ورد الوردوش: رسالة الخروج من السجن

كتبت هذه التدوينة مباشر بعد الخروج من السجن، ونشرت لأول مرة على صفحة “وسع خيالك” وصفحة “ضد محاكمة الخيال” بتاريخ 24 ديسمبر 2016

صباح الخير، وورد الوردوش على الجميع..‏

بعد أكثر من 300 يوم من العزلة عن العالم الخارجي والانترنت الحبيب، يدور المكن ببطء ‏في محاولة لاستيعاب ما يحدث في العالم وإيقاع اللحظة حتى أكون قَادراً على التحدث بما ‏يمكن فهمه، لذلك عذراً على التأخر في الكتابة.

‏ لا أزال في المرَاحل الأولى لاستيعاب ما حدث وكل رسائل الحب والتضامن التى فاقت كل ‏توقعاتى ولم أكن أعلم عنها شيئاً طوال فترة السجن حيث كان يتم حجب هذه الرسائل لذلك لا ‏أزال في صدمة استيعاب كل ما كان يدور بالخارجِ طوال عشرة شهور مضت ومعرفة كل ما ‏فعلتوه. الموضوع مُذهل خصُوصاً بالنسبة لشخص غير اجتمَاعى مثلي، ولا مُثقف تنويري. ‏كل ما حدث وما يحدث من حُبكم يبدو مُفاجأة مُتجددة أحتاج لوقت طويل لاستيعَابها. أدين لكل ‏هذه الرسائل بالطاقةِ والدفء التى كانت أفضل عون للاستمرار والتماسك والقدرة على ‏ممارسة وتجاوز التجربة.‏

أدرك أيضاً أن الكثير من هذا التضامن ليس لشخصي الضعيف ولا لـ #استخدام_الحياة بل ‏يأتى من أفراد يهمهم أن يكونوا في مُجتمع صحى أكثر بحد أدنى من سقف لحرية الرأى ‏والتعبير. من أخرين لديهم هذا الشغف بالأدب وبالايمان بأخوته العابرة للحدود القومية ‏والأعراق الجنسية. وأنا لم أكن أتخيل أن يكون عدد أفراد الفئات سابقة الذكر بمثل هذا العدد ‏وهذا الاهتمام والحماس للتعبير عن أنفسهم، وعن ما نحب. فشكراً لهؤلاء الذين لا أعرفهم ‏لأنهم فتحوا عينى عل عالم كنت أظنه في هشَاشةِ الزجاج بينما أتضح أنه في قوة الماء.‏

الشكر بالتأكيد في القلب من كل ذلك لفريق المحامين الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعي، خالد ‏على، ياسمين حسام الدين، محمود عثمان وكل فريق عمل موسسة حرية الفكر والتعبير. إلي ‏جانب كل الأساتذة والزملاء الذين حضروا معانا جلسات الاستشكال المتعددة. أدين للجهد ‏القانونى والصبر وتكاتف جهود الجميع بخروجى الآن وكتابة هذا.‏

الزملاء الكتاب سواء في مصر أو الدول العربية، على عهد المقاومة والمرواغة وسعيد بأنى ‏جزء من هذه الفيسفَاءالمُتنَاقضة المُتنافرة الشَاردة وسط خرابات الشرق الأوسط الكبير، وفي ‏زمن عودة الانحطاط القومى الغربي مُدججاً بقوة سخَافة الديمقراطية فأخوة الكُتاب مُمتدة ‏ومتمَاسكة، وسعادتى لا توصف برسائل التضامن والمحبة التى وصلتنى بشكل خاص من ‏كتابي المفضلين وبعضهم كانت أعمالهم اللذة الوحيدة المتاحة في السجنِ، والبعض الآخر ‏قرأت لأول مرة له أيضاً داخل السجن.‏

أما مفاجأة العام فقد كانت هذه التيار من السياسيين والبرلمانيين المصريين الذين أظهروا ‏انحيازهم للدستور أولاً الذي أقسموا عليه، ولتعزيز حرية الرأى والتعبير من خلال تغيير ‏القوانين المعوقة لحرية الرأى والتعبير أو التى توقع عقوبات سَالبة للحرية على النشر أو ‏التعبير الفنى مما يحمل تناقض صريح مع الدستور. صحيح أن جهود هؤلاء لا تزال جزء من ‏عملية الشد والجذب في حلبةِ الصراع اللاسياسي في مصرنا الحنونة. لكن شهدنا زمن يكون ‏فيه البرلمان هو المبَادر بتغيير العقوبات السَالبة للحريةِ في جرائم النشر والعلانية بينما ‏تعترض الحكومة. وهى خطوة أولى على طريق طويل.

بشكل شخصي أوجه الشكر للنواب ‏أحمد سعيد، ود.نادية هنري على مبادرتهم بتقديم مقترح لتغيير العقوبة السالبة للحرية في مادة ‏خدش الحياء بما يتماشي مع الدستور وعلى التكاتف والتأييد الذي أبداه عدد من النواب ‏أبرزهم أعضاء حزب المصريين الأحرار. وخارج البرلمان كان التكاتف والاهتمام من جانب ‏عدد من الأحزاب السياسية دليل آخر أنه حتى وسط وحش التضخم الذي نهوى جميعاً داخل ‏أحشاءه لا نزال قادرين على التفكير في حقوقنا الطبيعية.‏

أيام السجن بصراصيرها وعرقها وبردها ومهانتها. لم أكن بقادرٍ على تحملها ‏وتخطيها إلا بسبب رفقة الزملاء المساجين، وبشكل خاص زملاء عنبر 4-2 بسجن الزراعة، ‏والسادة البكايتة والدباديب من كل الجنسيات الأفريقية واللاتينية والعربية في عنبر 1-2. ‏وأمنيتى للجميع أن يأتى الغد بتعديل أكثر انسانية لقوانين الحبس الاحتياطى بحيث لا يكون ‏عدد مرتدى الأبيض في السجون أكثر من مرتدى الأزرق.‏

الزملاء الصحفيين والإعلاميين. شكراً على المتابعة والاهتمام والتغطية. لدي ظروف صحية، ‏والتزامات عائلة تحتل الآن ولأيام قَادمة الجزء الأكبر من وقتى إلي جانب عدم وجودى داخل ‏القاهرة. فقدت خط هاتفي لكن سأحاول الحصول على رقم جديد في أقرب وقت. ليس لدى ما ‏أضيفه أو أرغب في التعليق عليه في الوقت الحالي، والأولوية للالتزامات العائلية الآن، ‏أعتذر عن عدم قدرتى على تلبية أى دعوات لإجراء أى أحاديث أو تصريحات في الوقت ‏الحالي حتى نرفع المكن ونزيت الماتور وأفهم ما الذي يحدث يدور في الكون الذي يدور، ‏شكراً لاهتمامكم وتفهمكم.‏

الأصدقاء والصحاب والأحباب نفر نفراية وفرد فردايه، في سويداء القلب ومحبة موصولة ‏دائماً وليالينا قادمة وكلام وأحضان كتير في انتظارنا.

أخيراً، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال هناك جلسة مصيرية يوم الأحد بعد القادم أمام محكمة ‏النقض. تضامنكم وحبكم حتى نتجاوز تلك الخطوة الأخيرة بكل الخير وبسعادة.‏

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fahnajeahmed%2Fposts%2F948574795273674&width=500

تدريس عمر بن أبي ربيعة في سجن الزراعة بطرة

مؤخراً فجأة تطفو أو تلمع ذكريات من فترة السجن، بعضها مؤلم والبعض الآخر اتذكره باندهاش الآن وكأنى اسأل هل هذا كان حقيقي؟ اليوم مثلاً ودون سبب واضح تذكرت “ع” ورفاقه وهم مجموعة من العساكر المتهربين من التجنيد معظمهم مساجين بأحكام تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات بسبب التهريب من التجنيد (سنة السجن العسكري 6 شهور). في أسابيعى الأولى في السجن كانوا هم أقرف رفاق لي. معظمهم من الصعيد ومن أسر فقيرة جداً ومتهربين من التجنيد لأن عندهم عائلات وأسر تحتاج لأن يعملوا ويصرفوا عليهم

المهم أنى بالاشتراك مع سجين آخر (كان ناظراً لواحدة من أكبر المدارس الحكومية) أسسنا ما يشبه الفصل لمساعدة “ع” وبعض من زملائه في المذاكرة والدراسة لامتحان محو الأمية. “ع” كان نفسه ياخد شهادة محو الأمية لأنها تعادل شهادة الابتدائية ولو أخد الابتدائية يقدر يقدم على رخصة قيادة ، وبالتالي تصبح أمامه فرصة للترقي اجتماعياً من سائق “توك توك” لسائق “ميكروباص”..

لكنى اليوم استيقظت متذكراً ذات يوم إصرار “ع” على أن نقرأ واشرح له ونحلل قصائد عمرو بن ابى ربيعه بعدما وجد في المكتبة كتاب مختارات من شعره