الشك باليقين -ج1 – سلسلة هزلية غير مكتملة

دخلت القاعة في الموعد المحدد لمحاكمتى بصحبة المحامى، وصديق قديم من البار، وعطيات. شدد المحامى على الحضور باكراً لأننا سنقف أمام محكمة من الدرجة الثالثة، وإذا لم نحضر فالقاضي يعتبر الأمر إهانة شخصية لسلطته القضائية ويأمر بتوقيع أقصي عقوبة لكى يجبر قوات الأمن علي إحضارك لتنفذ عقوبتك دون فرصة للدفاع عن نفسك. لكن لو حضرنا فأمامنا فرصه للرد على الاتهامات الموجهة لنا وقد ينظر بعين الرأفة لوضعنا مما يرجح امكانية حصولنا على حكم معلوم، أو حكم مع الرقابة والمراجعة، أو ربما قد يكتفي بالغرامة وهو أفضل الخيارات أمامنا والتى كان يرجحها صديق البار بميله الدائم للتفاؤل، واعتماداً على خبرته القديمة حينما عمل لسنوات موظفاً في وزارة العدل قبل إعلان الامبراطورية، حيث فصل من عمله في إطار الحملة الامبراطورية لتنقية أروقة الوزارة من فسدة وجهلة العهد الجمهوري.

شعرت بخيبة الأمل والاحباط من زيارتى الأولى لقاعة محكمة حقيقة. لا شئ في القاعة شبيه بما رأيته في وسائل الإعلام الامبراطوري، وترسخ في ذهنى حول جلال وهيبة القضاء. التراب في كل مكان، يغطى الأثاث، البشر، الجدران، السقف، الأرض، المقاعد، المنصة، وقضبان القفص الحديدى الصدئ. في الزوايا تراكم التراكم ليصنع أكوام من الطين الجاف. المقاعد الخشبية مهترئة وتبرز منها رؤوس المسامير التى دقت لتحافظ على انتصابها. في اليسار القفص الحديدي حيث تكدس المحاكمون بينما امتلأت القاعة بالمحامين والأهالي تحت إضاءة خافتة مصدرها نوافذ زجاجية متسخه يتسرب منها ضوء شحيح. وبين كل ما سبق وفوق ذلك رائحة نتانة مع ضجيج مكتوم يحتلان الفراغ.

بنيت مئات الجمل وعشرات الفقرات في ذهنى قبل المحاكمة بأيام دفاعاً عن نفسي، لكن المحامى حذرنى قبل الجلسة من الحديث حتى لو وجه القاضي لى السؤال. فأى جملة حتى لو مجاز يمكن أن تعتبراعتراف أو دليل إدانة لجريمة جديدة. والآن وأنا هنا تجلت عبثية أحلامى المسرحية بإلقاء خطبة طويلة رداً للاتهامات الموجهة لى. فأمام هذا الجمهور وفخامة ذلك القاضي والدائرة الموقرة التى تنظر أكثر من 120 قضية في ذات الجلسة، لم يكن بإمكاني إضاعة وقت الجميع بشرح ما كتبته ولماذا أكتبه، أو تفصيل جذور المسألة وكيف أنه إذا كان هناك جريمة تستحق المحاكمة فالمجرم المتسبب فيها هو كاتب مات منذ حوالي 30 عاماً بعدما سرق حياتى وجعلها سراباً. ولم أبغ وراء ما فعلت في روايتى موضع الاتهام إلا استعادة حياتي من سراب روايته، والتطهر من جريمتى في حق أمى، حتى وإن كان الثمن إنزلاق قدمي في عالم الكتابة والأدب.

صاح الحاجب برقم القضية فدفعنى المحامى نحو المنصة مخترقين الزحام، تاركاً ورائي في نهاية القاعة عطيات وصديق البار. على المنصة كان هناك ثلاث قضاة. الأيسر يلهو في تليفونه المحمول، الأوسط يجلس على كرسي مرتفع قليلاً يرتدي طيلسان بنفسجى اللون ونظارة ذات سلسلة ذهبية، عن يمينه قاضي مبتسم، وخلفهم نقشت على الجدار جملة إمبراطورية مقدسة حول مهابة وعدالة العدالة وقد نسجت العناكب شباكها بين فراغات الحروف وارتاحت فيها جثث الحشرات.

على يسار المنصة جلس كاتب المحكمة منحنياً على منضدة مهترئة مُسمرت بأرجلها قطع خشبية لتحافظ على انتصابها. تحتها تهرش أصابع قدم الكاتب اليمنى في ساقه اليسري، بينما تستقر اليسري في شبشب بلاستيك، ويده أعلى المنصة تسجل بهمة وسرعة خطبة “وكيل النيابة” ممثلاً للإدعاء والمجتمع والامبراطورية. غرقت في تفاصيل القاعة والوجوه اليائسة البائسة اليابسة. صدى كلمات وكيل النيابة كان يطفو ويخبو وسط ضجيج القاعة المزدحمة، فقدت تركيزى وقدرتى على متابعة صياحه وخطابه لكن حركة أصابع قدم الكاتب كانت أكثر جاذبية، وخيالاتى البعيدة كانت جاذبيتها أقوى.

الطلاء الأصفر لجدران القاعة متقشر. كان القاضي الأيمن والأوسط يبتسمون لى ابتسامة غامضة بينما وكيل النيابة مستمر في الخطابة، احترت هل من الصواب مبادلتهم الابتسام أم يعتبر الابتسام في هذا الموضع إستهانة بجلال وهيبة القضاء. هرباً من حيرتى نظرت إلي الأسفل حيث كوب مكسور فيه بقايا شاى يستند على المنصة الخشبية التى يجلس خلفها القضاة وأحدهم مستمر في اللهو على الموبيل.

“اتفضل يا أستاذ” قال القاضي الأوسط رئيس الدائرة مخاطباً المحامى، لينطلق في دفاعه الذي بناه على الجوانب الإجرائية لتكييف القضية، وبطلان الاجراءات، وانتفاء الضرر، والتفريق بين الصُنع والكتابة وجرائم النشر، دون أن يتطرق لجوهر الأمر ولماذا اخترت الكتابة وتلفظت بما تلفظت معترفاً بجريمتى في حق أمى التى اعتبروها خيالاً وحاسبونى على ألفاظ اعترافي، لا معانى ما ارتكبته. ألا ليت شَعري، أو شِعرتي..

حاولت الاستيقاظ من أحلام اليقظة والسرحان، نظرت في اتجاه عطيات شيطانتى الصغيرة فمنحتنى ابتسامة مطمئنة، بينما صديق البار يتفقد وجوه المساجين في القفص الحديدي. المحامى منفعلاً تكثف العرق على وجهه، انهى خطابه بشكل درامى ثم أعطى سكرتير الجلسة مذكرة الدفاع.

شكرنا القاضي بهزه من رأسه ونادى الحاجب على القضية التالية. أمسكنى “ميمون” شرطة بقوة من ساعدي متحفظاً عليا ليضعنى في القفص، لكن صديق البار قطع علينا الطريق ووضع ورقة نقدية في جيبه، فأجلسني على مقعد بجوار القفص. تبدى لى المشهد مختلفاً فبينما يقف المحامون أمام المنصة منخرطين في أحاديث جادة بصوت هامس مع بعضهم، أو مرافعات وطلبات متذللة لحضرة المنصة. أما في بقية القاعة يتحرك بأريحية بائعوا المناديل والزجاجات المعدنية، وصبية لا تتجاوز السادسة عشر تدخل بصنية عليها أكواب الشاي، وسندوتشات جبنة وتونة ملفوفة في أكياس بلاستيك شفافة.

فجأة زعق الحاجب “انتباه.. عدالة” فخفت الضجيج لثوانى. وقف القضاة خلف المنصة واتجهوا خارجين من باب خلفهم. نصفهم العلوى بدل رسمية برابطة عنق وطيلسان يغطى أكتافهم، بينما نصفهم السفلي كلوتات بيضاء فلاحي، حيث ينص قانون العدالة الامبراطورية على الراحة التامة للقاضي على المنصة مع المحافظة على الهيبة لذا يستخدمون هذا المزيج الذي يحقق الغرضيين. خرجوا من باب كان خلفهم في صف من البدل والكلوتات البيضاء وولمحت حنوكة بنية اللون في مؤخرة كلوت القاضي المبتسم الراضي.

أُغلق الباب خفهم. أخذوا المساجين من القفص، تفألنا ببقائي مع ثلاث مدنيين حضروا مثلي، ثم أتى “منمون” وطلب مني التوجه معه. دخلنا من ذات الباب الذي خرج منه القضاة حيث ممر أكثر وساخة من القاعة أوصلنا لغرفة كتب على “الحرس”. جلس فيها ضابط بوجه ضفدع وآخر يمسك بيده مسبحة. رفع وجه الضفدع رأسه من شاشة الموبيل، نظر في ورق أمامه وقال:

-كامل ر… (تهته متلعثماً) فتدخلت سريعاً

-كامل رؤبة لاظ يا أفندم

انتبه الضابط ذو المسبحة كأنما قطعنا رحلته في عالم بعيد، قال أنت من عائلة لاظ، تعرف ممدوح لاظ

-لا يا أفندم معرفوش، لاظ عائلة كبيرة.

توجهت بحديثي لوجه الضفدع وقد أدركت أنه المسئول هنا رغم أن رتبته أقل من الضابط الممسك بالمسبحة، سألته:

-هو أيه الوضع يا أفندم؟

رمى الموبيل وبصوت ينز مللاً أجاب “إدانة، وحكم يا كامل، لكن المدة غير معلومة”.

انفجرت ضحكتى لسبب غير معلوم. ربما كوسيلة دفاع نفسية أو لأنى لم استوعب ما قاله. خاطبنى الضابط ذو امسبحة، لا حول الله.. أنت عملت ايه يا ابنى للحكم دا

-كتبت رواية. “أجبته”.

-يا ساتر.

عشرين ألف جنيه غرامة

قضت محكمة الجنايات أمس بإدانة أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام، وتغريمه 20ألف جنيه مصري.

وقائع القضية تعود إلي عام 2014 حينما تم اتهامي وجريدة أخبار الأدب بخدش الحياء العام بعد نشر فصل من روايتى “استخدام الحياة”، حيث قضيت محكمة أول درجة بالبراءة، ثم استأنفت النيابة العامة فقضت محكمة الاستناف بالإدانة وحبسي لمدة عامين. قضيت منهم 300 يوم في السجن، قبل أن تقضي محكمة النقض بوقف تنفيذ الحكم مع المنع من السفر كإجراء احترازى، ثم قضت محكمة النقض بقبول النقض وإعادة المحاكمة.

في يناير 2018 قضت محكمة الاستئناف بعدم اختصاصها نظر الدعوة وبإحالتها إلي محكمة الجنايات التى أصدرت حكم الأمس.

لا يزال المنع بالسفر سارياً. سنتبع الاجراءات القانونية للتقدم بطلب لرفع المنع الذي كان إجراء احترازى مرتبط بنظر القضية. ونلتمس من العدالة الموقرة النظر بعين التقدير للظرف الانسانى الذي يستدعى ضرورة سفري في أقرب وقت ممكن.

 

مهما تمكنت من تعداد كلمات الشكر والثناء لا استطيع التعبير عن مدى شكري لفريق الدفاع الأساتذة؛ ناصر أمين، محمود عثمان، ومحمد عيسي على دعمهم ودفاعهم ووقوفهم معى على مدار ثلاث سنوات من عمر القضية. والشكر دائماً موصول إلي الأساتذة نجاد البرعى، خالد على وكل الأساتذة.

أدين بالفضل لقدرتى على الاستمرار إلي دعم ومحبة عائلتى، وكل الأصدقاء الذين أحاطونى بمحبتهم وهداياهم التى أتمنى أن استطيع رد ولو جزء بسيط منها. وإلي الروابط التى تجمعنى مع كل الشغوفين بالأدب والكتابة والمؤمنين بحرية الرأى والتعبير.

“ألف شكر.. ألف شكر” بصوت محمود الخطيب

لماذا يفضل العرب التسلط أكثر من السادية؟

نشرت في موقع الحب ثقافة عام 2014

في نقد غاتاراي ودولوز لعلم النفس الحديث يخبران الاثنان أن التحليل النفسي الفرويدي ليس إلا وسيلة في يد الرأسمالية، فهو ابتكار مجموعة من القواعد والقوانين لملاحقة الرغبة من أجل السيطرة عليها والتحكم فيها، وتتجلى عملية تدعيم التحليل النفسي للرأسمالية في مجموعة من التعريفات والإجراءات التي يتناول من خلالها مفهوم الرغبة. حيث يتبنى التحليل النفسي الفرويدي تعريف أفلاطون للرغبة باعتبارها “فقدان”، لكنها في حقيقة الأمر من وجهة نظر دولوز “إنتاج”.

فلسفة الصورة الفيلسوف جيل دولوز
جيل دولوز

جعل فرويد وعلم النفس الحديث الرغبة مرتبطة بالجنس فقط، كما يجعل اللذة هي هدف الرغبة وغايتها بحيث يكون الحصول على اللذة تخلصاً من الرغبة. ويجعل التحليل النفسي الرغبة محصورة في الإطار العائلي ومثلث الاب، الابن، والأم. بالتالي يقوم بتهميش الدور الأكبر للمجتمع في عملية خلق الرغبة ودور الدولة والنظام في عملية الكبت، وخلق مسارات محددة سلفاً للرغبات تحولها إلي آلة لتلبية الاحتياجات التي يوفرها النظام.

منذ الحرب العالمية الثانية نمت صناعة البورنو جنباً إلي جنب مع كافة الصناعات العاملة في مجال الخدمات الجنسية، وبمساعدة علم النفس تم تقسيم أرض الجنس إلي أدراج وملفات، أنواع مختلفة من “الفيتش”، تراكمات هذه الخبرات الفردية لتصنع في النهاية دليل استخدام للفانتازيا الجنسية. هذا الدليل سهل عملية تسليع الجنس في النظام العالمي الجديد.

مع الانترنت تم تعميم “الكتالوجات” الجنسية، خلق من الجنس مساحات متخصصة، بل وتم تمييز الناس والتفرقة ما بينهم على أساس ميولهم الجنسية أحياناً وعلى أساس الأوضاع والممارسات التي يفضلونها. شاهدنا في العقد الآخير كيف نمى المحتوى الجنسي العربي على الانترنت في الشبكات الاجتماعية والمنتديات ليشمل أقسام تبدأ من محبي “فيتش الأقدام”. وحتى قبائل الممارسات المازوخية والسادية.

لكن بدلاً من أن تمثل هذه الأراضي الجديدة فضاء للأفراد للعب والاستكشاف تحولت لهويات مغلقة على جماعات محددة، حيث أصبح كل ميل معبر عن هوية. وفي العالم العربي انتشرت الصفحات التي تقدم هذه الميول الجنسية كعلم له أصول وقواعد. وتحاول في الوقت ذاته إيجاد حلول لأزمات واشكاليات المواطن العربي المسلم، كيف يمارس ميوله الجنسية ضمن سياق لا يبعده عن المسار الديني أو الاجتماعي للمجتمع الذي يعيش فيه.

حتي الآن تمثل هذه الممارسات انحراف وشذوذ في الوعى الجمعي العربي، على الرغم من كون الإسلام الدين الأكثر انتشاراً في المنطقة لا يضع أي حدود للمارسة الجنسية إلي “الاتيان في الدبر” لكن سيل الفتاوى التي تتناول كل أمور الحياة أوصلتنا لفتاوى تحرم الاستمناء باليد لكن تبيحه بيد الزوجة.

فرجال الدين الإسلامي المنبوذ من كرسي الحكم في معظم البلدان العربية، يجدون مساحة أكبر لممارسة سلطاتهم على حياة الأفراد واختياراتهم الجنسية. والأفراد يحاولون إيجاد طرق وسط فتجد نقاش على واحدة من المجموعات الكبيرة التي تحمل اسم “عبيد الملكة نورهان” حول مدى جواز التمتع بفيتش الأقدام، يبدأ النقاش بتحيلي ذلك مع الزواج، وينطلق إلي أن القدم ليست عورة وبالتالي التمتع بصور أصابع أقدام الملك نورهان ليس بالفعل الحرام.

هذا الحصار الذي تعيشه رغبات الانسان العربي، يجد متنفساً له في العالم السفلي للانترنت حيث التحرك بهوايات وأسماء مستعارة، وتكون شبكة ومجموعة مغلقة من أهل الثقة الذين يتشاركون في ذات الاهتمامات. لكن حتي في العالم السفلي تطاردهم لعنات الإدانة أو نصائح الهداية وأحياناً الشرطة.

img_1850_09
رسم إباحى لمشهد جنس جماعى من القرن التاسع عشر- فنان مجهول

واحدة من الممارسات الجنسية التاريخية والتي تم إحيائها بتوسع مع الانترنت هي مجموعات وشبكات تبادل الزوجات، ومؤخراً أصبح القبض على ما أصبح يعرف إعلامياً بشبكات تبادل الزوجات خبراً متكرر بانتظام. وفي كل مرة تستغل الداخلية الأمر وتعمل على التشهير بالمشتركين لكن مع توالي الأخبار وتكررها لم يعد أحد يهتم. من الناحية القانونية لا توجد قضية إلا اذا نجحت الداخلية في إثبات تقاضي أي من الطرفين للمال مقابل الجنس حتى تصبح قضية دعارة، لكن في نظام قضائي كالذي تعيش فيه مصر يظل الأمر متروكاً للقاضي. ذات المجتمعات والنظام القضائي لا يجد غضاضة في التحرش المنتشر في الشوارع أو في العنف الذكوري اتجاه المرأة، كأنما الجنس وممارسته تظل مقبولة إذا كانت في إطار ترسيخ القيم الاجتماعية السائدة بما تحمله من تسلط وازدواجية.

فساد وظلم القضاء.. الألمانى

طال يد العدالة الجميع إلا رأسها. يقولون دائماً لا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم، أسود على كل ظالم أبيض لكل مظلوم. ما عدا نوعا واحدا من الظلمة ليس لديهم أيام سوداء أبداً. هم القضاة الظلمة. فالفئة التي تحدد ما هو ظلم وما هو عدالة، لا يمكنها أن تري نفسها ظالمة خصوصاً وهى تمسك بيديها ميزان العدالة، هكذا هي الأمور في ألمانيا القديمة على الأقل.

“في الدولة الحديثة يأتي القضاء كصوت يتخيل ذاته فوق الجميع وخارج منظومة المجتمع. ملاك محايد معصوب العينين. أحكامه الغرض منها بناء منظومة المعادلات والقوانين التي تسير الدولة. بينما يحاسب جميع من يخطئ في عمله في هذه الدولة من المهندسين للأطباء وحتى العسكريين، فالقضاة هم الفئة الوحيدة التي لا يمكن محاسبتها حتى في حالة خطأ، حتي في أعتى الدول الديمقراطية حيث الشعب هو مصدر السلطات، لا يمكن للشعب أو سلطته البرلمانية محاكمة القضاء” يقول فريدريش كريستيان دليوس الجملة الأخيرة بينما نحتسي البيرة، ونحاول الحصول على بعض الدفء من شمس برلين.

140828132531-02-world-war-ii-0828-horizontal-large-gallery

أشرت لرجل أسمر لا يمكن أن تخطئ العين جمجته المصرية الجميلة، خصوصاً وهو يضع على جاكيت البدلة دبوسا بعلم مصر وصورة الرئيس عبدالفتاح السيسي، أقول لدليوس: “انظر مثلاً لهذا الرجل، عليه حكم بعامين، لكنه يسافر ويركب الطائرات مع من هم منوط بهم تنفيذ القانون ويسير سعيداً مثلاً، دون أي احترام لأحكام القضاء، كم أتمنى لو أصبح جميع البشر مثله، يأخذون هذه الأشياء حول العدالة وغيرها بجدية أقل.”

خلعنا أحذيتنا ثم جواربنا وتركنا أصابع أقدامنا تتعرض للشمس وتداعب الحشائش الأخضر في حديقة البيرة حيث نجلس، ثم حكى لى فريدريش قصة تقشعر لها الأبدان تكشف وتوضح فساد مؤسسة القضاء في ألمانيا التي رغم هذا التاريخ والواقع الذي لا يمكن نكرانه يتطاولون على قضاء الشرفاء والشمخاء.

بطل حكاياتنا كان يدعي (ر) لن نذكر الاسم بالكامل حتى لا نتهم بإهانة القضاء الألمانى. لكنه كان قاضياً في ثلاثينيات القرن الماضي في ألمانيا، تحت ظل الصليب المعقوف لنسر الحزب النازى حكم (ر) من على منصة القضاء. وحينما صعد هتلر إلى الحكم، لم يعد هناك برلمان ولا انتخابات، وبدأت عمليات تهجير وإبادة واسعة لا للإسلامين أو الإرهابيين بل اليهود ثم كل الأعراق والجنسيات التي كان يمكن أن تقف في وجه حلم هتلر، ألمانيا قد الدنيا، فوق الجميع.

القاضي (ر) وظف العدالة لخدمة وطنه وقائد وطنه، وكان ظالماً مجرماً حقيقياً. وقت الحرب أسس هتلر ما سيعرف بعد ذلك بمحاكم الشعب، وهى محاكم استثنائية جرى إنشاؤها لإنزال العقاب بالخصوم السياسيين والمواطنين الأبرياء الذين لا يحبون القائد أو ألمانيا بالقدر الكافي وجميع من تبدو عليه إمارات الاختلاف. كان (ر) أكفأ القضاة، بعض القضايا كان يصدر أحكاماً بالإعدام فيها من الجلسة الأولى، في إحدى السنوات بلغت أحكام الإعدام التي أصدرها مُنفرداً ونفذت أكثر من 250 حكما. كان هذا رقما قياسيا استثنائيا وقتها، لكن الحمد لله تم كسره الآن بالريادة المصرية. لثلاث سنوات متتالية كرمه هتلر في عيد العدالة السنوي وحصل على المقصلة الذهبية.

الفقيد السفاح مجرم التاريخ هتلر كان له فضيلة الصراحة والاتساق مع كونه مجرماً، لذا فقضاته المفضلون كان يجمعهم في احتفال مهيب لتكريم أفضل القضاة، وفي زمن هتلر كما في أزمنة أكثر سواداً ستأتى بعد ذلك، كان هتلر يختار أفضل القضاة بناء على مقدار أحكام الإعدام التي يصدرونها. أكثر قاض كان يحكم بالإعدام على مدار العام يحصل على مقصلة ذهبية صغيرة، القاضية التالية مقصلة فضية، والثالثة برونزية، ثم الباقون شهادات ادخار وميدالية على الأرجح.

هزم نظام هتلر، وسحقت ألماينا. حوكم من ظل حياً من مجرمى الحزب النازي ومن العسكريين الألمان الذين شاركوا في عمليات القتل والإبادة الجماعية. قسمت ألمانيا إلي شطرين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. كان (ر) قاضياً في ألمانيا الغربية. لم يعزل من عمله، لم يحاكم. فأوامر القتل التي أصدرها في هيئة أحكام لم ينظر لها أبداً كجرائم. لأن القضاة لا يقتلون، أو يرتكبون الأخطاء.

أعدم (ر) مئات المواطنين الألمان منهم أفراد كانت جريمتهم مساعدة المضطهدين وتهريبهم خارج الأراضي الألمانية. أهالى الضحايا لم ينسوا أبداً. بعد قيام دولة ألمانيا الغربية بدستور رفع شعارات الليبرالية والعدالة وحرية التعبير والرأى وإلى آخره. حاول أهالى الضحايا محاكمة القاضي (ر) بتهمة قتل أبنائهم، لكن حصانته القضائية حمته من المساءلة القضائية.

دليوس حكي كيف ظلت أرملة أحد ضحايا القاضي المجرم (ر) تراقب صعوده داخل بنية الجهاز القضائي، حتى أصبح قاضياً للمحكمة الدستورية في ألمانيا الغربية، وبعدما وصل لمرحلة المعاش وفقد حصانتها لقضائية تشجعت الأرملة ورفعت قضية ضده. لكن من فحص القضية ومن كان واجبهم التحقيق في جرائم (ر) ومحاسبته كانوا تلامذته من قضاة ومستشارين من عينهم من عائلته وعائلات أصدقاء وأبناء أصدقائه القضاة المجرمين. بالتالى رفضوا القضية، بل حاكموا الأرملة، وحولوا حياتها لجحيم.

في السبعينيات جاء جيل ألمانى جديد لم يحتمل ركام الأكاذيب هذا كله، أتى انفجاره في هيئة مجموعات إرهابية يساريه، سرقوا البنوك، خطفوا الطائرات، قتلوا المدنيين والعسكريين والقضاة. حينما أعلن خبر خروج القاضي (ر) إلي المعاش على الراديو، كان هناك طالب جامعى عاش وسط ضحايا جرائم القتل التي ارتكبها (ر). حينما وصله الخبر، استولت عليه رغبة واحدة فقط لتحقيق العدالة الغائبة أن يقتل (ر). للعدالة طرق أخري تتحقق بها خارج منصة القضاء.

hitler-hulton-getty2

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

ياسر عبد الحافظ: نجيب محفوظ ليس أفضل من أحمد ناجي

لاثنين الماضي، انعقدت داخل البرلمان اللجنة التشريعية لمناقشة مشروع قانون بتعديل المادة الخاصة بخدش الحياء داخل قطاع النشر. الاقتراح تقدم به النائبان: أحمد سعيد ونادية هنري، للمناقشة، وقد سقط المشروع برفض 21 عضوا، في مقابل موافقة ستة. لم يكن أحد ربما ليسمع عن الجلسة، أو ربما مر ما توصلت إليه في ضجة أقل لولا أن المناقشات دارت بصورة دراماتيكية أوصلتها للصحافة تحت عنوان: نائب يطالب بحبس نجيب محفوظ.

المادة التي طالب النائبان بتغييرها هي تلك التي يقضي الروائي أحمد ناجي بناء عليها سنتين حبسا كعقوبة على نشر فصل من روايته “استخدام الحياة” في جريدة “أخبار الأدب”. والمادة سيئة الذكر رقمها 178 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتنص على: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع أو حاز بقصد الاتجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صورا محفورة أو منقوشة أو رسومات يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامة إذا كانت منافية للآداب العامة”.

لم يكن مطلوبا داخل اللجنة التشريعية إلغاء المادة التي يمكن الاستناد إليها دوما في مطاردة الأدب والفن، كل ما اقترحه النائبان تعديل العقوبة من الحبس إلى الغرامة، بمعنى أن الفن سيظل مشكوكا في أمره إن كان ينافي الآداب أم لا، يمكن اتهامه في أي لحظة، لكن وفق التعديل المقترح فإن صاحبه على الأقل لن يخسر حريته، فقط سيدفع مالا مقابل جريمته.

الرعب

من المخيف بالفعل تأمل مناقشات اللجنة حول الموضوع والتي آلت في النهاية إلى بقاء تلك المادة على حالها، كتلة النواب المساندة لرأي الحكومة باستمرار عقوبة الحبس في قضايا النشر الخاصة بخدش الحياء، كان على مقدمتها الصحفي والنائب مصطفى بكري الذي شدد على أن هناك فروقا بين العمل الابتكاري والفعل الفاضح، و”إما أن نحافظ على المجتمع وقيمه، وإما أن نفرط في ثوابتنا”. بكري هنا يؤكد على الخطاب القديم والذي اعتدنا سماعه طوال عقود، خطاب العموميات الذي لا تفهم منه شيئا، خطاب القيم والثوابت الذي يقرر وحده ما هو فن وما هو إباحي، وفق نظرته ومعرفته. ورغم أننا كنا نعتبر النقطة التي توقف عندها أصحاب هذا الخطاب قديمة للغاية، لكنها تبدو الآن، وفي مقابل قناعات جديدة كشف عنها نواب آخرون في تلك الجلسة، رؤية ما بعد حداثية.

النائب سمير رمضان مثلا استند في رفضه إلى أن التعديل سيسمح هكذا بالإباحية، وأنه بهذا الشكل يمكن نشر صور عارية لأى امرأة، بل ومن الممكن تصوير عمل خادش للحياء بزعم أنه إبداع.

هنا خلط بين الفن و”البورنو”، ومن الصعب شرح الاختلافات بين النوعين لمن لا يدركها، هل من المتصور أصلا أن نائبا لا يعرف كيف يميز بينهما! لكن المصيبة أنها لم تكن رؤية فردية تخص رمضان، فقد وجدت صدى لدى البعض للدرجة التي دفعت أحمد سعيد، أحد النائبين اللذين تقدما بمشروع التعديل، للدفاع عن نفسه: “احترم كل الآراء، ولكن يصعب علي أن يقال إني مقدم مشروع قانون يتيح الإباحية”.

المساواة.. في حق الحبس

أثناء المناقشة جاء ذكر نجيب محفوظ، سعيد بينما يدافع عن مقترحه تساءل عن معايير خدش الحياء: هل محفوظ كان يخدش الحياء في “السكرية”، و”قصر الشوق”؟

الرد المنطقي الرسمي الوظيفي المعتاد كان سيقول إن الفارق كبير بين إبداع أديب عالمي مثل محفوظ وبين أعمال أخرى لا فن فيها وتسعى لهدم الثوابت، لكن أحد النواب فاجأ اللجنة ومصر كلها برده أن أعمال نجيب محفوظ خادشة للحياء وأنه كان يستلزم معاقبته أثناء حياته.

اسمه أبو المعاطي مصطفى، لكن هذا ليس مهما لأن لقبه سيتحول إلى: النائب الذي أراد سجن نجيب محفوظ، مستندا إلى دفوعات غرائبية حيث يرى أن إلغاء الحبس في قضايا النشر يهدر مبدأ المساواة بين المواطنين بمنح فئة امتياز عدم الحبس عند خدشهم للحياء، يقصد المبدعين بالطبع، لا ميزة للفن بالنسبة لأبو المعاطي، ووفقا لكلامه فلو كان محفوظ حيا لكان من المفترض أن يكون رهن التحقيق. صحيح.. ما الذي يمنح محفوظ الظن بأنه أفضل من أي آخر مرتكب لجريمة الخدش؟!

الروائي النائب يوسف القعيد علق، في تصريحات صحفية، قائلا أن هذا النائب لا يستحق الرد عليه، ومن المؤكد أنه لم يقرأ لنجيب محفوظ تماما، وإنه، أي القعيد، يرفض بشدة أن يتم تناول اسم الأديب العالمي بالسلب داخل البرلمان.

n820754936_733870_2482
نجيب محفوظ بجوار تمثال مجهول له

والحقيقة أنه لا يمكن الاتفاق مع تصريح القعيد، كلام أبو المعاطي يستمد قوته من كونه أحد نواب الشعب، ورفض القعيد الإساءة لمحفوظ جاء متأخرا جدا، ما الذي يضمن الآن ألا يتقدم أحدهم ببلاغ إلى النيابة يطالب فيه بسحب أعمال محفوظ ومصادرتها لأنها خدشت حياءه، وأنه كاد يصاب بأزمة قلبية عندما قرأ “قصر الشوق”، تماما مثلما قال المواطن صاحب الثوابت في بلاغه عما أصابه عندما قرأ رواية أحمد ناجي.

أهلا بالجميع في قاعة المحكمة

الجلسة التي تحولت إلى فضيحة بما تعنيه الكلمة انتهت بسؤال حاسم لأبو المعاطي: هل يعنى الإبداع أن أقوم بتصوير حالة جماع كامل على الشاشة، وأقوم بإذاعتها؟ النائبة نادية هنري المشاركة في تقديم مشروع اقتراح التعديل لم تجد ردا إلا: “يا نهار اسود…هتودونا في داهية”. وللأسف هو كذلك.

هذه الجلسة التي تستحق التأريخ عن جدارة أتت مباشرة بعد يوم واحد من رفض الاستشكال الذي طالب بوقف حبس أحمد ناجي مستندا إلى مجموعة من الأسباب أهمها، أن “الحكم كان به العديد من الإشكاليات منها أنه تعامل مع الفصل المنشور من رواية “استخدام الحياة” على أنه مقال، في تجاهل واضح للفرق بين الرواية والمقالة، الرواية محض خيال، ليست لها صلة بالواقع”.

كما أوضح الاستشكال أن: “تراثنا الأدبي والثقافي مليء بالعديد من الروايات بهذا النمط، رواية ألف ليلة وليلة تمت مصادرتها في منتصف الثمانينيات، تحت زعم أنها خادشة للحياء، ولكن في عام 1986 حكم رئيس محكمة شمال القاهرة بإلغاء الحكم والإفراج عن الرواية التي كانت تحاكم بنفس المادة 178 من قانون العقوبات التي يحاكم بها أحمد الآن وإعادة نشرها باعتبارها عمل أدبي. وفرقت ما بين القصد الجنائي والقصد الأدبي، فلا يوجد قصد لدى الكاتب عند تخيل عوالم روايته خدش الحياء أو قصد جنائي لإثارة الغرائز الجنسية، ولكن له قصد أدبي في تقديم رواية خيالية، ولكنها لا تعبر عن الواقع”.

هذه الحجج التي ساقتها هيئة دفاع ناجي عنه يبدو أنه من الضروري الآن تقديمها أيضا لبعض نواب البرلمان، وتوزيعها على نطاق واسع مجتمعيا، مع قائمة قراءة لإدراك معنى مصطلح “فن” لأنه بخلاف هذا فنحن على وشك أن نشهد واحدة من أكثر المراحل الهزلية المسجلة في المسيرة الإنسانية بجر تاريخ الفن المصري كله جنبا إلى حاضره إلى قاعات المحاكم.

—- —

نشرت في موقع مراسلون: 30 نوفمبر 2016

http://www.correspondents.org/ar/node…