فالأمل للمسجون عذاب.. عزيزى أشرف فياض

صورة للشاعر والفنان أشرف فياض

عزيزي أشرف فياض،

أكتب إليك بلا أمل، لأنى أعرف إن الأمل للمسجون عذاب. صحيح إن غياب الأمل يوقع المرء في ضلالات الوحدة والاكتئاب، يبذر الغضب والنقمة على العالم، لكن هذا ما نحتاجه جميعاً ألا ننسى ولا نغفر، حتى وإن تظاهرنا بالخضوع لسلطان الغول الذي يفتح فكيه على اتساع المدى مبتلعاً كل أحلامنا ومغامراتنا.

منذ أكثر من عشر سنوات كنت أنت من طاردت السراب في صحراء السعودية محاولاً تحويل الفن المعاصر في السعودية من مغامرات فردية إلى حراك متحرر. بأعمالك ومقالاتك ونشاطك التنظيمي ساهمت في التعريف بمشهد فنى مغاير من هناك.

أنت المولود في السعودية عشت عمرك كله هناك بلا جنسية.

 الفلسطينى بلا انتماء لتنظيم سياسي يدافع عنك.

 بلا قبيلة تطالب بالافراج عنك.

 المسجون الآن بينما الفنانين الذين كنت تقدمهم من سنوات وتكتب عن أعمالهم وتنظم لهم المعارض ينطلقون الآن في فضاء العالمية على بساط مؤسسة “مسك” أحد أذرع الغول التي قبضت على المشهد الفنى المعاصر وحولته إلى وردة في جيب دشداشة الغول.

صورة للشاعر والفنان أشرف فياض
صورة للشاعر والفنان أشرف فياض

أكتب إليك بغضب، لكنى أمضغ غضبي في فمى بينما الشفاه تبتسم، لأن الغول الذي يسجنك في أحشائه، أذرعه في كل مكان وإن أراد قادر مهما ابتعدت على معاقبة كل من لا يبتسم له أو يصفق لبلاهته.

في السجن أحياناً كان غضبي ينفجر، في الزملاء المساجين مرة، وفي المخبرين السجانين مرة، وأحياناً ما حبست نفسي في الحمام وأخذت أصفع وجهى غاضباً من نفسي على سوء تقديري وأخطائي التي قادتني إلى هذا المكان. لكن خارج السجن هنا الآن لا يمكننى الغضب، بل أحمل الخوف كملاك على كتفي الأيسر، ابتسم للجميع سواء كان رفاق أو غيلان، واعبر لهم عن امتنانى لأني خارج السجن.

 

بعد نوبات الغضب في الحمام، غالباً ما كنت استمنى ثم استحم، وأخرج لانعزل في فراشي لساعات طويلة غارقاً في كتاب ضخم. رويداً رويداً، تعلمت توجيه غضبي نحو الفعل الصحيح، لا صفع الوجه أو ضرب الرأس أو الاستمناء بيأس بل بالقراءة ثم القراءة.

بالاستغراق في القراءة يمكنك الانعزال عن محيطك، أحياناً في بعض الكتب تزول حوائط السجن، لكن الأهم مهما كان مستوى الكتاب فهو يدفعك للتفكير، ينشغل ذهنك عن مأساتك، والأفضل من ذلك حينما تنام فتأتيك أحلام ليس فيها السجن، بل يتداخل هذيان الذاكرة بما تقرأها، ويشيد المخ في الحلم عالماً من السراب والضباب الملون.

لم ننس يا أشرف، رغم ضعفنا وقلة حيلتنا بل وانحنائنا للغول ومحاولة تفادى سلطانه، لم ننس ولم نغفر.

 السجن عزلة، مثلما يستهدف عزلك عن المجتمع ومعاقبتك بتدمير نفسيتك، يستهدفنا نحن كذلك باجبارنا على نسيانك، بأن نتحول لسجانين. إن نعتاد غيابك. إن نعتاد سجن الشعراء والكتاب والفنانين. أن يكون الخوف خبزنا اليومى.

يحدث إن يعمى الغضب المرء عن رؤية العالم، شعرت أحياناً في ليالى السجن بأننى لن أخرج أبداً، بأننى حتى لو خرجت لن يغادرنى السجن، بأن تسممت تماماً، وتلك الحشرات التي عشت بصحبتها  دخلت تحت جلدى ولن يمكننى التخلص منها أبداً. لكن كل هذا زال، وكل الكوابيس التي تحاصرك في جدران السجن ستزول، سيمضى كل هذا يا أشرف فوجه غضبك في المسار الصحيح، لا تجلد ذاتك، ولا تترك الغول يمسخك.

بأخوة الكتابة والأدب، بأواصر الفن والأحلام ينمو اتصالنا، حتى لو تقطعت سبل التواصل، فأتمنى إن تصلك محبتنا وأن تمدك بالطاقة على الحلم.

ثلاث حلقات مع بلال فضل

الآن اتكلم. شاهد على العصر افتح خزينة الأسرار واليوميات وكيف جري ما جري. كيف يتم تجنيد شباب الارهابيين داخل السجون؟ ما سر حجم القضيب الهيستيريا؟ من هى المرأة التى أكلت زوجها؟ ولماذا حكم القاضي عليّ بالسجن لمدة عامين؟ ومن هو وكيل النيابة الذي تسبب في هذه القضية؟ ما هى الكتب المسموح بها في السجن؟ لماذا أكل أبناء مصر بزاز مصر؟ ماذا تفعل بالمنفي؟ ماذا تصنع بالوردة وكيف تشم القنبلة؟ هو صحيح الهوى غلاب؟ كيف كانت الأيام مع علاء سيف؟ ما هو الغرض من الرقابة في مصر؟

كل هذه الأسئلة وأسئلة آخري تجدون إجابتها في ثلاث حلقات حوارية تشرفت أن أكون ضيفاً فيها في برنامج “عصير الكتب” مع بلال فضل على قناة العربي. أتمنى أن أكون ضيفاً خفيفاً




الشك باليقين -3 – سلسلة هزلية غير مكتملة

استيقظت على حذاء جلدى متسخ يهزنى. وصوت أجش يقول بتهكم “اصحى أنت فاكر نفسك نايم عند حماتك”. بذلت مجهوداً في السيطرة على انفعالي حتى لا يظهر الامتعاض على وجهى ثم اعتدلت على الفرشة جالساً. كان “منمون” في لباس مدنى، خاطبنى:

-قوم.. زيارة.

أخذنى من الزنزانة إلي قاعة الاستقبال في القسم حيث وجدت عطيات وصديق البار. ما أن رأتنى حتى وقفت وهى تغالب دموعها. عانقتها ثم صافحت صديق البار. أفهمنى أنه استطاع من خلال أحد معارفه ورشوة بسيطة تدبير تلك الزيارة المبكرة في غير مواعد الزيارة الرسمية في القسم والتى تكون في المساء. قال أن المحامى طمأنه. صحيح أن العقوبة هى الحبس التأديبي مدة غير معلومة كما تقتضى قواعد الحبس التأديبي لكن مثلما يعنى هذا أن المدة قد تصل لثلاثين شهر فقد تكون أيضاً ثلاث أسابيع كما ينص الحد الأدنى للعقوبة التأديبية غير المعلومة.

في القانون الامبراطوري الحبس التأديبي يختلف عن الحبس العقابي، فالأخير يكون بسبب جنحة أو جريمة محددة الأركان يستحق المدان عقوبة محددة لها. أما الحبس التأديبي فيكون لخروج الجانى عن روح القانون أو الناموس الامبراطوري أو تقاليد المجتمع أو العرف الدينى وتقرير ذلك متروك لروح القاضي. ولأن الغرض منه تأديب الروح لا عقاب الكينونة أو الجسد على فعل مادى تم ارتكابه فالحبس يكون منزوع الأمل بحيث لا يعرف المدان متى سيخرج ليغرق داخل ذاته ويراجع حياته منتظراً رحمة روح النظام الذي تعدى على روحه وهيبته. لكن المحامى مطمئن فمازال أمامنا درجتين للتقاضي وهو واثق من البراءة أو تخفيف الحكم أو إيقاف تنفيذه في درجات التقاضي القادمة. صحيح أن الاجراءات قد تستغرق أسابيع لكن من يدري ربما تنتهى مدة الحبس قبل حتى أن تبدأ إجراءات الدرجة الثانية من التقاضي.

لاحظت عطيات وجومى وأنا استمع لسرد صديق الحانة. وضعت كفها على يدى وهمست “متقلقش أنا كلمت مجدى بيه، ووعد أنك هتقضي المدة في سجن كويس، كل شئ سيكون على ما يرام، كل شئ سيمر سريعاً” أطبقت على يدها بكفي يديا الاثنين “لا تقلقى أنا بخير”.

أشارت عطيات إلي الحقيبة القابعة أسفل قدميها. قليل من الطعام، غيارات داخلية، كتاب لتزجية الوقت عن “إيزيس وعبادتها” كنت اقرأ فيه وتركته بجوار الفراش، سألتنى عما احتاجه، ولم أهتم إلا بطلب أقلام للكتابة، ووصفت لها مكان الأوراق وأين تجدها وأن تقوم بتصوير نسخة منها وإحضارها إلي. لوت شفتيها المكتزتين لكن لم تعترض ثم تلفتت حولها “وهل سيسمحون بدخولها” سألت. ضغطت على كفها “سنتصرف” جاوبتها.

فتحت الحقيبة وأخرجت لفافة منها “طيب كُل معايا، أنا عملت لك أكتر حاجة بتحبها سندوتشات كبدة ومسقعة”. عزمت على بسندوتش ثم على صديق البار.

بينما نتناول الطعام، دخل ضابط إلي القاعة بصحبة اثنين أصغر سناً منه، نظر نحونا ثم خاطب أحد الضباط بصوت عالى “مين دول، وليه قاعدين هنا؟” التفت الضابط الشاب حوله، فهرول ميمون نحوه وانحنى على أذنه هامساً بينما أكمل الضابط الكبير طريقه نحو غرفة كتب عليها “غرفة الأحراز” تبعه الضابطين الشابيين والميمون، ثم تعالى صوت الضابط الكبير من داخل الغرفة “مفيش الكلام دا، الزيارة في ميعاد الزيارة بس”. توتر صديق البار وبدا كمن يعتذر بلا كلام. خرج الضابط وهو يشعل سيجارته، بينما هرول الميمون نحونا وقد فهم صديق البار فقام واقفاً مستأذناً في الانصراف.

خرج الثلاثة من القاعة؛ صديق البار والميمون وعطيات بصحبتهما تتهادى بجسدها الملفوف في ثوب طويل أخضر ملتصق بجسدها مظهراً حدود ملابسهما الداخلية على كفلها الكبير الرجراج. شمس الظهيرة كانت تغرق الساحة الخارجية للقسم، ويسقط ضوئها عابراً باب قاعة الاستقبال مشكلاً مستطيل كبير المساحة على الأرض وقف فيه الضابط متابعاً خروجهم من باب القسم الخارجي أو للدقة خروج مؤخرة عطيات التى لطالما لفتت الأنظار. هز سيجارته بين أصابعه فسقط رمادها على الأرض، استدار برأسه نحوى “زوجتك؟”

لا مهرب ولا يمكن لمسجون أن يتحاشي سؤال سجانه. أول الدروس كما أن الحقيقة ليس ضرورياً أن تجلب المنفعة. نعيش مع بعض منذ سنوات لكن أبداً لم يكن الزواج بالمطروح، وعطيات لم تكن تجد للأمر داعى وأنا بعد تجربتى الوحيدة المشؤمة لم أجد في الأمر أى إغراء لتكراره. مع هذا أجبت الضابط على سؤال:

-نعم حضرتك.

* * *

اعتمد الجهاز الشرطى في تركيبة قبل العصر الامبراطوري على ثلاث فئات رئيسية، الضباط برتبهم الجمهورية المختلفة ويتخرجون من كلية الشرطة بعد دراسة لمدة أربعة أعوام، ثم أمناء الشرطة وهم من الفئات التى لم تكمل تعليمها الثانوى لأسباب مختلفة سواء لضعف قدراتهم العقلية والثقافية أو لظروفهم الاجتماعية أو الاقتصادية حيث يلتحقون بمعهد لإعداد الأمناء لمدة 18 شهر ثم يتم إلحاقهم للعمل كمعاونين للضباط. والفئة الثالثة هم العساكر المجندين الذين يتم اختيارهم من المجندين اجبارياً في الجيش حينما كان التجنيد إجباري في زمن الجمهورية حيث يعملون بدون أجر تقريباً في آخر السلم الوظيفي بجهاز الشرطة.

وحيث أن الأمناء كانوا يقيمون بغالبية العمل تقريباً دون أى تقدير معنوى لجهودهم وبفارق كبير في العائد المادى بينهم وبين الضباط، بل وحتى لم يكن مسموحاً لهم بالعلاج في ذات المستشفيات التى كان يعالج فيها ضباط الشرطة أو حمل السلاح في غير أوقات العمل إلي جانب العشرات من أوجه التمييز والتميز المختلفة، فقد استغل الأمناء فترة السيولة والاضطرابات التى سبقت التحول الامبراطوري، وأخذوا يضغطون من أجل الحصول على الكثير من الامتيازات والمساواة مع الضباط. ومع قيام الامبراطورية وبدأ الاصلاحات الأساسية النظامية تقرر لانهاء هذا التنافس وانعدام السماواة بين الأمناء والضباط حل معهد أمناء الشرطة وتحويل الأمناء لضباط صف. ليقتصر تركيب الجهاز الشرطى على فئتين؛ الضباط والعساكر المجندون.

 العساكر لا يمكن الاعتماد عليهم لأنهم مجندون لفترات زمنية محددة، وغالباً لا يتقنون القراءة والكتابة. والأهم أن الضباط لم يشعروا أنهم ضباط بلا أمناء يصدرون لهم الأوامر ويعتمدون عليهم ويشكلون نافذة تعامل بينهم وبين المدنيين. هنا برز “المنمون” كوسيط مدنى محسوب على السلطة القانونية لا الشرطية.

برزت الحاجة إلي الميمون في كل الجهاز الاداري للامبراطورية لا الشرطي فقط. فكان الحل في افتتاح “الجبلاية الإدارية العليا” وهى معهد بفروع منتشرة على طول وعرض الإمبراطورية. الدراسة فيه لمدة تسع شهور. تحصل بعدها على شهادة معتمدة من إدارة الجبلاية العليا التابعة للمشروع الامبراطوري لتأهيل الشباب. ثم تتقدم لدفع عربون لأى مكتب حكومى يحتاج لميمون، لتحصل على كارنيه “ميمون” معتمد من تلك الوزارة أو الإدارة الحكومية أنك ميمون رسمى تابع لا منتمى لها، وأحياناً تمنع بعض الادارات الحكومية والامبراطوية مع الكارنية طيلسان ترتديه وقت الخدمة حتى يسهل تميزك عن المواطنيين المدنيين والموظفيين الامبراطوريين. بعض الهيئات تمنح “الميامين” التابعين لها زى رسمى وتجبرهم على ارتدائه أو الالتزام بألوان وقواعد تفصيلية ولونية في الملابس. لا يتقاضي الميمون أى أجر رسمي من الهيئة التابع لها فهو ليس موظف وليس لديه مواعيد عمل رسمية، بالتالي فلا يحمل الجهاز الإداري للدولة وميزانيتها أى أعباء إضافية. بل يحصل على أجره بشكل مباشر من المواطنين المتعاملين مع الهيئة.

لنفرض أنك دخلت إلى مكتب إداري ما من مكاتب الإدارة الحكومية الإمبراطورية سواء كانت هيئة عليا أو سفلي  أمنية أو اجتماعية أو خدمية، وذلك لإنجاز معاملة رسمية ما من أى نوع. لنفرض أن هذه المعاملة تطلب منك المرور على ثلاث مكاتب حكومية وإضاعة يوم كامل وربما أكثر من وقتك، هنا يظهر لك الميمون يتقاضى أجره/ إكراميته وينجز لك المعاملة. هكذا قلص ظهور الميمون الوقت الذي تستهلكه البيروقراطية الإدارية، وقضي على الرشاوى والفساد من خلال تقنينه، وكل هذا بدون تحميل الموازنة العامة أعباء مالية إضافية التزاماً بقرارات وشروط صناديق النقد ومعابد الدولار ومؤسسات التمويل والتصنيف الائتمانى الدولية

 

9a5fa0a9a32f970ca10ebf1697de7632
لوحة استشراقية تعود لزمن الاحتلال الفرنسي للجزائر للفنان Horace Vernet

 

نائل الطوخى: دروس مستفادة من حبس ناجي، أولها الفردية

تمر هذه اﻷيام ستة أشهر على حبس اﻷديب أحمد ناجي بسبب مقاطع نشرها من روايته “استخدام الحياة” في جريدة أخبار اﻷدب، واتهم على إثرها بـ”خدش الحياء العام”. يُعد ناجي اﻷديب الوحيد المحبوس حاليًا في سجون النظام بسبب أدبه، ولكن على ما يبدو فهذا لا يكفي لتفسير اختلاف قضيته عن سائر القضايا في عيني المتابعين. بهذه المناسبة، وبعد أن هدأت قليلًا حدة البيانات الانفعالية المتضامنة، يمكننا أن نحاول اﻹجابة على سؤال “لماذا يختلف حبس أحمد ناجي عن حبس غيره؟”، ما يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر: “لماذا يختلف أحمد ناجي عن غيره؟”

شارك ناجي في ثورة يناير، ولكن لم يمنعه هذا أبدًا من اتخاذ مواقف مستفزة طول الوقت لجموع الثوريين. لم يكن ممن انخرطوا بعنف في الاستقطابات التي اشتعلت في مصر عقب الثورة، وإنما كان يقف على حافة الاستقطاب دائمًا ، يتأمل من الخارج حارقًا دم جميع المستَقطبين. وعلى العموم، فقد وصف ناجي فيما بعد مشاركته في الثورة بـ”العمل الصبياني”.

12441_217603880350_541205350_4538118_6655916_n
بورترية لنائل الطوخى

طول الوقت يغني الكثير من الشعراء والأدباء للفردانية، ولكن ما أن يظهر على أرض الواقع شخص كامل الفردية، متخلص من ضغط الجماعات المتناحرة من حوله، حتى يشعرون بعدم ارتياح. لهذا كره الكثيرون ناجي؛ ﻷن الفردية الكاملة، رغم كونها قيمة محبوبة نظريًا (انظر لكم اﻹعجاب الذي تُنطق به عبارة “لا يشبه إلا نفسه”)، هي في الحقيقة شائكة وموحشة وغير مريحة، حتى لمن يتغنّون بها.

يشكل القطيع دائمًا حماية للشخص؛ يستأنس به ويشعر بالدفء في وجوده. وبالتأكيد يشكّل تهديدًا للسلطة، فالمجموع أقوى من الفرد بطبيعة الحال، ومجموعات متحدة يمكنها تكسير جدار لا يقوى على تكسيره فرد واحد. ولكن ما نريد قوله إن الانتظام في جماعة ربما أيضًا لا يكون عمليًا في جميع اﻷحوال؛ أحيانًا ما يسهّل القطيع سيطرة السلطة على المعارضة. فلأن القطيع يلزمه رأس، يمكن تشتيته بمجرد نزع رأسه.

هذا يقودنا إلى ثورة يناير، والتي كانت عبارة عن مجاميع ضخمة تتكون من أفراد لا يملك كل منها إلا حسابًا على فيسبوك.

في فيلم “حياة براين”، يتبع المؤمنون براين، الذي يتصورونه المسيح الجديد. يؤكد لهم هذا مرارًا وتكرارًا أنه ليس المسيح فلا يصدقونه، فيصرخ فيهم “ليس عليكم أن تتبعوا أي شخص، أنتم أفراد”، فيهتفون بشكل جماعي ومتجانس تصديقًا لكلامه: “نحن أفراد!” يصرخ فيهم “كلكم مختلفون عن بعض”، فيهتفون بشكل جماعي: “نعم. نحن كلنا مختلفون عن بعض!” يبدو لي كثيرًا أن هذا التزاوج بين الفردي والجماعي كان مفتاح ما حدث في الثورة.

على خلاف اﻹخوان المسلمين، الذين هم أكبر جماعة منظمة في تاريخ مصر الحديث، والتي أمكن تشتيتها فقط عبر نزع رأسها، فلم يمكن هذا بعد مع ثوريي يناير. لا يزال اﻷخيرون قادرين على الإلهام وعلى توجيه المجتمع باتجاه رؤاهم.

“التشتيت” ليس اللفظ اﻷدق. فصحيح أن اﻹخوان المسلمين تشتتوا، ولكن الثوريين مشتتون طول الوقت أيضًا. قد يكون اللفظ اﻷدق هو “نزع السحر”. أمكن نزع السحر عن اﻹخوان المسلمين عبر عزل مرسي، ولم يمكن هذا بعد مع الثوريين. الثورة بلا قائد، كان هذا من البداية إلهام الثورة ومقتلها في آن. وﻷنها بلا قائد، وﻷنها عبارة عن مجموعات مختلفة ومتباينة، تتكون من أفراد مختلفين ومتباينين، لا يجمعهم إلا السخط على الوضع القائم، فقد أمكن لهؤلاء اﻷفراد التسلل في المجتمع، أحرارًا ومرنين، ونزع السحر عن النظام العسكري الحاكم وعن اﻹسلاميين في الوقت ذاته.

في هذا كان ناجي ممثلًا لروح الثورة، أو لروح “الإنترنت”، أو لـ”المعاصرة”. واﻷخيران، اﻹنترنت والمعاصرة، كانا حجته الدائمة. يكفي أن يشير ناجي إلى نظرية بأنها قديمة، حتى تبدأ مجموعات من حوله في الانفضاض عنها، تتبعها مجموعات أخرى أوسع، وهكذا.

المؤسف والمعقد أنه كما كان ناجي فردًا كاملًا، فقد أتى التضامن معه فرديًا أيضًا. بعد فورة البيانات القوية لم يعد يشير لناجي إلا أشخاص معدودون. رغم محاولات اﻷدباء لتنظيم حركات تضامن واسعة، على غرار الحركات التي تطالب بالحرية لفلان أو لغيره، إلا أن شيئًا في وعي المتضامنين كان يشير إلى أن الموضوع مختلف قليلًا. كأن ناجي لم يرغب هو نفسه في هذا التضامن. أو كأن التضامن الجماعي هو ضد مشروعه باﻷساس.

هذا هو العيب الأساسي للفردية، كونها غير قادرة على توفير الحماية لصاحبها. قد تحميه فكريًا، ولكنها لن تحمي جسده من الإيذاء على يد السلطة.

***

اﻵن يبدو طبيعيًا أن يُحبس ناجي بسبب كتابته، ولكن هذا ليس إلا بأثر رجعي. قبلها، لم يتخيل أحد من أصدقائه أو المتضامنين معه إمكانية حبسه. ظل ناجي وحده في مكان بعيد عن الصراع السياسي الدائر، وبالتأكيد عن اﻷحكام بالحبس، ﻷنه فرد أولًا ولا يعبر سوى عن وجهات نظر شديدة الفردية، وﻷن في سجالاته شيء شديد الشبه باللعب.

بعد حبسه، خمن الكثيرون أنه حُبس ﻷسباب لا علاقة لها بالبذاءة، وإنما لأسباب سياسية، في محاولة ربما للتقليل من شأن قدرة البذاءة على استفزاز السلطة. ورغم وجاهة النظريات المطروحة، فقد كان التفسير اﻷبسط أكثر إقناعًا؛ ناجي محبوس بسبب الألفاظ البذيئة التي استعملها في كتاباته. رجاء عودوا إلى الفصل المنشور وفكروا، هل يمكن لمصري من الطبقة الوسطى، مصري غير مثقف ولا يؤمن بحرية التعبير، ألا يغضب من ألفاظ كهذه؟ ثم السؤال التالي: ماذا سيفعل شخص كهذا إن وجد نفسه يملك سلطة الحبس، وهو يقرأ الفصل المنشور؟ سيستخدم السلطة التي يمتلكها بطبيعة الحال. وكل الكلام (الدستوري) حول “الحق في التعبير” و”حرية الرأي” و”لماذا يؤخذ الكلام إلى المحكمة”، لن يعدو أن يكون رطانة بالنسبة له، قبيحة أو جميلة، ولكنها في نهاية الأمر رطانة تتحطم أمام هذا الولد الذي يحتاج لإعادة تربية من جديد.

في هذا السياق، لا تمكن اﻹشارة لشخص أحمد ناجي بدون اﻹشارة لسخافاته المتكررة. بدا ناجي طول الوقت كأنه يأخذ موضوع “التساخف” كلعبة مسلية، حتى وإن لم يخل تساخفه من منطق ومن ذكاء في كثير من اﻷحيان. كان قادرًا على تحويل أي رأي جاد لمسخرة بكلمتين، وعلى إحراج الكثيرين ممن بذلوا مجهودًا ضخمًا في صياغة نظرية ضخمة بكلمة واحدة. وفي المقابل، بدأ الكثيرون مع الوقت أيضًا ينمّون مهارة التعامل مع سخافاته، حتى أصبح التساخف والتساخف المضاد لعبة مثيرة بالنسبة لنا، نمّت ذكاءنا وعلمتنا أن الآراء لا ينبغي أن تقال بسبب الوجاهة التي تمنحها لقائلها، ﻷن ناجي (ومعه الإنترنت) قادران على هدم هذه الوجاهة في ثانية.

ما حدث بالضبط هو أن شخصًا أتى من الخارج، بلا أي معرفة بقواعد اللعبة، فمزق أوراقها وحبس لاعبًا فيها. هذا التفسير الأبرز لإحساس الصدمة وعدم التصديق لدى الكثيرين من حبس ناجي، بالأحرى لدى الكثيرين ممن تساخف عليهم ناجي سابقًا؛ هناك شيء ما انتُهك في القواعد؛ ناجي ينتمي للمساحة التي نلعب فيها، لا المساحة التي يلعبون فيها.

هناك بالطبع الكثيرون ممن تساخف عليهم ناجي وهاجموه بعد حبسه، وهذا طبيعي، فأحيانًا يرغب المهزوم في اللعبة بأن تأتي السلطة وتعتقل المنتصر. ولكن اﻷغرب هم هؤلاء الذين لم يحتك بهم ناجي أبدًا، ولم يطب لهم الهجوم عليه إلا بعد حبسه. ربما خافوا من احتمال أن يتساخف عليهم في المستقبل؟ ربما كان وجوده مريبًا بالنسبة لهم، حتى مع عجزهم عن تعريف سبب الريبة هذه؟ ربما أحسوا أنه ابن ثقافة معادية لهم بالضرورة؟ على العموم، كثيرًا ما يجتمع الجبن والنذالة في نفس الشخص، ولا ينبغي أن يشغل المرء باله بهذا النوع من الجبناء اﻷنذال، ﻷنهم في الغالب تعساء أيضًا.

***

بالإضافة لفرديته، فناجي ليس شخصًا واسع التأثير كذلك. لا يظهر على التليفزيون، ولا كتبه تباع بعشرات اﻵلاف، ولا يملك منصبًا حكوميًا عدا عن كونه صحفيًا في جريدة “أخبار الأدب” النخبوية. لا يملك إلا حسابًا على فيسبوك وآخر على تويتر، ومقالات يكتبها كلما عنَّ له.

ربما يكون عميق التأثير، ولكن ليس واسعه، أعني أنه ذلك النوع من اﻷشخاص الذين يتسرب تأثيرهم إلى من حولهم، بفضل طزاجة منطقهم فحسب، وليس بفضل احتلالهم مواقع واسعة التأثير بطبيعتها. هذا أيضًا واحد من أسباب اﻹحساس بالصدمة لدى من يعرفونه، ﻷنه لا يُخشى من تأثيره السياسي الواسع، وﻷنه لم يدع أي دور قيادي.

ركز ناجي سهام سخريته كثيرًا على “المكانة الاجتماعية”، حطم مكانات اجتماعية كثيرة لأناس حوله بمنتهى البساطة، ومع كل هذا، فلم يدعِّ الزهد والصعلكة، على غرار شعراء الستينيات مثلًا، بل كان دائم التغني مثلًا بأهمية الفلوس وبأن يحيا المرء حياة جيدة. بعد رحيل البرادعي لفيينا مع ما أثاره هذا من خذلان في قلوب محبيه، حياه ناجي بحرارة على صفحته الشخصية ﻷنه قرر أخيرًا أن يعيش حياة مريحة كبرنس معه فلوس.

إن كان هناك هدف رئيسي لناجي يؤمن به فهو التقدم، وإن كان لهذا الهدف تكنيك فهو الصراع. كثيرًا ما أخذ يردد في السنوات اﻷخيرة: “الصراع دينامو التقدم”. ويبدو لي أحيانًا أن التقدم كما يعنيه هو أن يفكر البشر من حوله في أشياء لم يفكروا فيها من قبل. وهذا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، وإنما يمر عبر طريق طويل من استفزاز العقل والتساخف المستمر، وكان ناجي شديد المهارة في كليهما.

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

ورد الوردوش: رسالة الخروج من السجن

كتبت هذه التدوينة مباشر بعد الخروج من السجن، ونشرت لأول مرة على صفحة “وسع خيالك” وصفحة “ضد محاكمة الخيال” بتاريخ 24 ديسمبر 2016

صباح الخير، وورد الوردوش على الجميع..‏

بعد أكثر من 300 يوم من العزلة عن العالم الخارجي والانترنت الحبيب، يدور المكن ببطء ‏في محاولة لاستيعاب ما يحدث في العالم وإيقاع اللحظة حتى أكون قَادراً على التحدث بما ‏يمكن فهمه، لذلك عذراً على التأخر في الكتابة.

‏ لا أزال في المرَاحل الأولى لاستيعاب ما حدث وكل رسائل الحب والتضامن التى فاقت كل ‏توقعاتى ولم أكن أعلم عنها شيئاً طوال فترة السجن حيث كان يتم حجب هذه الرسائل لذلك لا ‏أزال في صدمة استيعاب كل ما كان يدور بالخارجِ طوال عشرة شهور مضت ومعرفة كل ما ‏فعلتوه. الموضوع مُذهل خصُوصاً بالنسبة لشخص غير اجتمَاعى مثلي، ولا مُثقف تنويري. ‏كل ما حدث وما يحدث من حُبكم يبدو مُفاجأة مُتجددة أحتاج لوقت طويل لاستيعَابها. أدين لكل ‏هذه الرسائل بالطاقةِ والدفء التى كانت أفضل عون للاستمرار والتماسك والقدرة على ‏ممارسة وتجاوز التجربة.‏

أدرك أيضاً أن الكثير من هذا التضامن ليس لشخصي الضعيف ولا لـ #استخدام_الحياة بل ‏يأتى من أفراد يهمهم أن يكونوا في مُجتمع صحى أكثر بحد أدنى من سقف لحرية الرأى ‏والتعبير. من أخرين لديهم هذا الشغف بالأدب وبالايمان بأخوته العابرة للحدود القومية ‏والأعراق الجنسية. وأنا لم أكن أتخيل أن يكون عدد أفراد الفئات سابقة الذكر بمثل هذا العدد ‏وهذا الاهتمام والحماس للتعبير عن أنفسهم، وعن ما نحب. فشكراً لهؤلاء الذين لا أعرفهم ‏لأنهم فتحوا عينى عل عالم كنت أظنه في هشَاشةِ الزجاج بينما أتضح أنه في قوة الماء.‏

الشكر بالتأكيد في القلب من كل ذلك لفريق المحامين الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعي، خالد ‏على، ياسمين حسام الدين، محمود عثمان وكل فريق عمل موسسة حرية الفكر والتعبير. إلي ‏جانب كل الأساتذة والزملاء الذين حضروا معانا جلسات الاستشكال المتعددة. أدين للجهد ‏القانونى والصبر وتكاتف جهود الجميع بخروجى الآن وكتابة هذا.‏

الزملاء الكتاب سواء في مصر أو الدول العربية، على عهد المقاومة والمرواغة وسعيد بأنى ‏جزء من هذه الفيسفَاءالمُتنَاقضة المُتنافرة الشَاردة وسط خرابات الشرق الأوسط الكبير، وفي ‏زمن عودة الانحطاط القومى الغربي مُدججاً بقوة سخَافة الديمقراطية فأخوة الكُتاب مُمتدة ‏ومتمَاسكة، وسعادتى لا توصف برسائل التضامن والمحبة التى وصلتنى بشكل خاص من ‏كتابي المفضلين وبعضهم كانت أعمالهم اللذة الوحيدة المتاحة في السجنِ، والبعض الآخر ‏قرأت لأول مرة له أيضاً داخل السجن.‏

أما مفاجأة العام فقد كانت هذه التيار من السياسيين والبرلمانيين المصريين الذين أظهروا ‏انحيازهم للدستور أولاً الذي أقسموا عليه، ولتعزيز حرية الرأى والتعبير من خلال تغيير ‏القوانين المعوقة لحرية الرأى والتعبير أو التى توقع عقوبات سَالبة للحرية على النشر أو ‏التعبير الفنى مما يحمل تناقض صريح مع الدستور. صحيح أن جهود هؤلاء لا تزال جزء من ‏عملية الشد والجذب في حلبةِ الصراع اللاسياسي في مصرنا الحنونة. لكن شهدنا زمن يكون ‏فيه البرلمان هو المبَادر بتغيير العقوبات السَالبة للحريةِ في جرائم النشر والعلانية بينما ‏تعترض الحكومة. وهى خطوة أولى على طريق طويل.

بشكل شخصي أوجه الشكر للنواب ‏أحمد سعيد، ود.نادية هنري على مبادرتهم بتقديم مقترح لتغيير العقوبة السالبة للحرية في مادة ‏خدش الحياء بما يتماشي مع الدستور وعلى التكاتف والتأييد الذي أبداه عدد من النواب ‏أبرزهم أعضاء حزب المصريين الأحرار. وخارج البرلمان كان التكاتف والاهتمام من جانب ‏عدد من الأحزاب السياسية دليل آخر أنه حتى وسط وحش التضخم الذي نهوى جميعاً داخل ‏أحشاءه لا نزال قادرين على التفكير في حقوقنا الطبيعية.‏

أيام السجن بصراصيرها وعرقها وبردها ومهانتها. لم أكن بقادرٍ على تحملها ‏وتخطيها إلا بسبب رفقة الزملاء المساجين، وبشكل خاص زملاء عنبر 4-2 بسجن الزراعة، ‏والسادة البكايتة والدباديب من كل الجنسيات الأفريقية واللاتينية والعربية في عنبر 1-2. ‏وأمنيتى للجميع أن يأتى الغد بتعديل أكثر انسانية لقوانين الحبس الاحتياطى بحيث لا يكون ‏عدد مرتدى الأبيض في السجون أكثر من مرتدى الأزرق.‏

الزملاء الصحفيين والإعلاميين. شكراً على المتابعة والاهتمام والتغطية. لدي ظروف صحية، ‏والتزامات عائلة تحتل الآن ولأيام قَادمة الجزء الأكبر من وقتى إلي جانب عدم وجودى داخل ‏القاهرة. فقدت خط هاتفي لكن سأحاول الحصول على رقم جديد في أقرب وقت. ليس لدى ما ‏أضيفه أو أرغب في التعليق عليه في الوقت الحالي، والأولوية للالتزامات العائلية الآن، ‏أعتذر عن عدم قدرتى على تلبية أى دعوات لإجراء أى أحاديث أو تصريحات في الوقت ‏الحالي حتى نرفع المكن ونزيت الماتور وأفهم ما الذي يحدث يدور في الكون الذي يدور، ‏شكراً لاهتمامكم وتفهمكم.‏

الأصدقاء والصحاب والأحباب نفر نفراية وفرد فردايه، في سويداء القلب ومحبة موصولة ‏دائماً وليالينا قادمة وكلام وأحضان كتير في انتظارنا.

أخيراً، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال هناك جلسة مصيرية يوم الأحد بعد القادم أمام محكمة ‏النقض. تضامنكم وحبكم حتى نتجاوز تلك الخطوة الأخيرة بكل الخير وبسعادة.‏

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fahnajeahmed%2Fposts%2F948574795273674&width=500

تدريس عمر بن أبي ربيعة في سجن الزراعة بطرة

مؤخراً فجأة تطفو أو تلمع ذكريات من فترة السجن، بعضها مؤلم والبعض الآخر اتذكره باندهاش الآن وكأنى اسأل هل هذا كان حقيقي؟ اليوم مثلاً ودون سبب واضح تذكرت “ع” ورفاقه وهم مجموعة من العساكر المتهربين من التجنيد معظمهم مساجين بأحكام تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات بسبب التهريب من التجنيد (سنة السجن العسكري 6 شهور). في أسابيعى الأولى في السجن كانوا هم أقرف رفاق لي. معظمهم من الصعيد ومن أسر فقيرة جداً ومتهربين من التجنيد لأن عندهم عائلات وأسر تحتاج لأن يعملوا ويصرفوا عليهم

المهم أنى بالاشتراك مع سجين آخر (كان ناظراً لواحدة من أكبر المدارس الحكومية) أسسنا ما يشبه الفصل لمساعدة “ع” وبعض من زملائه في المذاكرة والدراسة لامتحان محو الأمية. “ع” كان نفسه ياخد شهادة محو الأمية لأنها تعادل شهادة الابتدائية ولو أخد الابتدائية يقدر يقدم على رخصة قيادة ، وبالتالي تصبح أمامه فرصة للترقي اجتماعياً من سائق “توك توك” لسائق “ميكروباص”..

لكنى اليوم استيقظت متذكراً ذات يوم إصرار “ع” على أن نقرأ واشرح له ونحلل قصائد عمرو بن ابى ربيعه بعدما وجد في المكتبة كتاب مختارات من شعره