مسيرة الديك

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

2012-12-10 13.08.36
من تصويري 2012

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة”. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز”. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

n540375930_498819_4339
من حفل توقيع إطلاق رواية روجرز 2007

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

2953130374
جورج وسوف

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

boris-mikhailov.jpg
فوتوغرافيا: boris-mikhailov

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة”

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

10441419_10154259881305541_553298798796366136_n
من أرشيف مظاهرات التحرير من 2011 – 2012

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

The_Sorrows_of_the_King
لوحة لـ : Henri-Matisse-

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

 

كان نائماً حينما قامت الثورة.. يا بختك يا عمدة

هناك طائفة سرية بدأت بالتشكل بدون وعي كامل بعواقب أفعالهم منذ منتصف التسعينيات. هذه الطائفة السرية تزايدت شعبيتها وعضويتها ومحبوها في العقد الأخير بفضل الإنترنت وبفضل اتساع دائرة من أتيح لهم معرفة جوهر الرابطة الخفي. تتبع هذه الرابطة آثار شاعر ومهندس فاشل للعالم يدعى عماد أبوصالح.

c03c6a495726988fb40c9c00bc568631

منذ منتصف التسعينيات وعماد أبوصالح يتحرك كما نسمة هواء لا يمكن رؤيتها بين الحديقة والمزبلة بحثاً عن الشعر. وخلال العشرين عاماً الماضية. أصبح عماد أشهر شاعر سري. يكتب الشعر بهدوء وملل وهو يقطع البصل بحب كما يخبرنا في ديوانه الأخير. يجمع قصائده في دواوين، ويرفض أن تطبع هذه الدواوين في دور نشر خاصة أو حكومية، بل يطبعها في نسخ معدودة على نفقته الخاصة، ويختار المحظوظين من جماعته السرية ليوزع عليهم دواوينه.

لا يظهر عماد في التلفزيون ليبتز الجماهير بقصائد تتوهم الفخر والانتصارات الجماعية لترويها. ولا أذكر أنى رأيته أو سمعت أنه ألقى شعره في أي مكان عام أو مناسبة مفتوحة. وفي ديوانه الأخير الذي صدر مؤخراً يخبرنا أنه «كان نائماً حينما قامت الثورة«.

وجدت قصائد عماد طريقها للإنترنت، فالمفارقة التي تشكل جزءا من بناء القصيدة لديه، يسهل تقطيعها وتصنيع جمل جذابة عند نشرها على الإنترنت. المفارقة هي الأخت الصغرى للإفيه. والاثنان من عوامل الجذب الأساسية على الإنترنت. ظهر جيل كامل من الشباب لا يعرفون عماد ولم يسبق لهم أن أمسكوا بكتاب من دواوينه ذات الأغلفة البيضاء. لكنهم يعرفون قصائده وينشرونها على الإنترنت. بل أحياناً يختارون صورا بالأبيض والأسود أو أخرى من صور الكيتش المختلفة ويضعون معها مختارات من أعماله.

عماد الخائف من الأضواء والذي سعى طوال عمره للابتعاد عن ماكينة الاستهلاك ودائرته، أصبح اليوم كاهناً لكنيسة سرية على الإنترنت. يكفي أن تكتب اسمه في جوجل لتظهر لك أبوابها وأعمدتها السبعة المتابينة.

** *

بعد الطلاق أو الانفصال لا تتكسر الآمال العريضة فقط. بل يترك الإنسان في العراء بلا أي أمل. يفقد البعض الإيمان بالعالم، وأحياناً الإيمان بأنفسهم وقدرتهم على النهوض من جديد. يقول سائق «التوك التوك» في استيتوس مؤثر على ظهر مركبته (الحب مات بسبب البنات).

الجموع التي اندفعت بالعواطف الحارقة والجياشة طوال السنوات الماضية، خبطت في جدار من الإحباط، ولم تستخدم مرهم لتقليل حرقان العواطف وهى تصرخ بالثأر وتمجيد الشهداء. أصبحت مثل الزوجة المخدوعة أو الزوج المتهور الذي رمى يمين الطلاق وجلس يعض أصابع الندم. وفي أوقات الندم يختفي أيضاً شعراء الابتزاز العاطفي، هؤلاء اللصوص الذين ينتحلون لقب الشعراء ويتغذون على القصائد القبيحة التي تداعب عواطف الجماهير. لا يهم المعنى، بل يهم الجماهير. يمكن للشاعر اللص أن يكتب اليوم قصيدة عن الميدان، وغداً عن ضحكة المساجين، وبعده مطالباً بحرق كل ما سبق ما دامت هذه رغبة الجماهير. وحينما تفقد إيمانك بالجماهير وتستيقظ من خدعة المثالية وأننا كلنا واحد، هنا تبرز أهمية شاعر كعماد أبوصالح.

في ديوانه الأخير وتحت عنوان «ذم الثورة» حينما يتحدث عماد عن البطل يقول:

يا إلهي

كم هو رائع

هذا الشاب هناك!

يتقدم الصفوف

ويفتح صدره للرصاص

يعالج الجرحى

ويتنازل عن طعامه القليل للجوعى

كأنه نبي

أنا معجب به

إلى كل طفل

يحلم أن يكون بطلاً،

تعلم منه

لتثور ضده

بنفس طريقته.

حين يصبح

ديكتاتور المستقبل.

فقط الشاعر الفاشل في هندسة العالم، هو من لا تخدعه هتافات أبطال البانجو وتجار الثورات، بل لا يستسلم لديكتاتورية الجماهير التي تطلب منه أن يكون مهرجاً يسليها كهويس الشعر، أو يداعب صورتها الشوفونية عن ذاتها كهؤلاء الذين يتغنون في عظمة مصر وشعبها. الحرية لا يمكن أن تكون في يد الجماهير الثائرة لأنها كما يقول عماد: «لكن الحرية عصفور/ يرتعب/ ويطير عالياً/ لئلا تمسك به/ كل هذه الأيدي/ لئلا تلتهمه/ كل هذه الأفواه الجائعة».

user9142_pic4033_1226538635
عماد أبو صالح في صورة شبه رسمية

يُرمى الشعراء بالمثالية والسفه العقلي الذي يجعلهم مروجين للشعارات المثالية التي لا تقبل التنازل. صرخة أمل دنقل لا تزال حتى الآن مرفوعة بل قد نرى ظلها في الجرافيتى على الحائط «لا تصالح.. أبي لا مزيد/ أريد أبي عند بوابة القصر». الآن وقد تبددت سحب العواطف الثورية والتشنجات والمزايدات الوطنية والتي يتضح مدى الأخطاء الفادحة التي دفعتنا هذه العاطفة لارتكابها. يأتي شاعر كعماد أبوصالح لا ليزرع الأمل أو ليعطينى حق الأحلام والشعارات المثالية. بل ليهندس خرائبنا ويذكرنا بضرورة أن نحلم لأنفسنا أولا لا لحكام يرتدون النظارات الشمسية حتى داخل الأماكن المغلقة لكى لا يبصروا سوى صورتهم فقط. ماذا عن أحلام عماد نفسه؟ يختم ديوانه بحلم واحد حينما يقول:

«لا أحلم بأن يشرب الذئب مع الخروف من وعاء واحد. هذا حلم كبير. لا أحلم بأن يتوقف الناس عن متعة القتل. إن هذا مستحيل. كان حلمي أن يظل القاتل قاتلاً والقتيل قتيلاً؛ دون أن يختلط علىّ اليد التي غرزت السكين والقلب الذي تلقى الطعنات. هابيل حبيبي. أفرح به حين يرفض مد يده، ليبادل ابن أمه طعنة بطعنة. قابيل حبيبي. أفرح به وهو يبكة من الألم حين رأى جثة أخيه عارية، محرومة الروح في العراء.

أحلم بالحياة، حلبة مصارعة، بالعدل، بين الخطأ والندم، لا منتصر فيها ولا مهزوم».

ضرورة الشعر في مزبلة الوعى الجمعي

نشرت في المصري اليوم 2015

1

انظر إلى الحملة على السبكى مثلاً. أنه مصلوب في أحلام وخيالات قطاعات عريضة من الجمهور كصانع للمتعة ومرتكب للخطيئة في ذات الوقت.

عموماً البعض يستمتع بالفن، والبعض لا يستمتع. لكن الجميع يشترك في تلك الرغبة الحارقة في توجيه الفن والفنانين وتحديد ما يجب أن يكون عليه. في السنوات الأخيرة تحديداً فالضغط على ما يجب أن يكون عليه شكل الفن في مصر أثمر صفر للسينما المصرية في مهرجان القاهرة الأخير وفي معظم المهرجانات العالمية، ورقابة يقودها هاني شاكر ومعهم السادة أمناء ونقباء الشرطة في النقابات الفنية، على كل من يتم ضبطه متلبساً بارتكاب الفن. كحملة مخططة لتجفيف منابع الفن، وحصار منتجيه.

2

يقولون للفنان أنت تسئ لسمعة مصر، كاره لمجتمعك وناسك لا تري ولا تظهر إلا القبيح. وإذا قدم منتجاً تربوياً يتثاءب الموزع في المشاهدة ويعرض عليه بيعه للتلفزيون المصري أو الشؤون المعنوية لتخزينه وسط غيره في المهملات.

يقولون للفنان عليك أن تري الجمال، أن تشعر جمهورك بالجمال والحب والقيم الإنسانية النبيلة. يطالبون الفنان أن يفقأ عينيه، ويثقب طبلة أذنيه، ويتحول لإنسان ينفث الجمال متوهمين أن ذلك وحده كفيل بخلق عالم جميل. مثلما يتوهمون لعقود طويلة أن ترديد الأغاني والأناشيد الوطنية ووصف كتابها بالشعراء الكبار وشعراء الضمير والقولون كفيل بجعل مزبلتهم بلداً، ودولة عظمى. يقودها كما أفسد ذوقنا شعراء القصائد الغنائية، قبطان/ فارس/ ريس/ مجدع. على اعتبار أن اصباغ الصفات الشعرية خلال عقود طويلة من زمن الجمهورية كفيل بنزع القوادة وإكسابه الجدعنة والفروسية.

3

يريدون للفن أن يكون متوقعاً. نسخة مما عرفوها قبل ذلك. محاكاة لما اتفقوا عليه فن راقي، وفن قومى، وفن يحمل اسم مصر. وهو الأمر المستحيل ببساطة لأن جوهر الرغبة في الابداع تنبع من مخالفة ما هو سائد، وهى مخالفة منبعها أن أصل الحياة حركة. والفن هو انعكاس للذات الفردية للمبدع وما ينطبع فيها من عالمنا. والاثنان العالم والفنان متغيران. والفن الممسوخ الذي تفرضه الآن السلطة برؤوسها الثلاثة في مصر (المال، الدولة، المؤسسة الدينية) هو انعكاس لأزمة رؤوس هذا السلطة، التي تحاول تجميد اللحظة طمعاً في خلود طمأنينة خادعة تعيش فيها متجاهلة حقيقة أن المزبلة قبل أن تكون واقع معاش هي في قلب وعيهم.

4

لنخاطب بعض ما تعرفه، حتى نصنع أحجية. مثل هذه الأحاجي تشكل الطعم الذي يتم اصطياد القارئ به.

بعض القراء قد يعرفون ما يعنيه الحرفين «أ.ص». نعم صديقتى، أنه أدهم صبري رجل من طراز خاص. يحمل لقب شعبي «رجل المستحيل» بمقداره التنكر في عدد من الشخصيات المختلفة، لكنه يصر دائماً أن تحمل شخصيته الحروف الأول من اسمه «ا.ص». إذا اختار اسماً لاتينياً سيكون «أميجوصاندو». إذا اختار اسم شاعر سيكون أدهم الصفتي.

الشعر يختفي تحت ثقل الأداء المسرحي والدرامي، حيث أصبح هناك شعراء مخصصون للشاشات يتلون ويغيرون النبرات ويفتعلون المحن بلا سبب مفهوم. إلى جانب شعراء الفيسبوك والسوشيال ميديا، آلهة «اللايكات». حيث القصيدة تبنى على المفارقة والأفية. و«الاورجازم» لدى الشاعر يتزايد مع كل «لايك» حتى ينفجر لحظة أن يري صورته «كافر فوتو» بصحبة قصيدة يخبرنا فيها كيف ذهب للجلوس على قهوة فجلس على الشاي الذي كانت تشربه الحبيبة.

لكن أدهم الصفتي ينتمى لفصيلة آخري، فصيلة على وشك الانقراض. على ساعده يحمل وشم بالانجليزية «Apocalypse» وترجمتها بالعربية لا تفرق كثيراً «أبوكالبيس». افهمها أنت كيوم القيامة، أو النهاية الكارثية. وفي ديوانه الشعري الذي صدر مؤخراً عن دار نشر «ابن رشد»خصص لوشم ذراعه أكثر من قصيدة لا تحذيراً من نهاية كارثية قديمة على طريقة الشاعر المتنبئ. بل ليفتح العيون المغلقة بمشرط.

5

شاعر نهاية العالم حامل أحرف رجل المستحيل، يخصص صفحة وقصيدة واحدة في ديوانه «مزبلة الوعى الجمعي« ليحدثنا عن الوفاق الوطني كاتباً:

«استعدنا عادة الضرب على الأقفية، وبنينا حضارتنا ثانية، كل احمرار يحمل ملهاة، وكل ابتسامة تحمل حجراً من سد، تشققت الأيدي وهى تحمل الصبار. وصارت الصحاري بلا شوك.

السفلة لم يستمعوا إلى! عادة ضرب الأقفية تقترن ببناء الحضارات. ودون كذب، ليس بالابتسام وحده يكون الوفاق الوطنى.«

6

شعر لا يبتذل نفسه من أجل تقديم محاكاة لجمال لم يعد موجوداً في عالمنا. في زمن أصبحت الرغبة ومجازات وصور السعادة هي المبتغي الذي يتم تسويقه لا الجمال ولا الطبيعة الرومانسية النائمة. ربما لأن الشاعر مثلنا جميعاً لم يعش طفولة سعيدة ولم يري الجمال الذي تتحدث عنه القصائد أو كما يكتب أدهم عن طفولته:

«لم أجر كأهبل نحو بائع حلوى، ولا ضحكت جداً لنكتة بذيئة

أبليت بلاء حسناً، فأنا الآن لا أحمل كل هذا الجمال على ظهري«

شعر لا ينافق أملاً في نشر قيم وصفت لقرون بالنبالة من قبل منافقين كتبوا الشعر كمزايدة أخلاقية. فقط أدهم الصفتي هو من يمدح صفة كالكذب وجماله كاتباً:

«الكذب هو أحمر الشفاه في وجه البنت. فستانها الذي يخفي عيوب جسدها، الكحل في عينيها الضيقين، هو الصورة المعلقة على حائط تقشر طلاءه. استقامة ظهرك حين تري رئيسك في العمل. نظرة الثقة في عينيك أمام ضابط الشرطة وهو يري بطاقتك، هو اللعبة الرخيصة الملونة في يد طفل، هو مباراة رديئة تتخللها مشاجرة يعلو بسببها صوت معلق التلفزيون

الكذب إشارة مرور خضراء تجعل الحياة تمر.«

7

وماذا إذن عن الحب أو الرغبة التي قد تتخفي في ثوب الحب يا أدهم..

«ربما يحضر منشاراً كهربائياً يصلح لشق طريق في جدار غرفته –التي أساساً تحتاج إلى رتق- يمر منه إلى غرفة جارته السمينة، التي يغنى لها كل صباح:

أنا ضائع دونك يا حلوة، مثل كلب لا يجد عظمته«