في جهل الذكور بأشيائهم ‏

نشأت في عائلة طبية بشكل كامل. الأب طبيب، الأخوة أطباء أو يدرسون الطب. الأعمام أطباء، والخال طبيب، كذلك يمتد الأمر إلي أبناء وبنات الأعمام والخال. تقريباً كنت الفاشل الوحيد الذي اختار في الجامعة دراسة غير علمية. كانت المعلومات الطبية جزء من الأحاديث اليومية والأسرية في العائلة. وعبر مسيرة الواحد كونت حصيلة بسيطة من القراءات والمعرفة عن جسدى وطريقة عمله. وحتى أيم قليلة كنت أظن أنى أعرف على الأقل أهم المعلومات الصحية وكيفية عمل أعضاء جسدى، حتى اكتشفت منذ أسبوعين مدى جهلي بالكثير عن أهم أعضاء جسدى.

 

meghanhowland-07
Enter a caption

 

داهمني منذ فترة ألم خفيف في منطقة الخصية، تحديداً الخصية اليسري. كان الألم خفيفاً لكنه مستمر، لم يصاحبه أي أعراض أخري. استمر الأمر لعدة أيام وفي النهاية قررت زيارة الطبيب. كانت المفاجأة الأولى حينما أخبرنى طبيب المعاينة الأولي والذي يكتب بعد ذلك التحويل إلي الطبيب المتخصص بأننى احتاج إلي طبيب مسالك بولية، وليس أمراض ذكورة. حيث أن أمراض الذكورة لا تتعلق إلا بعمليات الإخصاب والتأكد على قدرة الذكر أن يكون ديك قادر على التلقيح.

تشخيص الحالة كان دوالي في الخصية، لكن الحديث مع الطبيب وكمية البحث التي قمت به في رحلة العلاج، كشف لى عن عالم كامل من أمراض الذكورة والجهاز التناسلي لدى الذكور لا أعرف عنه أي شيء. معلوماتي بشكل أساسي كانت تقف حول الأمراض التناسلية المعدية وكيفية الوقاية منها، كل ما غير ذلك مغيب ومعمم. تبدى لى صرح الجهل والتعميم عن كل الأمراض المتعلقة بالعضو الذكوري، حينما جاء الطبيب على ذكر حامل الخصية، فانفجرت في الضحك حيث كنت أظنه خرافة بينما اتضح كونه أداة طبية مساعدة تستخدم في بعض الحالات.

** *

لا يتحدث الذكور في جلساتهم الخاصة عن شيء أكثر من حديثهم عن الجنس. حديث الذكور عن الجنس هو حديث المعارك والانتصارات والتباهى بالأوضاع والقدرة على الانتصاب لفترة طويلة وتأخير القذف السريع. لكن يخلو هذه الحديث من لحظات الضعف والاضطراب. تستمد الذكورة جوهر وجودها من العضو الذكري. وفي مصر كما معظم البلدان العربية حيث الذكورة مستفحلة ومسيطرة، لا يقبل الذكر الحديث أو التطرق لأى ضعف خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بمنبع ذكورته. وحيث أننا في عالم ومجتمع ذكوري كما علمتنى الكتابات النسوية، فذات القواعد تسير وتؤثر على الذكور أنفسهم وعلى برامج التوعية الصحية وتوجهاتها في المجتمع.

الطبيب أثناء حديثنا كان يكثر من ترديد جملتين أساسيتين بلا داعي. الأولى هي “لا مؤخذة” والثانية “مش عايزك تقلق أبداً، كل الرجالة عندهم الموضوع دا لكنهم لا يقولون”.

خلال الأسابيع الماضية بعد اكتشاف الإصابة وبدأ رحلة العلاج الدوائي، بدأت في فتح الأمر مع دوائر الذكور الأصدقاء المقربين، وكان مؤسف أن أجد الجهل بكل هذه المسائل مستفحلاً. وبينما نجد اللافتات والحملات الإعلامية والدعائية المجانية لفحص الثدي والتوعية بكل الأمراض الأنثوية التي قد تصيب النساء، لا نجد أي دعاية خاصة بأمراض الذكورة أو البروستاتا أو مشاكل دوالي الخصية. والتي تذكر الاحصائيات أنها منتشرة لدى أكثر من 40% من الراجل.

لقد صدمت من كمية القصص الغرائبية التي سمعتها من أصدقاء ذكور حول الجرائم والكوارث التي يرتكبونها في حق أعضائهم نتيجة غياب المعلومات والجهل بأساليب الفحص المختلفة. صديق حكى لى أن مرة بتجربة دوالي الخصية قبل ذلك، لكنه تجاهل الأمر واعتبر أن الألم الخفيف في الخصية دليل على نشاطه الجنسي وامتلاء خصيته بالحيوانات المنوية (نموذج بسيط لتوضيح كيف تتخيل الذكورة ذاتها)، وبالتالي فالعلاج الذي تفتق ذهنه عنه هو الإكثار من ممارسة الجنس، الأمر الذي أدى إلى تطور الأمر نتيجة زيادة معدلات ضخ الدماء في الشرايين والأوردة. حتى وصل الأمر لمرحلة لم يستطيع معه تحملها، وأصبح عائقاً لدى الاتصال الجنسي، حينها فقط ذهب متأخراً للطبيب بعدما استفحلت الحالة. صديق آخر عبر من تجربة الدوالي، ظل متحاملاً على الألم حتى ذات يوم كان يتبول في حمام عام مد يده يتحسس مكان الألم، وقرر لسبب ما أن يضغط عليه معتقداً أن ضغطه عنيفة قد تريح خصيتيه من الألم لكن بدلاً من ذلك انفجر ألم ضخم في كل جسمه، وشعر بدوار حتي أنه كاد أن يفقد وعيه.

في كل برامج وكتيبات التوعية الجنسية تركز على فعالية القصيب وخصوبة الرجل أو الجابة على أسئلة الذكور الغارقة في الفانتازيا حول كيفية تكبير القضيب أو الحصول على انتصاب دائم، لكن لا توجد أي إشارات أو تعليمات حول سبل صيانة ورعاية القضيب ومشتملاته. صديق ثالث حكي كيف أنه أثناء ممارسة الجنس، مارس وضع ما خاطئ حيث عوج قضيبه بشكل ما، شعر بألم مفاجئ وشاهد قضيب نافر في قضيبة وقد ظهر عليه أثر كدمة. شعر برعب ولم يعرف ماذا يفعل ومن خجله أجل زيارته للطبيب ولم يعرف من هو الطبيب المختص الذي عليه زيارته وبعد يومين تحت ضغوط أصدقائه ذهب للطبيب، لكنه مع ذلك ظل رافضاً أن يخلع أمام الطبيب وهو يحكى حينما لاحظ اندهاشي قال معلقاً (أصل احنا صعايده) والنتيجة بعد حديث وتفاوض مع الطبيب شخص حالته بأنها جلطة في القضيب، وأخبره أن الأمر بسيط ولا داعى لقلق. ضحكنا جميعاً على حكاية الصديق بعدما انتهى منها، لكن خمسة ذكور كانوا في الجلسة أعمارهم تمتد من أول الأربعينات حتي منتصف العشرينات لم يكونوا يعرفون أن هناك شيء اسمه جلطة في القضيب.

 

IMG_20190211_221004
الصورة من داخل أحدى الصالات الرياضية في منطقة أرلجتون بفيريجينا، بالولايات المتحدة الأمريكة. من تصويري.هنا حيث تصنع الذكورة- Ahmed Naji – Feb.2019

 

خمس أوهام عن الذكورة تحجب عنك المتعة

مثلما تعمل الروابط وقوانين الملكية والعلاقات الاجتماعية على ترسيخ مفاهيم للأنوثة بصفتها قرينة للضعف، أو الجوهرة التي تحتاج إلي صيانة. فذات القوانين تعمل على إرساء قوانين مشابهه في عالم الذكور.

من الوسائط الإعلامية والفنية المختلفة على أساليب التربية في العائلة والمدرسة، ترسخ الممارسات العنيفة  واستعراضات القوة كسمة أساسية من سمات “الدكر” وفي عالم الأولاد المراهقين فأى تخلى عن طقوس الذكورة المبكرة معناه انتقاص لهذه الذكورة. وبينما لا يعيب المجتمع على الأنثي إخفاء أنوثتها، بل يطالبها أحياناً بذلك، فإخفاء الذكر لذكورته أو تنكره لممارستها وصورها الاجتماعية يعتبر إنتقاص لا يقبل التعويض.

بسبب هذه الأنماط، فهناك مجموعة متنوعة وغرائبية من أوهام الذكورة تسيطر على قطاع كبير من الذكور العرب، وتحكم أدائهم في العملية الجنسية، ونظرتهم للجنس. التقرير التالي مجموعة من النصائح جمعناها من ذكور مختلفين حول أوهام الذكورة التي أعاقت لسنوات استمتاعهم بالجنس:

-نعم حجم القضيب يصنع فرقاً، كذلك حجم كرشك.

ستظل جميع المواقع الطبية تنصحك وتؤكد أن حجم القضيب لا يشكل فرقاً في استمتاع المرأة، والمهم هو القدرة على الانتصاب. لم يكذبوا عليك، لكنهم لم يحددوا ما هو تعريف “استمتاع المرأة”.

حجم القضيب يصنع فرقاً بالتأكيد، القصيب المختون يختلف عن الغير مختون، طول ومحيط القضيب يختلف من رجل إلي آخر، مثلما يختلف حجم كرشك عن حجم كرش من يجلس جوارك. ستقابل سيدات لن يحببن حجم كرشك، وأخريات سيروا أنه كرش جذاب، آخريات لن يهتموا بكرشك وسيفضلون أن ينظروا لروحك.

ذات القيم والمعايير تنطبق على ما يتعلق بحجم القضيب. المسألة في النهاية تعود لتفضيلات المرأة. بعضن النساء قد يثيرهن حجم القضيب الكبير، آخريات سيشكون من الألم الناتج عن الحجم المبالغ فيه. آخريات لن يهتممن بحجم القضيب مفضلات أن يجيد الرجل الجنس الفموي. العالم مكان محير ومليء بالاختيارات ويفتقد للضمانات بما فيها حتى ضمانة القضيب الكبير.

غلاف مجلة من تصميم : Bruce Minney
غلاف مجلة من تصميم : Bruce Minney

-الجنس الفموى ليس انتقاصاً لقدراتك

على الرغم من الصورة الفجة التي تقدم فيها المنتجات البورنوجرافية تعامل الذكور مع الجنس. إلا أن في مجتمعاتنا العربية وفي بيئة يمتزج فيها تحقير الجسد الأنثوى مع الرغبة في امتلاكه واستخدامها تنمو الكثير من العقد منها على سبيل المثال رفض قطاعات من الذكور لممارسة الجنس الفموى، لأسباب متنوعة تبدأ من شعورهم بالقرف من الكس أو حتى رفض أكلها لأسباب دينية مختلفة. الرومان كذلك كانوا لا يحبون الجنس الفموى لأنهم يرون في الفم منبع الكلمة التي يكتسب بها المواطن الرومانى الحر حقه كمواطن في الإمبراطورية.

لكنك لست رومانياً عزيزي، وليس من العدل أن تستقبل الجنس الفموى من شريك وترفض اعطاءه في ذات الوقت. الأهم من ذلك في بعض الحالات لن تصل شريكتك للنشوة بالجنس العادى، وستفضل بعضهن استقبال شفاهك بدل من قضيبك، وهذا لا يعنى احتقار لقدراتك الانتصابية.

 

-الأصابع لن تسلبك شرفك

مثلما ترغب في اكتشاف جسد شريكك أو شريكاتك فهى كذلك ترغب في المثل. وبينما تسرح أصابعك في كل فتحات جسدها، لا يمكنك أن تعيق تقدم أصابعها نحو فتحتك الوحيدة إذا رغبت. الجنس، والإيلاج ليس عملية مهينة ولا تسلبك شرفك على عكس ما يقال في الشتائم الشعبية. بل أحياناً تكون باب لمتع لم تفكر فيها، ونافذة على تغييرات داخلية قد تقودك لمعرفة ذاتك أكثر.

 

-المثلية ليست مرضاً ينتقل بالعدوي

لديك الحق دائماً في اختيار أصدقاءك ومن ترغب في الخروج أو تمضية الوقت عليهم. لكن الشبكات الاجتماعية تفرض عليك أحياناً الالتقاء بآخرين مختلفين الميول والتوجهات. وأحياناً لا يخجلون من اظهار اختلافهم.

الذكور الناعمين أو الذين يهتمون بجسدهم بشكل بعيد عن المواصفات الذكورية السائدة من تربية للعضلات، ليسوا شرطاً أن يكونوا مثليين. وإن كانوا كذلك فالسلام عليهم أو مصافحتهم لن يتسبب في انتقال عدوى المثالية إليك. ولن يسلبك جزء من ذكورتك، أو يجعل السيدات ينظرن إليك كذكر غير مرغوب أو مرحب به في دائرة اهتمامهن.

 

-تبديل الأدوار في اللعبة أمر صحي

ليس هناك حالة ثابتة، أو هوية للميول الجنسية يمكن حملها للأبد. ميولك الأمس ستصبح ممارسات مملة وغير محفزة لبذور الرغبة اليوم. وأحلام اليوم ليست هي ما حققته الأمس.

لا تلتزم بدور محدد، ليس شرطاً أن تكون دائماً في الأعلى، وليس شرطا أن تكون دائماً من يصفع الأرداف أو الخدود. قليل من الصفعات منها أيضاً لن تهز صورتك كدكر أمامها. في الألعاب التخيلية والفانتازيات الجنسية تخلى عن التصورات المفروض عليك حول ذكوريتك وحول ما يجب أن تفعله وما لا تفعله

Alex Gross لوحة بعنوان الاستسلام
Alex Gross لوحة بعنوان الاستسلام

تجربة شارع مصدق: التحرش بين ضفتين

نشرت في المدن عام 2013

 

يقع مقر عملي الذي أمارسه طوال العام الماضي في شارع مصدق بحي الدقي في القاهرة، على جانبي الشارع تمتد مبانى عشرات الشركات الكبرى بداية من مجموعة طلعت مصطفي وحتى أحد مكاتب مجموعة “هيرمس” إلى جانب البنوك والكافيهات المتنوعة. هذه ليست منطقة برجوازية لكنها منطقة مَال وأعمال، ورواد الشارع في الغالب من “الناس الشيك”.

لكن نظراً لظروف عملي التي تفرض العمل حتى وقت متأخر حتى بعد منتصف الليل أحياناً، فقد لاحظت كيف وبانتظام يومي بعد الساعة الثامنة مساءاً تظهر فتاتان أو أكثر وتقفان في زَاوية ثابتة من الشارع. أحياناً تظهر واحدة وأحياناً يظهرهن في مجموعة من ثلاثة أو أربعة. تمتد الوقفة في أيام إلى السَاعةِ الواحدة بعد منتصف الليل.

بدا واضحاً طبيعة المهنة التي يقومن بها، والغرض من وقوفهن في هذه الزاوية، لكنى اندهشت من تواجدهن المستمر ليلاً، ومعظم الوقت بدون أي حماية يوفرها ذكور كما تقتضي تقاليد هذه المهنة العريقة. وحتى العاملات في هذه المهنة في مصر لا يقفن في الشارع بمثل هذه الطريقة، لكن شارع مصدق كشف لي أن هذا المجتمع من الصعب معظم الوقت التنبؤ بردود أفعاله.

من نافذة مكتبي تابعت كيف ينصرف الجمهور عن فتيات مصدق، أحياناً كان يصل الأمر إلى أن الفتاة هي التي تطارد شاب يسير في الشارع وتتحرش بهم، أو توقف أحدهم لطلب سيجارة فيهرول هارباً. الطريقة التي يقف بها فتيات شارع مصدق كانت تجعل زبائنهن المفترضين يشعرون بالتوتر، فالواحدة منهن لا تنظر للأسفل بل عيونها تراقب كل حركة الشارع، وإذا مررت بجوارها فلن تصرف وجهها أو تتصنع البرود بل تنظر في عينك بنظرة مُتحدية.

لكن على الضفة المقابلة من الشارع يقع أحد مراكز خدمة العملاء التابعة لشركة اتصالات “وكافية” فخم بالتالى تعج الحركة بفتيات الطبقة الوسطى محجبات وغير محجبات يسيرن كما تفرض عليهن مدينة القاهرة، الأكتاف مضمومة، الظهر من أعلى متقوس، الرأس لأسفل والعين في الأرض تنظر فقط لموضع قدميها. وبينما تعبر الطريق أو تدخل أو تخرج من أحمد المحلات، ينطلق سيل التحرشات المختلفة من العابرين في الشارع، شاب يلقي بكلمة بذيئة بصوت عالي، آخر يبطء من سيارته ويخرج رأسه ويلقي بكلمة آخر، ثالث يعبر فوق درَاجة نارية فيمد يده ويمسك قطعة من جسد الفتاة.

تابعت على مدار عام هذا التناقض بين ضفتي شارع مصدق ليلاً، ففي جهة تقف فتيات يحترفن الدعارة ولا يجدن زبائن، وفي الجهة الآخري فتيات لا يفعلن شيئاً سوى مُحَاولة عبور الشارع فتتحول إلى مُغَامرةِ خطرة لتجاوز المعاكسات والتحرشات.

بل شاهدت ذات يوم راكب دراجة نارية اقترب من فتاة وكان على وشك الاصطدام بها ثم مال يساراً في آخر لحظة ليتفاداها، وأطلق جملة معاكسة سخيفة. نفس الراكب استدار عند نهاية الشارع إلى الضفة الآخري وحينما أوشك على العبور بجوار “فتيات مصدق” الواقفات في ملل أبطء من سرعته وهو يتأملهن متوجساً، وما إن اقتربت واحده منهن وهى مبتسمة حتى ضغط على البنزين وانطلق بأقصي سرعة مبتعداً.

ليس لدى استنتاجات كبيرة أو عميقة تفسر لماذا يهرب الذكور المتحرشين من فتيات شارع مصدق العاملات في مجال الخدمات الجنسية؟ ولماذا نفس الذكور يستعرضن بذائتهم وفحولتهم بالتحرش بفتيات يتلبسهن الخوف منذ خروجهن من بيوتهن وحتى عودتهن.

ليس في الأمر علاقة بالكبت الجنسي، وبالتأكيد هو بعيد تماماً عن غياب التربية وضعف الأخلاق والقيم الدينية إلى آخر هذه الخرافات التي يتم الترويج لها كسبب من أسباب التحرش. وليس لدى إجابات الصراحة، وإن كانت تجربة مصدق معمل اختبار يمكن أن نفهم منه شيء ما..

أجمل خولات وسط البلد

في الوقت الذي يبدأ فيه تَشكل الذات الفردية من خلال الأسئلة والمناطق الغامضة في مرحلة الطفولة. تواجه هذه الذات الصدمات والتناقضات التي تحملها التفسيرات المجتمعية للعالم. يأتي “الشباب” حينها ليحمل في داخله ميل إلي تبجيل التفسيرات الميتافيزيقيا لأنها تكشف له معانى للأشياء التي كان يجدها منفرة أو مزدرة. تقدم الميتافيزيقيا العالم كلغز كبير يستحيل إدراك أبعاده، بالتالي فإذا كان لدى “الشباب” ميل لتحقير الذات أو دودة الإحساس بعدم الرضا، تخفف التفسيرات الميتافيزيقيا من هذه الآلام. وترفع من منسوب الإيمان بلغز العالم الكبير، وتعمق من الاعتقاد في بؤسه العميق. حينها يكتمل “الشباب” بجناحين يجمعان بين الإحساس بعدم المسؤولية ورؤية أهمية للأشياء في الوقت ذاته.

في ميدان تحرير آخر ما قبل 25 يناير، كانت الزاوية التي تضم محل “كنتاكى” -ممول الثورة طبقاً لبروبجندا إعلام النظام – مركزاً لمقدمي خدمة دقيقة المحمول 75 قرش. دائماً هناك من ينتظرون، وهناك من يتصلون بمن ينتظرونهم. في الوقت ذاته قاعدة للخرتيجية ولبائع الخدمات المتنوعة، ولصائدين العابرين والتسالي.

أحد الوجوه الشهيرة وقتها سيحمل اسم “أجمل خول في وسط البلد” وبعدها بسنوات سيحمل على الفيسبوك لقب “أحمد أنجل”. كنت هاوياً للمراقبة ومضيعاً للوقت في تلك الزاوية، وبطبيعة الحال فقد أصبح وجه أجمل خول في وسط البلد مألوفاً لي في حضوره كوجوه الواقفين بجوار المحمول ولافتة “الدقيقة 50 قرش”. كان يطلب مني أحياناً إشعال سيجارته، وأحياناً كنت أستعير منه كابريت، ثم صرنا نعزم على بعض بالسجائر، ثم عرفنى أنه يعمل في محطة مترو السادات حارساً للتماثيل الأثرية، ويصعد من آن لآخر ليشرب القهوة أو يمارس حياته الطبيعية أو المثلية.

للأجيال التي لم تشهد هذا الأمر، ففي زمن بعيد كان هناك محطة مترو أسفل ميدان التحرير وتحمل اسم الرئيس محمد أنور السادات الذي استشهد برصاص إرهابيين عسكريين في عرض عسكري بمناسبة 6 أكتوبر. كانت محطة أساسية يمكنك التبديل بين خطوط القطارات المختلفة، بممرات وساحات متشابكة على أكثر من مستوى تمتلئ باللوحات والتماثيل الفنية والأثرية المحفوظة داخل صناديق زجاجية. وبينما نسير في أحد ممراتها توقف “الجميل” أمام باب أصفر مطلي بلون شبيه بلون الحائط. فتح الباب، ليكشف ممراً ضيقاً تنيره مصابيح صفراء متباعدة. مشينا في الممر، وهو يخبرني بقصة التمثال الذي خرج من المخازن لوضعه في المحطة، لكن رئيس المحطة اعترض على وجود التمثال، ولأن إعادته للمخازن تتطلب دورات بيروقراطية معقدة، فقد اقترح الاحتفاظ به هنا. قال أنه يعتقد أن للتمثال تأثير قوى ومركزي ومن المهم أن يتوسط المدينة في هذا الموقع الجغرافي، وبسبب كونه خول وجميل فلديه القدرة علي الإحساس بهذه الطاقة الروحية حيث أن لديه اتصال طبيعي مع الأشياء كما أنه يأكل الطعام الصحي فقط.

كان التمثال في غرفة صغيرة بدا واضحاً أنها استخدمت كمخزن وغرفة تبديل ملابس وراحة للعمال أثناء عمليات الحفر وإنشاء وتأسيس المحطة في سالف الزمان حينما كان مبارك ودولته يصنعون أمجادهم ومشاريعهم القومية بالاحتفال بتحديث شبكات المجاري والصرف الصحي أو مبارك وهو يقف في كابينة قيادة المترو ويستمتع بضغط أزرار الانطلاق والايقاف. وفي إطار هذه الاحتفالات كان يتم شحن كل الرموز الوطنية والهوياتيه، لتحميس الروح الوطنية لدى الجماهير وتعزيز الانتماء الوطني من خلال جعل مفهوم حب الوطن مرتبط بالتصفيق الحاد مع كل إنجاز. بارتفاع متر تقريباً كان التمثال في الغرفة للإله “من” بقضيب ذكري منتصب وذراع مقطوع. وأمامه مكتب حديدي قديم بوحدة أدراج ثلاثية. بدا الخول الجميل فخوراً بالمكتب، وقال أنه سيطلعنى على سر.

Max Ernst. The Whole City. Oil on canvas. 60 x 81 cm. 1935. Kunshaus, Zurich, Switzerland.
Max Ernst. The Whole City. Oil on canvas. 60 x 81 cm. 1935. Kunshaus, Zurich, Switzerland.

تتشكل صفات الرجولة في هذه المدينة من مجموعة من صفات المستحبة وصفات آخري منبوذة. وهى منبوذة لا لشيء أحياناً إلا كونه مستحبة كصفات أنثوية. الحياء مثلاً. أخرج مربع خشبي نقش عليهم رسم غير واضح، قدرت أنه معنى “الحياء”. أخذ يرص المربعات في صفين. صف لصفات الرجولة؛ الغضب، العبوس، الوفاء للصداقة الرجولية، الفجاجة، الغرور، الاستعراض والتباهي. وآخري للمنبوذ من الرجولة ليشكل النسوية؛ الضعف، التواضع، المياصة. بعضها بدا لى يحمل لى قدر من المبالغة مثلما كان كل شيء مبالغاً في هذه الحكاية. مبالغاً في ذكورته المدعاة، وفي تقسيمته “الجندرية” للأخلاق والأفكار التي تحدد هوية النوع وتقع سقفاً منخفضاً فوق طاقة الفرد. هذا السقف الذي تحمله أعمدة من الأكاذيب المتناقضة يتداعي تحت ضغط المتغيرات الاجتماعية ووسائل التواصل والإعلام الذي يغرق المجتمع بصور متعددة من الحقائق عن هويته وذاته. بينما مؤسسات شاخت كالدولة والأزهر وغير من مؤسسات ضبط حركة المجتمع تدافع عن بقاءها من خلال قمع رغبات الأفراد.