مع بلال فضل -الحلقة الأولى من عصير الكتب

في ضيافة كبيرة، على مدى أكثر من ساعة ظهرت مع بلال فضل في برنامجه البديع “عصير الكتب” تقريباً هذا أول لقاء تلفزيونى أجريه منذ خروجى من السجن، وأجمل لقاء عملته، الحوار مع بلال دائما متعة ومليء بالنكات والقفشات. شكرا بلال على هذه الفرصة، وأتمنى أكون كنت ضيف خفيف على جمهور البرنامج

هراء الإصلاح والكتابة الدهنية

مثابرة ودأب يستمر عز الدين شكري فشير في الكتابة ليقدم لنا روايته السابعة. 

مسيرة بدأها العام 1995 بروايته “مقتل فخر الدين” وآخر محطاتها روايته التي صدرت مؤخراً عن دار الكرمة “كل هذا الهراء”.

 

سبع روايات كل رواية هي ركن في عالم واحد يضيف له فشير، لكنه لا يغادره.

موضوع العالم الروائي لدى فشير هو السلطة والنميمة السياسية. وهو لا يكتفي بوحدة الموضوع في كل أعماله، بل إن الشخصيات تتكاثر وتتناسل من رواية إلى أخرى، وفخر الدين الذي يرد ذكره في أول رواية لفشير، يكون ابنه عمر هو بطل روايته الأخير، التي كان يريد منحها عنوان “أمل وعمر في الفراش”، لكنه تراجع ليعنونها بالهراء، ليستمر تناسل شخصيات فشير من رواية إلى أخرى في عودة مُختلفة لأدب السلاسل الروائية الذي احتكره نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق في العقود الأخيرة.

والحق أن عالم فشير الروائي يتحدر من سلالة أخرى، لا سيما من رواد الأعمال السياسية ذات الطابع البوليسي، مثل فتحي غانم وصالح مرسي. لكنه، على العكس من الاثنين اللذين طمحا ليصبحا صوت السلطة وصائغي روايتها، يسير فشير في رحلة عكسية. فهو ابن مؤسسات السلطة المصرية، إذ عمل لسنوات طويلة في وزارة الخارجية. ورواياته غالباً عن ضحايا تلك المؤسسات (الجيش، الداخلية، الرئاسة، القضاء)، أو عن حالمين يريدون إصلاحها، وحينما يفشلون يتحولون الى إرهابيين. إيمان فشير بالإصلاح من الداخل، وتمحور الحياة وأي فرصة للتقدم حول تلك المؤسسات وأطرها القانونية والحقوقيةن لا يتزعزع، وحتى حينما غادر عمله في الخارجية وقامت ثورة يناير، كان الموقع الذي اختاره لنفسه يشكل استمراراً للمنهج الإصلاحي، إذ ظهر مباشرة بعد الثورة كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة، واستمر مشاركاً بحماس في مسيرة حماية المسار الديموقراطي من دون أن يندمج في أي حزب أو مشروع ما، لم يكن مؤسسة من مؤسسات الدولة، حتى وقع أخيراً في هوة الإحباط واليأس وهو يرى المؤسسات التي كانت منتهى أمله تنهار، ويأكل بعضها البعض أمام عينيه، فقرر كتابة رواية عن إحباطه ويأسه والهراء الذي ضيع وقته، فكانت روايته الأخيرة.

عز الدين شكري كاتب واقعي بقدر ما هو كاتب بوليسي، وفي روايته الأخيرة يتخلى عن عناصر التشويق والحبكات المعتادة في أعماله السابقة، مغادراً الأدب البوليسي، ليقدم عملًا روائيًا يدّعي الواقعية ويُلبس شخصياته أقنعة هزائمه الشخصية.

لكن، وفي كل مرة يخرج فيها على العوالم التي يتقنها، ويقدم شخوصاً ليست إرهابية أو ضباط جيش أو أمن دولة، تتبدى هشاشة القناع الذي يفقد واقعيته ووفائه للبحث الدقيق المخلص الذي اعتاد علاء الأسواني، مثلاً، تقديمه في أعماله الأولى. ففي روايته “كل هذا الهراء”، حينما يحكي شكري قصة الأصدقاء الثلاثة أعضاء “الألتراس”، يأتي البناء مفككاً خالياً من أي بحث عن تاريخ الحركة أو نشأتها وكيفية عمل روابطها، ناهيك عن أنك لن تقرأ سطراً واحداً عن علاقة هؤلاء الشباب بالنادي وما تمثله لهم هذه العلاقة، بل يصورهم كخلية عمل سياسي مثلما تراهم السلطة ومؤسساتها. والغياب ذاته نصطدم به في تفاصيل العالم الواقعي، إذ يتكرر الاضطراب مثلاً حينما يحكي حكاية الصحافي، صديق هند، الذي يبرر غربته عن زملائه بأنه متفوق عليهم ويريد الإلتزام بمعايير العمل الصحافي العالمي التي قرأ عنها في الجرائد الأميركية!

غياب الواقع بتفاصيله وحساسيته، يعوضه فشير بالكثير من زيوت ودهون الميلودراما، ورثاء الذات. فالرواية التي بدأت بلقاء في الفراش بين أمل وعمر، تحولت إلى حفلة لطم، حيث يتبادل الإثنان رثاء الذات وجَلْدَها.

لكن تراكم الكتابة يكسب الكاتب المعرفة، ورغم إدراكه الثغرات، لا يحاول الكاتب المخلص تغطيتها. بل يترك الثغرات مكشوفة ويتبرأ منها، مدعياً أنها ليست حكايته، بل وصلته الحكايات كملف صوتي لحديث أمل وعمر وقرر هو كتابتها، وهو تكنيك يظهر بأشكال متعددة في روايات شكري حيث يتخذ من الإيهام الروائي جداراً يستتر خلفه.

ورواية شكري هي حوار مسرحي طويل بين أمل وعمر. أمل خارجة من السجن وهي على عكس كل الخارجين من السجن، تقول إنها تعودت على صمت السجن وتريد البقاء مع شخص واحد، رغم أن الصمت آخر ما يمكن أن تجده في السجن، لكن ربما تكون هذه تجربتي أنا التي يحولها الكاتب إلى “أفيه” ثقيل ومكرر طوال الرواية. تختار أمل شاباً أصغر منها لتقضي معه ليلتين قبل سفرها، يتقلبان في الفراش بينما يتبادلان الأدوار في الحكي. حكايات مُتناثرة مثل تقارير الأفلام التسجيلية التي اعتادت برامج التلفزيون انتاجها عن شهداء الثورة. هو لا يحكي حكاية الثورة، بل وكما تقول أمل في الصفحة 130 “أنت من تحكي الحكاية: تنظر إلى وقائع كثيرة تنتقي من بينها مجموعة تنظر إليها – وتغفل جوانب بأخرى- وتدفع بنظرتنا نحو الجوانب التي تريد منا رؤيتها. بهذا المعنى حكايتك منشئة للحكاية؟”.

يبدأ فشير روايته بصفحات طويلة من الشكر والإهداء، بل ومقدمة أيضاً، ولا نصل إلى الرواية إلا بعد 15 صفحة. يحذرنا في مقدمة الرواية، أنها خادشة للحياء، وأنه لذلك يحظر أصحاب القلوب الضعيفة من قراءتها، خصوصاً وقد ترافقت كتابتها مع سجني بتهمة خدش الحياء العام. هكذا، تتوقع أن تأتي اللغة غير نمطية على الأقل، لكنك بعدما تجاوز المقدمة التحذيرية الساخنة، لا تجد إلا الهراء والجنس العقيم واللغة المخصية. وفي كل مشهد يحمل قدراً من الانفتاح، يرضخ الكاتب ليغطي كل الجمل الخادشة بجملة “الجزء الذي يسجن القضاة مَن يذكر اسمه”. في البداية يبدو الأمر كسخرية لطيفة، لكن تكرار الجملة “الأفيه” على طول الرواية يصيبك بالحموضة، وتتساءل لماذا إذن وضع المقدمة التحذيرية الخطيرة؟

أما الحكاية التي ينشئها فشير في روايته، فهي مجموعة من الأدراج، في كل درج صور نمطية للنماذج التلفزيونية لشباب الثورة. ورغم العناوين المرحة التي يضعها للفصول، يمكن أن نضع عناوين أخرى مثل، قصة شابة نسوية، قصة مثليَين جنسياً. وهكذا تتوالى الأنماط التي شاهدناها في كل المسلسلات والأفلام الجماهيرية التي قدمت الثورة خلال السنوات الأخيرة.

رواية فشير، مريحة وممتعة للقارئ، تقدم له معرفة مزيفة معلبة تحوّل البشر إلى مجموعة من البيانات، والقارئ يسترجع تجربته ويعيد تسكين الأشخاص الذين عرفهم أو تسكين نفسه في الأدراج التي أنشأها الكاتب.

تنعكس هذه الرؤية على لغة الرواية وسردها. فحينما يقدم فشير شخصية جديدة، فإنه يفعل ذلك على طريقة الملفات الحكومية والتقارير الأمنية عن الأفراد. الاسم، السن الطبقة الاجتماعية الموقف من الدين.. لأن كل شخصية هي انعكاس لفكرة إصلاحية مجهضة داخل الكاتب، كل شخصية هي رمز لنظرية سياسية، فشلت في معمل النجاح والفشل لدى الكاتب.

لا مجال في هذا العمل، مثل معظم أعمال فشير السابقة، لاضطراب العواطف أو تناقضها. فكل شيء مفسر ومبرر، حتى حينما يقدم شخصية شاب مثلي جنسياً، فإنه يفسر لنا السبب بالشكل النمطي المعتاد في الأدب العربي لأنه تعرض لتحرش جنسي من زميل له عندما كان صغيراً!

الشخصية الروائية لدى فشير أحادية، تطورها محتوم كبرامج الكومبيوتر، هكذا يستحلب القارئ العمل تحت لسانه، مهما كان موقفه السياسي، لتغيب -للحظات- الفوضى المحيطة به وينام آمناً داخل درج من أدراج فشير.

حياة الأوغاد

كتب أحدهم على جدار مواجه لقسم شرطة حى الزمالك –أحد الأحياء البرجوازية في القاهرة- العبارة التالية: “إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء النظام الخلقي الكونى، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام الكونى”. بجوار تتلك العبارة رُسم جرافيتى ضخم لوجه الأسطورة الشعبية “الهرم” وهو يلف بين أصابعه سيجارة حشيش بينما أحاطت برأسه هالة كهالة القديسين.

“الهرم” هو أحد الأساطير الشعبية المعاصرة في مصر، ويصنف في مناطق بصفته إله “الديلارات” والدهاء. وفي مناطق شعبية تباع أيقونات صغيرة “للهرم” عليها الآية القرآنية “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” حيث من يرتدى الأيقونة يحميه ظل الهرم من عيون ضباط الشرطة والأفراد الأخلاقيين وكلاب النظام الخُلقي الكونى.

لكن العبارة الفلسفية والعميقة المصاحبة للرسم، ليست من أقوال الهرم. ولم يعرف من صاحبها، ولما تستخدم بجوار أيقونة “الهرم”؟

كان هذا في الفترة التى تلت أحداث 25 و 28 يناير. وكانت جدران القاهرة تعج بآلاف الكتابات والرسومات معظمها ذات صبغة سياسية، لكن جرافيتى “الهرم” وبجواره العبارة الملغزة ظل شرخاً عميقاً في المشهد وهرمونية الروح الوطنية والثورية التى غطت البلاد في هذا الوقت.

** *

هناك أكثر من عالم.

ولكل مسألة أكثر من طبقة وزاوية. في النظام الخلقي الكونى هناك انشغال بالديمقراطية، الثورة، كرامة نبي، فيلم مسيء، كلاب تنبح، ديون وقروض ودول تشهر إفلاسها، صراعات تدور على الشاشة ونشرات الأخبار. لكننا هنا في حياة الأوغاد ندرك أن هذه الأوهام ليست سوى التمثيل الكاذب للحياة.

20091011(004)
صورة فوتوغرافية من تصوير أحمد ناجى، تعود إلي العام 2009

بينما يتحدثون في النظام الأخلاقي عن أهمية الأدب والموسيقي في التواصل الحضارى بين الشعوب وحوار الحضارات، ندرك أنه لا حاجة لهذا الدفع أو التوجيه من قبل “النظام” لكى يكون الأدب والموسيقي في هذا الاتجاه.

في مصر نمت في السنوات الأخيرة موسيقي الأوغاد، أو ما يعرف بموسيقي المهرجانات وهى نوع موسيقي يختلط فيه إيقاع الهيب هوب، بألعاب الأصوات الألكترونية بأصوات النجوم الأوغاد. يتم تسجيل هذه الأغانى في منازل وعشش  وإضاءة خافتة للشوارع الخلفية، والكلمات منفلتة عن كل الأطر الأخلاقية والنظامية المعتادة.

دون الحاجة إلى التوجيه اكتشفت مؤخراً تشابه غير معقول بين تلك الموسيقي المخلقة في حوارى القاهرة الشعبية، وبين نوع آخر من موسيقي العصابات يزدهر بجنون في البرازيل.

أى حدود يجب تجاوزها إذن؟

الحدود الحقيقية لا تقع بين اللغات المختلفة أو بين الدول ذات أنظمة منح “الفيزا” المختلفة. بل بين نظامين؛

 الأول أخلاقي وكونى يفرض صوراً نمطية بين البشر أفراداً وأمماً ثم يدعى بأنهم جميعاً بشر لهم نفس الحقوق وحباً في الخير ومصلحة الكون يدفعهم لما يقول عنه “حوار” قالبه الأساسي التنافس والملكية.

والثانى هو حياة الأوغاد حيث الفرد مكتملاً في ذاته، ويستمد حريته وطاقة المغامرة لاستكشاف الحياة من معاكسة هذا النظام الكونى، لا بهدف تقويضة أو تفجيرة من الداخل، بل من أجل تللك اللذة السرية الصغيرة.

لكن تلك اللذة السرية ليست كل شيء فهناك الجانب الآخر، أو كما يقول أحد سكان المدينة الأوغاد بالعامية المصرية: “في الحالة دى مفيش آمان، حياتك بتبقي زى القمار، طالع نازل، لما تسيب حبة ريح توديك وتجيبك، لما تجريك لقمة عيش أو ريحة خطر، لما تعس نهارك وليلك من غير ما تولف راسك على حيط أو رجلك على أرض، لما الوقت يبقي بالنسبة لك فرصة، والمكان ضربة حظ.. ساعتها وساعتها بس تعرف أنك بقيت وغد..

بس خلى بالك، أصول لعب القمار.. الشجاعة

الشجاعة اللى متهزهاش كترة

نشرت في 2012

طز في الهوية

نشرت في المصري اليوم في نوفمبر 2012

تقول الأسطورة القديمة إن إيزيس بعدما جمعت أشلاء جسد أوزوريس الممزقة، وحملت منه بحورس. دفنت إيزيس أوزوريس في النوبة فكان رأسه في جزيرة «أنس الوجود» أو فيلة، وباقي جسده على طول الوادي من الشلال حتى الخرطوم. ثم جلست إيزيس على رأسه في جزيرة «فيلة» المقدسة. وأخذت تبكي فاندفعت دموعها محطمة صخور شلالات أسوان وغمر الخير أرض مصر.

والنيل يا أحبائي كما نعرف من أنهار الجنة.

واحتاج الأمر مني 27 عاماً حتى أكتشف، وعن طريق الصدفة، أن اللغات النوبية لها حروفها وأبجديتها الخاصة، لكن هذه الأبجدية في طريقها للنسيان مع انتشار كتابة النوبية بالحروف اللاتينة والعربية.

لماذا يحدث ذلك؟

ولماذا احتاج الأمر مني 27 عامًا لأعرف معلومة بسيطة كهذه؟

لأنك ولأني ولدنا في بلد استبدادي. تتم صياغة هويته من قبل سُلطة حمقَاء تُحدد بالخط الأحمر ما هو الوطن وما هو خارجه. وكأي سلطة استبدادية سعت دولة الجمهورية الأولى إلى ترسيخ وحصر الهوية المصرية بصفات مُحددة فكانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولةِ.

جرت على مر عقود عملية وأد وقتل ممنهج لكل اللغات والأقليات الثقافية الأخرى من أجل تحقيق هلاوس عبد الناصر حول القومية العربية. وهكذا تم تهجير النوبيين وتشريدهم، وفرض اللغة العربية كلغة رسمية، ورغم أن النوبية بفرعيها (فديجا) أو (كنزي) أقدم من اللغة العربية وهى لغة مصرية خالصة، لكن مع ذلك لا يتم تدريسها في أي من الجامعات المصرية. إلى جانب عدم ذكر أي شيء في المناهج الدراسية عن الثقافة والتاريخ النوبي وكم التضحيات التي بذلوها من أجل أن تسيل دموع إيزيس ويغمر الخير أرض مصر.

وحينما اهتمت الدولة باللغة والثقافة النوبية استخدمتها كشفرة في الحرب، ولم تهتم بعد ذلك بتدريسها ولا رعايتها، ربما للحفاظ عليها كشفرة سرية.

الآن يضع اليونسكو اللغة السيوية المصرية المتفرعة من اللغة الأمازيغية على قائمة اللغات المهددة بالانقراض، حيث وصل عدد متحدثيها إلى 15 ألفا من أصل 25 ألف مواطن أمازيغي مصري.

 لكن موقف اللغة السيوية في مصر أفضل كثيرًا من اللغة الدوميرية، والتي يتحدث بها الغجر المصريون وتنتشر على نطاق محدود في بعض مناطق القاهرة والأقصر، وإلى جانب ما سبق فهناك اللغة القبطية التي تصنف كلغة منقرضة منذ القرن 17 مع توقف التحدث بها واقتصار انتشارها وتدريسها داخل الكنيسة القبطية.

 هذا التنوع والثراء اللغوي والثقافي معرض كله للاندثار، بسبب إصرار البعض على إكمال النهج الاستبدادي في قمع الأقليات الثقافية، وفي إبقاء المادة الثانية كما هي دون حتى تضمين الدستور أي مادة تشير من قريب أو بعيد لحقوق هذه الأقليات اللغوية والثقافية. وهنا تصبح الهوية ليست تعبيرًا عن ثقافة وأسلوب حياة يتغير بتغير الزمن بل قيد وأداة تعذيب وترسيخ للاستبداد. وهنا يجب أن تكون الرسالة: طز في الهوية.

ولماذا حقيقي التمسك باللغة العربية، والرئيس مرسي نفسه لا يتقن حتى التحدث بها، أتابع مثلا محاولاته المسكينة للالتزام بقاعدة «سكن تسلم» ومع ذلك فكل مخارج الحروف فاسدة لديه، وكثيرا لسبب ما ينصب الفاعل، بل ويزيد على ذلك لا يعرف كيف يقرأ القرآن ويفسره بالمقلوب.

الهوية التي تسعى لجنة الدستور لفرضها مُمثلة في المادة الثانية وما يتبعها، ليست سوى كذبة. ينكرون كل اللغات الأخرى ويرفضون الاعتراف بها أو حتى دراستها وحمايتها من الانقراض، لترسيخ تصورات سطحية عن لغة هذا البلد وهويته لخدمة الاستبداد القائم على ما يدعون أنه شريعة، بينما هو في الحقيقة شعرة عند ياسر برهامي ساعة تروح وساعة تيجي، حيث الربا اليوم حرام، وغداً حلال لأنه مصاريف إدارية. والفجر كله يكتمل في حالة الزمر وشركاه المطالبين بتطبيق الشريعة بينما لو طبقنا الشريعة عليهم فبدل السجن كان يجب تطبيق حد الحرابة عليهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بجذوع النخل.

من يدري ربما يحدث هذا قريباً، وإن غداً لناظره لقريب

غواصه من الماضى

نشرت لأول مرة في عام 2011

أثناء اعتصام ميدان التحرير الممتد لـ 18 يوم والذي أطلق عليه بعد ذلك ثورة 25 يناير. كنت في طريقي من 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير حينما لمحت على الوصلة بين ميدان جهينة ومدينة الشيخ زايد فتاة تسير على الرصيف وترتدى بدلة غطس كاملة. أعنى بدلة ذات لون أسود، خزانة أكسجين في الخلف على ظهرها، نظارات مائية ضخمة، زعانف في الأقدام، حزام رصاص حول الخصر، كانت تسير بهدوء كأنها فوق مياة البحر الأحمر. توقفت عند بقعة ما وبدأت في إزاحة غطاء المجاري. اقتربت بالسيارة منها. توقفت على بضعة أمتار وفتحت النافذة مذهولاً وهى ببساطة تقفز داخل فتحة المجاري ثم تسحب غطاء البلاعة الثقيل كأنه ورقة وتعيده لمكانه خلفها وهى تختفي ببدلة الغوص تحت الأرض.

غاب مشهد فتاة الغواصة عن ذهني في مقابل ما كنت أراه طوال تلك الأيام، كما أنه لم يجد سياقاً مناسباً وسط أحاديث الأصدقاء والشئون والنميمة السياسية. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ يعنى هتقعد وسط ناس بتحكى عن مؤامرات الجيش والجنرالات والرصاص وقنابل الغاز وأنت تقطع هذا الحديث الشيق المفيد وتحكى مشهد فتاة ترتدى ملابس الغوص وتختفي في بلاعة مجاري على محور 26 يوليو.

بعد تنحى الرئيس طلب منى أحد الأصدقاء وهو مصور يعمل مع الوكالات الأجنبية المساعدة في سعيه لانجاز قصة عن أصحاب الخيول والجمال أبطال موقعة الجمل الشهيرة، تطلب الأمر مشاوير وأبحاث طويلة. رفضوا التصوير أو الحديث لكن في محاولة أخيرة قررنا زيارة المنطقة.

الزيارة كانت محبطة، وأنا شخصيا لم أكن متحمساً للموضوع. جلسنا على أحد المقاهى لشرب “سبرايت”. فجأة حانت منى لفتة للوراء شاهدت فتاة البلاعة، وهى تزيل نظارة المياه من على وجهه، وبجوارها أسطوانة الأكسجين، طلبت شاى خفيف سكر برا. رغم أن المكان كان قهوة شعبية ليس من المعتاد أن يجلس عليها النساء. لكن كل من كانوا في المنطقة كانوا يتعاملون معها بأريحية وكأنها جزء طبيعى من المكان، عامل المقهى وهو يضع الشاى تبادل منها بعض الجمل لم استطع تبينها. صديق اندهش هو الآخر وقرر التقدم ومحاولة فتح الحوار معاها لكنها رفضت بعنف. ثم قامت وحملت أسطوانة الأكسجين وقررت الانصراف دون حتي أن تحاسب على المشاريب، كأنها زبونة دائمة ولديها حساب مفتوح.

 

كان نائماً حينما قامت الثورة.. يا بختك يا عمدة

هناك طائفة سرية بدأت بالتشكل بدون وعي كامل بعواقب أفعالهم منذ منتصف التسعينيات. هذه الطائفة السرية تزايدت شعبيتها وعضويتها ومحبوها في العقد الأخير بفضل الإنترنت وبفضل اتساع دائرة من أتيح لهم معرفة جوهر الرابطة الخفي. تتبع هذه الرابطة آثار شاعر ومهندس فاشل للعالم يدعى عماد أبوصالح.

c03c6a495726988fb40c9c00bc568631

منذ منتصف التسعينيات وعماد أبوصالح يتحرك كما نسمة هواء لا يمكن رؤيتها بين الحديقة والمزبلة بحثاً عن الشعر. وخلال العشرين عاماً الماضية. أصبح عماد أشهر شاعر سري. يكتب الشعر بهدوء وملل وهو يقطع البصل بحب كما يخبرنا في ديوانه الأخير. يجمع قصائده في دواوين، ويرفض أن تطبع هذه الدواوين في دور نشر خاصة أو حكومية، بل يطبعها في نسخ معدودة على نفقته الخاصة، ويختار المحظوظين من جماعته السرية ليوزع عليهم دواوينه.

لا يظهر عماد في التلفزيون ليبتز الجماهير بقصائد تتوهم الفخر والانتصارات الجماعية لترويها. ولا أذكر أنى رأيته أو سمعت أنه ألقى شعره في أي مكان عام أو مناسبة مفتوحة. وفي ديوانه الأخير الذي صدر مؤخراً يخبرنا أنه «كان نائماً حينما قامت الثورة«.

وجدت قصائد عماد طريقها للإنترنت، فالمفارقة التي تشكل جزءا من بناء القصيدة لديه، يسهل تقطيعها وتصنيع جمل جذابة عند نشرها على الإنترنت. المفارقة هي الأخت الصغرى للإفيه. والاثنان من عوامل الجذب الأساسية على الإنترنت. ظهر جيل كامل من الشباب لا يعرفون عماد ولم يسبق لهم أن أمسكوا بكتاب من دواوينه ذات الأغلفة البيضاء. لكنهم يعرفون قصائده وينشرونها على الإنترنت. بل أحياناً يختارون صورا بالأبيض والأسود أو أخرى من صور الكيتش المختلفة ويضعون معها مختارات من أعماله.

عماد الخائف من الأضواء والذي سعى طوال عمره للابتعاد عن ماكينة الاستهلاك ودائرته، أصبح اليوم كاهناً لكنيسة سرية على الإنترنت. يكفي أن تكتب اسمه في جوجل لتظهر لك أبوابها وأعمدتها السبعة المتابينة.

** *

بعد الطلاق أو الانفصال لا تتكسر الآمال العريضة فقط. بل يترك الإنسان في العراء بلا أي أمل. يفقد البعض الإيمان بالعالم، وأحياناً الإيمان بأنفسهم وقدرتهم على النهوض من جديد. يقول سائق «التوك التوك» في استيتوس مؤثر على ظهر مركبته (الحب مات بسبب البنات).

الجموع التي اندفعت بالعواطف الحارقة والجياشة طوال السنوات الماضية، خبطت في جدار من الإحباط، ولم تستخدم مرهم لتقليل حرقان العواطف وهى تصرخ بالثأر وتمجيد الشهداء. أصبحت مثل الزوجة المخدوعة أو الزوج المتهور الذي رمى يمين الطلاق وجلس يعض أصابع الندم. وفي أوقات الندم يختفي أيضاً شعراء الابتزاز العاطفي، هؤلاء اللصوص الذين ينتحلون لقب الشعراء ويتغذون على القصائد القبيحة التي تداعب عواطف الجماهير. لا يهم المعنى، بل يهم الجماهير. يمكن للشاعر اللص أن يكتب اليوم قصيدة عن الميدان، وغداً عن ضحكة المساجين، وبعده مطالباً بحرق كل ما سبق ما دامت هذه رغبة الجماهير. وحينما تفقد إيمانك بالجماهير وتستيقظ من خدعة المثالية وأننا كلنا واحد، هنا تبرز أهمية شاعر كعماد أبوصالح.

في ديوانه الأخير وتحت عنوان «ذم الثورة» حينما يتحدث عماد عن البطل يقول:

يا إلهي

كم هو رائع

هذا الشاب هناك!

يتقدم الصفوف

ويفتح صدره للرصاص

يعالج الجرحى

ويتنازل عن طعامه القليل للجوعى

كأنه نبي

أنا معجب به

إلى كل طفل

يحلم أن يكون بطلاً،

تعلم منه

لتثور ضده

بنفس طريقته.

حين يصبح

ديكتاتور المستقبل.

فقط الشاعر الفاشل في هندسة العالم، هو من لا تخدعه هتافات أبطال البانجو وتجار الثورات، بل لا يستسلم لديكتاتورية الجماهير التي تطلب منه أن يكون مهرجاً يسليها كهويس الشعر، أو يداعب صورتها الشوفونية عن ذاتها كهؤلاء الذين يتغنون في عظمة مصر وشعبها. الحرية لا يمكن أن تكون في يد الجماهير الثائرة لأنها كما يقول عماد: «لكن الحرية عصفور/ يرتعب/ ويطير عالياً/ لئلا تمسك به/ كل هذه الأيدي/ لئلا تلتهمه/ كل هذه الأفواه الجائعة».

user9142_pic4033_1226538635
عماد أبو صالح في صورة شبه رسمية

يُرمى الشعراء بالمثالية والسفه العقلي الذي يجعلهم مروجين للشعارات المثالية التي لا تقبل التنازل. صرخة أمل دنقل لا تزال حتى الآن مرفوعة بل قد نرى ظلها في الجرافيتى على الحائط «لا تصالح.. أبي لا مزيد/ أريد أبي عند بوابة القصر». الآن وقد تبددت سحب العواطف الثورية والتشنجات والمزايدات الوطنية والتي يتضح مدى الأخطاء الفادحة التي دفعتنا هذه العاطفة لارتكابها. يأتي شاعر كعماد أبوصالح لا ليزرع الأمل أو ليعطينى حق الأحلام والشعارات المثالية. بل ليهندس خرائبنا ويذكرنا بضرورة أن نحلم لأنفسنا أولا لا لحكام يرتدون النظارات الشمسية حتى داخل الأماكن المغلقة لكى لا يبصروا سوى صورتهم فقط. ماذا عن أحلام عماد نفسه؟ يختم ديوانه بحلم واحد حينما يقول:

«لا أحلم بأن يشرب الذئب مع الخروف من وعاء واحد. هذا حلم كبير. لا أحلم بأن يتوقف الناس عن متعة القتل. إن هذا مستحيل. كان حلمي أن يظل القاتل قاتلاً والقتيل قتيلاً؛ دون أن يختلط علىّ اليد التي غرزت السكين والقلب الذي تلقى الطعنات. هابيل حبيبي. أفرح به حين يرفض مد يده، ليبادل ابن أمه طعنة بطعنة. قابيل حبيبي. أفرح به وهو يبكة من الألم حين رأى جثة أخيه عارية، محرومة الروح في العراء.

أحلم بالحياة، حلبة مصارعة، بالعدل، بين الخطأ والندم، لا منتصر فيها ولا مهزوم».

كيف تحررت من مصر #2025؟

نشرت في 2015 في موقع هنا صوتك

افتتحت المرحلة السابعة والنصف من العاصمة الإدارية الجديدة. في حفل أقيم على هامش تنصيب المشير حاكم البلاد إمبراطوراً للقطر المصري والاتحاد العربي وطبيباً لفلاسفة العالم وحكيم من حكماء الكرة الأرضية. كان هذا في صيف 2025، وكان صيف حار جداً مع الكثير من العنف، وأزمة تلوث ضخمة في مياه النيل، لكن مع كل هذا فقد ترسخ منذ سنوات ايمان وقناعة بأن مصر أم الدنيا. ارتاح المصريون وتوقفوا عن العمل والإنتاج إلا لسد الاحتياجات الأساسية أو الأخرام والفتحات الجسدية الزائدة. وحينما كان يسأل أجنبي مصرياً كيف كان صباحك اليوم؟ كان يرد لا شيء أيها الجاسوس أنا ابن ام الدنيا التي هي “قد” الدنيا ولست بحاجة لرفع كفلي عن الأرض طالما ظل قائدي الأعلى للقوات المسلحة في حماية خير جند الأرض.

وصلت مصر إلي مستوى من التفكك والإيغال في تصديق الأوهام والأكاذيب لم يعرف من قبل. كان الناس يموتون جوعاً ويقتلون بعضهم البعض في طوابير للحصول على أرغفة الخبز أو المحروقات ثم يظهرون في التلفزيون يتحدثون عن المؤامرة الكونية ويوجهون لعناتهم لأعداء مجهولين ويجددون الثقة في الحاكم العسكري الذي لم يعد أحد يهتم باسمه أكثر من اهتمامهم برتبته.

بنيت العاصمة الجديدة ولم تكن إلا مجمع سكنى بسور وملاعب جولف في الصحراء وحدائق يابانية وشركة حراسة خاصة تقوم بدور الشرطة، على نسق العاصمة بنيت المدن الحصينة في كل المحافظات. فهناك المنصورة الجديدة، وسوهاج الجديدة، إلي جانب الساحل وشرم الشيخ. المدن الحصينة تم تخصيصها للطبقة العليا من قيادات الجيش والشرطة والقضاء وموظفين الدولة وممثلي مصر الحقيقية التي تظهر في التلفاز. المدن الحصينة أشبه بمولات تجارية تتكون من منازل ومدارس وجامعات أجنبية ومن الطريف أن حتى المباني الحكومة في تلك الأماكن لا ترفع علم مصر. يعيش القائد الأعلى والمشير متوهماً أنه حاكم البلاد لكن الحقيقة أن ميزانية الدولة بالكامل أصبحت محملة على ميزانية المملكة العربية السعودية، وأصبحت مصر تنتظر الرضعة من الصدر الحنين في الشرق كل شهر وكل أسبوع وفي اى وقت أو أي مكان ادينى.

مع عام 2020 استقرت قواعد التقسيم مع معاهدة “كربلاء” حيث تم تقسيم المنطقة بين القوتين العظمتين الامبراطورية الفارسية الشيعية من جهة والامبراطورية العربية السنية من جهة، وألحقت مصر بالإمبراطورية السنية السعودية. الملك الشاب الذي انقلب على قواعد عائلته انفرد بالحكم وتوسع بسلطاته في المنطقة، ورأت السلطة في مصر أن الأخوة في الامارات والسعودية تجارب ناجحة يمكن الاستعانة بها فأوكلوا مهام الخصخصة وهيكلة الجهاز الإداري للجهات الحكومية الخليجية للاستعانة بتجربتها. تحت شعارات الأخوة والمحبة والشفقة على الشعب المصري الجائع تم تقديم المنح والاستشارات. وعاش قائدنا العظيم في سلام دون أن يشغل رأسه بتفاصيل الحكم والإدارة مستمتعاً فقط بفرض الضرائب وبناء الحدائق في عاصمته ووضع الكراسي المذهبه فيها.

هذا الوضع الإقليمي والعالمي انعكس بالإيجاب على حياة المواطن العادي، فقد تراجعت وتضاءلت سلطة الدولة المركزية. وأصبح البشر في الأحياء والقري ينظمون أنفسهم من أجل الحفاظ على امدادات الكهرباء والماء بدون انتظار تدخلات من الحكومة. تزايدت سلطة العائلات والقبائل في بعض المحافظات والمناطق. تحولت المدينة إلي مجمعات سكنية مسورة وغزت القبلية جميع انحاء البلاد. لم يعد هناك بحاجة لمهنتي كصحفي. تم إلغاء حرية الرأي والتعبير للحفاظ على الامن وذلك في استفتاء 2021 على الدستور. لذلك صفيت جميع ممتلكاتي الصغيرة واشتريت عربية تويوتا ربع نقل بأربعة مقاعد من تلك التي يستخدمها مهربي المخدرات وانتقلت إلي جنوب سيناء حيث عملت مع منصور في تهريب البضائع المختلفة بخليج العقبة ما بين السعودية، الأردن، إسرائيل. كنا أحياناً نقوم برحلات تهريب بحريه ممتعة حيث ننطلق من شرم الشيخ لمقابلة تجار السلاح في سفاجا ننقل السلاح من سفاجا والغردقة إلي السودان والصومال. وننقل اللاجئين من اليمن إلي أثيوبيا. ونعود فارغين او بمنوعات من بضائع حيوانية وأثرية مختلفة.

أعيش في السنوات الأخيرة أسعد أيام حياتى، متحرراً من كل الأوهام التي طالماً كبلتني عن الانتماء والوطن والمواطنة، اتنقل في بحري المفضل البحر الأحمر على الشاطئ أري مناظر وصور سعيدة وأتمتع بمطلق الحرية في فعل ما شاء وقتما أشاء. كونت مع منصور عائلة ورفاق وحافظت من خلال الانترنت على علاقاتي بأصدقاء المثقفين والكتاب. شغف بالفن لازال موجوداً وإن فقدت الايمان به.

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

وداعاً للشباب

رأيت الوحش لأول مرة في 2005، في وسط القاهرة أمام سلم نقابة الصحفيين حيث تجمع عشرات من الشباب والفتيات للهتاف “كفاية”. خرج الوحش من سيارات الشرطة بملابس عسكرية، وأحياناً متنكراً بملابس مدنية، ضرب المتظاهرين، سحل الشباب، وفي الشوارع قامت قوات الأمن بتعرية المتظاهرات وهتك عرضهن. وقتها كانت الصدمة الكبيرة، وتخيلنا أن هذا أقصى ما يمكن أن يفعله الوحش بنا، تخيلنا أن الكثير من الحب وتشجيع الآخرين على الانضمام لنا كفيل بأن يكبر جبهتنا من بضع مئات إلى مئات الآلاف وربما الملايين، وأن هذا كفيل بالقضاء على الوحش. هكذا كانت سذاجة الشباب وغروره بنقاء القلب وصدق المشاعر. وأنا، بدافع الاشمئزاز من خطابات الحماسة والمواجهة، كنت أنصرف عن كل معركة يظهر فيها الوحش.

Génération Tahrir
فوتوغرافيا: بولين

قابلت السذاجة وصدق المشاعر قبل ذلك بخمس سنوات. كنت طالباً في المدرسة الثانوية، وفي عام 2000 شاركت في مظاهرة طلابية تضامناً مع انتفاضة الأقصى التي اشتعلت بعد زيارة المدان بارتكاب جرائم حرب ورئيس وزراء إسرائيل بعد ذلك “آرييل شارون” إلى المسجد الأقصى، واغتيال القوات الإسرائيلية للطفل محمد الدرة وهو في أحضان والده. كان المدرسون في المدرسة يشجعوننا، دون أن يشاركوا، على السير في مجموعات صغيرة غاضبة تهتف بالحرية لفلسطين، وتتوعد بعدم نسيان حق “الدرة”. وسمح لنا الأمن بفتح أبواب المدارس لنسير في مجموعات أكبر في شوارع مدينة “المنصورة” حيث قضيت مراهقتي. تملكت الأطفال وطلبة المدارس حولى نشوة وحماس ناتج عن انتزاع حق الصراخ وامتلاك الحرية في الشارع للمرة الأولى. وحينما كانت تختلط مجموعات الطلبة كانوا يبتسمون في بلاهة ويحيون بعضهم البعض ويتعانقون في أداء مسرحي مبالغ في افتعاله. مدارس الذكور، في المنصورة، مثلما في معظم أرجاء مصر، مُنفصلة عن مدارس الإناث، وكان من المدهش في المظاهرة مشاهدة كيف يختلط الجنسان من المراهقين للمرة الأولى في سياق آخر غير سياق انتظار الطلبة الذكور أمام مدارس الفتيات للتحرش أو الاصطياد أو المغامرات العاطفية. لكن الزحام، وضرورات الموقف بما تفرضه من زعيق وانفعالات، وتضخم ذوات أفراد بؤساء يحلمون بقيادة الهتاف، كل هذا جعلنى منفصلاً ذهنياً عن الجماعة رغم أنى كنت جزءاً منها.

بعدها بخمس سنوات وأنا أغادر المرحلة الجامعية، سأتعلم أن نظام مبارك كان يترك المظاهرات المعادية لإسرائيل، بل ويدعمها ويقودها أحياناً. لتصور الكاميرات الجموع الغاضبة وهى تحرق علم إسرائيل، ثم يشير مبارك لآلهة الإغريق في جبال أوسلو أو سهول واشنطن ويقول: “أنا هنا للسيطرة على هؤلاء الوحوش حتى لا يحرقوا كل شيء.” وحينما خرجت المظاهرات ضد مبارك كان الأمن يحاصرها، ولأنهم لم يكونوا وحوشاً بعد، فقد كان مبارك لا يزال يسعى لتحويلهم لوحوش من خلال محاصرة المظاهرات القليلة وتعرية السيدات والتعدي الجنسي على الشباب المشاركين فيها، ولكنهم بدلاً من أن يصبحوا وحوشاً فضلوا منطق الهزيمة والانتقام وتقمص حالة الضحية.

شعرت بسأم دائم، وبسخافة كل المسرحيات المعروضة والتي نُستدعي للمشاركة فيها، مسرحية للانتخابات، ومسرحية للرقابة على حرية العقيدة والجنس باسم الدين، ومسرحيات آخري تبتدع مفهوم الوطن وصورته وضرورة أن تحبه والكيفية التي يجب أن تحبه بها. كان هذا لا يناسبني، وعرفت بسبب الإنترنت آخرين غيرى لم يناسبهم الأمر، وفضّلنا صناعة أكاذيبنا الخاصة على الإنترنت، مساحة خارج رقابة السلطة ومغايرة لسأم وملل الآباء وأخلاقهم الراكدة. كانت مصر تمر بلحظات عظيمة. الجميع يتحدثون في التلفاز عن التحول الديمقراطي، وفي الزوايا المعتمة من عالمهم أخذنا نخلق مساحات صغيرة لنقيم فيها حفلاتنا ونعزف موسيقانا الممنوعة من البث في الإذاعات الرسمية والخاصة، لأنها لا تتحدث عن الحب والرموش والشوق والحنين. في واحدة من هذه الحفلات سيقترح علاء سيف أن ننشئ موقعاً إلكترونياً، هو نسخة من موقع الرئيس لكن بمحتوى ساخر ومضحك أقوم بكتابته. كانت هذه أنواع اللعب التي نمارسها، ندخل لقوقعتنا على الإنترنت، ونضحك على الملك العريان وحاشيته وعبيده الذين يمتدحون جمال ثوبه.

تعرفت على زوجتى الأولي في منتدى على الإنترنت لمحبي محمد منير. كنا مراهقين لا نتجاوز الثامنة عشر وقتها، وستمر عشرة سنوات تتخللها علاقة مضطربة أحياناً تشمل الزواج والطلاق ودورة حياة كاملة. أخرون بدأت دورة حياتهم من منتديات ومدونات للإخوان المسلمين، أو الاشتراكيين الثوريين، أو محبي فيتش أقدام النساء، أو جنود الشيخ أسامة بن لادن، أو منتدى “فتكات” لربات البيوت الشابات. عوضاً عن السأم المنبعث من لون صبغة الشعر السوداء لمبارك الذي لم يكن يتغير، كان الإنترنت يجمع الهائمين في أفلاك متقاربة، وهدير حديث وحوارات هذه المجموعات يتصاعد خافتاً. العجائز بأجهزة تقوية السمع وصفوا هذه الهمهمات بأصوات الشباب. نعتوا الشباب بالاغتراب، والعمالة، وقلة الأدب، ولم يتعاملوا معها بجدية أو ربما لم يفهموها رغم أنها كانت رسالة بسيطة..

“على الجثث القديمة أن تترك مكاناً للجثث الجديدة”.

الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق. كنا مضطرين أن نخالط الزومبي، ونبادلهم حديثهم، ونتودد لهم، ونمدحهم أحياناً حتى نأمن شرهم، نندس وسطهم بأطراف مجمدة، ننظر ولا نرى، بحد تعبير يوسف رخا بعد ذلك بسنوات في قصيدته الرائعة، وحينما نختلف معهم أو نرفض أن نأكل الجثث القديمة لمعاني الوطن والدين، يكون التعذيب والتهميش والحصار هو ما يواجهوننا به.

“عيشوا عيشة أهاليكو” يقول الزومبي. وعيشة أهلنا كما يصفها شادى عبد السلام في فيلم “المومياء” هي عيشة الضباع. تسير الفتاة وأكتافها محنية ورأسها للأرض، لا تلفتت يميناً أو يساراً، تتقبل المعاكسة والتحرش صامتة، وحينما ترفض الرضوخ للتحرشات الجماعية في قلب المدينة، يتهم الزومبي الضحية باجتذاب المجرم وإثارته. تخرج المظاهرات احتجاجاً على تعذيب الشرطة للمواطنين، ويُتهم المتظاهرون بإهانة الشرطة. كبرت المظاهرات ثم تحولت إلى المطالبة برحيل الزومبي وكبيرهم الذي علمهم صبغة الشعر. اجتمع الزومبي وخاطبوا الشباب قائلين: “اعتبره زى أبوك يا أخى.”

العواطف الجياشة وسهولة التأثر والانفعال العاطفي من سمات الشباب. ومثلما تكون العاطفة وقوداً للثورة، تدفع الدماء أحياناً في عروق الجموع الهائجة، فهى أيضاً تبعث الرحمة والعاطفة والشفقة. كانت تلك العواطف هى ما سيحول ما يلى الثورة إلى رحلة للبحث عن حق الشهداء والثأر، وستمنع الأبناء من قتل الأباء الزومبي.

في أكثر من صورة لبولين سنشاهد نقاشات محتدة بين فتيات وأمهات، وشباب وعجائز. في الصور لن يمكننا سماع ضجيج الصراخ والنقاش والاختلاف. لكن الصور توضح لنا مقدار السلطة التي امتلكها الآباء الزومبي، ومقدار العاطفة التي ظل هذا الجيل واقعاً تحت سطوتها.

عرفت شباباً وشابات ينزلون إلى الشارع يحرقون الإطارات ويتقدمون صفوف المواجهة ضد مجرمى الشرطة، لكن حينما يرن هاتفهم يهربون بحثاً عن مكان هادئ ليحدثوا منه أمهاتهم “أنا كويس وبعيد عن القلق”، ظناً أن التمرد واقع افتراضي يمكن خلقه داخل فقاعة بعيداً عن حياتهم الواقعية والعائلية. عرفت نشطاء في مجال حقوق المثليين جنسياً لديهم شجاعة إعلان ذلك في مجتمع كالمجتمع المصري، وخوض نقاشات ومجادلات أمام القضاة ووسط ضباط الشرطة، لكن ليس لديهم شجاعة إعلان ذلك أمام أمهاتهم أو آبائهم. صديقاتي اللواتى تلقى بعضهن رصاص الشرطة المطاطي بأجسادهن دون أن يسقط أصبعهن الأوسط المرفوع في وجه الشرطة، كن ينهرن من البكاء جراء ضغوط المجتمع والأسرة وصعوبة أن يخترن تصوراً لمستقبل حياتهن لا يشمل الزواج والإنجاب والاندماج في سياق دورة إنتاج الزومبي.

هذا الجبن وهذا التردد هما ما جعلا خيارات هذا الجيل دائماً تحاول إمساك العصا من المنتصف، ثم يأتي الآباء ليأخذوها كلها من أيديهم. صفقوا للاسلام الوسطى وصوتوا لمحمد مرسي، قال شباب الإسلاميين، الإسلام هوية ودين وسطى جميل يمكنه التعايش مع الديمقراطية، والعلمانية ليست من هويتنا الوطنية. ثم جاء الزومبي الكبار وقالوا: لا فرق بيننا وبين داعش، والقتلة في سوريا، نحن إخوة، سنقول عنهم مجاهدين وسنرسلكم للحرب معهم. وحينما صفق شباب النخبة المدنية للائتلاف المدنى بقيادة الجنرال العسكري، وقالوا: انظروا لعيون السيسي، إنها تشع حباً ودفئاً وسينقذ هذا الوطن ويبنى مصر دولة مدنية على الطريق نحول العلمانية، منع الجنرال الحديث أو الكلام ووضعهم داخل السجون، والباقي قتله حرقاً في الميادين أو على بوابات الاستاد.

الجنرال لم يكن ذكياً، لكن من خلفه وقف شيوخ الخليج، وكلاء الآلهة الإغريق في المنطقة. هؤلاء، مع الزومبي والجنرال، قرروا أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودى بك إلى السجن. ضخوا داخل الإنترنت ذاته عشرات ومئات الملايين، بحيث تحول لمول كبير، هم من يتحكمون فيما يعرض فيه من خلال شركات وفرق “السوشيال ميديا” التي أصبحت تصنع الآن الموضوعات الرائجة على الإنترنت. وهكذا، فحينما تظهر قصة تعذيب جديدة من داخل السجون المصرية، تختفى تحت التكرار وضغط بث الأخبار حول الأشكال الجديدة التي يمكن لمؤخرة كيم كاردشيان أن تأخذها.

شعرت منذ أسابيع بآلام خفيفة لكن مستمرة في خصيتى اليسرى، وحينما زرت الطبيب أخبرنى أني أعانى من دوالى الخصية، ويجب ألا أقف لفترات طويلة وأن أقتصد في ممارسة الجنس، ولا أعرضه لفترات انتصاب طويلة، وحينما سألته عن السبب في كل ذلك قال الجملة ببساطة دون أن يرفع عينيه عن أوراقه: “غالباً أسباب وراثية وعامل الزمن”.

لا فترات انتصاب طويلة لهذا الجيل بعد اليوم، مشتتون هم اليوم في الأرض. البعض في السجون، والبعض منفيون، والبعض يستعدون للغرق أمام سواحل أوروبا المتوسطية، وآخرون يبحثون عن طريق للخروج من الجحيم نحو جنة الله الموعودة عن طريق صناعة سلم نحو الله من الرؤوس المقطوعة. أما من بقوا فقد نجحوا في انتزاع بعض الأماكن من الجثث القديمة، ويمارسون الآن دورهم كزومبي، يظهرون في التلفاز كممثلين للشباب، يلتقطون السيلفي مع كبار الجنرالات الزومبي وكبار الشيوخ الزومبي، ويتنافسون على التقاط الفتات الذي يلقيه الأمير أو الشيخ الخليجي عليهم من وقت للآخر.

هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.

—————————————–

*نُشر هذا النص بالفرنسية كمقدمة لكتاب فوتوغرافيا صدر مؤخراً للمصورة البلجيكية بولين بوني بعنوان “جيل التحرير“، تتبعت فيه، على مدار خمس سنوات، حكايات متنوعة لمجموعات من الفنانين والسياسيين أثناء سنوات الثورة.

د.خالد فهمى: عن أحمد ناجى

نُشر على “فيسبوك” في ١٤ ديسمبر ٢٠١٥ تعقيبا على مقال كان قد كتبه حسن عبد الموجود في “مبتدأ” حول قضية أحمد ناجي

أنا متابع لهذه القضية عن قرب، ومتعاطف جداً مع ناجى ومعكم جميعاً، وأتفق معك على أن “شر البلية ما يضحك”. لكن لى تحفظ صغير يتعلق بتوصيفك لـ”المجتمعات الراقية”. أنا أعيش فى أحد تلك المجتمعات، وأعترف أن فيه قدراً كبيراً من الرقى، ولكنى أدرك جيداً أن مبدأ حرية الرأى فيه مهدد دائماً وأبداً، هناك ضمانات كثيرة، بالتأكيد، من نصوص قانونية، ومبادئ دستورية، ومؤسسات راسخة. لكن هناك أيضاً من يتربص بهذا المبدأ، مبدأ حرية الرأى، تارة باسم الدفاع عن الوطن ضد الإرهاب، وتارة باسم الحفاظ على تماسك المجتمع.

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

ولكن فى مقابل هذه الآراء المحافظة، هناك دائما وأبداً من هم مستعدون للدفاع عن هذا المبدأ، إدراكا منهم أنه “أى المبدأ” مهدد، وأن الضمانات الدستورية والقانونية لا معنى لها إلا إذا كان هناك من هو مستعد لخوض معركة الدفاع عنها.

ولكى أكون أكثر وضوحاً، أنا لا أرى ما يحدث فى قضية ناجى استثناء، بل هى حالة دالة لهشاشة مبدأ حرية الرأى ولضرورة الدفاع عنه.

الاختلاف الذى أراه بيننا وبين “المجتمعات الراقية” هو أننا لم نخض بعد المعركة المبدئية حول حرية الرأى، بمعنى أننا وبالرغم من كثرة القضايا والحالات التى تعرض فيها هذا المبدأ للتهديد على مدار القرن الماضى، إلا أن أنصار هذا المبدأ ما برحوا يدافعون عن هذا المبدأ بشكل سجالى “مثل: القوى الظلامية فى مواجهة التنوير”، وليس بالاشتباك الموضوعى مع القضية.

ما يجب علينا عمله هو خوض المعركة بشكل جدى، يجب علينا أن نجد إجابات مقنعة للأسئلة التالية: لماذا يجب الدفاع عن حرية الرأى؟ هل الموضوع يتعلق بحقوق شخصية “حق الفنان / الكاتب / الصحفى فى أن يقول ما يريد”، أم أنه يتعلق بحق المجتمع فى المعرفة؟ ما الفائدة التى ستعود على المجتمع من السماح بحرية الرأى دون قيود؟ ألن يؤدى هذا إلى الفرقة والارتباك؟ أليس من الأفضل الحفاظ على مقومات الأمة/ الوطن/ المجتمع؟ لماذا نعرض الناس للأذى والضرر نتيجة السماح لبعض الكتاب/ الفنانين/ الصحافيين، بأن ينتجوا كلاماً أو أعمالاً فنية فيها ما يؤذى الجمهور ويجرح شعورهم؟ كل المجتمعات ترسم خطوطاً حمراء لما هو مسموح وما هو غير مسموح. أين يقع هذا الخط الأحمر فى حالاتنا المصرية؟ بمعنى: أين الفاصل بين المسموح والمحظور؟ وكيف يُرسم هذا الخط؟ ومن الذى يقوم بذلك؟

نحن أمام موجة محافظة عاتية تشابه الفاشية إلى حد كبير. ولكن وبغض النظر عن التشبيهات، فإننى أفضل النظر للحظة الحالية بأنها لحظة فرصة على قدر ما هى لحظة تحدٍ، فرصة لبلورة آرائنا وتوضيح أفكارنا عن الكثير من القضايا التى فجرتها الثورة. وأعتقد أن قضية حرية الرأى من أهم هذه القضايا وأخطرها.

وأعتقد أيضا أن قضية ناجى، بالرغم من العبثية التى قد تبدو بها، قضية دالة ومحورية وتضعنا أمام تحد حقيقى: كيف يمكن الاستفادة منها ليس للرد على النيابة بل الهجوم على الفكر الرجعى، الذى يمثله وينوب عنه بتقديم منطق متماسك ومتزن وواثق من نفسه عن أهمية مبدأ حرية الرأى وضرورة الدفاع عنه، دائماً وأبداً.

—- —

نقلاً عن موقع د.خالد فهمى: http://khaledfahmy.org/ar/2015/12/14/%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%8A/