سوق العقارات والبرجوازية: تحولات سوق الفن العربي في ربع قرن

في عام 1989 دخل رجل الأعمال والملياردير المصري نصيف ساويرس إلي أحد المعارض التجارية المقامة في فندق الماريوت، ضم المعرض عدداً من السلع الفاخرة إلي جانب الأثاث
‎والتحف. في زاوية من المعرض كانت شهيرة إدريس وغادة شهبندر يحتلان مكاناً يبيعان فيه عدداً من اللوحات والأعمال الفنية لأسماء مهمة في مجال التصوير ذلك الوقت. صبري راغب كان الاسم الأبرز في تلك المجموعة. وكانت السيدتان تخوضان خطواتهما الأولي في مجال جمع وتجارة اللوحات، وتقديراً لدورهما منحهما صبري راغب واحدة من لوحاته المفضلة علي سبيل العرض لا البيع إلي جانب لوحتين يمكن بيعهما.

‎كانت لوحة صبري راغب طبيعة صامتة لزهرة حمراء. وكما الحب من النظرة الأولي الذي يكون العالم بعدها مختلفا عن العالم قبلها، وقع نصيف ساويرس في حب اللوحة. وطلب شراءها. حاولت غادة وشهيرة اقناعه بأن اللوحة ليست للبيع، لكن نصيف تمسك بطلبه. وأمام إلحاحه اتصلت غادة بصبري الذي انفعل وانزعج من طلبها وأخبرها بأن اللوحة ليست للبيع، لكن ساويرس أصر علي طلبه بشراء اللوحة، فقرر صبري راغب طلب رقم ضخم يساوي ثلاث أضعاف الأسعار المعتادة في السوق. بثقة قال صبري راغب:

‎-عشرة آلاف جنيه.

وبسرعة وحسم كان رد نصيف:

‎-موافق.

‎لتصبح لوحة راغب أغلي لوحة تباع لفنان مصري معاصر وعلي قيد الحياة وقتها حسبما تؤكد غادة شهبندر، في فترة كان السوق يتحرك فيها والأسعار التي كانت لا تتجاوز المئات أصبحت تصل إلي الآلاف. والتمدد العمراني ينتشر لخارج القاهرة ليؤسس مدناً جديد. وغزو صدام حسين الكويت يدفع ما تبقي من مشروع الوحدة العربية الايدلوجيا للانهيار. كانت الخرائط تتغير، وسوق الفن العربي يولد مُتعثراً.


‎عالم ما قبل 1989

 

‎مع تأميم الحياة الثقافية والفنية في الستينات في مصر خضعت الفعاليات الفنية والمساحات الثقافية إلي الاشراف والتنظيم من قبل الدولة. في الثمانينيات إلي جانب قاعات الدولة كان عدد الجاليرهات الفنية في القاهرة بسيطا، والسعر الأقصي لما يمكن أن تباع به لوحة لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه. تتذكر غادة شهبندر الأسماء البارزة في السوق ذلك الوقت جاليري سفر خان، طارق المرصفي جاليري أرابيسك. وجمهور الفن يقتصر علي قائمة محدودة من الأسماء التي حتي في حالة اهتمامها وشرائها لأعمال فنية فستكون لفنانين من الأسماء الكبيرة والتي حققت وأثبتت وجودها.

‎في هذه المرحلة حيث الانسحاب الكبير لأجهزة الدولة من المجال الثقافي والفني، كانت غادة شهبندر مع صديقتها شهيرة إدريس تستثمر مهارتها وذائقتها في الديكور في الاتجار في عدد من التحف والتابلوهات الفنية. بدأ الاثنان أيضاً في زيارة المعارض الفنية والتعرف علي الفنانين. وقتها كان قطاعا كبيرا من الفنانين المعاصرين يمتلك استديوهات في وكالة الغوري أو عدد من البيوت الأثرية التي رممتها الدولة ومنحتها لهم كاستديوهات فنية. بالتالي فزيارة مثل هذه الأماكن منح غادة شبكة واسعة من العلاقات مع فنانين من مختلف الأجيال.كان لدي الدولة نظام متكامل صحيح يشوبه الكثير من العيوب لكنه يعمل ويقدم مظلة لدعم الفنانين، فالدولة توفر الاستديوهات للفنانين للعمل، وتمتلك الجاليرهات التي تعرض فيها الأعمال الفنية، وتدير لجنة المقتنيات التي تشتري الأعمال ولجان آخري توزع الجوائز علي الفنانين.

إقتصاديا كانت مصر تستكمل خطوات التحول إلي نظام السوق الحر، يتم تخصيص المؤسسات الحكومية وبيعها، وبالتالي تتقلص ميزانياتها في كل نواحي الانفاق الخدمي ومنها بالطبع الانفاق الثقافي. يُفتح السوق المصري أكثر فأكثر أمام الشركات العالمية. ولجمهور النخبة الاقتصادية الجديدة كانت تقام معارض خاصة في فنادق الخمس نجوم. وفي هذه المعارض بدأت غادة شهبندر للمرة الأولي في عرض لوحات لفنانين معاصرين.

جذبت عروض غادة وشهيرة انتباه قطاع من الجمهور، فتوسعت أنشطة الاثنين لتمتد لإقامة معارض خاصة. وقتها كانا يستغلان وجود شقة خالية عند أحد معارفهما، لإقامة معرض قد يستمر لأسبوع وبضعة أيام. بتوالي المعارض التي كانت تقيمها غادة توسعت دائرة عملائها، وتوسعت كذلك دائرة الفنانين الذين تتعامل معهم.

 

 قائمة الفنانين الذين عرضت لهم غادة ضمت صلاح طاهر، بيكار، سمير فؤاد، جاذبية سري، ناجي باسيلوس. إلي جانب فنانين شباب وقتها، بعضهم استمر وبعضهم غادر كهدي خالد، فاطمة رفعت، وموريس فريد. البعض الآخر كحسن سليمان رفض أن يعرض معهم لأنهم كانوا يعرضون في شقق مؤجرة وليس جاليرهات مجهزة لكنه أعطاهم في الوقت ذاته أسماء لفنانين زملائهم قد يتحمسون للعمل معهم.
‎صنعت غادة شهبندر أسمها كأحد الأسماء البارزة في سوق الفن وقتها. لكن عائدات الفن المادية لم تكن بالقدر الكبير لذا فلم يكن بإمكانها تأجير مكان بشكل مستمر وتحويلها لجاليري. فضلت العمل بشكل حر. وبدأت في تلقي عروض نوعية مختلفة. فالشركات العالمية التي بدأت في ممارسة نشاطها في مصر بدأت في الاستعانة بغادة لاختيار لوحات فنية لوضعها في مقاراتها أو بعض المكاتب كانت تسعي لتكوين مجموعتها الخاصة للفنانين.

‎صممت واختارت غادة اللوحات التي كانت تعلق في مقر عدد من الشركات الكبري وقتها أبرزها “أمريكان اكسبريس”، “كاربت سيتي”. أحياناً كان يطلب منها مهمات بسيطة كاختيار اللوحات في مكتب مدير الشركة أو في دور كامل.

في الوقت ذاته وصلت “ستيفاني” إلي القاهرة عام 1990، في زيارة استكشافية لتأسس جاليري مشربية في وسط البلد، عملت “ستيفاني” قبل قدومها في عدد من الجاليرهات في إيطاليا المتخصصة في الفن المعاصر. وكان طموحها الأساسي تأسيس جاليري يقدم الفن كحالة مكتملة وليس كديكور يتماشي مع الأثاث.

تتذكر ستيفاني كيف حينما وصلت القاهرة كانت بعض الجاليرهات تعرض اللوحات وتبيعها مع الكنب وقطع الأثاث بحيث تتماشي اللوحة مع الكرسي المباع.

الفن يدخل السوق الحر


عملت غادة في سوق الفن من 1986 وحتي منتصف التسعينات، وهي تؤكد أن فترة نهاية الثمانيات تحديداً شهدت اتساعا وتغييرات طفيفة في سوق الفن، ارتفاع في الأسعار واتساع في شريحة الجمهور المهتم، تعود هذه القفزة الطفيفة إلي عدة أسباب:

‎-في نهاية الثمانينات وسعت الحكومة من خططها الانشائية ودعمها للمدن الجديدة، نتيجة لهذا حدث توسع كبير في سوق العقارات خصوصاً في غرب القاهرة وشرقها مع إنشاء مدينة 6أكتوبر ومناطق امتداد مدينة نصر والتجمع الخامس. عادت من جديد لتظهر البيوت الواسعة والفيلات والقصور الفخمة والباذخة.
‎-النخبة الاقتصادية الجديدة اتخذت من الفن وسيلة للتباهي وصنع التميز الطبقي، وبالتالي فتعليق أعمال ولوحات فنية أصلية في المنزل إشارة علي خصوصية اجتماعية. حيث تميزت هذه الفترة بالبزخ الشديد.

-المؤسسات الاقتصادية العالمية والغربية التي بدأت بالعمل في السوق المصري نقلت تقاليد غربية جديدة في العمل وفي السلوكيات التسويقية. منها الفن كعنصر جمالي وتسويقي يعكس هوية الشركة أو المؤسسة الاقتصادية، ومنها التعامل مع الفن كاستثمارات طويلة المدي ويمكن حفظ المدخرات فيه.
‎شهدت هذه الفترة ظهور الكثير من الأعمال القديمة للرواد التي كانت مخفية منها تماثيل لمختار ولوحات لمحمود سعيد. وفي سوق جديد بلا قوانين أو مؤسسات ضابطة انتشر التزوير. ووجدت غادة أنه إلي جانب دورها تقوم بدور المحقق خلف كل لوحة.


‎تتذكر أن أحدهم طلب منها تسعير لوحة لحسين بيكار، فذهبت بها إلي الفنان الذي ابتسم بهدوء وأخبرها أن اللوحة جيدة لكنها ليست له، بل أحدهم يقلد أسلوبه.


‎المقرئ والأساور الذهبية

 

يحكي سلطان القاسمي مدير شركة “باراجيل”   أنه ذات مرة أقامت واحدة من الصالات مزاداً علي عدد من اللوحات من ضمنها لوحات لمحمود سعيد، وفي الكاتلوج الذي تم توزيعه علي رواد المزاد احتوي علي لوحات عارية لمحمود سعيد تم تغطيتها ببوستر. كريم فرانسيس مدير جاليري كريم فرانسيس يدافع عن الصالات بأنها تفعل ذلك نتيجة لقوانين البلاد العربية وليس بسبب قوانين تفرضها الصالات نفسها.
‎لكن غادة شهبندر تري أن التقييم الأخلاقي للفن أو ضعف الاقبال علي اللوحات العارية منبعه الأساسي قيم اجتماعية تتغير أحياناً بتغير العصر والمناخ. في أوائل التسعينيات عرضت لوحة ذات الأساور الذهبية لمحمود سعيد عليها بمبلغ لا يتجاوز المائة ألف جنيه، ومعهد العالم العربي في باريس رفضها وفضل شراء وعرض لوحة المقرئ لأنه رأي أنها تمثل الفن أكثر من لوحة عارية لسيدة سمراء.

‎”في الثمانينيات وبداية التسعينات كان هناك مناخ اجتماعي عام يرفض اللوحات العارية، ولم يكن الأمر بسبب المد الإسلامي فقط بل يشمل المجتمع بمختلف طوائفه.” تشير غادة ونحن جالسون في بيتها إلي لوحة لصبري راغب تظهر فتاة تتزين أمام المرأة ترتدي قميص نوم أسود قصير. اللوحة اشترتها سيدة من عائلة قبطية برجوازية ثم طلبت تبديلها بعد أيام لأن ابنتها لن تقبل لوحة عارية في المنزل. ولهذا فما تصفه غادة شهبندر بالقيم الاجتماعية المتغيرة يتغلغل ليعبر عن نفسه في ممارسات مؤسسات ثقافية ذات طابع دبلوماسي كمعهد العالم العربي تسعي لتقديم تصورات عن الذات في أرض الآخر، ذات القيم ستمارس حتي علي أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي الأساسية (الأسرة). تحكي غادة عن عائلات كانت تعرض عليها لوحات لجورج الصباغ لأن الأبناء يرفضون وجود لوحات عارية في المنزل.

‎في 2012 يعرض في جاليري مصر لنادين همام أعمال متنوعة أنجزت علي طوال الفترة التي تلت ثورة 25 يناير تحمل اسم ” Tank Girl” (فتاة الدبابة). والكتيب التعريفي المصاحب للمعرض سيخبرنا “ينطلق صوت الفنانة من خلال عملها الفني الذي حرصت علي تسميته “فتاة الدبابة” معتمدة علي إعادة التركيب في الأنماط والأنساق. تحاكي في هذه الإعادة توليفة من تحولات القوة. تجلس فيها المرأة مسيطرة علي واحدة من أشرس آلات الحرب: الدبابة كرمز في إشارة منها إلي قدرة المرأة علي فرض قوتها وانتصارها في معركة إثبات الوجود”. سيختتم الكتيب بفقرة بيانية: “تأمل الفنانة من خلال تعاملها مع هذه الرموز المعقدة إيجاد دور أكثر فاعلية للمرأة المعاصرة في المشهد السياسي والاجتماعي. فتاة الدبابة تمثل هنا كل امرأة مصرية”. وفي لوحات من الأكريليك تواجهنا فتاة الدبابة بتكونات أنثوية الطابع في أوضاع استعراضية وقد تطبعت فوق أجسادهن والمساحات التي تملأ الفراغ جرزان أحياناً أو كلمات بالانجليزية شكلت بالواقيات الذكرية. محمد طلعت مدير جاليري مصر سيعلق أن تلك القيم الاجتماعية تغيرت الآن. بالعكس الجمهور الجديد المقبل علي شراء الفن ينجذب أكثر إلي الأعمال الأكثر معاصرة والتي تستخدم وسائط متعددة وليس لديه مشكلة مع اللوحات والأعمال التي تحتوي علي عري أو حتي تتخذ من الجسد أو الإيروتيكيا موضوعاً لها كما في مجموعة “إيروس” لدسوقي فهمي والتي عرض جزء منها في جاليري مصر أيضاً.


‎مغامرون جدد

 

حتي منتصف التسعينات لم تكن هناك قوانين واضحة لسوق الفن يتم علي أساسها تحديد الأسعار والتأكد من صحة الأعمال، لكن كان هناك كود أخلاقي لا توجد جهة تراقبه. الفنانون هم من يضعون أسعار أعمالهم الفنية والجاليرهات تعرض وتتقاضي نسبة مقابل الأعمال المبيعة. بعض الفنانين في الثمانينيات كان ينظرون بريبة إلي الجاليرهات ويطلبون من الجاليري شراء أعمالهم. سواء ما يمكن أن يحدث من انتهاك لهذا الكود الاخلاقي أن يعرض فنان لوحة له في جاليري ويبيع لوحة من ذات المجموعة بسعر أقل من المعروض في الجاليري.

‎بخلاف الأكواد والقيم الأخلاقية لا توجد منظومة قانونية في مصر خاصة بسوق الفن، وعلي سبيل المثال ففي 2005 حينما ظهرت قضية جاليري عايدة أيوب والتي كانت تبيع لوحات مزورة لزبائنها بصفتها أعمالا أصلية لرواد الحركة الفنية تعاملت معها المحاكم المصرية كقضية نصب واحتيال، فلا توجد مواد في القانون المصري تعاقب علي عمليات تزوير اللوحات الفنية.

قضية عايدة أيوب ذاتها تكشف جانبا من الخلل المحيط بسوق الفن في مصر، فقد بدأت في العمل في سوق الفن بداية من التسعينات وباعت لزبائنها عشرات اللوحات التي كان يقوم بتزويرها الفنان الراحل يسري حسن وكونت عايدة شبكة من العلاقات الثقافية الواسعة منحت بسببا لقب “راعية الفن” من قبل وزير الثقافة وهو لقب شرفي تمنحه الوزارة وتم سحبه منها بعد إدانتها في القضية 2238 3 لسنه 2006. ولم يتم اكتشاف أمر التزوير إلا حينما حاولت مي زيد إحدي زبائن عايدة التأمين علي بعض اللوحات التي اشترتها منها فاكتشفت بالمصادفة أن كل ما اشترته منها مزور.

‎الحراك الذي شهده سوق الفن المصري كان منبعه تدافع النخبة البرجوازية الجديدة إلي اقتناء الأعمال الفنية، بعضهم تشجع تعلي دخول السوق بذات المنطق التجاري المعتمد علي الكسب السريع، لكن البعض كان ينسحب كغادة شهبندر التي توقفت عن العمل في مجال سوق الفن في منتصف التسعينات والسبب كما تقول كان نوعية الزبائن التي بدأت تهتم بالفن. في أحد المعارض التي كانت تنظمها تحكي غادة أنها كانت تقف مع الفنانة صاحبة المعرض حينما سمعت زبونة تقول أنها ترغب في شراء اللوحة لأن ألوانها تتماشي مع لون الصالون عندها، شعرت الفنانة بالاهانة ورجت غادة ألا تبيع اللوحة لتلك الزبونة.

‎أصحاب الجاليرهات الخاصة حتي ذلك الوقت معظمهم كانوا من السيدات، ودخلن السوق بدافع الاهتمام بالفن أولاً ولتحقيق الربح المادي ثانياً. فإلي جانب غادة كان هناك شيرويت الشافعي صاحبة جاليري “سفر خان” والتي بدأت نشاطها ببرنامج في التلفزيون المصري كانت تقدمه في الستينات، ثم افتتحت جاليري سفر خان حيث تحولت إلي العمل في سوق الفن بعد توقف نشاطها الإعلامي في التلفزيون.
‎بينما لا يزال جاليري سفر خان مستمرا في العمل حتي الآن، فغادة شهبندر لم تستطع الاستمرار في السوق لأكثر من عشر سنوات لأنها سئمت من التعامل مع الزبائن وطريقة تعاملهم مع الفن والفنانين وبعد عشر سنوات ستؤسس غادة لحركة شايفنكم لكشف الفساد وعمليات التزوير الانتخابية التي كان يقوم بها نظام مبارك وستصبح غادة من أبرز الأسماء الناشطة سياسياً خصوصاً بعد ثورة 25 يناير.

انسحبت غادة من السوق بينما كان هناك مغامرون جدد يدخلون. كريم فرانسيس كان وقتها في بداية التسعينات في رحلة بحث عن الذات تنقل في عمله بين مجال الاستيراد والتصدير ثم السياحة وأخيراً بدأ يهتم بالفن. خصص كريم ثلاث سنوات يقرأ فيها عن الفن ويتعرف علي الفنانين والممارسات الفنية المختلفة. ثم قرر كريم فرانسيس خوض المغامرة وافتتاح الجاليري الخاص به.

‎في شقة يملكها بشارع الشريفين في منطقة وسط البلد أقام كريم فرانسيس عام 1995 معرضه الأول والذي اتخذ من الهوية عنوانا له. كان معرضا جماعيا لعدد من الفنانين منهم محمد عبلة اتسع ليشمل أعمالا أدبية حيث عرضت خلالها مخطوطات للروائي صنع الله إبراهيم.

‎بينما نجلس وسط منحوتات صبحي جرجس يتذكر كريم فرانسيس البدايات قائلاً: “حينما بدأت العمل في سوق الفن، كان معظم المشترين يقبلون علي أعمال الرواد القدامي، المسألة بسيطة كل مشتر يشعر بتماس مع الفنانين الذين ينتمون لجيله، لكن بدافع شغفي الخاص أردت تقديم أسماء جديدة وأفكار جديدة في الفن لم تكن معروضة بعد في السوق، أقمت سلسلة معارض جماعية بعنوان المواهب الجديدة سعينا إلي تقديم أسماء تعرض لأول مرة وتجارب وأنواع فنية خارج حتي نطاق لوحة الحامل بل تمتد لتشمل الأعمال المركبة والفيديو آرت “.


‎فرحة البيع

 

‎تغيرت السياسية المصرية لتصبح أكثر انفتاحاً وسعياً للاندماج في السوق العالمي الجديد في التسعينات، ووقعت مصر علي الكثير من اتفاقيات الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي وشملت هذه الاتفاقيات بنودا واضحة علي التعاون الثقافي. بدأت عدد من المؤسسات الثقافية الأجنبية العمل في مصر حيث نظر لها في البداية بالكثير من التشكك، وقاطعها نقاد الفن علي الساحة أبرزهم أسامة عفيفي الذي اعتبر ممارسات المؤسسات الثقافية والفنية الأجنبية دخيلة علي مسيرة الحركة المصرية وتأتي في إطار خطة لزعزعة الهوية الوطنية المصرية. ومن فورد حتي جاليري التاون هاوس ستتعرض المؤسسات الفنية التي لعبت دوراً هاماً في دعم الممارسات الفنية المعاصرة لهجمات من التخوين والتشكيك وصلت إلي حد وصف الناقد الفني صبحي الشاروني دور هذه المؤسسات بالخبيث في كتابه ” موسوعة الفنون الجميلة المصرية.. في القرن العشرين”.

‎تعمل المؤسسات الفنية بقواعد إقتصادية مختلفة فنظراً لأنها مؤسسات غير ربحية فلا يمكنها بيع الأعمال الفنية، وهذا النمط الذي لا يعتمد علي بيع الفن بل استخدامه ضمن إطار خطط التنمية سمح بانتعاش الممارسات الفنية المعاصرة ومنح الفنانين الشباب مساحات للتوسع والتجريب في الأعمال المركبة والفيديو آرت وهي الأعمال التي يصعب بيعها للجمهور العادي وأحياناً لا يمكن بيعها. هي أيضاً ذات الممارسات التي لم تلق ترحيبا من المؤسسات الفنية الحكومية وتعرض جيل التسعينات من الفنانين للتهميش والنبذ من قبل المؤسسات الرسمية التي تمسكت بعرض وتقديم الفن الذي يمثل الهوية المصرية من وجهة نظرها.
‎وسط هذا الصراع والتغييرات الفنية كان كريم فرانسيس يحاول خلق نمط ثالث، أقرب ما يكون إلي نمط عمل “ستيفاني” مدير جاليري مشربية التي رفضت التعامل مع الفن الأكاديمي أو عرض لوحات لفنانين راحلين وفضلت التركيز علي الفن المصري المعاصر. رفض كريم تحويل الجاليري إلي مؤسسة فنية تعتمد علي التمويل وفضل الاستمرار في مغامراته، رفض كريم للتمويل لم يكن بداعي التخوين بل لعدة أسباب آخري يعددها قائلاً:

‎-” أولاً: لست مقتنعا بمسألة تمويل المؤسسات الفنية، أنا شخصياً لو منحتني المال فلن أعمل ولن أجتهد لعرض الأعمال وتسويقها. أيضاً مسألة “البيع” في حد ذاتها مهمة للفنان ولي كصاحب جاليري ليس فقط للربح المادي بل أيضاً لأنها تمنح العمل قيمة معنوية. هناك فرحة حقيقية تتملكني عند النجاح في بيع عمل”.

‎-“ثانيا: يحول نمط العمل في المؤسسات المدعومة الفنان وصاحب الجاليري إلي موظفين يتلقون تمويلا شهريا، أما البيع فيمنحك مساحة حرية أكبر.”

‎-“ثالثا: العمل مع هذه المؤسسات يتطلب الكثير من الأوراق والخطوات الروتينية وملء استمارات طلبات تلقي التمويل التي تحتوي علي أسئلة في رأيي ليس لها أي معني لكنك مضطر للإجابة عليها وتقديم ما تريده المؤسسات الداعمة، أو تغليف ما تريده بأفكارهم ومفاهيمهم التنموية. بينما في الجاليري الخاص كل ما تحتاجه الحصول علي رخصة وسجل تجاري.


‎لكن يقبل كريم تمويل تلك المؤسسات لعمل بعض الفنانين خصوصاً أعمال الفيديو آرت المكلفة والتي لا يمكن بعد ذلك تسليعها وبيعها.

‎كان جاليري كريم فرانسيس من أوائل الأماكن التي فتحت أبوابها لجيل التسعينات من الفنانين الذين أصبحوا الآن نجوما تباع أعمالهم بمئات الآلاف. يتذكر فرانسيس أنه عرض في التسعينات عملا لغادة عامر كان مطروحاً للبيع بخمسة آلاف جنيه ولم يهتم أحد بشرائه الآن نفس العمل تم بيعه ب165 ألف دولار أمريكي.

‎فتح كريم الجاليري لمغامرات جديدة، يضحك متذكراً الدهشة التي كانت تعلو وجه زوار الجاليري حينما يشاهدون عملا مركبا ويقول: “كان البيع قليلاً جداً ولذلك فكرت لماذا إذن لا ننفتح علي تجارب وممارسات جديدة. كان الزوار لا يفهمون ما يحدث وكنت أعرض لهذه التجارب والأعمال في محاولة للفهم والاستيعاب وخلق حوار حول هذه التوجهات الجديدة”.

‎لعب جاليري كريم فرانسيس وجاليري مشربية بالتعاون مع التاون هاوس دوراً حيوياً في طرح بدائل ومسارات جديدة للحراك الفني، وتعاون الثلاث أماكن في سنة 2000 علي إقامة مهرجان “نطاق” الفني الذي أقيم بالتوازي مع بينالي القاهرة. وهو الحدث الذي تصفه نيجار عظيمي في مقال لها: “العلامة الأكثر وضوحا لمشهد الفن المصري الذي اهتز و ما عاد كما عهدناه هي بفعل مهرجان النطاق.”

‎تفصل عظيمي أسباب تميز المهرجان قائلة: ” قدم نطاق عرضا لميول الفنانين من الجيل الجديد الذين يشتغلون بأدوات تعبير تتحدي أفكار المعاصرة السائدة. هُندس للبدء في نفس يوم الإفتتاح لبينالي القاهرة 2001 و بهذا يكون مهرجان النطاق الثاني بالذات قد أدي دوره الإنحرافيا بكل معني الكلمة. بينما أختص بينالي القاهرة بإعتماده علي التقاليد في المفهوم و التنسيق، أثبت مهرجان النطاق إنه غير عادي علي الإطلاق، مُغيرا المفاهيم الراكدة التي تحيط بإستعمال الفضاء و المواد، و إمكانية أن يُجردّ جسم العمل الفني من المادية البحتة. ك ما بعد حداثيينا حقيقيين، كانت الوسيلة المفضلة لفناني النطاق هي العمل الإنشائي المتعدد الوسائط و المواد الذي أنجز بميول مفاهيمية .و منذ ذلك الحين انطلق عدد من فناني النطاق، من بينهم لارا بلدي، أمينة منصور، حسن خان، وائل شوقي، و مني مرزوق، للعرض علي نحو عالمي واسع.”


‎رجال المزادات في مدن الصحراء

‎في حوار معه عبر اسكايب يقول سلطان القاسمي: “حتي التسعينات كان هناك أعمال فنية، لكن لم يكن هناك سوق للفن في مصر، وكان هناك شبه غياب كامل للأعمال الفنية المصرية في الخارج. عدد المقتنين للأعمال الفنية المصرية لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة أبرزهم محمد سعيد الفارسي حاكم مدينة جدة والأمير القطري حسن بن محمد آل ثاني.”

‎مع بداية القرن الجديد كانت المدن الجديدة في الخليج العربي تتحول إلي مدينة عالمية وناطحات السحاب في الدوحة تتسابق نحو الأعلي مع ناطحات السحاب في دبي. يروي كريم فرانسيس أنه منذ بداية الألفية بدأ في تلقي دعوات ونصائح من أصدقاء له بضرورة السفر إلي دبي حيث أن هناك سوقا للفن ينمو بقوة نتيجة للنمو المتسارع لسوق العقارات. تعرف كريم في هذه الفترة علي مهندسة ديكور أوروبية تعمل في دبي، حيث اعتادت التعاون معه لاختيار أعمال فنية تستخدمها في التصميم الداخلي للمشاريع التي تتولاها.
‎بعد عشر سنوات من العمل في سوق الفن كان كريم فرانسيس قد صنع اسماً بارزاً عالمياً ومحلياً، وذات يوم في 2005 وجد وفدا من صالة كريستي للمزادات يزوره ضمن جولة استكشافية للتعرف علي الفن المصري والعربي وسوقه. سحبهم كريم فرانسيس إلي عدد من استديوهات الفنانين منهم عدل السيوي، محمد عبلة، وآدم حنين. كان رجال صالات المزادات يقومون بجولات الاستطلاع الأولي لسوق الفن العربي عبر زيارة عدد من المدن والعواصم الأوروبية تمهيداً لافتتاح أفرع لها في دبي والمنطقة الخليجية. وفي دراسة Taymour Grahne المنشورة عام 2012 عن سوق الفن في الشرق الأوسط والتي تحمل تThe Rise of the Middle Eastern Art Market Since 2006 Å، سينقل عن فيليب هوفمان Philipp Hoffmann المدير التنفيذي لمؤسسة تFine Art Fund قوله أن القيمة الإجمالية لسوق الفن في الشرق الأوسط تبلغ 10 مليارات دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يتضاعف الرقم ثلاث مرات خلال السنوات القادمة.

‎قبل نهاية 2005 افتتحت صالة مزادات كريستي فرعها الأول في الشرق الأوسط تلتها صالة مزادات Sothebyصs وBonhamصs. غيرت صالات المزادات الكثير من وضع الفن العربي يرصد سلطان القاسمي هذه التغيرات قائلاً:

‎”-وظفت هذه الصالات باحثين ومتخصصين في الفن  لدراسة الفن المصري وتقييمه ووضعت تقارير للتحقق من الأرقام المطروحة. أحياناً كنا نسمع عن أعمال بيعت بأرقام خرافية لكن لم يكن لدينا أي طريقة للتحقق من صحة هذه الأرقام، ولذلك فقد عملت الصالات علي التحقق من تلك الأرقام.

‎-قلصت صالات المزادات من التزوير الذي كان يهدد سوق الفن العربي، حيث كانت اللوحات والأعمال المزورة وتمرر وتباع دون التحقق من مدي صحتها وتاريخها.

‎-انتجت الصالات كاتولوجات موثقة للفنانين المصريين فأصبح هناك “كتالوج روزانه يوثق لكل أعمال محمود سعيد ورمسيس يونان وغيرهما من الرواد لتكون مرجعا أساسيا لأعمالهم.”


‎ذهب البرجوازية

حينما سألت الفنان السوري يوسف عبدلكي “لماذا يشتري الناس في دبي وفي الخليج وفي القاهرة الأعمال الفنية بهذه الأسعار؟” كان رده هو الاستعانة بكارل ماركس وواحدة من عباراته حينما قال أن كل ما تلمسه البرجوازية يصير ذهباً. وصالات المزادات تعمل بشكل أساسي لجني المزيد والمزيد من الذهب. وبالتالي فيجب أولاً انشاء قانون لسوق الفن علي أساسه يتم تسعير أعمال الفنان. وفي سوق تتضارب فيه الاقوال والاحكام النقدية يأتي المزاد كأحد الممارسات التي تترك للسوق الحر مهمة تحديد سعر العمل. وعلي هذا الأساس يحصل الفنان علي رقم يتحول كما يقول محمد طلعت مدير جاليري مصر إلي مرجع علي أساسه يبيع الفنان أعماله التالية.

‎السوق يدعم أيضاً بالبرجوازية والأغنياء ومقتني الفن الذين يضعون استثمارات ضخمة في أسماء بعينها ويقتنون أعمالهم بمنطق حفظ الأموال واستثمارها، فاللوحة التي تبلغ عشرة اليوم يمكن أن تصبح بمائة بعد بضعة أعوام. وبالتالي يسعي هؤلاء علي الحفاظ علي السوق وقوانينه وفق أسس واضحة لحركته لكي يحافظوا علي قيمة استثماراتهم، فانهيار السوق أو أي تغيير جذري في قوانين التقييم والتسعير التي تحكمه يعني انخفاض مدخرات مقتني الفن وانهيار استثماراتهم.

لكن طلعت يوضح أن سوق الفن وبورصته الأساسية في مزادات الخليج يحتوي علي مساحات خلفية مفتوحة للتلاعب. يحكي طلعت كيف تقوم بعض الجاليرهات أحياناً بطرح أعمال لفنانين شباب متعاقدين معهم في المزادات ثم يقومون بشرائها مرة آخري من وسيط في المزاد بأسعار مرتفعة. وبالتالي ترتفع أسعار الفنان فيبدأ مقتنو الفنون بالبحث عن أعماله التي يقوم الجاليري بإعادة عرضها وبيعها بعدما يكون سعرها قد ارتفع اضعاف ما كانت عليه.

يشكو طلعت أيضاً من الانحيازات القومية داخل السوق قائلاً: “رجال الأعمال والمليونيرات الإيرانيون معظمهم يقيمون في دبي، لذلك يقبلون علي شراء الأعمال الفنية الإيرانية التي أصبحت تمثل جزءا كبيرا من سوق الفن تشاركه فيه الاعمال العربية، ولا يكتفي الإيرانيون بالشراء فقط بل يدعمون مشاريع فنية لترويج الفن الإيراني في دبي والدول العربية، أيضاً الجاليرهات الشامية في سوريا ولبنان لديها تكتل واضح في مواجهة الفن المصري حتي أن مدير واحد من الجاليرهات السورية أعلن منذ فترة في حديث صحفي بأنه لا يوجد في السوق الآن غير الفنانين السوريين. في المقابل في الجاليرهات في مصر لا تقوم بأي تنسيق فيما بينها.”

‎كريم فرانسيس يختلف مع الرأي السابق حيث يقول أنه شخصيا سبق واقام معارض لفنانين مصريين في لبنان وسوريا، ويضيف كريم “الجاليرهات يمكن ان تتعاون فيما بينها علي مشروع ما، لكن لا يمكن أن نتعاون او ننسق مع بعضنا البعض لأننا ببساطة متنافسون داخل سوق واحد.” أما عمليات التلاعب وطرح فنانين في المزاد من أجل رفع اسعارهم، فيري سلطان القاسمي أن هذا الامر كان يمكن أن يحدث في البدايات لكن الآن من الصعب أن تحدث مثل هذه العمليات لأن السوق ضيق جداً وإذا قام أحد الجالريهات بهذه اللعبة فسوف يكشف فوراً.لأن السوق صغير وكلنا نعرف ما فيه.”


‎الفن الحديث في المتحف

‎تخرج محمد طلعت من كلية الفنون الجميلة عام 1999، وإلي جانب عمله كفنان اهتم طلعت بعملية تنظيم وإدارة المعارض حيث أصبح مديراً لقصر الفنون في الأوبرا عام 2005 حيث عمل مع الفنان محسن شعلان الذي كان وقتها رئيساً لقطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة. يري طلعت أن الفترة التي تولي فيها إدارة قصر الفنون شهدت ما يشبه الانفجار في سوق الفن حيث ظهر نوعية جديدة من مقتني الفنون الشباب، وفتحت أسواق جديدة علي المستوي العربي. بينما كانت أجهزة الدولة لا تزال متأخرة خطوة.
‎شهدت فترة تولي طلعت فتح أبواب الدولة لأسماء من جيل فناني التسعينات، تم استثناؤها لسنوات من العرض في قاعات الدولة كلارا بلدي، بسام الباروني، وائل شوقي، وحسن خان. وقد شهد دخول هذه الأسماء إلي قاعات عرض الدولة صراعاً بينهم وبين التيارات القديمة التي رأت في أعمال هؤلاء الشباب ابتعاداً عن الهوية الوطنية للفن المصري وتجاوزاً لخطوط حمراء وصلت إلي مطالبة عدد من الفنانين ونقاد الفن التشكيلي بالتحقيق مع خالد حافظ ووائل شوقي بتهمة التطبيع واهانة القيم الوطنية.

‎جزء من الاهتمام الحكومي بهؤلاء الفنانين كانت نتيجة للتقدير الذي حظيت به أعمالهم في الخارج، ومحاولة من قطاع الفنون التشكيلية للتنافس مع الجاليرهات المستقلة كالتاون هاوس التي أصبحت مرجعية يستعان بها دولياً لترشيح الفنانين للمشاركة في الفعاليات الغنية الدولية وهو الدور الذي كانت تحتكره أجهزة وزارة الثقافة. لكن رغم الانفتاح ومحاولات التغيير التي حاول محسن شعلان إحداثها في أداء قطاع الفنون التشكيلية كان أداء القطاع محصوراً بسقف الميزانية المنخفض.

‎لكن منذ منتصف 2010 كما يقول طلعت بدأ أداء قطاع الفنون التشكيلية يصاب بالترهل وهو نفسه بدأ يصاب بالإحباط نتيجة رفض الكثير من المشاريع التي كان يقدمها. خبرة طلعت أهلته ليصبح استشاريا لعدد من الشركات العقارية والسياحية حيث كان مسئولا عن اختيار وتكوين المجموعات الفنية لتلك الشركات، وبدأ هو نفسه يستعد لافتتاح جاليري خاص به هو جاليري مصر. وبينما ينسحب القطاع الحكومي المصري من المجال الفني ويقلص أنشطته، تنشط الحكومات الخليجية خصوصاً في الإمارات وقطر في المجال الفني وتتوسع في إنشاء مشاريع المتاحف المختلفة.

‎توضح Laura Damême في ورقتها البحثية “Re-Inventing the Museum in Abu Dhabi and Qatar?” كيف استخدمت الحكومات الخليجية المتاحف لأغراض مختلفة، ففي كلا البلدين تزيد نسبة العمالة والسكان الأجانب عن 90٪. لكن في الإمارات استخدمت الحكومة المتاحف لتقديم هوية عالمية عن البلد لا تشعر المواطنين الأجانب بالاغتراب وتوفر لهم روابط مع الثقافات التي يأتون منها لهذا اختارت أبو ظبي التعاون مع متاحف عالمية لفتح أفرع أو نسخ مصغرة منها كمتحف اللوفر أو المتروبوليان. بينما قطر والتي مرت بتغييرات سياسية واجتماعية جذرية في العقد الأخير تحاول من خلال المتاحف التأكيد علي الخصوصية الثقافية والهوية الإسلامية والعربية للمواطنين القطريين الذين لا يتجاوز عددهم 10٪ من إجمالي السكان. لهذا كان خيار قطر انشاء المتحف الإسلامي، ثم المتحف العربي للفن الحديث.
‎يضيف سلطان القاسمي سبباً آخر للاستثمارات الضخمة التي تضخها الدول الخليجية في سوق الفن، فانشاء المتاحف يحمل رسائل سياسية واضحة تساهم في عكس صورة خارجية عن حكومات تلك الدول كحكومات قادرة علي تلبية احتياجات مواطنيها، وإضافة أبعاد قومية وثقافية لهوية تلك الدول.
‎الاهتمام الخليجي بالفن العربي الحديث بدأ منذ الستينات مع الطلبة العرب الذين عاشوا في مصر للدراسة أو أغراض مختلفة، وكما يوضح سلطان القاسمي فحتي الثمانينيات كان هناك أربع مقتنين للفنون في الخليج العربي، أهمها حاكم جدة محمد سعيد الفارسي صاحب المجموعة الأكبر لأعمال رواد لفن المصري. ومن قطر الشيخ حسن آل ثاني الذي كانت مجموعته الفنية الخاصة النواة الأولي للمتحف العربي للفن الحديث.
‎يتبع كلا البلدين سياسية مختلفة في عملية شراء الأعمال حيث يقول سلطان القاسمي: “في الإمارات الحكومة تشتري وتقتني الأعمال الفنية من خلال هيئة المتاحف، حيث توجد لجنة من المتخصصين تقوم بدراسة اللوحات وتحديد ما يجب شراؤه. هناك لوائح تنظم عملية الشراء فبعض المتاحف لا تشتري الأعمال من المزادات. أما في قطر فقرار الشراء لحظي ويتم اتخاذه بشكل سريع حسب حركة السوق وما هو معروض، كما تشتري قطر من المزادات وأبرز اللوحات التي اشترتها من المزاد كانت لوحة الشادوف لمحمود سعيد التي بيعت بأكثر من 2.4 مليون دولار.

‎الآن يقول سلطان القاسمي أن المتحف المصري لا يزال صاحب المجموعة الفنية الأكبر حيث تبلغ مجموعته 12 ألف قطعة، وفي المركز الثاني يأتي متحف الفن الجزائري ب8 آلاف قطعة، لكن متحف قطر والذي ضم لمقتنياته مؤخراً لوحة الشادوف لمحمود يقترب سريعاً لينافس المتحف الجزائري علي المرتبة الثانية. أما المتحف المصري فيتحرك ضمن ميزانية محدودة جداً تبلغ 2 مليون جنيه سنوياً.


‎ مال العقارات والبترول

‎تتجسد الثروة في الشرق الأوسط في سوقين أساسيين، العقارات والبترول. والمتابع لتاريخ حركة الفن التشكيلي وحراك سوق الفن في الشرق الأوسط يري بوضوح كيف تلعب الأموال المتدفقة من كلا المصدرين دورا أساسيا في تشكيل وتغيير ما نعرفه عن سوق الفن.

‎بدأت علاقة الفن بالعقارات كجزء من عملية الديكور، واحتاج الأمر لمغامرات من أصحاب الجاليرهات الفنية للتمكن من فصل الفن عن الديكور، وتطور وعي المشترين بعد فترة لإدراك القيمة المعنوية والمادية للأعمال الفنية. فأصبح الفن واقتنائه جزءاً من عملية التظاهر الاجتماعي للطبقات البرجوازية. ومع توسع حركة العقارات والتمدد العمراني في المدن الجديدة خارج القاهرة، تزايد الاهتمام باقتناء الأعمال الفنية لدي النخبة الاقتصادية المصرية.

‎برزت علاقة الفن بالعقارات مرة أخري في الدبي لإعادة تسويق المدينة معمارياً وجمالياً كسوق مفتوح للفن والأعمال الفنية. وفي العقد الأخير يلعب الفن دوراً محورياً في صياغة الصورة الخارجية للدول الخليجية تحديداً قطر والإمارات، حيث يتنافس الاثنان علي اقتناء المجموعات الفنية في سباق لتأسيس متاحف حديثة تعكس صورة تقدمية عن تلك الدول وتحول الفن إلي أصول مادية لاستثمار وحفظ المال.
‎لكن رغم الانتعاشة التي أحدثها الاهتمام الخليجي في سوق الفن، فالصالات لا تهتم كثيراً بالفنانين المعاصرين، والوصول إليها صعب. كما تخضع عمليات البيع والتقييم للأعمال الفنية لشروط واعتبارات تتعلق بالثقافات المحلية في تلك الدول أهمها ابتعاد الفن عن الموضوعات الجنسية والدينية والخطوط الحمراء السياسية.

‎في مصر أيضاً يشهد السوق انتعاشة نسبية، تتعلق بظهور مقتنين شباب للفنون ليس لديهم المحاذير القديمة، ومقبلين أكثر علي شراء الأعمال المعاصرة التي تحمل قدرا من روح اللحظة الحالية.

جِلدُ السيوي الذي يكسو حيواناته

نشرت في المدن في مايو 2017

لحيوان دائماً عارٍ، ونحن نتدثر بالملابس والأقمشة، نتخذ منها ستراً وملبساً. أن تكون عارياً في مواجهة الحيوان، هذا تغيير كفيل بقلب موازين القوة. كأنكما تصبحان في المستوى ذاته. بعض المشايخ يرى أن التعري أمام الحيوان مكروه. وفي الجانب الآخر، فإن وسيلة الاستنكار لدى جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان هي التعري احتجاجاً ضد ممارسات الصيد الجائر للحيوانات طمعاً في استخدام جلدها وفرائها في صناعة الملابس.

 

إنه النسيج، والملمس، واللون، ما يحدد شكل الحيوان، واختلافه داخل فصيلته واختلاف فصيلته عن باقي الحيوانات. من النسيج والملمس واللون يصنع عادل السيوي لوحاته. يمزج العناصر الثلاثة لينتج حيوانات مركبة يختلط فيه البشري بالحيواني، أو ليخرج ببورتريه للحيوان وهو يلتقط “سيلفي” مع الإنسان. في كل لوحة تختلف وتتعدد الحيوانات من كل فصيلة ونوع، لكنها دائماً لا ترتدي جلدها بل جلداً خاصاً يفصّله عادل السيوي. فما نراه ليس بورتريهات للحيوانات، بل بورتريهات لجلد السيوي وهو يتشكل في حيوانات مختلفة، وذلك عبر أكثر من 200 لوحة معروضة في معرض عادل السيوي الجديد “في حضرة الحيوان”، والمقام حالياً في غاليري مشربية.

يتوزع المعرض في ثلاث قاعات في وسط البلد. تخرج من القاعة الأولى حيث الحيوانات في لوحات ضخمة، لتمشي في شوارع وسط البلد إلى القاعة الثانية، ومن حيوانات السيوي إلى حيوانات الشارع حيث القاعة الثالثة وهي مرسم الفنان. هذه الجولة الفنية بين أكثر من مكان في مثلث وسط البلد في القاهرة هي بالتأكيد جزء من تجربة زيارة معرض السيوي. فالسيوي يرغب دائماً في توسيع معنى الحياة وحدود إدراكنا لها، المجتمع لدى السيوي ليس البشر فقط، بل هو الحياة كلها بما فيها الحيوانات، وهكذا بالخروج من هذه الدائرة الإنسانية الضيقة يحاول السيوي إتاحة المجال لنرى جانباً آخر من الوجود.

IMG_20170430_204643.jpg
داخل معرض عادل السيوى، وأمام لوحة بطوط وعم دهب

من حيوانات السيوي إلى شوارع وسط البلد وحيواناتها، يتنقل زائر المعرض. هي الشوارع ذاتها التي شهدت في السنوات الأخيرة، التظاهرات والصراع والهتاف والاحتقان.

مساء 25 يناير، قابلت عادل السيوي في ميدان التحرير. كان مندهشاً من المشهد. أخبرني أنه أبداً لم يرَ “التحرير” في هذه الهيئة إلا في الستينات، بعد النكسة، أثناء التظاهرات الطلابية للمطالبة بمحاكمة قادة الطيران الذين تسببوا في النكسة. لكن التظاهرات التي شهدناها لم تكن عابرة، بل دوامة من الأحداث والتفاصيل، انفتحت وجرتنا جميعاً في ضجيج تفاصيلها. كم أضعنا وقتاً، خلال السنوات الماضية، في متابعة تصريحات وأحاديث ناس يبدو وصفهم بالتفاهة مديحاً لهم، وجميعهم الآن ذهبوا في الهباء المنثور. لكن، وقتها، كانت قوة سحب دوامة لا تقاوم ويومياً تتابع تفاصيل المشاهد والانفعالات والحماس وخيبة الأمل المتكررة.

هرباً من تلك الدوامة، اختار السيوي العودة إلى أحد موضوعاته الأثيرة، والغرق في تأمله، وهو الحيوان. بعض لوحات المعرض يعود تاريخها للعام 1998، فطوال الوقت كانت الحيوانات حاضرة في أعمال السيوي تختفي وتظهر. في حوار له مع أسامة فاروق عن المعرض، قال السيوي أنه أبداً لم يفكر في رسم أي لوحة عن أحداث الثورة إلا لوحة واحدة رسم فيها بيكاسو وفان غوخ في ميدان عبد المنعم رياض، لكنه لم ينتج أكثر من هذه اللوحة، ويتخيل في الحوار أنه لو كان رسم الثورة كان عمله سيكون خليطاً من الواقع ووضع شخصيات أو تفاصيل من واقع آخر، كأن تحدث الثورة في منطقة يسقط فيها الثلج أو أن تقف حيوانات ضخمة وسط المتظاهرين.

السيوي في صراع دائم ضد كل فكرة كبيرة أو ضخمة تُحَاصره. لذلك كان طبيعياً ألا تجذبه الثورة على المستوى الفني، بل أن تكون دافعاً لينقب، لا عن مهرب، بل عن أثر كل هذه الأحداث الكبيرة في داخله، وأن يسعى لينتج هذا الحوار الداخلي مع الحيوان.

IMG_20170503_192305.jpg
مع لوحة بورتريه إبراهيم أصلان لعادل السيوى

يحضر الحيوان في التراث الأدبي والفني الإنساني لكنه غالباً ما يأتي كرمز، دائماً الحيوان وعاء للأفكار أو التصورات التي لا نريد التعبير عنها بصراحة، وفي كل اللوحات حاول السيوي الهروب من ثقل الرمز لكل حيوان. كل محاولة لقراءة لوحات السيوي من خلال الاستعانة بقاموس فك الشفرات والرموز، لن تودي بصاحبها إلى أي مكان، يدرك السيوى دلالات ورموز كل حيوان وعامداً متعمداً يطمسها ويخلطها ليضلل أي مشاهد يبحث عن رسالة مشفرة. كل لوحة لدى السيوي هي انطباع لحالة شعورية مضافة إليها بهارات السخرية المبطنة. فالمرح والخفة دائماً جزء أساسي من أعمال السيوي، وهذه الخفة ولمسة الكوميديا واللهو هي بصمة السيوي الخاصة في كل أعماله.

الحمامة البيضاء مثلاً، أعرق رمز للسلام ومحملة دائماً بالدلالات الروحانية. لكن، حين، يرسمها السيوي، تظهر الحمامة البيضاء في وضع غريب، ظهرها للمتفرج وبجوارها بورتريه لمحمود سعيد والبحر خلف الاثنين. يضحك السيوي وهو يخبرني كيف لاحظ، في عدد من لوحات محمود سعيد، وجود هذه الحمامة الغريبة بوضعها الغريب، وكأنها أقرب لأن تكون تمثالاً أو لعبة أطفال، لا حمامة من لحم وريش. يفسر السيوي وجودها: “كان سعيد يضعها في أماكن غريبة في معظم لوحاته، لكنه دائماً يرسمها بشكل غير احترافي، على الأرجح كانت لعبة ذات قيمة معنوية في طفولته”. وحينما يرسم السيوي، سعيد، وهو رائد فن التصوير المصري، يرسمه مع البحر ولعبة طفولته، لتكون النتيجة بورتريه لمحمود سعيد بلا أي تيمات قومية أو تاريخية، مثل تلك التي تعكسها أعماله دوماً، بل نقف أمام مزيج من طفولة الفنان والبحر، جوهر الشغف الفني، لا الرغبة في التعبير السياسي والاجتماعى.

لدى السيوي شغف طويل بالوجوه والبورتريه. فحيوانات معرضه، خصوصاً الثدية منها، يضعنا السيوي في مواجهة وجوهها. تلك النظرات الملغزة لوجه الحيوان. اكتفى الانسان بالحكم الشهير بأن الحيوانات لا تضحك، لكن ما الذي نعرفه عن تعبيرات وجوهها الأخرى؟ وما الذي تعنيه تلك النظرات التي يضعنا السيوي في مواجهتها؟ هذا الحنان في عين الحمار، أو لفتة الظبي ولمعه عينه المفتوحة باتساع؟

يلهو السيوي في معرضه مع فنانيه المفضلين، وليس مع الحيوانات فحسب. يعيد رسم بعض اللوحات الشهيرة التي دائماً ما فتنته وتحتوي على حيوانات أخرى، مثل ثيران بيكاسو، وحيوانات خوان ميرو. حتى الآدب الذي دائماً ما كان السيوي قريباً منه، من خلال عمله كمترجم وكاتب، يحضر بقوة في المعرض، من خلال نص لمحمد المخزنجي – أحد أكثر الكتّاب المعاصرين شغفاً بالحيوان، حيث يأتي النص في مقدمة كاتالوغ المعرض كتقديم لعالم حيوان السيوي، لا سيما البورتريه البديع لطائر مالك الحزين، واقفاً على أصبع الكاتب المصري الراحل إبراهيم أصلان، صاحب رواية “مالك الحزين”.

سؤال عام 2016 هل السيرالية المصرية فرنسية أم عربية؟

نشرت في أخبار الأدب في يناير 2016

فجأة امتلأت الصفحات الثقافية المصرية بالمقالات التى تشيد وتثنى على ميراث الحركة السيرالية المصرية، بل وتؤكد على مصريتها وضرورة الاعتراف بهذا الميراث. مُبادرة لطيفة وإن أتت مُتأخرة ستين عاماً، وربما تكتمل لطافتها إذا أثمرت أى نوع من الاهتمام من جانب وزارة الثقافة المصرية بهذه الحركة وتراثها الذي كانت الوزارة أول من عمل على تهميشه ونبذة، بل ولدت  وزارة الثقافة المصرية في عهد الضباط الأحرار لأسباب كثيرة منها محاربة  استئصال تراث وأفكار الحركة السيرالية وتشريد مبدعيها وطمس تاريخهم، وهو ما نجحت الوزارة في فعله على مدار نصف قرن. فلم تكن السيرالية أبداً بالحركة الوطنية، دافع مبدعوها عن حرية الفرد وعن مفهوم عالمى للمواطنة، وحذروا من الفاشية التى هى ابنة المشاعر الفياضة للوطنية والدولة القومية، وكانوا كذلك جزء من المناخ المتنوع لغوياً وثقافياً وايدلوجياً التى عاشته مصر قبل يوليو 52، والذي لم يعد له مكان بعد ذلك في دولة الضباط الأحرار.

joyce-mansour-avec-andrc3a9-breton-circa-1960-dans-l-c3aele-de-la-citc3a9
جويس منصور وأندرية بريتون في باريس 1960

هذا الاهتمام بالسيرالية هذا العام هو نتاج للسباق والتنافس الذي انطلق بين مركز بامبيدو في باريس، وبينالي الشارقة في الامارات. حيث يتنافس الاثنان على تقدم تراث حركة السيرالية المصرية. المعرض الأول ينظمه سام بردويلي ويفتتح في سبتمبر القادم بمركز بامبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسية. وقد قضي بردويلي أكثر من ثلاث سنوات مع فريق من الباحثين لجمع تراث فنانى وكتاب وشعراء الحركة الموزع بين مصر وأوروبا.

المعرض الذي سعتبر الأضخم لم يكن بالامكان تنظيمه دون عرض لوحات رواد الحركة السيرالية والتى يقبع جزء كبير منها في مخازن وزارة الثقافية يعانى الاهمال والضياع. لهذا ففي نوفمبر الماضي زار وفد فرنسي وزير الثقافة حلمى النمنم والأخير وافق ببساطة وتلقائية شديدة على سفر الأعمال بصحبة المرممين وأطقم موظفي الوزارة دون أى مقابل مادى، أو اتفاق يفرض الشراكة المصرية أو الأقل يضمن إقامة المعرض في مصر.

 بعد العرض في باريس، يطوف معرض السيراليون المصريون أكثر من مدينة أوروبية دون أن يأتى للقاهرة. وستعود أعمالهم لتدخل مخازن الوزارة ويغطيها النسيان بينما ينسى الجميع صور الوزير مع الوفد الفرنسي واحتفاءه بالحركة والفن السيرالي.

** *

انتهت السيرالية مع صعود دولة يوليو، وفي مناخ فاشي أسست فيه الدولة وزارة الثقافة لم تنظر الوزارة بأى نوع من التقدير لأعمال السيراليين. أحد الحكايات التى توضح العلاقة التاريخية بين وزارة الثقافة والحركة السيرالية هى حكاية الفنان رمسيس يونان الذي أمام التضيق على المجال العام الذي مارسته دولة يوليو تقدم في أحد السنوات لنيل منحة التفرغ من قبل الوزارة. لجنة التحكيم التى كانت تضم عباس العقاد وأم كلثوم رأت أن أعمال رمسيس يونان التي كانت تعرض في أشهر قاعات العرض في باريس منذ الأربعينات ليست أعمال فنية، بل أن أم كلثوم قالت له أنه لا يجيد الرسم. وتمكن رمسيس يونان في النهاية من الحصول على المنحة كمترجم متقدماً بمشروع ترجمة لكتاب.

حينما توفيت بولا حنين حفيدة أحمد شوقي وزوجة جورج حنين، عرض الورثة التبرع بمكتبة جورج حنين في بداية الألفية لصالح الوزارة لكن لم يتلقوا أى رد، فتبرعوا بالمكتبة لصالح المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة حيث تقبع مكتبة مؤسسة الحركة في مقر المركز بالمنيرة حتي الآن.

مع الاهتمام العالمى باعادة تقديم السيرالية المصرية هذا العام، لم يتعد موقف وزارة الثقافة ومساهمتها سوى التقاط الصور التذكارية مع المسئولين الفرنسيين والاماراتيين الذي اتوا لعقد الاتفاقيات مع الوزارة.

** *

لكن وكالعادة انقذنا الرز. مؤسسة الشارقة التى تشق طريقها لتصبح أهم المؤسسات الفنية المعنية بالفن الحديث والمعاصر في المنطقة لا ينافسها حالياً سوى متحف الفن العربي الحديث في قطر، قررت الدخول إلي معترك البحث عن تراث السيرالية المصرية، واختارات لهذه المهمة السودانى د.صلاح محمد حسن مدير معهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل بأمريكا. والذي يعمل على إعداد وتجهيز معرض بعنوان “حين يصبح الفن حرية، السرياليون المصريون” والمقرر إقامته في مطلع عام 2017 في الشارقة، على أن يعرض جزء منه بعد ذلك في مصر.

الشارقة أيضاً وحينما حاولت تنظيم مؤتمر بحثي حول تاريخ الحركة السيرالية المصرية في نوفمبر الماضي، اتجهت للجامعة الأمريكية التى استضافت المؤتمر على مدار ثلاثة أيام.

لكن لماذا تهتم مؤسسة ثقافية إماراتية بإعادة الاعتبار لحركة فنية مصرية. الاجابة كانت في كلمة حور القاسمى مدير مؤسسة الشارقة للفنون التى أوضحت أن المؤتمر والمعرض جزء من مشروع ضخم تطلقها الشارقة لتوثيق الحركات الفنية العربية، وذلك كما أوضحت حور في كلمتها في نوفمبر الماضي بمؤتمر القاهرة: “كي نستطيع صياغة تصور لمستقبل أكثر غنى في منجزه الإبداعي وفي طاقته التعبيرية، مستقبل نتشارك جميعاً في رسم ملامحه، وفي إغناء وتعميق محتواه الإنساني، خارج المفاهيم والانتماءات الضيقة.”

** *

بالطبع لا مجال للانتماءات الجديدة في سوق الفن الذي تؤسسة دبي والدوحة الآن. فنظراً لصغر ومحدودية الأرشيف التاريخي والفني لهذه الدولة وحداثة مشاريع التنوير والحداثة فيها تسعى إلي تحويل متاحفها ومشاريعها الفنية إلي مستودعات تعكس أحياناً صورة افتراضية عن هوية عربية متخيلة، وأحياناً تتشبث بعالمية غير محددة المعالم.

في هذا الاطار وفي عالم السوق الحر ومادام حجا –وزارة الثقافة- ليس مهتماً بلحم ثوره فالافضل توجيه الثور لمن يعرف قيمته ويستطيع رعايته.

يتم تفريغ المتاحف المغلقة ومخازن الوزارة من كنوزها وتعرض للعالم في باريس ودبي والدوحة، والتراث المصري لا يجد مكاناً له في مصر، والوزير سعيد وفخور بالتقاط الصور مع الوفود الأجنبية، بينما الثقافة المصرية وتاريخها إلي ثور ونقطة صراع بين ممولين الثقافية الفرنسيين الذين يرغبون في نسبة تاريخ الحركة إلي الحقبة الاستعمارية الفرنسية وانجازاتها، وأخوة عرب يريدون نزعها من انتمائاتها الضيقة إلي فضاء عروبي مبتدع يغطون به على الثقب الاسود في هويتهم القومية. وفي هذا كله تقوم الوزارة فقط بدور أمين المخازن والسمسار الذي يوفر لصناع الفعاليات الثقافية العالمية والعربية الفرصة لاخراج هذا التراث من مصر وعرضه .