طرق لتجنب عذاب الجحيم

في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.

أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.

ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.

في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.

قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».

على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.

في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.

يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».

اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.

من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»

في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».

لماذا يكره المصريون الفراعنة ويحبون صورهم؟

كلما قرأت أو سمعت عن خبر كشف أثري جديد تقوم أو تشرف عليه الدولة، مُتمثلة في وزارة الآثار، يَقفز مرتطمًا في سقف مخي السؤال الذي يحيرني منذ سنوات طويلة:

لماذا تنفق الدولة المصرية كل هذه الأموال على «الفحت» والحفر وإخراج التماثيل من جوف الأرض وتصويرها وأرشفتها أحيانًا وأحيانًا أخرى لا، ثم تقوم بدفنها مرة أخرى داخل مخازن وزارة الثقافة والآثار؟

قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس.jpg
قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس

مخازن الآثار لمن لا يعرف هي عبارة عن مساحات شاسعة من الخرابات يتم تكويم التماثيل والقطع الأثرية فيها وتعيين حارس برتبة غفير لحراسة كل هذا، لا يسمح للجمهور العادى بزيارة تلك المخازن ولا يعرف الباحثون عنها شيئاً ولا توجد قاعدة بيانات موحدة عن طبيعة محتوياتها. تترك فيها الآثار حتى يطمرها النسيان أو حتى تجد ابن الحرام المناسب لسرقتها وتهريبها.

الإجابة التي توصلت إليها أن الأمر يتعلق برغبة وطموح المؤسسات العلمية والأكاديمية الغربية واليابانية التي تحتوي على كليات للدراسات المصرية، وبالتالي ترسل البعثات العلمية إلى هنا وبالتالي تجدها الوزارة فرصة للركوبِ في المصلحةِ والظهور أمام الإعلام المحلي في صورة «أنديانا جونز»وفاتح مغارة على بابا. وبعدما تخفت أضواء الكاميرات تساق الآثار لمخازن وزارة الثقافة. فالبلد الذي يتفاخر بأنه يمتلك ثلث آثار العالم لا يمتلك التمويل الكافي لرعَاية وصيَانة وعرض رُبع هذه الآثار.

جميع المشاريع التي تتعلق بالآثار المصرية الفرعونية من المتحف الكبير المزمع افتتاحه قريبًا و حتى   الاكتشاف  الأخير في المطرية جميعها تعتمد على التمويل الأجنبي، لذا فطبيعي أن تكون نظرة السلطة العامة في مصر للآثار الفرعونية أنها ليست إلا وسيلة للحصول على العملة المجانية، وهو موقف يشترك فيه قطاع كبير من المواطنين مع السلطة، وإن اختلفوا أحيانًا حول تقاسم الأرباح.

من أجل كل ما سبق، لم أفهم حتى الآن سر الجدل حول الصور المتعلقة بالكشف الأثري الأخير في منطقة المطرية. الوزارة من جهة فخورة بالاكتشَاف حيث يعلم كل تُجار الآثار أن المطرية تعوم على مدن قديمة كاملة، لكن الوزارة سعيدة بأن الخواجة الألمانى أكد هذه المعلومة. حتى الآن كل شيء جيد، لكن فجأة عبر جمهور الإنترنت عن صدمته من الصور، بل وصل الأمر إلى استجواب الوزير في البرلمان.

ما هو الصادم؟

لم أفهم حتى الآن.

قرأت تعليقات أن «اللودر» وبعض الآلات التي استخدمت في الحفر وظهرت في الصور كان وضعها مشينًا أو مهينًا أو خادشًا، وكأن عمليات الحفر والتنقيب والانتشال من المفترض أن تتم بمكعبات «اللوجو»، لأن شكلها سيكون أجمل على «إنستجرام». تعليقات أخرى أشارت إلى الفوضى وانعدام النظام في موقع التنقيب والاستهانة بالآثار وأهمية الاكتشاف.

لكن إذا كانت بضع معدات وفوضى في موقع تنقيب تمثل إهانة، فماذا عن الإهانة في قلب المتحف المصري بالتحرير حيث تُعرَض جثث رمسيس الثاني وحتشبسوت والرموز الذين بنوا هذه الدولة القديمة وصنعوا أبرز الآثار الباقية لهذا التاريخ. جثثهم عارية معروضة بلا أي قيمة علمية. فقط إهانة وتحقير مُتعمد لجثثِ الملوك بحشرهم في تلك الغرفة التي تحمل لافتة «غرفة المومياوات».

ورغم أن التصوير ممنوع في تلك الغرفة، لكن ورقة بخمسين جنيهًا للحارس الجالس في الغرفة سيسمح لك بأخذ سيلفي مع جثة رمسيس الثاني باعتباره فرعون موسى وسيؤكد معلوماته «انظر إلى عظامه ستجدها بيضاء من أثر المياه بالملح، لأنه مات غريقًا»، أيضًا سيسمح لك بأخذ السيلفي مع جثة الملكة حتشبسوت باعتبارها «زليخة التي أغوت سيدنا يوسف». وفجأة وسط الهذيان والسياح العرب الذين يبحثون عن تأكيدات للخرافات الإسرائيلية عن الحضارة المصرية ستسأل نفسك، هل حقاً أنت وهذا الحارس والقائمون على هذا المكان وهذه الوزارة وهذا البلد لديهم أي علاقة بهؤلاء الملوك المعروضة جثثهم؟

هل حقًّا هم أجدادهم؟ وهل حقًّا يؤمن المصريون بأنهم فراعنة؟ وأن هناك رابطًا بينهم وبين هؤلاء المساخيط والكفار؟

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يقبل المصري المعاصر أن يعرض جثث أجداده خارج توابيتهم ومقابرهم؟ من أجل ورقة بخمسين جنيهًا؟ هل هوعيشالضباع فقط كما وصفه شادى عبد السلام في فيلم المومياء أم هناك جذر لمشكلة أعمق؟

ليس الأمر نتيجة للجهل أو الحاجة المادية، بل نمط وأسلوب خاص في التعامل مع الآثار الفرعونية لا يمكن أن نجده مثلاً مع الآثار الإسلامية. تخيل مثلاً أن تدخل متحف الفن الإسلامى لتجد غرفة بعنوان «غرفة الأولياء» تُعرض فيها جثث لعدد من الأولياء وحكام مصر في العصر الإسلامي وقد انتزعوا من مقابرهم ووضعوا في صناديق زجاجية للعرض العام. بالطبع يستحيل أن يحدث هذا لكن يكون هذا هو الطبيعي مع الآثار المصرية القديمة الفرعونية.

رع حر آختي يبارك مرنبتاح، الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني من مقبرته بوادي الملوك KV8.

جوهر المسألة هو انعكاس للأزمة الأزلية لدى الإنسان المصري المعاصر في هويته ونظرته لذاته.

من جهة هناك أمثال الشيخ السلفي الذي يرى في كل ما هو مصري فرعوني حضَارة نجسة وأصنامًا وحجارة، ومن الطرف الآخر هناك أمثال أستاذ الآثار المصرية الذي لا يقدم في كتابته إلا الفخر بالريادة والمنجزات القديمة دون أي جهد لربط حياة المصري المعاصر بهذا التراث. بل إن السياسة العامة للدولة تعزز هذا الانفصال المعرفي مع الحضارة والتاريخ الفرعونى. فحينما يتم التعامل مع منطقة كشارع المعز والقاهرة الفاطمية تتم تهيئة المكان بحيث يظل سكانه في مكان إقامتهم وعملهم حتى يصبح المكان حيًا يزوره الشباب ويصنعون مع المكان ذكريات وتاريخًا خاصًا امتدادًا لتاريخه العام، لكن حينما يتم ترميم طريق الكباش في الأقصر يتم تدمير منازل الناس وإبعادهم، وذات الأمر مع سكان منطقة نزلة السمان، حيث تم فصلهم عن الهرم بجدار عازل وبناء الأسوار حول الهرم لتترسخ عزلته.

هكذا يجب أن تكون علاقتك كمصري معاصر مع التاريخ الذي يفترض أن تنتسب له، تشاهده من بعيد وسور عالٍ يفصل بينك وبينه، تكرهه في سريرتك لأنهم كفار ولأنك تجهلهم، لكنك لا تعلن هذه الكراهية لأنهم يمكن أن يشكلوا مصدرًا للرزق والعملة الأجنبية. هم أيضًا يكملون كوكتيل الهوية الذي تلوّن به وجهك حينما تقابل الآخرين. مقابل الخراب وخواء الحاضر هم أيضًا هؤلاء الكفار الذين تتكسب من وراء عرض جثثهم وبيع أعضائهم مصدر فخرك الوحيد بين الأمم المتحضرة.

فأي ضبع أنت أيها المصري المعاصر، وأي واقع تتوقع أن تكون عليه حياتك، إذا كانت هذه نظرتك للماضي، وإذا استمررت في إصرارك على عدم النظر في المرآة.

ضبطية هانى شاكر

في الأصل، النقابات شرعت كشكل من أشكال التنظيم المدني للمجتمع وطوائفه. والغرض منها الارتقاء بمستوى ممارسي المهنة، وحمايتهم من توغل السلطة سواء كان سلطة صاحب رأس المال أو السلطة السياسية أو الدينية وحتى سلطة المجتمع. يحدث هذا في المجتمعات المفتوحة القوية والتي تستمد قوتها من تعددها، وتدرك أن محرك التقدم هو التنافس الصراع السلمى بين مكونات المجتمع، لا حشده تحت شعارات سلطوية من قبيل كلنا يد واحدة.

مثلما يضمحل المجال السياسي، ويكشف خواءه، ومثلما ينخفض يوماً بعد يوم سقف حرية الرأي والتعبير في مصر سواء على الانترنت أو حتى في الإعلام التلفزيونى، فحرية الإبداع يتم حصارها في تحالف بين وزير العدل سيادة المستشار الزند ورؤساء النقابات الفنية على رأسهم أشرف ذكى وأمير الأحزان هانى شاكر نقيب الموسيقيين.

jan von hollebn
فوتوغرافيا: jan von holleben

منح وزير العدل الضبطية القضائية للنقابات الفنية ومنها نقيب الموسيقيين هانى شاكرالذي أصبح يحمل الضبطية القضائية (هل هنأتم أخيكم هانى فقد صار ضابط). يعنى هذا أن الموكلين من نقابة المهن الموسيقية أصبح لهم سلطة مأمور الضبط القضائي، وحسب القانون فمأمور الضبط القضائي يحق له تقصي الجرائم ومرتكبيها وجمع الدلائل التي تلزم عملية التحقيق في الدعاوى والجرائم ويخضع كذلك لإشراف النائب العام، وله حق دخول جميع أماكن العمل وتفتيشها للتحقق من تطبيق أحكام القانون وفحص دفاتر الأوراق وطلب المستندات والبيانات من أصحاب الأعمال أو من ينوب عنهم.

الجزء الجيد في هذا الخبر أنك إذا أردت العمل في مجال الشرطة ولم تنجح في دخول معهد أمناء الشرطة، يمكنك الانضمام لمعهد الموسيقي، ثم الانضمام لنقابة الموسيقيين والعمل كأمين شرطة. بل وبرتبة أعلى من رتبة أمين الشرطة حيث سلطاتك أقرب لسلطات وكيل النيابة.

الجزء الكارثي من الخبر هو تحويل المؤسسات النقابية التي يفترض بها الدفاع عن أعضائها وصيانة وحماية حرية الإبداع،إلي جزء من السلطة التنفيذية والقضائية. تمتد الكارثة إلي أن سلطة هانى شاكر يمكن بسطها على كامل الأراضي المصرية وعلى كل أفرادها.

لإدراك سلطة هانى شاكر وما تعنيه. تخيل أنك بعدما تغربت وعملت وشقيت وأخيراً أكرمك الله ببنت الحلال وستحقق حلمك بعد طول انتظار لأن الحلال أجمل، وأخيراً ستتزوج وستقيم فرحاً بهيجا في مدينتك المحلية الإقليمية في محافظة الغربية على سبيل المثال. الآن والفرح مشتعل والأهل في فرح وسرور من حق هانى شاكر أو من ينوب عنه، أن يدخل الفرح ويطلب الاطلاع على كل أوراق الموسيقيين الموجودين على المسرح والتأكد من عضويتهم للنقابة، بل وإذا لم يعجبه الفرح ووجد فيه اسفاف فمن حقه القبض على الموسيقيين وسجنهم، وهدم الفرح عليك وعلى دماغ أهلك. لأن أمير الأحزان جنرال مملكة الدموع هانى شاكر يري أن الموسيقي التي ترقص عليها في فرحك إسفافا.

سيكون أمامك في هذه الحالة اختيارين إما أن ترضخ لسلطة هانى شاكر وعصبته، أو تدفع له أتاوة تشبع عينهم وتسكتهم وتجعلهم ينصرفون. الحل الثالث أن تستقدم هانى شاكر نفسه للغناء في فرحك. مثلما يفعل منتجو التلفزيون والسينما حيث يمنحون الأدوار في كل أعمالهم لأشرف ذكى نقيب نقيب الممثلين أو لزوجته أو أقربائه.

لكن إذا دعوت هانى شاكر للغناء في فرحة فسيكلفك الأمر الكثير من المال. فجنرال مملكة الدموع وملك البوتكس في الخدود بعدما كان يغرق في نهر الأحزان، أصبح نقيباً والكل الآن يقدم له فروض الولاء والطاعة، الرجل كذلك مشغول في لم الريالات والدراهم بعد ألبومه الخليجى. وبالمناسبة ففي حفل بهيج بدار الأوبرا المصرية بالمسرح الكبير حيث ممنوع ارتداء الجلباب، غنى هانى مؤخراً مجموعة من أغانيه الخليجية. ولا أعرف لماذا في الأوبرا وليس في فندق خمس نجوم حتى يتمكن جمهوره الخليجى من الدخول بالثوب التقليدي ورمى النقطة والدراهم.

في أقل من شهر على منح الضبطية القضائية يمكن أن نشاهد كيف سيستغل هانى شاكر سلطته، فأول قراراته كانت قرار بمنع فرقة “ابن عربي” للموسيقي الأندلسية والصوفية من الغناء في مصر، وذلك بسبب على شكوى تقدم بها صاحب شركة لتنظيم الحفلات. بدلاً من أن تدافع النقابة عن أبنائها وعن الموسيقيين وعن تنوع المشهد لموسيقي فهى تقف مع رأس المال، وتصدر قرارات بالمنع دون تحقيقات حتى بل فقط شكوي يتقدم بها مواطن.

هذا الحرص الغريب من وزير العدل على آذان المصريين وحمايتها من الاسفاف، وعلى دعم حملة هانى شاكر في مواجهة ما يعتبره هانى انحطاط الذوق بمنع فرقة غناء موسيقي اندلسية من الغناء في مصر. لا يقابله مثلا أي جهد للحفاظ على صحة المصريين أو أرواحهم. لم يمنح الزند الضبطية القضائية لنقابة المهندسين مثلا أو لنقابة الأطباء. وإعلانات علاج البواسير والشرخ الشرجي تغرق المواصلات العامة وشاشات التليفزيون، وتروج للخرافات والأعشاب والمراهم السحرية التي تعالج الشرخ الشرجى بلمسة واحدة. حيث يباع الوهم لمرضي الشرخ الشرجي دون أن يتحرك مأمور الضبط القضائي هانى شاكر أو يتحمس وزير العدل لمنح تلك الضبطية لنقابات آخري. بل أن أحد دجالين العلاج الطبيعي والأعشاب والمحكوم عليه في قضايا نصب سابقاً قد أصبح عضواً في مجلس الشعب ويظهر على التلفزيون ليهدد الأمين العام للأمم المتحدة بالضرب.

لن يغير هذا المقال ولا المقال الذي سبقه شئياً من حقيقة الوضع، الذي يتجه نحو كوارث أكثر وتوسيع أكبر لسلطات مأموري الضبط القضائي لمراقبة الشعب وتربيته على طريقة هانى شاكر، بينما يتزايد عدد حالات مرضي الشرخ الشرجى دون نقيب يدافع عنهم. ربما السبب أن آذان المصريين وما يسمعونه ويشاهدونه يمثل خطورة على سلطة الزند وهانى شاكر، بينما صحتهم وبواسيرهم لا تهمهم ولا تهدهم بالقدر نفسه

طز في الهوية

نشرت في المصري اليوم في نوفمبر 2012

تقول الأسطورة القديمة إن إيزيس بعدما جمعت أشلاء جسد أوزوريس الممزقة، وحملت منه بحورس. دفنت إيزيس أوزوريس في النوبة فكان رأسه في جزيرة «أنس الوجود» أو فيلة، وباقي جسده على طول الوادي من الشلال حتى الخرطوم. ثم جلست إيزيس على رأسه في جزيرة «فيلة» المقدسة. وأخذت تبكي فاندفعت دموعها محطمة صخور شلالات أسوان وغمر الخير أرض مصر.

والنيل يا أحبائي كما نعرف من أنهار الجنة.

واحتاج الأمر مني 27 عاماً حتى أكتشف، وعن طريق الصدفة، أن اللغات النوبية لها حروفها وأبجديتها الخاصة، لكن هذه الأبجدية في طريقها للنسيان مع انتشار كتابة النوبية بالحروف اللاتينة والعربية.

لماذا يحدث ذلك؟

ولماذا احتاج الأمر مني 27 عامًا لأعرف معلومة بسيطة كهذه؟

لأنك ولأني ولدنا في بلد استبدادي. تتم صياغة هويته من قبل سُلطة حمقَاء تُحدد بالخط الأحمر ما هو الوطن وما هو خارجه. وكأي سلطة استبدادية سعت دولة الجمهورية الأولى إلى ترسيخ وحصر الهوية المصرية بصفات مُحددة فكانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولةِ.

جرت على مر عقود عملية وأد وقتل ممنهج لكل اللغات والأقليات الثقافية الأخرى من أجل تحقيق هلاوس عبد الناصر حول القومية العربية. وهكذا تم تهجير النوبيين وتشريدهم، وفرض اللغة العربية كلغة رسمية، ورغم أن النوبية بفرعيها (فديجا) أو (كنزي) أقدم من اللغة العربية وهى لغة مصرية خالصة، لكن مع ذلك لا يتم تدريسها في أي من الجامعات المصرية. إلى جانب عدم ذكر أي شيء في المناهج الدراسية عن الثقافة والتاريخ النوبي وكم التضحيات التي بذلوها من أجل أن تسيل دموع إيزيس ويغمر الخير أرض مصر.

وحينما اهتمت الدولة باللغة والثقافة النوبية استخدمتها كشفرة في الحرب، ولم تهتم بعد ذلك بتدريسها ولا رعايتها، ربما للحفاظ عليها كشفرة سرية.

الآن يضع اليونسكو اللغة السيوية المصرية المتفرعة من اللغة الأمازيغية على قائمة اللغات المهددة بالانقراض، حيث وصل عدد متحدثيها إلى 15 ألفا من أصل 25 ألف مواطن أمازيغي مصري.

 لكن موقف اللغة السيوية في مصر أفضل كثيرًا من اللغة الدوميرية، والتي يتحدث بها الغجر المصريون وتنتشر على نطاق محدود في بعض مناطق القاهرة والأقصر، وإلى جانب ما سبق فهناك اللغة القبطية التي تصنف كلغة منقرضة منذ القرن 17 مع توقف التحدث بها واقتصار انتشارها وتدريسها داخل الكنيسة القبطية.

 هذا التنوع والثراء اللغوي والثقافي معرض كله للاندثار، بسبب إصرار البعض على إكمال النهج الاستبدادي في قمع الأقليات الثقافية، وفي إبقاء المادة الثانية كما هي دون حتى تضمين الدستور أي مادة تشير من قريب أو بعيد لحقوق هذه الأقليات اللغوية والثقافية. وهنا تصبح الهوية ليست تعبيرًا عن ثقافة وأسلوب حياة يتغير بتغير الزمن بل قيد وأداة تعذيب وترسيخ للاستبداد. وهنا يجب أن تكون الرسالة: طز في الهوية.

ولماذا حقيقي التمسك باللغة العربية، والرئيس مرسي نفسه لا يتقن حتى التحدث بها، أتابع مثلا محاولاته المسكينة للالتزام بقاعدة «سكن تسلم» ومع ذلك فكل مخارج الحروف فاسدة لديه، وكثيرا لسبب ما ينصب الفاعل، بل ويزيد على ذلك لا يعرف كيف يقرأ القرآن ويفسره بالمقلوب.

الهوية التي تسعى لجنة الدستور لفرضها مُمثلة في المادة الثانية وما يتبعها، ليست سوى كذبة. ينكرون كل اللغات الأخرى ويرفضون الاعتراف بها أو حتى دراستها وحمايتها من الانقراض، لترسيخ تصورات سطحية عن لغة هذا البلد وهويته لخدمة الاستبداد القائم على ما يدعون أنه شريعة، بينما هو في الحقيقة شعرة عند ياسر برهامي ساعة تروح وساعة تيجي، حيث الربا اليوم حرام، وغداً حلال لأنه مصاريف إدارية. والفجر كله يكتمل في حالة الزمر وشركاه المطالبين بتطبيق الشريعة بينما لو طبقنا الشريعة عليهم فبدل السجن كان يجب تطبيق حد الحرابة عليهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بجذوع النخل.

من يدري ربما يحدث هذا قريباً، وإن غداً لناظره لقريب

النوايا الطيبة والإعلانات السيئة

نشرت في المصري اليوم في صيف 2013

تضايق بعض المسؤولين في جمعية «رسالة الخيرية»، بسبب الشائعات التي طالت الانتماءات السياسية لبعض كوادر فريق الإدارة وعلاقاته بقيادات جماعة الإخوان المسلمين. «رسالة» لم تكن لوحدها، فمعظم الجمعيات الخيرية التي طالما تلقت تبرعات من رجال أعمال من كل التيارات، ومنهم الإخوان، وتطوع فيها آلاف الشباب، ومنهم شباب الإخوان، سارعت إلى إنكار أي صلة لها بالإخوان. في سلوك يعكس مقدار جُبن قيادات هذه الجمعيات من الشائعات الإعلامية، لأنهم ببساطة يعتبرون ما يقدمونه عملًا في مجال الدعاية والتسويق، لا مجال التنمية وإدارة المؤسسات الخيرية.

 بدلاً من إنكار صلتهم بالإخوان، لماذا لا تتبع هذه الجمعيات أسلوبًا أكثر شفافية يكشف عن مصادر تبرعاتها وأوجه إنفاقها، وبدلاً من إعلاناتهم السخيفة القائمة على الابتزاز العاطفي، فنشر تلك الجمعيات لميزانيتها جدير بنيل ثقة المتبرعين وجذبهم.

لا نعلم عن تلك الجمعيات التي تجمع الملايين سوى العبارات الدعائية التي يعلنون عنها، ولا أُشكّك في نزاهة القائمين عليها لا سمح لله، بل أطرح أسئلة حول أوجه إنفاق أموال المتبرعين في تلك الجمعيات. يكفي أن تفتح التليفزيون أو الإنترنت أو حتى تمشي في الشارع لترى بنفسك إعلانات تلك الجمعيات التي تُقدّر حملات بعضها خلال شهر رمضان بالملايين.

عرف المجتمع المصري الجمعيات والمؤسسات الخيرية بأشكال متعددة وكانت دائمًا يد إنقاذ لملايين المحتاجين في مصر، وحكمها باستمرار مجموعة من المعايير الأخلاقية أبرزها أن تنفق بيمينك ما لا تعلمه يسارك، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت أشكال جديدة من تلك الجمعيات، تتم إدارتها بمنطق وأدوات المؤسسات الرأسمالية، فأصبحت الدعاية والإعلانات جزءًا أساسيًا من ميزانياتها. وهنا من حقنا أن نسأل: أين تذهب أموال المتبرعين بالضبط؟

 فزكاة المال وزكاة شهر رمضان مثلًا هناك جهات صرف في الشريعة الإسلامية محددة لها بدقة ووضوح، وهناك في مصر ملايين الأفراد في أمس الحاجة لأي قدر من المساعدة، لكن تخيل مثلًا أن «عشرة آلاف جنيه» من أموال المتبرعين لجمعية خيرية يكون مصيرها بدلاً من الذهاب إلى المحتاجين أن تذهب إلى إحدى القنوات الفضائية لشراء خمس ثوانٍ وسط مسلسل غادة عبد الرازق لعرض إعلان لتلك الجمعية.

لطالما كانت السرية في التبرع وفعل الخير بعيداً عن أعين الناس وسيلة لدفع الرياء والتفاخر حتى يكون الخير خالصاً لوجه الله، والآن يدافع المسؤولون في تلك الجمعيات عن حملات الإعلانات الباذخة بأنها وسيلة لجذب متبرعين ومتطوعين أكثر، ورغم أن وظيفة تلك الجمعيات مساعدة المحتاجين لا جذب مُتبرعين أو رفع رأس مال تلك الجمعيات، فهناك عشرات الأسئلة التي تحيط بأوجه التخطيط الإعلاني لتلك الجمعيات. فدفع كل هذه الأموال من أجل إغراق موقع «يوتيوب» مثلًا بإعلانات جمعية رسالة يفتح الباب للكثير من الأسئلة حول نوعية المتبرعين المستهدَفين، وهل يجذب اليوتيوب هذا القدر حقاً من المتبرعين؟

 ناهيك عن الدور الذي يلعبه القائمون على التخطيط الإعلاني في تلك الجمعيات في صب أموال المتبرعين في قنوات إعلامية محددة. لماذا مثلاً تحصل القناة (س) التليفزيونية على كل هذه الأموال من إعلانات الجمعية الأخرى، ولا تحصل القناة (ص)، وحينما يظهر مدير الجمعية في عشرات المناسبات والصور مع إعلاميين وأصحاب قنوات محددة لا يتم توجيه أموال الإعلانات إلا إلى برامجهم وإعلاناتهم، ونفس الإعلاميين يظهرون في إعلانات الجمعية ويدافعون عنها، فنحن هنا أمام «لوبي» وشبكة مصالح وعلاقات غير واضحة المعالم.

إذا كنا نطالب بمجتمع أكثر شفافية وانفتاحًا، يمارس فيه الشعب الرقابة على ثرواته ومقدراته، فالأولى بتلك المؤسسات الاجتماعية أن تكون أكثر شفافية، ويكون لديها ميثاق مهني أكثر رقياً وأخلاقاً. فهناك عشرات الأسئلة والملاحظات حول الرسائل التي تحملها تلك الإعلانات، على سبيل المثال واحدة من المؤسسات الطبية الخيرية تقوم كل رسائلها الإعلانية على انتهاك خصوصية الأطفال المرضى، وبينما تمنع المواثيق الطبية الأطباء والمؤسسات العلاجية الإفصاح عن أي بيانات خاصة بالمرضى، تقوم المستشفيات الخيرية بعرض صور الأطفال المرضى وأسمائهم، وتصويرهم في أكثر الصور بؤساً بشكل يستغل حاجتهم ومرضهم.

نعرف جميعًا هشاشة الوضع الاقتصادي المصري وافتقاده للعدالة الاجتماعية، ونرى بوضوح كيف يقوم الاقتصاد المصري على «الشحاتة» والتبرعات من الأشقاء العرب، بل حتى الدولة المصرية التي تجني الضرائب وتمتلك حق إدارة الثروات الطبيعية تمارس تلك «الشحاتة»، وكل فترة يروّجون لرقم حساب بنكي تبرع عليه حتى تنقذ اقتصاد مصر. كأن الاقتصاد هو خزنة إذا امتلأت بالمال فسوف يكون كل شيء على ما يرام، لا سياسات أو مناخ يكفل استمرار ونمو المجتمع. طبعاً نحن شعب بذاكرة سمكة، وننسى سريعاً ولا نسأل المذيعين أو الشيخ محمد حسان أو رئيس الوزراء أين تذهب أموال تبرعات إنقاذ مصر. مثلما أيضاً لا نسأل مثل تلك الجمعيات لماذا تنفقون أموالنا في مقرات زجاجية فخمة في أرقى أحياء القاهرة أو توجهونها لمنتجي المسلسلات من أجل مساحة إعلانية.

يمكن أن يستمر الوضع هكذا مثلما كان وسيكون، تجلس أمام التلفاز فيعرضون لك إعلاناً يتاجر بآلام المرضى والفقراء، ضميرك يوجعك، فتذهب للتبرع، ينفقون مالك على إعلان جديد يخبرك بأن هناك وجوهًا أخرى لإنفاق مال الزكاة ويقدم لك حالة بائسة أخرى، فتتبرع مرة أخرى. هذا حل لطيف يحافظ على وجود الفقراء حتى يتم استغلالهم في التصوير وتستمر تلك الجمعيات في شراء الأتوبيسات ورفع رأسمالها وإنتاج الإعلانات وتوزيع الأموال على القنوات التليفزيونية، وكلما وجعك ضميرك تُخرج مالًا وتعطيه لهم. أو حل آخر أن نبدأ في طرح الأسئلة والبحث عن وسائل أكثر نزاهة وفاعليه لإنفاق وإدارة ملايين التبرعات الخيرية.

 

كروش ونعوش

نشرت في المصري اليوم في 2013
مهما تناولوا من مشهيات، وسلاطات، وبابا غنوج وحمص وشاورما سوري وكباب وكفتة وسيارات فارهة ومنازل بحدائق وخدم وحشم، لا تمتلئ أبداً كروش «الشيوخ».
وفي هذا يقول ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا». والحمد لله لم يعد في عصرنا أمراء، بل أمير واحد هو الرئيس باراك حسين أوباما ومعه مجلس الكونجرس الموقر، وهم  في العاصمة «واشنطن دى.سي» لا يفتحون الأبواب للعلماء بل يصدرون إليهم الأوامر فيطيع الشيوخ الأمر ويهبون لتنفيذ رغبات أمير المؤمنين.
رأينا كيف ما إن وافق الكونجرس الأمريكي على تسليح المعارضة، كيف هب شيوخ الكروش من كل مكان ليطرقوا أبواب السلطان، القرضاوي في السعودية، والعريفي يدعو لمرسي في مصر، وأخيراً كل نخبة كروش الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح المعروفة باسم تكية شهبندار التجار خيرت بيه الشاطر الزغلول الكبير.
يقف العلماء أمام مرسي لا يسألونه عن ضحايا التعذيب الذين يموتون على يد جنده وضباطه في وزارة الداخلية، ولا يعاتبونه على كذبه المستمر بل ينافقون ويمدحون ويتغزلون في حلاوة دمعته ويقبلون الأيادي أمام الشاشات.. إذا لم يكن هؤلاء هم علماء كروش السلطان، فماذا يكونون؟
أوباما يعطي الأوامر، ملوك النفط في الخليج يدفعون، يلبي الشيوخ بكروشهم وألسنتهم الملتوية يزيفون الحقائق ويخدعون الناس لمصلحة السلطان. أو كما قال أحمد عدوية «هما الإدارة يا ليل.. واحنا الحيارى يا ليل». لكن كروش الشيوخ لا تشبع ولا تمتلئ مهما منحهم السيد الأمريكي من سلطة وتطمينات، ومهما انهال عليهم أمراء الخليج بالقروض والودائع، لا تمتلئ كروش الشيوخ إلا بالدم ونعوش الشباب الذين يدفعونهم نحو الموت باستمرار وإصرار وعزيمة لا تلين. فقط النعوش تملأ كروش الشيوخ.
كيف إذن يحصل شيوخ الكروش على نعوشهم؟
من خلال لعبتهم، التدليس، والنفاق، وتزييف الحقائق. فيصبح الاختلاف السياسي والمظاهرات أو التمرد يوم 30 يونيو فرصة للتكفير ودعوة للشباب للجهاد ضد الكفار المتمردين، كما يقول محمد عبد المقصود الشيخ المهاجر من ضيق السلفية وشحها إلى رحابة الفتة والمشويات في كرش الزغلول الكبير. يحب كرش عبدالمقصود دماء المتظاهرين السلميين الكفار العلمانيين والرافضة الشيعة.
أما علي السالوس ومحمد حسان، فكروشهما لا تكفيها هذه الأمور التافهة، وهم مستعدون للتلاعب بآيات الله، والمصطلحات الفقهية بحيث يتحول «رد الفئة الباغية» إلى «جهاد في سبيل الله»، وبحيث يتحول الصراع في سوريا لا بين شعب يحلم بدولة آمنة ديمقراطية متعددة الهوية والعرقيات، بل صراع بين فئتين سنة وشيعة رافضة، والنصر بالنسبة لحسان والسالوس لا يتحقق إلا بالذبح والنحر، وإبادة كل الرافضة الشيعة ورفض الحوار معهم ومنعهم من دخول البلاد.
يخاطب حسان والسالوس المواطن الجالس بلا كهرباء ولا ماء، يعددون فضائل وخيرات سوريا، ثم يدعونه إلى الجهاد، فإما الشهادة وإما الغنائم من خيرات الشام.
ومثلما ارتوت كروش شيوخ قبل ذلك بدماء الشباب المصري الذي تم إلقاؤه في الجحيم الأفغانى الذي كان حلالا وقت الجهاد ضد السوفيت وحرامًا الآن ضد الأمريكان، تنتظر كروش الشيوخ في تكية خيرت بيه الشاطر (هيئة الحقوق والإصلاح) النعوش التي ستأتى من سوريا وتروي وتملأ كروشهم. لن يتحرك أحد منهم بل سيدعون للجهاد من القاعات المكيفة في فنادق القاهرة كيهود موسى حينما قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فلدينا كروش نحتاج لملئها بالدماء والنعوش.
ورغم أنهم في السلطة ورئيسهم المنتخب كان حاضراً، ومجلس الشورى في يدهم. فهم لن يختاروا الطريق العلنية. لن ينادوا بخطة معلنة لتدريب الشباب أو تأمينهم أو حتى مشاركة القوات المسلحة المصرية فيما طالب به الرئيس مرسي من فرض لحظر طيران. بالطبع لا، للشيوخ طرق ملتوية أكثر تعبر عن نفسها ببجاحة حينما يهاجم الشيوخ الغرب الكافر والملحد وفي الوقت ذاته يطالبونه بأن يقف بجوارهم ويدعم السنة في سوريا ضد الرافضة الكافرين!
  أما هم فهم قاعدون على مؤخراتهم التي تأخذ يوماً بعد يوم شكل مقاعد مهرجى السلطان، ينتظرون الشباب الصغير ويرتبون طرق شحنه إلى سوريا في معركة بلا تدريب ولا تأمين ولا يعلم الهدف منها ليموت ويعود في نعش يغذي كرش الشيخ الجالس يسبح بحمد الرئيس في ظل خيرات الشاطر.

مستعمرة العذاب

في أحياء هامشية وشوارع فرعية تقود إلى مقرات حكومية صغيرة وفرعية كمكاتب الشهر العقاري أو مكتب العمل أو الصحة، بدأ الأمر دون أن يلحظه أحد. من أصلا يسير في هذا البلد وهو ينظر لأعلى ليلاحظ الأمر. بل على الأرجح كانت الرائحة هي ما جعل الناس يتلفتون بحثا عن مصدرها.

hunter_web8
Tom Hunter فوتوغرافيا

يستيقظ سكان الشارع الهامشي ليجدوا قطة مذبوحة ومعلقة على عمود الإضاءة في الشارع. في بعض المناطق حدثت مشادات وخناقات بين الأفراد والعائلات بسبب الربط بين القطط المذبوحة المعلقة كالذبائح والأعمال السحرية. وفي المناطق ذات التركيبة الطائفية تحول الأمر إلى صراعات طائفية على طريقة من ذبح القطة لمن؟

بعد أيام قليلة تزايد الأمر، ذات صباح على طول كوبري أكتوبر تراصت القطط المذبوحة معلقة على أعمدة الإضاءة، وتقريبا في كل الأحياء والمناطق الراقية، قدر البعض عددها بأكثر من خمسة آلاف قطة مذبوحة.

قال محلل سياسي إنها رسالة سياسية واضحة، وفسر كاتب من المدافعين عن الدولة الأمر بمحاولة للنيل من هيبة الدولة، تحدثت ريهام سعيد عن أعمال سفلية لمصر. لكن الأزمة أنه بينما بدأت أجهزة النظافة والمحافظة في إنزال القطط من على العمدان، فخطة عملها لم تغط كل أجزاء المدينة ناهيك عن الجمهورية، بالتالي لم تعد المشكلة معرفة من يقوم بقتل القطط وما الغرض من تعليقها، بل لماذا لا تقوم الحكومة بإزالة هذه الجثث، وتتركها لتتعفن في الهواء الطلق لتنشر سحابة من النتانة والعفن على البلاد- خرج مسؤول من المحافظة وأطلق تصريحا بأن المحافظة والحكومة ليستا مسئولتين والقطط هي التي تنتحر، باسم يوسف تناول تصريح المحافظ وصنع منه سلسلة من الأفيهات الظريفة، فتحولت قضية القطط المشنوقة إلى قضية رأي عام، انشغل بها الناس لفترة، وأخذوا يصورون جثث القطط وأشكالا متخلفة لنتانة أجسادها المبقورة المعلقة على أعمدة الإضاءة.

مصر هي الشباب السمر. وعلى رأي عمرو دياب « انحيازي عمره ما كان انتهازي». فخرج شاب بيحب مصر، كالنمل من الجميعات الخيرية ومراكز دورات التنمية البشرية وقادوا مبادرة تحت شعار «إكرام القط دفنه»، لكن المشكلة أين يمكن أن ندفن القطط؟

ظهرت تقارير تصور الشباب الإيجابي وهو يدهن الرصيف وينزل القطط من على الأعمدة، لكنهم كانوا لا يجدون مكانا لدفن القطط فيتركونها في الشارع، فيخرج أصحاب المحال ليجروا وراءهم ويمنعوهم من إلقاء جثث القطط أمام محالهم.

لارتباط الأمر بالأعمال السفلية رفض الجميع دفن القطط في أراضيهم، ولم تنجح مبادرة «شباب بيحب مصر» في القضاء على نتانة الجو الناتجة عن تعفن جثث القطط المعلقة على أعمدة الإضاءة.

بعد شهر كان الموضوع إعلاميا قد تم هضمه من كل النواحي، ولم تعد أخبار ظهور قطط مذبوحة أو مشنوقة معلقة على الأعمدة تثير الاهتمام. أما رائحة النتانة في الجو فاستقبلها المصريون كقدر على حياتهم واختبار لصبرهم واحتسابهم مثل السحابة السوداء، والتلوث الضوضائي، والزحام، وأحمد موسى.

مضى نهر الحياة في مصر ولكن بمزيد من النتانة فقط. ثم بعد شهرين آخرين، بدأت القطط المصرية التي عاشت في هذا الوادى لآلاف السنين في الاعتراض على المذبحة التي تتعرض لها، خصوصا كل المتهمين بعملية قتل وشنق القطط. كان يتم الإفراج عنهم وتمنحهم المحكمة حكم البراءة، لم يحاكم أي قاتل لأي قطة. فقررت القطط الانفجار.

عاشت القطط في مصر تتمشى داخل المستشفيات، وتستلقي في استرخاء في باحة مجلس الشورى، وتلهو في حمامات مجلس الوزراء، سواء مؤسسات خاصة أو حكومية أو مباني المحاكم، تعيش القطط في ألفة داخل أو بجوار أي مبنى في مصر، تخيل فقط حينما تتحول تلك القطط إلى قنابل. قفزت قطة في وجه رئيس الوزراء وانفجرت أحشاؤها وهى متشبثة بوجهه فانفجر وجه السيد الوزير ومات شهيد العمل، مشت رموز الدولة في جنازة عسكرية له. صرح خبير أمنى بأن ما يحدث هو ثورة القطط. وقالت شابة جامعية: يجب أن نصغو لمطالب القطط وتقديم القتلة لمحاكمات عادلة.

لمحاربة ثورة القطط التي لا نعرف من يقتلها، قرروا تنصيب الكلاب في السلطة لتخيف القطط، وبدأت المطاردات بين الكائنين آناء الليل وأطراف النهار، لكن على الكباري ظلت

متكدسة والقطط مبقورة البطون مشنوقة على الأعمدة، ورائحة النتانة تغرق المدينة. عذاب لا نعلم سبب إنزاله بنا.