار أحاديث النميمة في مجتمع القاهرة، وعزيز علوى ببرود يليق بأول من أدخل التكييف إلي مصر عاد للقاهرة ومعه زوجته الجديد “لى ميلر”
عزيز علوى كان مهندس ومدير لمصلحة السكة الحديد في فترة، رجل صناعة وأدخل عشرات التوكيلات التجارية لمصر أبرزها مثلا “يونيون آير” وهو أيضاً أول من أدخل التكييف لمصر، وأسس مصانع للصلب والحديد والكابلات النحاس.. لكن مع كل مشاغله كان راعى للفنون وصديق لمعظم أعضاء الحركة السيرالية المصرية واللى طبعا احتوت “لى ميلر”.
ميلر صورت مجموعة قليلة من الصور في مصر، لكن العجيب ان معظمها كانت الصور التى صنعت شهرتها كفنانة سيرالية، صورها كانت في أماكن غريبة جدا، بداية من أسيوط، المنيا، وحتى سيوة حيث صورت فيلم اسطورى قريت عنه كتير لكنى لم اشاهده اسمه تقريبا غرباء في الفضاء
علاقة عزيز بك بميلر فيها تفاصيل ملتوية وخاصة جدا، يعنى برونز واللى كان اصغر منها وعشيق لميلر، أتى في زيارة إلي مصر، وسافروا الاثنان في رحلة طويلة مع النيل. بعد كدا هم الاثنان غادروا القاهرة وعاشوا مع بعض فترة في انجلترا واوروبا وهى لسه زوجة لعزيز بك.
لما قامت الحرب، تغيرت حياة ميلر تماماً، لبست خوذة وتحولت لمراسلة حربية، التقطت عدد شهير من الصور الايقونية للحرب، أبرزها صورة النصر والتى كانت عبارة عن صورتها عارية وهى تستحم في بانيو حمام هتلر وذلك حينما أعلنوا سقوط برلين..
اكتشفت ميلر حملها من برونز، فعادت لنيويورك وطلبت الطلاق من عزيز بك، عاشت بقية حياتها بتعانى من اكتئاب شديد وإدمان على الأدوية المهدئة والكحول..
مرفق هنا عدد من صور لى ميلر المحببة لقلبي

آفاق الثقافة ومهمة الفن في الستينات: ‏ صناعة مصري المستقبل

كتتويج لإنجازات وتجربة واحد من أبناء ثورة ونظام يوليو الفنانين والمبدعين، خصصت وزارة الثقافة المصرية هيئة كاملة بعنوان فخيم هو “مركز الفيلم التجريبي” ليرأسه المخرج والفنان ومصمم الديكورات شادى عبد السلام.

رأس شادى عبد السلام مركز الفيلم التجريبي لمدة خمس سنوات بدأت منذ 1970، وخلال هذه المدة أنتج المركز أكثر من فيلم معظمها كانت من إخراج شادى عبد السلام ذاته. أي أن شادى كان يستغل منصبه في الوزارة لينتج أفلام يخرجها هو. في بعض النظم والمعايير القانونية يعتبر هذا الأمر شبهه أو دلالة على الفساد الإداري، لكن في المعايير المصرية يعتبر تقدير من جانب الدولة لواحد من فنانيها الذي نجحوا في انتزاع الاعتراف العالمى وفي تمثيل مصر بخير الصور والأشكال في المحافل الثقافية الدولية.

ولد شادى في 15 مارس 1930 بالإسكندرية، وتلقي تعليمه بين لندن والقاهرة والإسكندرية من المسرح حتى العمارة بكلية الفنون الجميلة. ليلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1956. وهى السنة التي كان فخوراً بشدة بيها وتحدث عنها في أكثر من سياق، ومثلت فرصة لابن البرجوازية المصرية بالالتقاء بفئات وطبقات مختلفة من الشعب المصري. شهدت هذا السنة أيضاً تألق المشروع الناصري، وإعلان انتصاره الذهبي وقدرته على تحدي عدوان من ثلاث دول بعدما أعلن عبد الناصر تأمين قناة السويس. نجيب محفوظ واحد من أقل المتحمسين لنظام عبد الناصر وصف إحساسه عام 1956 بعد انسحاب الدول المعتدية على مصر قائلاً: “شعرت أننا دولة عظمي”.

بدأت مسيرة شادى الفنية بعد ذلك بتصميم الملابس والرقصات، كانت البداية مع تصميم لبدلة رقص أعده لتحية كاريوكا، ثم عمل كمصمم للمناظر مع قائمة طويلة من المخرجين تبدأ من صلاح أبو سيف وحتى جوزيف مانكيفيتش في الفيلم الأمريكي “كليوبترا”، وروبرتو روسيلينى في فيلمه التسجيلي عن الحضارة القديمة (1967).

بينما يشق شادى مسار رحلته الخاصة، كانت الدولة في مصر تأمم المجال الفني بشكل كلى، ويشمل هذا تأميم شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة، وتأميم شركات التوزيع. بمعنى أن أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض أصبحت كلها في يد الدولة. أنشئت الدولة الجمهورية أيضاً “وزارة الثقافة والإرشاد القومى” التي تحولت بعد ذلك لتصبح “وزارة الثقافة” حيث غاب الإرشاد والتوجيه من الاسم لكنه حضر في أفعال وبرامج الوزارة.

داخل هذه البيئة طور شادى مشروعه الفني، الذي جاء ملتصقاً بالهوية الجماعية المصرية وامتداداً للسياسية الثقافية ومفاهيم التنوير السائدة في ذلك الزمن. اهتمام شادى بالملابس والديكورات وغيره من أشكال التعبير البصري جعله يدرك أن الملابس والديكورات ليست أشكال جمالية، بل تعبير عن تصورات عن الهوية وأفكار وقيم اجتماعية تشكل حياة الناس وعلى أساسها تشكل ملابسهم والبيوت التي يعيشون فيها.

في مقدمة الفيلم التسجيلي “الفرعون الأخير” والذي يوثق لتجربة شادى عبد السلام يقول شادى: ” منذ أن بدأت أعمل وأنا أعتقد أن لى قضية، قضيتى هي التاريخ الغائب أو المفقود الناس الذي نراهم في الشوارع والبيوت، في الحقول والمصانع، لهم تاريخ. هؤلاء الناس أغنوا الإنسانية، كيف نعيدهم للدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟ لا بد أولاً أن يعرفون من هم؟ وماذا كانوا؟ وماذا قدموا؟ لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان الغد…هذه هي قضيتى”.

  صورت ثورة يوليو نفسها، كعودة للوعى الغائب. فالثورة أتت بجمال عبد الناصر، أو رئيس مصري لمصر، كما كانت تتفاخر دعاية نظام يوليو بذلك. وفي سياق هذه البروبجندا فقد نهضت وزارة الثقافة والمثقفين العاملين فيها بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية، وجعلوا من أنفسهم كما يعلق بدر الديب في روايته إجازة تفرغ حراس على الهوية والفلكلور. في روايته البديعة التي تتناول قصة نحات يقرر اعتزال العمل الفني نهاية الستينات لعدم قدرته على الاندماج مع المؤسسات القائمة الفنية والثقافية حتى تنتهى عزلته بانتحار أمام البحر مع مقطوعتها النحتية التي عمل على إنجازها في عزلته، يقدم بدر الديب فكرة دالة على طبيعة الأدوار المنوط بها الجماعة الفنية والثقافية في هذه المرحلة قائلاً:

أنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقي ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القري أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سري وبعضها احصائي وبعضها يستحيل إلي مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.

ومنتقداً استنباط صور محددة الأطر عن الهوية من خلال حياة الناس ثم محاولة فرض تلك التصورات عليهم قائلاً: “لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروي الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهاراً أخري مهما فعلت. قد تعلم الناس أن يرقصوا كالقرود فإذا سحبت الطبلة والموزة عادوا إلي لعبهم الخاص الذي لا تستطيع أن تمسك به أو تتحكم فيه.” فهو يحددون ما هو الفلكلور المصري وما هي الهوية المصرية، وينقون هذا الفلكلور من فطريته أو مل يتعارض مع القيم التقدمية التي يروجون له، ثم يجعلون من أنفسهم حراساً على هذا الفلكلور.

فيلم آفاق لشادى عبد السلام، والذي يثمل توثيق لأنشطة وبرامج وزارة الثقافة، هو في جوهرة جزء من هذه البروبجندا الدعائية. ويمكن اعتباره بمثابة المشهد الختامي حيث بداية من السبعينات في عهد السادات ستشهد وزارة الثقافة تقلصات في ميزانيتها، وتحول في سياساتها التنويرية.

لذا فالفيلم يمكن اعتباره رؤية أحد كهنة التنوير والهوية المصرية شادى عبد السلام في 38 دقيقة من البروبجندا لجهاز الدولة الثقافي وآفاقه. يمكن الحديث في مقال آخر حول جوانب الصنعة والمهارة الفنية في الإخراج والتنفيذ وهذا التكلف المعتاد لدى شادى حتى وهو يصنع فيلماً “تسجيلياً”. لكن ما يهتم به هذه المقال هو الأفكار والقيم التي يروج لها الفيلم عن الهوية الثقافية المصرية، وكيف يعكسها في تيمات بصرية تحتشد في كل كادر من كادرات فيلم آفاق شادي. إلي جانب شهادات بعض الفنانين الذين يظهرون في الفيلم وطبيعة علاقتهم بشادي، والتي تكشف عن سيادة أنماط من الشللية والأخوية تقود عملية إنتاج مثل هذه الأفلام، وتعطينا لمحة عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية، والمسافة بين ذلك والقيم التي تحاول تقديمها والترويج لها.

المصري  يرتدى البدلة ويعزف الموسيقي السيمفونية

يفتتح شادى فيلمه على كادر لأوركسترا القاهرة السيمفونى بقيادة يوسف السيسي يتسع مع تصاعد إيقاع افتتاحية كارمينا بورانا لكارل أورف (Carl Orff). للأوبرا والموسيقي السيمفونى مكانة خاصة في الوعى المصري. دخلت الموسيقي السيمفونية الغربية مصر في القرن التاسع عشر، كأحد الفنون الغربية المفضلة للأسرة العلوية الحاكمة والنخبة الأجنبية البرجوازية في مصر. أثناء الاعداد لاحتفالات افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل الموسيقار الإيطالي فريدي بتأليف أوبرا عايدة لعرضها في حفل الافتتاح، لكن عملية تصميم الملابس والديكورات تأخرت –سيصبح التأخير صفة ملازمة لعمليات الإنتاج الفني والثقافي في مصر بعد ذلك–مما أضطر القائمين إلي الاستعانة بفرقة إيطاليا أخيرة لتقديم أوبرا ريجوليتو. وحينما كون نجم العهد الملكى في أفوله الأخير، سيكون حريق القاهرة والأوبرا الخديوية عام 1971هو تلويحة الوداع لحقبة كاملة. لكن شغف السلطة الحاكمة بالفنون الأوبراية المختلفة سيستمر حتى مع العهد الجمهوري. في 1963 وبكلمات صلاح جاهين شاعر النظام الأولى سيغنى عبد الحليم نجم الثورة ملخصاً البرنامج الثقافي لثورة يوليو “تماثيل رخام على الترعة، وأوبرا.. في كل قرية عربية”.

الأوبرا ليست للبرجوازية بل للجميع للفلاحين في القري، والنجوع. ولهذا حينما يفتتح شادي فيلم عن أنشطة وزارة الثقافة بمشهد للأوركسترا فكأنه يقدم إجابة بالصورة على حلم جاهين وعبد الحليم من عشر سنوات. وهو حلم في قلبه يحمل قدر من الندية في تصور مثقف الجمهورية عن ذاته كمثقف قادر على تذوق فنون الغرب الاستعماري، وأثبات مساواته أمام أصحاب الدم الأزرق الملكي في قدرته على تذوق الفنون الأوبراية وإنتاجها.

المصري فلاح يعيش في بيئة يعرف مقاييسها وأسرارها كهنة العمارة المصرية

المشهد التالي رمسيس ويصا واصف (1911- 1974) يتحرك داخل مدرسة الحرانية للنسيج. ويصا معماري مصري حصل على دبلوم الفنون من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، وشكل مع حسن فتحى مدرسة للعمارة المصرية اعتمدت على توظيف تقنيات البناء التقليدي، وعلى خطوط ما يعتبره معبراً عن الهوية المصرية. في الفيلم تستعرض كاميرا شادى عبد السلام بيوت كلها منحنيات مهندسة بدقة بالغة تحاول في يأس محاكاة الفطرية التلقائية في بيوت الفلاحين. ينعكس هذا على الخزف الذي يتراص في فراغات الجدران في مبانى مدرسة الحرانية.

أسس رمسيس ويصا، مدرسة الحرانية للحفاظ على صناعة النسيج اليدوى في مقابل زحف الماكينات الحديثة على الصناعة. دافعت النخبة الثقافية عن توجهات فنية ومعمارية كتوجهات ويصا وحسن فتحي لأسباب منبعها الأساسي الحفاظ على ما يعتبرونها ممثلاً للهوية المصرية. وهو ببساطة ما يتجسد في مشروع ويصا من خلق لبيئة مصنعة كنموذج محاكاة مثالي لما يتصورونه عن الريف، وتنمية احاسيس طبقية وقومية، وعكس هذه التصورات في منتجات صناعية تحمل هذه الرسائل وتحمل صفة الفن لمجرد كونها منتجها ضمن هذه المحاكاة. الفلاحون يجدون أنفسهم في قبضة مهندسين يريدون منهم أن يعملوا بأيديهم دفاعاً عن الصناعات التقليدية، لكن ما ينتجونها لن يتم عرضه والتعامل معه كمنتجات صناعية، بل كأعمال فنية سيروج لها المهندسون مضيفين عليها المزيد من الصفات تجعلها مؤهلة للعرض في الجاليرهات الفنية كنسخة لا يمكن تقليديها أو تكرارها بالتالي سيتم اعتباره فن مكانه الجاليري.

في أماكن كمدرسة الحرانية، كان يتم سلخ الحرف والصناعات الشعبية عن بيئتها، وتجميدها لإعادة إنتاجها تحت إشراف مهندسين وأوصياء كرمسيس ويصا ثم تصوير تلك العملية لإنتاج منتج ثالث كفيلم شادي هنا.

ما الذي يفعله محمد صبحي هنا؟ أنه صديق المخرج

مثل كل مؤسسات الدولة في هذا الوقت كانت المؤسسات الثقافية تمارس عملها بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية، ونظام المحاسبة الأساسي المتبع هو القائم على الرضا الأمني وعدم الانحراف عن الخطوط العام للسياسية الثقافة للدولة. وفي مثل هذا المناخ تتغلغل شبكات العلاقات الشخصية لعلاقات العمل، ويختفي الحد الفاصل بين تضارب المصالح. فمحمد صبحي الممثل والذي كان وقتها ممثلاً شاباً أعجب به شادى ورشحه لدور في فيلمه الذي لم ينفذ اخناتون. في شهادة لمحمد صبحى عن شادى عبد السلام قال أنه دعاه للتمثيل والظهور في فيلم آفاق لأنه علم أن صبحي على وشك الخطوبة فقرر أن يصور معه في الفيلم حتي تكون وسيلة ليمنحه أجر يساعده في اتمام خطبته.

أن مثل هذه الممارسات ليست من قبيل شبهات الفساد فقط، بل تعطينى فكرة عن الحالة البراجماتية التي تعامل بها شادى مع الفيلم، والمحاذير التي بدا واضحاً انه خضع له. ففي ذات الشهادة يقول محمد صبحي بأن شادى كان يحاول في البداية التملص من اخراج الفيلم، لأن فكرة أن ينتج فيلم بالأمر المباشر وليس نابعاً من رغبته لم تكن تروق له. لكنه تراجع بعد ذلك وأنتج الفيلم. في ذات الشهادة أيضاً يقول صبحي بأن شادى قام بتصوير مبنى الأوبرا بعد حرقه وأنه أراد أن يظهر فيلم آفاق الأوبرا التي يفتتح بها الفيلم في البداية بكامل جمالها وعملها، وأن يظهرها بعد الحريق لكن لأسباب رقابية لم يتمكن من وضع الجزء الذي صور فيه الأوبرا بعد احتراقها. فالأمر بالطبع لا يتماش مع فيلم عن البروبجندا الثقافية كما طلب من شادى.

الفنان روح هائمة تطل على العالم من مشربية عربية

شهدت فترة الستينات تغييرات جذرية في سوق الفن التشكيلي، فالتأميم وهجرة الأجانب من مصر أثرت على القدرات الاستهلاكية للطبقة البرجوازية المصرية، وتضاءل وجود الجاليرهات الخاصة التي تبيع الأعمال الفنية. وتأميم الدولة لذلك المجال شمل تأسيس قطاع الفنون التشكيلية، كجهة مشرفة على المتاحف الفنية، وإقامة المعارض، ورعاية الفنانين. أحد أدوات الوزارة في المجال الفني كانت منح التفرخ ومنح الإقامة. جري تخصيص عدد من المساحات والمبانى الأثرية كاستديوهات لبعض الفنانين. يظهر منهم في الفيلم، عز الدين نجيب، حامد ندا، عبد الوهاب مرسي، محمد نبيل، وآدم حنين. يبدو التجريد عنصر مشترك في معظم اللوحات التي تعرض في الفيلم لهؤلاء الفنانين. وهم يقيمون في قصر المسافر خانة (احترق بالكامل في عهد فاروق حسنى عام 1998).

في الجزء الأول من الفيلم يظهر حسن سليمان في مرسمه الخاص. المكان هو الأقل تنظيماً والأكثر تلقائية في كل الأماكن التي تظهر في الفيلم. يظهر في الكادر أرفف مكدسة بالكتب، وأشكال مختلفة من براد الشاي، مستنسخات للوحات عالمية، ولوحة تبرز فيها كتلتين واحدة قد تبدو ككتاب والآخري كوب. حسن سلمان يظهر في الكادر يرتدى الروب “دى شامبر”. مرتاحاً فيما يبدو كمنزلة، يتناول لعب ورقية كالأرجوز يحركها بيده بينما تحلق فوقه مراكب تحمل علم مصر.

يختتم الفيلم بقطع نحتيه لآدم حنين تنتصب في الصحراء، وآخر قطعة نراها منحوتة لجسد يظلل عينيه بيديه، يد كأنها تغطي العين اليسري واليد الأخيرة تصنع حجاب فوق كلتا العينين، ثم نشاهد طاقم العمل ينصرف باتجاه أتوبيس الإنتاج وظهره للكاميرا. ينصرف أتوبيس الإنتاج ويظل الكادر مفتوح على الصحراء حتى “تيتر” النهاية.

وسط ركام الإشارات وثقل البروبجندا الواضح في معظم كادرات الفيلم، إلا أن مشهد حسن سليمان والنهاية المفتوحة على تماثيل آدم حنين يبدوان كخروج مقصود عن مسار النوتة المرسومة للفيلم. مساحة خافتة يمنحها شادى لأصوات منحازة لعوالمها الخاصة وصوتها المنفرد. وسط ثقل الدولة وظل برنامجها الدعائي الجاثم على عناصر الفيلم. لكن الآمر ليس فقط أن شادى وغيره من الفنانين كانوا مضطرين للعمل في هذه البيئة. بل إن في حالة شادة كان هناك إيمان صادق بهذا المشروع، بقدرة الفن على حل أزمة هوية مجتمع كامل بل وكما يقول شادى أن “يصل بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر لنقدم إنسان الغد”. يمكن لشادى أو أي فنان أن يتصور ما يشاء عن قدرات فنه والغاية مما يقوم به. لكن شادى ظل مؤمناً بأن مهمة تقديم إنسان المستقبل منوط بها مؤسسات إنتاج الخطاب القومى والدولتى. هي ذاتها الدولة التي رفضت تمويل مشروع فيلمه الأخير الذي مات يحلم به اخناتون. وظل هو وفياً للعهد ولأفكاره رافضاً كل العروض الأجنبية التي قدمت  لإنتاج الفيلم، لأنه أراد للفيلم أن يكون مصرياً خالصاً وصك المصرية هنا تحمله الدولة المنوط بها الوصل بين إنسان الماضى وإنسان الحاضر.

كتتويج لإنجازات وتجربة واحد من أبناء ثورة ونظام يوليو الفنانين والمبدعين، خصصت وزارة الثقافة المصرية هيئة كاملة بعنوان فخيم هو “مركز الفيلم التجريبي” ليرأسه المخرج والفنان ومصمم الديكورات شادى عبد السلام.

رأس شادى عبد السلام مركز الفيلم التجريبي لمدة خمس سنوات بدأت منذ 1970، وخلال هذه المدة أنتج المركز أكثر من فيلم معظمها كانت من إخراج شادى عبد السلام ذاته. أي أن شادى كان يستغل منصبه في الوزارة لينتج أفلام يخرجها هو. في بعض النظم والمعايير القانونية يعتبر هذا الأمر شبهه أو دلالة على الفساد الإداري، لكن في المعايير المصرية يعتبر تقدير من جانب الدولة لواحد من فنانيها الذي نجحوا في انتزاع الاعتراف العالمى وفي تمثيل مصر بخير الصور والأشكال في المحافل الثقافية الدولية.

ولد شادى في 15 مارس 1930 بالإسكندرية، وتلقي تعليمه بين لندن والقاهرة والإسكندرية من المسرح حتى العمارة بكلية الفنون الجميلة. ليلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1956. وهى السنة التي كان فخوراً بشدة بيها وتحدث عنها في أكثر من سياق، ومثلت فرصة لابن البرجوازية المصرية بالالتقاء بفئات وطبقات مختلفة من الشعب المصري. شهدت هذا السنة أيضاً تألق المشروع الناصري، وإعلان انتصاره الذهبي وقدرته على تحدي عدوان من ثلاث دول بعدما أعلن عبد الناصر تأمين قناة السويس. نجيب محفوظ واحد من أقل المتحمسين لنظام عبد الناصر وصف إحساسه عام 1956 بعد انسحاب الدول المعتدية على مصر قائلاً: “شعرت أننا دولة عظمي”.

بدأت مسيرة شادى الفنية بعد ذلك بتصميم الملابس والرقصات، كانت البداية مع تصميم لبدلة رقص أعده لتحية كاريوكا، ثم عمل كمصمم للمناظر مع قائمة طويلة من المخرجين تبدأ من صلاح أبو سيف وحتى جوزيف مانكيفيتش في الفيلم الأمريكي “كليوبترا”، وروبرتو روسيلينى في فيلمه التسجيلي عن الحضارة القديمة (1967).

بينما يشق شادى مسار رحلته الخاصة، كانت الدولة في مصر تأمم المجال الفني بشكل كلى، ويشمل هذا تأميم شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة، وتأميم شركات التوزيع. بمعنى أن أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض أصبحت كلها في يد الدولة. أنشئت الدولة الجمهورية أيضاً “وزارة الثقافة والإرشاد القومى” التي تحولت بعد ذلك لتصبح “وزارة الثقافة” حيث غاب الإرشاد والتوجيه من الاسم لكنه حضر في أفعال وبرامج الوزارة.

داخل هذه البيئة طور شادى مشروعه الفني، الذي جاء ملتصقاً بالهوية الجماعية المصرية وامتداداً للسياسية الثقافية ومفاهيم التنوير السائدة في ذلك الزمن. اهتمام شادى بالملابس والديكورات وغيره من أشكال التعبير البصري جعله يدرك أن الملابس والديكورات ليست أشكال جمالية، بل تعبير عن تصورات عن الهوية وأفكار وقيم اجتماعية تشكل حياة الناس وعلى أساسها تشكل ملابسهم والبيوت التي يعيشون فيها.

في مقدمة الفيلم التسجيلي “الفرعون الأخير” والذي يوثق لتجربة شادى عبد السلام يقول شادى: ” منذ أن بدأت أعمل وأنا أعتقد أن لى قضية، قضيتى هي التاريخ الغائب أو المفقود الناس الذي نراهم في الشوارع والبيوت، في الحقول والمصانع، لهم تاريخ. هؤلاء الناس أغنوا الإنسانية، كيف نعيدهم للدور نفسه؟ كيف نستعيد مساهمتهم الإيجابية والقوية في الحياة؟ لا بد أولاً أن يعرفون من هم؟ وماذا كانوا؟ وماذا قدموا؟ لا بد أن نوصل بين إنسان اليوم وإنسان الأمس لنقدم إنسان الغد…هذه هي قضيتى”.

  صورت ثورة يوليو نفسها، كعودة للوعى الغائب. فالثورة أتت بجمال عبد الناصر، أو رئيس مصري لمصر، كما كانت تتفاخر دعاية نظام يوليو بذلك. وفي سياق هذه البروبجندا فقد نهضت وزارة الثقافة والمثقفين العاملين فيها بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية، وجعلوا من أنفسهم كما يعلق بدر الديب في روايته إجازة تفرغ حراس على الهوية والفلكلور. في روايته البديعة التي تتناول قصة نحات يقرر اعتزال العمل الفني نهاية الستينات لعدم قدرته على الاندماج مع المؤسسات القائمة الفنية والثقافية حتى تنتهى عزلته بانتحار أمام البحر مع مقطوعتها النحتية التي عمل على إنجازها في عزلته، يقدم بدر الديب فكرة دالة على طبيعة الأدوار المنوط بها الجماعة الفنية والثقافية في هذه المرحلة قائلاً:

أنهم أصبحوا يتحركون ويلعبون تماماً كما هو متوقع. وما أبشع ما كانوا يقولونه عن الفلكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة. كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس حتى لا تبقي ذرة من أجسامهم لم تتشبع. وعندما يعودون من القري أو المراكز ومن احتفالات المحافظين يكتبون التقارير، بعضها سري وبعضها احصائي وبعضها يستحيل إلي مقالات تفلسف الحركة وتضع المبادئ وكلها إصرار على الاشتراكية وعلى ثقافة المستقبل التي ستغمر البلد كما يغمرها نور السد.

ومنتقداً استنباط صور محددة الأطر عن الهوية من خلال حياة الناس ثم محاولة فرض تلك التصورات عليهم قائلاً: “لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروي الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهاراً أخري مهما فعلت. قد تعلم الناس أن يرقصوا كالقرود فإذا سحبت الطبلة والموزة عادوا إلي لعبهم الخاص الذي لا تستطيع أن تمسك به أو تتحكم فيه.” فهو يحددون ما هو الفلكلور المصري وما هي الهوية المصرية، وينقون هذا الفلكلور من فطريته أو مل يتعارض مع القيم التقدمية التي يروجون له، ثم يجعلون من أنفسهم حراساً على هذا الفلكلور.

فيلم آفاق لشادى عبد السلام، والذي يثمل توثيق لأنشطة وبرامج وزارة الثقافة، هو في جوهرة جزء من هذه البروبجندا الدعائية. ويمكن اعتباره بمثابة المشهد الختامي حيث بداية من السبعينات في عهد السادات ستشهد وزارة الثقافة تقلصات في ميزانيتها، وتحول في سياساتها التنويرية.

لذا فالفيلم يمكن اعتباره رؤية أحد كهنة التنوير والهوية المصرية شادى عبد السلام في 38 دقيقة من البروبجندا لجهاز الدولة الثقافي وآفاقه. يمكن الحديث في مقال آخر حول جوانب الصنعة والمهارة الفنية في الإخراج والتنفيذ وهذا التكلف المعتاد لدى شادى حتى وهو يصنع فيلماً “تسجيلياً”. لكن ما يهتم به هذه المقال هو الأفكار والقيم التي يروج لها الفيلم عن الهوية الثقافية المصرية، وكيف يعكسها في تيمات بصرية تحتشد في كل كادر من كادرات فيلم آفاق شادي. إلي جانب شهادات بعض الفنانين الذين يظهرون في الفيلم وطبيعة علاقتهم بشادي، والتي تكشف عن سيادة أنماط من الشللية والأخوية تقود عملية إنتاج مثل هذه الأفلام، وتعطينا لمحة عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية، والمسافة بين ذلك والقيم التي تحاول تقديمها والترويج لها.

المصري  يرتدى البدلة ويعزف الموسيقي السيمفونية

يفتتح شادى فيلمه على كادر لأوركسترا القاهرة السيمفونى بقيادة يوسف السيسي يتسع مع تصاعد إيقاع افتتاحية كارمينا بورانا لكارل أورف (Carl Orff). للأوبرا والموسيقي السيمفونى مكانة خاصة في الوعى المصري. دخلت الموسيقي السيمفونية الغربية مصر في القرن التاسع عشر، كأحد الفنون الغربية المفضلة للأسرة العلوية الحاكمة والنخبة الأجنبية البرجوازية في مصر. أثناء الاعداد لاحتفالات افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل الموسيقار الإيطالي فريدي بتأليف أوبرا عايدة لعرضها في حفل الافتتاح، لكن عملية تصميم الملابس والديكورات تأخرت –سيصبح التأخير صفة ملازمة لعمليات الإنتاج الفني والثقافي في مصر بعد ذلك–مما أضطر القائمين إلي الاستعانة بفرقة إيطاليا أخيرة لتقديم أوبرا ريجوليتو. وحينما كون نجم العهد الملكى في أفوله الأخير، سيكون حريق القاهرة والأوبرا الخديوية عام 1971هو تلويحة الوداع لحقبة كاملة. لكن شغف السلطة الحاكمة بالفنون الأوبراية المختلفة سيستمر حتى مع العهد الجمهوري. في 1963 وبكلمات صلاح جاهين شاعر النظام الأولى سيغنى عبد الحليم نجم الثورة ملخصاً البرنامج الثقافي لثورة يوليو “تماثيل رخام على الترعة، وأوبرا.. في كل قرية عربية”.

الأوبرا ليست للبرجوازية بل للجميع للفلاحين في القري، والنجوع. ولهذا حينما يفتتح شادي فيلم عن أنشطة وزارة الثقافة بمشهد للأوركسترا فكأنه يقدم إجابة بالصورة على حلم جاهين وعبد الحليم من عشر سنوات. وهو حلم في قلبه يحمل قدر من الندية في تصور مثقف الجمهورية عن ذاته كمثقف قادر على تذوق فنون الغرب الاستعماري، وأثبات مساواته أمام أصحاب الدم الأزرق الملكي في قدرته على تذوق الفنون الأوبراية وإنتاجها.

المصري فلاح يعيش في بيئة يعرف مقاييسها وأسرارها كهنة العمارة المصرية

المشهد التالي رمسيس ويصا واصف (1911- 1974) يتحرك داخل مدرسة الحرانية للنسيج. ويصا معماري مصري حصل على دبلوم الفنون من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، وشكل مع حسن فتحى مدرسة للعمارة المصرية اعتمدت على توظيف تقنيات البناء التقليدي، وعلى خطوط ما يعتبره معبراً عن الهوية المصرية. في الفيلم تستعرض كاميرا شادى عبد السلام بيوت كلها منحنيات مهندسة بدقة بالغة تحاول في يأس محاكاة الفطرية التلقائية في بيوت الفلاحين. ينعكس هذا على الخزف الذي يتراص في فراغات الجدران في مبانى مدرسة الحرانية.

أسس رمسيس ويصا، مدرسة الحرانية للحفاظ على صناعة النسيج اليدوى في مقابل زحف الماكينات الحديثة على الصناعة. دافعت النخبة الثقافية عن توجهات فنية ومعمارية كتوجهات ويصا وحسن فتحي لأسباب منبعها الأساسي الحفاظ على ما يعتبرونها ممثلاً للهوية المصرية. وهو ببساطة ما يتجسد في مشروع ويصا من خلق لبيئة مصنعة كنموذج محاكاة مثالي لما يتصورونه عن الريف، وتنمية احاسيس طبقية وقومية، وعكس هذه التصورات في منتجات صناعية تحمل هذه الرسائل وتحمل صفة الفن لمجرد كونها منتجها ضمن هذه المحاكاة. الفلاحون يجدون أنفسهم في قبضة مهندسين يريدون منهم أن يعملوا بأيديهم دفاعاً عن الصناعات التقليدية، لكن ما ينتجونها لن يتم عرضه والتعامل معه كمنتجات صناعية، بل كأعمال فنية سيروج لها المهندسون مضيفين عليها المزيد من الصفات تجعلها مؤهلة للعرض في الجاليرهات الفنية كنسخة لا يمكن تقليديها أو تكرارها بالتالي سيتم اعتباره فن مكانه الجاليري.

في أماكن كمدرسة الحرانية، كان يتم سلخ الحرف والصناعات الشعبية عن بيئتها، وتجميدها لإعادة إنتاجها تحت إشراف مهندسين وأوصياء كرمسيس ويصا ثم تصوير تلك العملية لإنتاج منتج ثالث كفيلم شادي هنا.

ما الذي يفعله محمد صبحي هنا؟ أنه صديق المخرج

مثل كل مؤسسات الدولة في هذا الوقت كانت المؤسسات الثقافية تمارس عملها بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية، ونظام المحاسبة الأساسي المتبع هو القائم على الرضا الأمني وعدم الانحراف عن الخطوط العام للسياسية الثقافة للدولة. وفي مثل هذا المناخ تتغلغل شبكات العلاقات الشخصية لعلاقات العمل، ويختفي الحد الفاصل بين تضارب المصالح. فمحمد صبحي الممثل والذي كان وقتها ممثلاً شاباً أعجب به شادى ورشحه لدور في فيلمه الذي لم ينفذ اخناتون. في شهادة لمحمد صبحى عن شادى عبد السلام قال أنه دعاه للتمثيل والظهور في فيلم آفاق لأنه علم أن صبحي على وشك الخطوبة فقرر أن يصور معه في الفيلم حتي تكون وسيلة ليمنحه أجر يساعده في اتمام خطبته.

أن مثل هذه الممارسات ليست من قبيل شبهات الفساد فقط، بل تعطينى فكرة عن الحالة البراجماتية التي تعامل بها شادى مع الفيلم، والمحاذير التي بدا واضحاً انه خضع له. ففي ذات الشهادة يقول محمد صبحي بأن شادى كان يحاول في البداية التملص من اخراج الفيلم، لأن فكرة أن ينتج فيلم بالأمر المباشر وليس نابعاً من رغبته لم تكن تروق له. لكنه تراجع بعد ذلك وأنتج الفيلم. في ذات الشهادة أيضاً يقول صبحي بأن شادى قام بتصوير مبنى الأوبرا بعد حرقه وأنه أراد أن يظهر فيلم آفاق الأوبرا التي يفتتح بها الفيلم في البداية بكامل جمالها وعملها، وأن يظهرها بعد الحريق لكن لأسباب رقابية لم يتمكن من وضع الجزء الذي صور فيه الأوبرا بعد احتراقها. فالأمر بالطبع لا يتماش مع فيلم عن البروبجندا الثقافية كما طلب من شادى.

الفنان روح هائمة تطل على العالم من مشربية عربية

شهدت فترة الستينات تغييرات جذرية في سوق الفن التشكيلي، فالتأميم وهجرة الأجانب من مصر أثرت على القدرات الاستهلاكية للطبقة البرجوازية المصرية، وتضاءل وجود الجاليرهات الخاصة التي تبيع الأعمال الفنية. وتأميم الدولة لذلك المجال شمل تأسيس قطاع الفنون التشكيلية، كجهة مشرفة على المتاحف الفنية، وإقامة المعارض، ورعاية الفنانين. أحد أدوات الوزارة في المجال الفني كانت منح التفرخ ومنح الإقامة. جري تخصيص عدد من المساحات والمبانى الأثرية كاستديوهات لبعض الفنانين. يظهر منهم في الفيلم، عز الدين نجيب، حامد ندا، عبد الوهاب مرسي، محمد نبيل، وآدم حنين. يبدو التجريد عنصر مشترك في معظم اللوحات التي تعرض في الفيلم لهؤلاء الفنانين. وهم يقيمون في قصر المسافر خانة (احترق بالكامل في عهد فاروق حسنى عام 1998).

في الجزء الأول من الفيلم يظهر حسن سليمان في مرسمه الخاص. المكان هو الأقل تنظيماً والأكثر تلقائية في كل الأماكن التي تظهر في الفيلم. يظهر في الكادر أرفف مكدسة بالكتب، وأشكال مختلفة من براد الشاي، مستنسخات للوحات عالمية، ولوحة تبرز فيها كتلتين واحدة قد تبدو ككتاب والآخري كوب. حسن سلمان يظهر في الكادر يرتدى الروب “دى شامبر”. مرتاحاً فيما يبدو كمنزلة، يتناول لعب ورقية كالأرجوز يحركها بيده بينما تحلق فوقه مراكب تحمل علم مصر.

يختتم الفيلم بقطع نحتيه لآدم حنين تنتصب في الصحراء، وآخر قطعة نراها منحوتة لجسد يظلل عينيه بيديه، يد كأنها تغطي العين اليسري واليد الأخيرة تصنع حجاب فوق كلتا العينين، ثم نشاهد طاقم العمل ينصرف باتجاه أتوبيس الإنتاج وظهره للكاميرا. ينصرف أتوبيس الإنتاج ويظل الكادر مفتوح على الصحراء حتى “تيتر” النهاية.

وسط ركام الإشارات وثقل البروبجندا الواضح في معظم كادرات الفيلم، إلا أن مشهد حسن سليمان والنهاية المفتوحة على تماثيل آدم حنين يبدوان كخروج مقصود عن مسار النوتة المرسومة للفيلم. مساحة خافتة يمنحها شادى لأصوات منحازة لعوالمها الخاصة وصوتها المنفرد. وسط ثقل الدولة وظل برنامجها الدعائي الجاثم على عناصر الفيلم. لكن الآمر ليس فقط أن شادى وغيره من الفنانين كانوا مضطرين للعمل في هذه البيئة. بل إن في حالة شادة كان هناك إيمان صادق بهذا المشروع، بقدرة الفن على حل أزمة هوية مجتمع كامل بل وكما يقول شادى أن “يصل بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر لنقدم إنسان الغد”. يمكن لشادى أو أي فنان أن يتصور ما يشاء عن قدرات فنه والغاية مما يقوم به. لكن شادى ظل مؤمناً بأن مهمة تقديم إنسان المستقبل منوط بها مؤسسات إنتاج الخطاب القومى والدولتى. هي ذاتها الدولة التي رفضت تمويل مشروع فيلمه الأخير الذي مات يحلم به اخناتون. وظل هو وفياً للعهد ولأفكاره رافضاً كل العروض الأجنبية التي قدمت  لإنتاج الفيلم، لأنه أراد للفيلم أن يكون مصرياً خالصاً وصك المصرية هنا تحمله الدولة المنوط بها الوصل بين إنسان الماضى وإنسان الحاضر.

سؤال عام 2016 هل السيرالية المصرية فرنسية أم عربية؟

نشرت في أخبار الأدب في يناير 2016

فجأة امتلأت الصفحات الثقافية المصرية بالمقالات التى تشيد وتثنى على ميراث الحركة السيرالية المصرية، بل وتؤكد على مصريتها وضرورة الاعتراف بهذا الميراث. مُبادرة لطيفة وإن أتت مُتأخرة ستين عاماً، وربما تكتمل لطافتها إذا أثمرت أى نوع من الاهتمام من جانب وزارة الثقافة المصرية بهذه الحركة وتراثها الذي كانت الوزارة أول من عمل على تهميشه ونبذة، بل ولدت  وزارة الثقافة المصرية في عهد الضباط الأحرار لأسباب كثيرة منها محاربة  استئصال تراث وأفكار الحركة السيرالية وتشريد مبدعيها وطمس تاريخهم، وهو ما نجحت الوزارة في فعله على مدار نصف قرن. فلم تكن السيرالية أبداً بالحركة الوطنية، دافع مبدعوها عن حرية الفرد وعن مفهوم عالمى للمواطنة، وحذروا من الفاشية التى هى ابنة المشاعر الفياضة للوطنية والدولة القومية، وكانوا كذلك جزء من المناخ المتنوع لغوياً وثقافياً وايدلوجياً التى عاشته مصر قبل يوليو 52، والذي لم يعد له مكان بعد ذلك في دولة الضباط الأحرار.

joyce-mansour-avec-andrc3a9-breton-circa-1960-dans-l-c3aele-de-la-citc3a9
جويس منصور وأندرية بريتون في باريس 1960

هذا الاهتمام بالسيرالية هذا العام هو نتاج للسباق والتنافس الذي انطلق بين مركز بامبيدو في باريس، وبينالي الشارقة في الامارات. حيث يتنافس الاثنان على تقدم تراث حركة السيرالية المصرية. المعرض الأول ينظمه سام بردويلي ويفتتح في سبتمبر القادم بمركز بامبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسية. وقد قضي بردويلي أكثر من ثلاث سنوات مع فريق من الباحثين لجمع تراث فنانى وكتاب وشعراء الحركة الموزع بين مصر وأوروبا.

المعرض الذي سعتبر الأضخم لم يكن بالامكان تنظيمه دون عرض لوحات رواد الحركة السيرالية والتى يقبع جزء كبير منها في مخازن وزارة الثقافية يعانى الاهمال والضياع. لهذا ففي نوفمبر الماضي زار وفد فرنسي وزير الثقافة حلمى النمنم والأخير وافق ببساطة وتلقائية شديدة على سفر الأعمال بصحبة المرممين وأطقم موظفي الوزارة دون أى مقابل مادى، أو اتفاق يفرض الشراكة المصرية أو الأقل يضمن إقامة المعرض في مصر.

 بعد العرض في باريس، يطوف معرض السيراليون المصريون أكثر من مدينة أوروبية دون أن يأتى للقاهرة. وستعود أعمالهم لتدخل مخازن الوزارة ويغطيها النسيان بينما ينسى الجميع صور الوزير مع الوفد الفرنسي واحتفاءه بالحركة والفن السيرالي.

** *

انتهت السيرالية مع صعود دولة يوليو، وفي مناخ فاشي أسست فيه الدولة وزارة الثقافة لم تنظر الوزارة بأى نوع من التقدير لأعمال السيراليين. أحد الحكايات التى توضح العلاقة التاريخية بين وزارة الثقافة والحركة السيرالية هى حكاية الفنان رمسيس يونان الذي أمام التضيق على المجال العام الذي مارسته دولة يوليو تقدم في أحد السنوات لنيل منحة التفرغ من قبل الوزارة. لجنة التحكيم التى كانت تضم عباس العقاد وأم كلثوم رأت أن أعمال رمسيس يونان التي كانت تعرض في أشهر قاعات العرض في باريس منذ الأربعينات ليست أعمال فنية، بل أن أم كلثوم قالت له أنه لا يجيد الرسم. وتمكن رمسيس يونان في النهاية من الحصول على المنحة كمترجم متقدماً بمشروع ترجمة لكتاب.

حينما توفيت بولا حنين حفيدة أحمد شوقي وزوجة جورج حنين، عرض الورثة التبرع بمكتبة جورج حنين في بداية الألفية لصالح الوزارة لكن لم يتلقوا أى رد، فتبرعوا بالمكتبة لصالح المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة حيث تقبع مكتبة مؤسسة الحركة في مقر المركز بالمنيرة حتي الآن.

مع الاهتمام العالمى باعادة تقديم السيرالية المصرية هذا العام، لم يتعد موقف وزارة الثقافة ومساهمتها سوى التقاط الصور التذكارية مع المسئولين الفرنسيين والاماراتيين الذي اتوا لعقد الاتفاقيات مع الوزارة.

** *

لكن وكالعادة انقذنا الرز. مؤسسة الشارقة التى تشق طريقها لتصبح أهم المؤسسات الفنية المعنية بالفن الحديث والمعاصر في المنطقة لا ينافسها حالياً سوى متحف الفن العربي الحديث في قطر، قررت الدخول إلي معترك البحث عن تراث السيرالية المصرية، واختارات لهذه المهمة السودانى د.صلاح محمد حسن مدير معهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل بأمريكا. والذي يعمل على إعداد وتجهيز معرض بعنوان “حين يصبح الفن حرية، السرياليون المصريون” والمقرر إقامته في مطلع عام 2017 في الشارقة، على أن يعرض جزء منه بعد ذلك في مصر.

الشارقة أيضاً وحينما حاولت تنظيم مؤتمر بحثي حول تاريخ الحركة السيرالية المصرية في نوفمبر الماضي، اتجهت للجامعة الأمريكية التى استضافت المؤتمر على مدار ثلاثة أيام.

لكن لماذا تهتم مؤسسة ثقافية إماراتية بإعادة الاعتبار لحركة فنية مصرية. الاجابة كانت في كلمة حور القاسمى مدير مؤسسة الشارقة للفنون التى أوضحت أن المؤتمر والمعرض جزء من مشروع ضخم تطلقها الشارقة لتوثيق الحركات الفنية العربية، وذلك كما أوضحت حور في كلمتها في نوفمبر الماضي بمؤتمر القاهرة: “كي نستطيع صياغة تصور لمستقبل أكثر غنى في منجزه الإبداعي وفي طاقته التعبيرية، مستقبل نتشارك جميعاً في رسم ملامحه، وفي إغناء وتعميق محتواه الإنساني، خارج المفاهيم والانتماءات الضيقة.”

** *

بالطبع لا مجال للانتماءات الجديدة في سوق الفن الذي تؤسسة دبي والدوحة الآن. فنظراً لصغر ومحدودية الأرشيف التاريخي والفني لهذه الدولة وحداثة مشاريع التنوير والحداثة فيها تسعى إلي تحويل متاحفها ومشاريعها الفنية إلي مستودعات تعكس أحياناً صورة افتراضية عن هوية عربية متخيلة، وأحياناً تتشبث بعالمية غير محددة المعالم.

في هذا الاطار وفي عالم السوق الحر ومادام حجا –وزارة الثقافة- ليس مهتماً بلحم ثوره فالافضل توجيه الثور لمن يعرف قيمته ويستطيع رعايته.

يتم تفريغ المتاحف المغلقة ومخازن الوزارة من كنوزها وتعرض للعالم في باريس ودبي والدوحة، والتراث المصري لا يجد مكاناً له في مصر، والوزير سعيد وفخور بالتقاط الصور مع الوفود الأجنبية، بينما الثقافة المصرية وتاريخها إلي ثور ونقطة صراع بين ممولين الثقافية الفرنسيين الذين يرغبون في نسبة تاريخ الحركة إلي الحقبة الاستعمارية الفرنسية وانجازاتها، وأخوة عرب يريدون نزعها من انتمائاتها الضيقة إلي فضاء عروبي مبتدع يغطون به على الثقب الاسود في هويتهم القومية. وفي هذا كله تقوم الوزارة فقط بدور أمين المخازن والسمسار الذي يوفر لصناع الفعاليات الثقافية العالمية والعربية الفرصة لاخراج هذا التراث من مصر وعرضه .