نص حيثيات حكم براءة أحمد ناجي محكمة الجنح يناير 2016

ئاسة السيد / ايهاب الراهب

السيد / حسين شقوير وكيل النيابة

محمد الصاوي امين السر

قضية النيابة العمومية رقم 9292 لسنة 2015 جنح بوﻻق ابو العلا

ضـد

احمد ناجي احمد حجازي

طارق الطاهر حنفي سيد

بعد سماع المرافعة ومطالعه الاوراق

حيث تتحصل وقائع الدعوي فيما ابلغ بيه المدعو / هاني صالح من انه حال شراءه لجريدة اخبار الادب العدد منه يتضمن عبارات تخدش الحياء العام وعبارات جنسية وانه يتضرر من كل من طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير جريدة اخبار الادب والصحفي احمد ناجي احمد حجازي كاتب المقال .

حيث باشرت النيابة العامة التحقيقات وبسؤالها للمتهم الثاني طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير اخبار الادب انكر ما هو منسوب اليه وقرر بانه لم يطلع علي النص بالكامل وانما اكتفي بقراءة رقم 1097 الصادر بتاريخ 3 اغسطس 2014 فوجي بمقال يحمل اسم ملف استخدام الحياة الفصل الخامس عنوان النص فقط وبسؤال الشاكي قرر بمضمون ما جاء بمحضر الاستدﻻﻻت واضافة ب انه فقد اصابه ضرر من ذلك وبسؤال النقيب احمد سمير الشيخ معاون مباحث قسم بوﻻق ابو العلا شهد بان تحرياته انتهت الي صحة الواقعة وقد قدمت النيابة العامة المتهمان للمحاكمة الجنائية بالمادتين 178و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات لقيام المتهم الاول بنشر مقال بقصد العرض و التوزيع يحتوي مادة كتابية خادشة للحياء العام علي النحو المبين بالأوراق وقيام المتهم الثاني بصفته رئيس تحرير جريدة اخبار الادب اخل بواجب الاشراف علي جريدته فيما ادي الي نشر المقال محل الاتهام السابق .

وحيث تداولت الدعوى بالجلسات علي النحو المبين بمحاضر جلساتها مثل فيها المتهم الاول ووكيل محام والذي طلب شهادة المختصين من رجال الادب والفكر واختص كل من الاستاذ/ محمد سلماوي و الروائي / صنع الله ابراهيم والاستاذ/ جابر عصفور كما مثل المجني عليه بوكيل محام وطلب اجل لإعلان بالدعوى المدنية وبجلسة 12 ديسمبر 2015 مثل كل من الاستاذ / محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب و الروائي / صنع الله ابراهيم واقر كل منهما بان العمل محل المحاكمة هو عمل روائي متكامل من خيال الكاتب المتهم الاول وﻻ يمكن اجتزاء اي جزء منه علي حده وتقييمه بشكل منفصل عن سياق الرواية وانه يوجد الكثير من الاعمال الادبية الهامة حوت علي الفاظ وايحاءات جنسية كرواية الف ليله وليله ورواية دعاء الكروان لعميد الادب العربي طه حسين كما ان العديد من كتب الفقه و التفاسير حوت ايضا علي الفاظ وعبارات جنسية كما مثل محام المتهم الاول وابدي مرافعه شفوية استمعت اليها المحكمة كما قدم ايضا مذكرة بدفاعه طالعتها المحكمة والمت بها كما قدم محامي المدعيين بالحق المدني صحيفة الاعلان بالدعوى المدنية وقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم جلسة اليوم .

هذا ولما كانت المادة 67 نصت على ” حرية الابداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب ورعاية المبدعين وحماية ابداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك.

وﻻ يجوز رفع او تحريك الدعاوى لوقف او مصادرة الاعمال الفنية والادبية والفكرية او ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانيه المنتج الفني او الادبي او الفكري.”

“ولما كان من المسقر عليه بأحكام محكمة النقض بأن حق محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي اليه اقتناعها سواء من الادلة المباشرة او بالاستنتاج و الاستقرار و كافة الممكنات الفعلية مادام سائغا”

(الطعن رقم 4184 لسنة 73-قضائية جلسة 29 سبتمبر 2003)

كما أنه من المستقر عليه ايضا ” لمحكمة الموضوع تجزئة اقوال الشاهد والاخذ لما تطمئن اليه وطرح ما عداها. علة ذلك؟ عدم التزامها بان تورد من اقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها

(طعن رقم 42490 لسنة 72 قضائية جلسة 5 مارس 2003)

حيث انه من المقرر ان حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتوالد عنها ﻻ يجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارساتها سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها بل تكن للمواطن الحرية ان يتنقل بينها يأخذ منها ما يأخذ ويلفظ منها ما يلفظ دون ان يوضع له اطارًا او قالبا يحد من تكوين افكاره ومعتقداته كما ان طرح الافكار والآراء والمعتقدات علانيه يجعلها مجالًا للبحث والتقييم من جانب المختصين بل والمجتمع اجمع فيأخذ منها الصالح ويطرح الطالح.

وحيث انه عن موضوع الدعوى فلما كانت النيابة العامة احالت كلا المتهمان بتهمة حدش الحياء العام طبقا للمادتين 178 و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات الامر الذي يتطلب توافر القصد الجنائي الخاص الذي يتمثل في قصد المتهمان حدش الحياء العام او نشر الفجور و الرذيلة وهو يتنافى مع ما قام به المتهم الاول الذي يعد عملا ادبيا من وحي خياله وان ما تضمنه ذلك العمل الادبي من الفاظ وعبارات ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء به ، هو في اطار عمل ادبي وسياق عام لقصه حاكها المتهم الاول من وحي خياله كما ان ما احتواه العمل الادبي ( القصة ) علي الفاظ وعبارات جنسية هو امر درج في العديد من المؤلفات و الاعمال الادبية و الاشعار قديما وحديثا وهذا ما انتهت اليه شهادة كل من الاستاذ / محمد سلماوي والروائى / صنع الله إبراهيم والتي تطمئن اليهم المحكمة من ان العمل الادبي ﻻ يمكن الانقطاع من سياقه او اخذ جزء منه و ترك الاخر .

كما أن العمل الادبي هو كيان واحد إذا انقطع منه جزء انهار ذلك العمل.

كما ان المحكمة ترى ان تقييم الالفاظ والعبارات الخادشة للحياء امر يصعب وضع معيار ثابت له فما يراه الانسان البسيط خدش للحياء تراه الانسان المثقف او المختص غير ذلك وما يراه صاحب الفكر المتشدد خدشا للحياء لا يراه صاحب الفكر المستنير كذلك.

وكذلك ما يطرح في مجاﻻت البحث العلمي في الطب مثلا يكون بالنسبة للغير خدشا للحياء إلا انه ﻻ يكون كذلك بالنسبة للأطباء مثلا فان العبرة في عقلية المتلقي وتقديره للأمور.

فالعبارات التي حوت تلك القصة محل الاتهام ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء لم يرتأها الادباء والروائيين خدشا للحياء طالما انها كانت في سياق ومضمون عمل ادبي فني.

إذا فان المعيار في ذلك يختلف من شخص الي اخر حسبما لثقافته وافكاره وتعليمه فما اتاه العلماء والمثقفين قديما من أفكار وآراء واجتهادات كانت محل رفض ونقد لهم من مجتمعاتهم ان ذاك اصبحت اليوم من الثوابت العلمية والابداعات الادبية التي تثري مجتمعنا.

ولما كان ذلك الامر الذي ترى معه المحكمة انتفاء القصد الجنائي الخاص لدى المتهمان عن قصدهما بخدش الحياء ونشر الرذيلة ولما كان المستقر عليه قانونا وفي قضاء محكمة النقض أن الاحكام الجنائي تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين وإن تشكك القاضي في صحة الاسناد كفيلا بالقضاء ببراءة المتهم الامر الذي تقضي معه المحكمة والحال كذلك ببراءة المتهمان مما نسب إليهم من اتهام ورفض جميع الدعاوى المدنية المقامة وإلزام رافعيها المصاريف وخمسون جنيها اتعاب محاماة

لهذه الأسباب حكمت المحكمة

ببراءة المتهامان مما نسب اليهما من اتهام ورفض الدعاوى المدنية وإلزام رافعيها المصاريف اتعاب محاماة وخمسون جنيها.

 

استأنفت النيابة على حكم البراءة، حيث أعيدت المحاكمة أمام محكمة استئناف، التى قضت يوم 20 فبراير بسجن أحمد ناجى لمدة عامين بتهمة خدش الحياء

عزيزى ويل أو القوة من خلال البهجة

عزيزى ويل.. برنس الليالى ورمانة الميزان،

ليلة بعد ليلة تعبر بنا الليالى، أو نعبر نحن بينها. أقول لنفسي مضت الغيوم وشردتنى، ورمت معاطفها الجبال وخبأتني. لكني انظر إلي يداي فأجدهما ليسا من حجر ولا زعتر. وأفتح عينى كل يوم لكنى لا أري أحد. فأقول كما قال الصديق “إنما هى أشياء”.

2012-07-21 13.20.32
تصوير: أحمد ناجى

في الفصل بين الأدب والذهب

عزيز ويل..

كيف هي الأشياء؟

تحياتى وسلاماتى مضمخة بعطر الخزامي، وموسيقي الحياة. أُسَير إليك كتابي هذه لا لأنى منكسر أو معكوس الخاطر، ولا لكى أبث همى وحزنى أو أرثي ذاتى. فمثلي لا يذاع له سر كما علمتنا  كركرات الشيشة في ليالي الصيف الساحرة. بل أنضد هذه الكلمات وكلى أمل أن تصلك وأنت في خير حال وأفضل مزاج، وأتمنى ولا نذكى أحد على الله أن تجد فيها منفعه أو تسلية، وإذا لم تجد فليس للكتابة غرض يا أخى.. فقط أردت أن أكتب فكتبت. أما عن المعني وما ابتغيه من كتابي، فكما تعلم حفظك الله فالمعانِيَ مبسوطةٌ إلى غير غاية وممتدّةٌ إلى غير نهاية وأسماءَ المعاني مقصورةٌ معدودة ومحصَّلةٌ محدودة.

ولذا أبدأ خطابي إليك مذكرك ومذكراً نفسي بكلمات بديع الزمان الهمذانى:

لا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، وقد جهدت جهدي بالطباخ، أن يطبخ لي من جيمة الشماخ لوناً فلم يفعل ، وبالقصاب، أن يذبح أدب الكتاب فلم يقبل، وأنشدت في الحمام، ديوان أبي تمام، فلم ينجع، ودفعت إلى الحجام، مُقطعات اللجام، فلم يأخذ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفاً ومائتي بيت، من شعر الكميت، فلم يغن، ودفعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، فلم ينفع، وأنت لم تقنع، فما أصنع؟

أحب الغلط

عزيزى ويل،

 فلقد استقر بنا الحال في مدينة الجبال السبعة كما عرفها القدماء من أهلها. ووجدنا في أهلها الكثير من كرم الضيافة والجود وحب الكلاب. وقضينا فيها أيام وليالى نتفرج على عجائب متاحفها ونستمع إلي حكايات فتيانها وفتياتها. أما ما تبقي من وقت فنزجيه في مطالعة آداب أهل “الدويتش لاند” وقراءة ما سبق من كتابات الأوليين. حتي عثرت على كتاب حسن السندوبي “أدب الجاحظ” ومنه غطست في كتاب “البيان والتبيين” لأبو عثمان عمرو بن بحر  الكناني البصري، فغرقت وما عرفت أن البحر عميق لهذه الدرجة. وكلما قطعت شوطاً مع الجاحظ غرقت أكثر كما عبد الحليم في قصيدة لنزار. ولقد ركبنى الهم كلما استزدت من الجاحظ. وتعجبت كيف فات على جمهورنا الكثير من نصائح وتجارب الأوليين وكيف ينسي بعضنا نصيحة الجاحظ حينما قال “تعلموا اللحن كما تعلمون السنن والفرائض.”

في المثقف ودوره في زمن الفتنة

عزيزى ويل،

أذكرك وأذكر نفسي ولا نذكى على الله أحد بنصيحة الجاحظ التى نقلها عن مولانا على بن أبي طالب حينما قال: كن في الفتنة كابن لبون لا ظهر فيركب ولا لبن فيُحلب.

ولذا فنحن لا تفتنا كل هذه الأخبار والأحداث من قوائم وانتخابات وتسجيل في السفارات وأحكام ومحكمات إنما هى أشياء سميتموها.

في إن الفرج يأتى من حيث لا تحتسب

عزيز ويل برنس الليالى ورمانة الميزان،

فلما دخل علينا شهر “نوفمبر” ضاق صدري بالسماء الرمادية، وأصابنى ما يصيب أهل هذه البلاد في هذا الشهر من غم وضيق حتي أن حوادث الانتحار ورمى الجتت على قضبان القطارات تتحول في هذا الشهر إلي رياضية قومية.

ونازعتنى نفسي إلي السفر والترحال لزيارة الخلان والإخوان. فأعددت العدة واشتريت زجاجة المياة المعدنية ووضعتها في الحقيبة مع رواية الألمانى  نوربرت غشتراين “حرفة القتل” وشددت الرحال إلي مدينة باريس. عل وعسي أن يشتفي الفؤاد.

خرجت صباحاً وقد تلفعت بالكوفية وتدثرت بطبقات الأقمشة. وكنت قد اتفقت مع شخص لا أعرفه أن يقلني بالسيارة إلي باريس، فلما قابلته وجدت السيارة بيضاء اللون كبيرة الحجم ركبتها مع سبعة من أصول أفريقية تتنوع بين الكاميرون وتنزانيا.

انطلقت بنا السيارة، ومعها من السماعات خرجت الموسيقي الشعبية من الكاميرون. بين الغابات قطعنا الكيلومترات. وخلفي فتى يحتضن فتاته الناعسة ويدندن معها بالأغانى الكاميرونية. كان للموسيقي طلاوة وصوت الفتى والفتاة خلفي فيه حلاوة. ثم على حين غيرة ظهرت من الفراغ سيارة شرطة فرنسية، أشارت لنا بالتوقف فتوقفنا، أتى الضابط وطلب الأوراق. وكانت المفاجأة أن قائد السيارة لم يكن معه رخصة قيادة. فخاطبت نفسي “كأنك يا أبا زيد ما غزيت”. لكن الكاميرونى نزل من السيارة وتوجه للشرطى وزميله وأخذ يتباحث معهم لدقائق. ثم عاد وخاطبنا بخليط بين الألمانية، والفرنسية، والانجليزية “هل مع أحدكم رخصة قيادة؟”

فقالت الفتاة الناعسة “وى مسيو.. ” فأخذ الفتاة ورخصتها للضابط ثم عاد الاثنان وأكملنا رحلتنا كأن شيئاً لم يكن وهكذا هى الأشياء لا ضائقة بدون مخرج، ولا حلقة بدون ثغرة فتذكروا يا أولى الألباب.

diana-sleep-in-the-woods-1933.jpg!Blog
Giorgio de Chirico 1933

في المثقف ومسألة الهوية

عزيزى ويل،

 أما بعدُ فإنّه لا يُخبرِ عن فَضْل المرء أصدَقُ مِن ترَكِه تزكيةَ نفْسه ولا يعبِّر عنه في تزكيةِ أصحابه أصدَقُ من اعتماده إيَّاهم برغبته وائتمانِه إيّاهم على حرمته. وأعرف بشر عرفونى لأ. لأ معرفونيش. قابلونى وقبلتوهم وفي قول آخر يضربه “اللحن” جابلونى وجابلتوهم.

وقد وردنا في الذكر عن الجاحظ:

“إنّما يمتنع البالغ مِن المعارف مِن قِبَل أُمورٍ تَعرِض من الحوادث وأُمورٍ في أصل تركيب الغريزة فإذا كفَاهم اللّهُ تلك الآفاتِ وحصّنَهم من تلك الموانع ووفَّر عليهم الذّكاءَ وجلَبَ إليهم جياد الخواطر وصَرَف أوهامَهم إلى التعرُّف وحبَّب إليهم التبيُّن وقعت المعرفةُ وتمَّت النّعمة والموانع قد تكون من قَبِل الأخلاط الأربعة على قدر القِلَّةِ والكثرة والكثافة والرِّقّة. ومن ذلك ما يكون من جهة سُوء العادة، وإهمالِ النَّفْس فعندها يستوحِش من الفكرة، ويَستثقِل النَّظَر ومن ذلك ما يكون من الشَّواغل العارضة والقُوى المتقسَّمة.

 ومن ذلك ما يكون من خُرْق المعلِّم وقلَّة رفق المؤدِّب وسُوء صَبر المثقِّف فإذا صفَّى اللَّهُ ذِهنَه ونقّحَه وهذّبَه وثقَّفَه وفرّغ بالَه وكفَاه انتظارَ الخواطر وكان هو المفيدَ له والقائم عليه والمريدَ لهدايته لم يلبث أن يعلم وهذا صحيحٌ في الأوهام غيرُ مدفوعٍ في العقول وقد جَعَل اللَّهُ الخَالَ أباً.

 وقالوا‏:‏ الناس بأزمانهم أشبهُ منهم بآبائهم وقد رأينا اختلاف صُوَر الحيوان على قدر اختلاف طبائع الأمكان وعلى قَدْر ذلك شاهدنا اللُّغاتِ والأخلاقَ والشهوات ولذلك قالوا‏:‏ فلانٌ ابنُ بَجْدَتها وفلانٌ بيضَةُ البَلد يقَعُ ذَمّاً ويقع حمداً ويقولون‏:‏ ما أشبَهَ الليلةَ بالبارحة”

كغفت ديوغش فريودا

وفي السفر يا ويل الكثير من الفوائد والمنافع ذكرها وفصلها الأولين. وراجع زوزو وهى تطرح السؤال: قول لى يا هذا لماذا أخذنا إجازة؟

وقديماً كان النازيون يقولون Kraft durch Freude، أو القوة من خلال البهجة. فلأجل إذابة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وتشجيع السياحة داخل الأراضي الألمانية. وخلق المواطن النازى الأصيل كانت منظمة “كغفت ديوغش فريودا” تقوم بتنظيم رحلات للمواطنين هدفها صناعة الفرد القوى. والمؤمن القوى خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف. ولأن البهجة من منافع السفر فحتى البهجة يجعلها الفاشست والنازيون جسر للقوة. لا أحد من هؤلاء يقول أن البهجة أو السعادة هدفاً لبرنامجه الإنتخابي. بل جميعهم يريدون العزة، والقوة، فوق الجميع، فوق القمة.

إيمان مرسال: عن البوليس وشَعْر المواطنين

في ليلة عيد الفِطر سنة ١٩٩٥، أوقف البوليس على كوبري مدينة المنصورة طالباً جامعيّاً كان في طريقه لقضاء العيد مع أسرته. سألوه عن إثبات الشخصيّة، أعطاهم بطاقته، وضعوه في عربة الشرطة لعدّة ساعات واصلوا فيها توقيف العابرين والتأكد من هويّاتهم. في الفجر، تركوه يمضي ولكن بعد أن أعلن ضابط الدوريّة رأيه في طول شعْره: “ما قصّتش شعْرك ليه قبل العيد ياله، انت خول ولا إيه؟” في القاهرة، في نفس الليلة، أوقف ضابط بوليس فناناً تشكيليّاً شاباً وسأله عن وجهته وأوراقه، أمسك بالبطاقة الشخصيّة وقبل أن ينظر فيها قال له: “انت فاكر نفسك مين وليه حالق لي راسك كابوريا؟”. لا توجد مادة في القانون المصريّ تتناول الطول القانونيّ الصحيح لشعْر الرجل. مع ذلك، يعبّر رجال البوليس، يد الدولة القويّة، عن ذوقهم الشخصيّ في قصّات الشعْر وفي الرجولة وفي شكل المواطن الصالح. إنهم محميّون بقانون الطوارئ والذي يعني بشكل كبير غياب ما يمكن أن نسميه “القانون”.

لابد أنني حكيت لأحمد ناجي هذه القصّة وتأثيرها الكبير عليّ في التسعينيّات. لقد هزّتني معرفتي الوثيقة ببطليها أكثر من حوادث منع الكتب والأفلام والصحف خلال تلك الفترة. بدت أكثر رعباً من قضيّة الحسبة الشهيرة ضد نصر حامد أبو زيد والتي انتهت بإعلان إحدى المحاكم المصريّة أنه “مُرتدّ”. طبقاً لفهمي وقتها، محاكمة أبي زيد كانت نتاج وجود بعض قوانين العصور الوسطى في يد نظام يدعي أنه ليس من العصور الوسطى، نظام عسكريّ يدعي العلمانيّة، مسلم متديّن، بوليسيّ، أخلاقي، عائلي، بيروقراطي، فاسد، ويستخدم تلك القوانين في لعبة الصراع والنفاق والتواطؤ مع فئاته الداخليّة ومع الإسلاميين حسب الطلب. مع ذلك، بدت عشوائيّة هذا النظام المهلهل أكثر رعباً في تقييمه لقصّات الشعْر. كيف يصبح مواطنٌ ما مهدداً لمجرد تحركه في الفضاء العام للمدينة بسبب شعره فقط؟ دعني أقول أنني كنتُ وقتها خائفة كمواطنة أكثر من خوفي كمثقفة.

المثقفون أيضاً مواطنون

لقد رأى أنطونيو جرامشي منذ عقود، أن المثقفين ليسوا طبقة اجتماعيّة مستقلّة؛ فهم أنواع وفئات مختلفة، يرتبط كل منهم بأصوله الطبقيّة، تعليمه، ما يتبناه من أيديولوجيا ومصالح. يمكن أن نضيف الكثير لهذه القائمة؛ مثلاً الفرديّة، والتوجّه الجنسيّ، وحتى الاختيارات اللغويّة والفنيّة. ولكن قبل وبعد كل هذا، يرتبط المثقف في تاريخنا العربيّ الحديث بكوارث الصورة الشخصيّة وانعكاساتها. لقد تكوّن مفهوم ما عن تفوّق مثقفي القرن العشرين في ثقافتنا باعتبارهم مختصّين بصناعة الأفكار في مجتمعات تعاني من الأُميّة، وبكونهم قادة معارضة الاحتلال والديكتاتوريّات وطرفاً في الصراع الطبقيّ وفي النقاش حول التخلّف المجتمعي، وإضافة لتميّزهم بسبب كل ما سبق، ظلوا الجماعة القادرة على “التعبير” عن مصالحها حتى لو كان صوتهم يأتي في أغلب الأحيان من داخل المنظومة التي يعارضونها.

هناك من لم يقبل بهذه الصورة في المشهد الثقافي العربي طوال القرن العشرين، كتّاب وسينمائيون وفنانون يمكن رسم سلالتهم في سياق آخر. ولكن صورة المثقف كصوت وممثّل لجماعة أكبر منه وكضمير لأمته أو طبقته لم يتم التنكيل بها لأسباب شتى إلا في تسعينيّات القرن الماضي على يد جيل لم يشارك في صناعة المشاريع القومية الكبرى ولا المشاريع الثقافية الكبرى التي دعمت خطاباتها. حاول أن تتخيّل كاتباً في عشرينياته ينظر بغرابة لمثقف قوميّ كبير وهو يدافع باستماتة عن حرية التعبير في قضايا مرفوعة ضد فيلم “المهاجر” في منتصف التسعينيّات أو بعد ذلك رواية “وليمة لأعشاب البحر”، أو  أزمة “الروايات الثلاث” بينما يدافع بنفس الاستماتة عن صدام حسين أو القذافي، ويطالب بأقصى عقاب على بعض الاسلاميين في محاكمات هزليّة أو على علي سالم بدعوى التطبيع.. إلخ. في الحقيقة، في كل مرة كانت تندلع فيها نيران التضامن العارم مع حريّة تعبير أحد المثقفين، كانت مشاعري لا تخلو من اختلاط التضامن المبدئيّ بالتوتر والسخريّة، وربما القنوط. مثل آخرين لاحقين منهم أحمد ناجي نفسه، لا أستطيع أن أنسى أن معظم مثقفينا لا يتضامنون بنفس الحماس عندما يأتي الأمر لحقوق الإنسان بشكل عام، كأن التضامن مع حريّة التعبير هو الأسهل والأكثر أماناً من غيره. أتخيّل الآن أن ناجي سيضحك من بعض المتضامنين معه بينما ما زالوا يبررون مشاهد القتل وسجن المعارضين السياسيين وتجاوزات الشرطة وينفون وجود حالات اختفاء قسريّ في عهد السيسي.

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

شروط التضامن مع حريّة التعبير

هناك تضامن كبير مع حريّة أحمد ناجي في الكتابة، والخيال، واستخدام اللّغة. هناك على الأقل جملة يلتف حولها كثيرون تقول: “لا يجب أن يذهب الكلام للمحاكم”. أنا لا أكتب هذه المقالة من أجل تأكيد هذه البديهة، لم يكن ناجي ليفعل ذلك لو كان مكاني، هكذا أعرفه وأشعر بحزن غامر لأنه في السجن بينما أنا أكتب.

في نفس الوقت، قرأنا بعض الآراء -في سياق الحكم على الكاتب بالسجن-  ويجب أن نقف أمامها، دعني أُلخصها لك في النقاط التالية: تكتل المثقفين حول قضية كهذه مدعاة للسخريّة حيث أنهم معزولون وبلا تأثير. رواية “استخدام الحياة” ليست جيدة وخالية من “الإبداع” الذي يستحق التضامن. أخبار الأدب التي نشرت الفصل سبب المحاكمة تصدر بأموال دافعي الضرائب ولم تحترم الميثاق اللغوي أو الأخلاقي للمجتمع وهي تُعبّر فقط عن آراء محرريها. تحتوي الرواية على “بذاءة” والبذاءة أيضاً نوع من العنف الذي لا يستطيع إقامة حوار مع المجتمع. بالطبع، قوبلت هذه الآراء برفض وسخرية من بعض المتضامنين مع ناجي وأنا منهم.

هذا التضامن اللافت وهذه الآراء التي تشكك في أسبابه وجدواه ودلالته تطرح بعض الأسئلة: هل من شروط التضامن أن يكون صاحب الحق له تأثير على المجتمع؟ هل هناك شروط للتضامن مع قضيّة محدّدة تخصّ حريّة التعبير؟ هل يُشترط في الدفاع عن حريّة أحد أن نتفق مع ما يقوله، مع كيفيّة قوله؟ هل يجب أن ننادي بالتخلص من أي هامش تسمح به مؤسسات الدولة الثقافيّة لتناسب تصورنا عن أخلاق دافع الضرائب؟ أليس أحمد ناجي وبعض قرائه من دافعي الضرائب أيضاً؟ ما هو كنه هذا المجتمع الذي تنجح رواية في إقامة حوار معه أو تفشل بسبب بذاءتها، وكيف تعلّم الكاتب وهو أحد أفراد هذا المجتمع النقيّ – البذاءة؟

الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً ولا يجب أن تكون

دعنا نتذكر أن الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً، وأنه لا مجال لمطالبة أفرادها بالاتحاد خلف حرب ما. دعنا أيضاً نعترف أننا كأفراد لا تعترينا نفس الدرجة من الغضب كلما تم الاعتداء على حرية آخرين من نفس الجماعة الثقافيّة – ربما لأسباب قيميّة أو إيديولوجية أو شخصيّة – وأن هذا ليس مأزقاً أخلاقيّاً بالضرورة ما دمنا لا نبرر ولا نقبل بأي شكل من الأشكال الاعتداء على حرياتهم لهذه الأسباب.

إنني أسأل نفسي قبل الآخرين إذا كان غضبي الشديد من سجن ناجي له علاقة باهتمامي بكتابته، بانتمائي لها، بفهمي لعالمها. وإجابتي هي: نعم!

لقد فتحت مدوّنة  أحمد ناجي“بيسو” منذ بدايتها ٢٠٠٥ مع مدوّنات أخرى باباً واسعاً للغة حيّة خارج تعليبات الأنواع الأدبية والصحف الورقيّة والرقابة. إنه منذ البداية لا يقدّم نفسه ككاتب تنويريّ أو كمثقف يريد كسر تابوهات المجتمع؛ إنه في الحقيقة لا يخاطب وحشاً افتراضيّاً يسمونه المجتمع. لقد أدهشني استغراق ناجي من وقت لآخر في متابعات تناسب مزاجه وأسئلته، مثل مقالاته عن المهرجانات، أو السعوديّة، أو القاهرة، ودراسته الهامة عن الجرافيتي “يحيا الفن الزائل” في ٢٠١١.

295389_540137946024580_408280608_n (1)
صورة ثلاثية من اليمين لليسار: نائل الطوخى، أحمد ناجى، محمد ربيع في مدخل دار ميريت في مقرها القديم بشارع قصر النيل

بالنسبة لي، يمثل أحمد ناجي مع نائل الطوخي ومحمد ربيع وأحمد شافعي وآخرين من كُتّاب الأجيال الأحدث أهم ما يحدث في الكتابة المصريّة الآن. أُضيف إلى هذا التحيّز للكتابة، الامتنان لوجود مثل هؤلاء الأشخاص حولنا، بحواراتهم ولغتهم وطزاجتهم ونديّتهم والاقتراحات التي يقدمونها لنا كقراء أو كمهتمين بالكتابة. الأكثر من ذلك، أنهم ربما يمثلون الجيل الأول الذي لديه هذه الحرية في اللعب الحقيقيّ باللغة والتخييل السرديّ دون رغبة في صدم أحد أو في بطولة طليعيّة، دون خوف أو قلق من صورة المثقف التي نشأنا تحت وطأتها وفقدنا الكثير من الوقت والطاقة في رفضها. نعم يجب أن نرفض أي اعتداء على حريّة التعبير، ولكن يجب أن نتصالح مع حقيقة أن هذا الغضب يستمد طاقة أكبر عندما يتم الاعتداء على ما نستمتع به وندعمه ونظن أنه يخصّنا.

صدمة القارئ وصدمة المجتمع

إذا كان لدى نص ما قدرة على الصدم، فإنه لا يصدم إلا قارئه. إنه قارئ فرد يجلس على الحافة بين مجتمع لا يقرأ وبين النصّ الذي أمامه. يشعر القارئ بالصدمة كنتاج للعلاقات الدلاليّة في النصّ وليس داخل المجتمع. قد يسبق المجتمع في لغته ما يمكن أن يُكتب. أنت تسمع كلمة “كُس” كل يوم في شوارع القاهرة ومع ذلك تظل صادمة عندما تقرأها في “استخدام الحياة”. لماذا؟

يقول ميشيل ريفاتير الذي فكر في هذا الأمر لأسباب أخرى إن الصدمة التي تسببها العلاقات النصيّة ليست نتاج كسر العادات والتقاليد المجتمعيّة ولا محاكاتها، إنها قد تأتي من التقليد الساخر، من توسيع الدلالة أو تضخيمها، من صناعة خلل داخل السرد يجعل أكثر المفردات عاديّة تشبه النتوءات وتورط القارئ في لعبة التبديل والإحلال. التبديل اللغوي هو لعبة الكاتب ومادته.

ما يسميه ريفاتير بـ “الفضيحة اللغويّة” يكون له صدم مستمر حتى في أكثر المجتمعات تحرراً، ذلك أنها نتاج النصّ وليس نتاج الذوق العام. دليل ريفاتير على ذلك بديهيّ للغاية، لو كانت الفضيحة اللغويّة في نص ما هي نتاج اختلافها عن أخلاق المجتمع، لفقد هذا النصّ قدرته على الصدم، بصمته، بمجرد تغيّر هذه الأخلاق، وهذا ما لم يحدث مع مئات النصوص من “نشيد الإنشاد” وحتى “أناشيد مالدورور” للوتريامون. هذا يجعلني أفكر أن هؤلاء الذين يظنون أن الفضيحة اللغويّة بذاءة، أو أن الصدم هو نتاج مخالفة عادات المجتمع أو محاكاتها، هم نفسهم الذين يصدقون أن على المثقف أن يحافظ على صورته القديمة للأبد، أو أنه يسعى لحوار مع مجتمع مفترض ليس موجوداً إلا في أذهانهم.

أصدق القارئ الذي تسارعت دقات قلبه عندما قرأ الفصل الخامس من “استخدام الحياة” في أخبار الأدب، بل ويمكنني أن أحكي له كيف حدث لي ذلك عندما قرأت “تلك الرائحة” وأنا طالبة في الثانوي، وكيف شعرتُ بنفس الصدمة وأنا أقرأ جورج باتاي بعد ذلك بسنوات. الصدم أحد ملامح القراءة المُنتجة. تبدأ الكارثة عندما يظن هذا القارئ الفرد أن ما يخدشه يخدش أخلاق المجتمع الذي لم يقرأ ولم يكن ينوي أن يقرأ الرواية، ويقوم بتنصيب نفسه ممثلاً لهذا المجتمع فيرفع دعوى قضائيّة، ثم يقوم القاضي بقراءة الرواية نيابة عن المجتمع فيقرر أن يعاقب كاتبها. بمعنى آخر، لا توجد مشكلة في تصوّر ضابط بوليس ما، كمواطن، عن طول الشعْر المناسب للرجولة الحقيقية، ولكن تحدث الكارثة عندما يعاقب مواطنين مثله مستخدماً سلطته وغياب القانون في ذلك. لسنا في حوار مع رافع الدعوة ضد ناجي ولا القاضي الذي يحمى المجتمع منه ولا ضباط البوليس. نحن في حوار شئنا أم أبينا مع من تشغلهم الكتابة والقراءة ثم يتحدثون عن وجود شروط للتضامن مع الحريّات.

هيثم الوردانى يكتب: ضمير المتكلم وسياسة اﻷدب

يقبع الكاتب “أحمد ناجي” في السجن منذ فبراير الماضي تنفيذًا لحكم بالحبس لمدة عامين بعد إدانته بتهمة “خدش الحياء العام”. وتعاقبت فصول محاكمة ناجي كما هو معروف إثر نشر جريدة أخبار الأدب القاهرية الفصل السادس من روايته “استخدام الحياة” في صيف ٢٠١٤، إذ أقام أحد القرّاء دعوى على الكاتب والجريدة بعد “إصابته بارتفاع في ضغط الدم واضطراب في نبضات القلب” من هول ما قرأ في الفصل المنشور. وقبلت النيابة الدعوى المقدَّمة، ثم شرعت في التحقيق مع الكاتب الشاب (30 عامًا) منطلقةً من أن الجزء المنشور من الرواية هو مقالة صحفية وليس عملًا إبداعيًا، ووُجهت له تهمة “خدش الحياء العام”. جاء حكم درجة التقاضي الأولى في مطلع يناير ٢٠١٦ ببراءة الكاتب لعدم توافر القصد الجنائي، أعقبه حكم محكمة الاستئناف المفاجئ في فبراير الماضي بإدانة الكاتب. ودخل ناجي السجن، في حين بقيت روايته، للمفارقة، حُرّة طليقة، تُباع على أرفف المكتبات وأرصفة بائعي الكتب.

من يتكلم؟

تأتي قضية ناجي في لحظة استثنائية وصلت فيها الخصومة السياسية في مصر إلى درجة غير مسبوقة من التوحش والفُجور. فلا يكاد يمر يوم من دون خبر اعتقال أو إخفاء قسري أو تصفية خارج إطار القانون. ومن نافل القول إن حرية الصحافة أو التعبير لا تحظى بوضع استثنائي في هذا المشهد الكئيب. لكن رغم التسيس الذي لا مفر منه في اللحظة الحالية، ورغم انخراط أحمد ناجي وجيله في نشاطات وممارسات استطاعت تغيير المشهد السياسي جذريًا على مدار العقد الماضي، رغم كل ذلك فإن قضية ناجي هي قضية أدبية في المقام الأول وليست قضية سياسية. أو على نحو أكثر دقة، قضية ناجي لا تتعلق بالسياسة بوصفها صراعًا على السلطة، وإنما بما أسماه “جاك رانسيير” سياسة الأدب. أي تلك السياسة التي ينحتها الأدب من خلال ممارساته. فالكتابة، حتى ولو لم تتناول مواضيع سياسية، أو تروج لفكرة سياسية، هي دائمًا في حالة اشتباك مع الواقع. والانحيازات الأدبية للكتابة، أي طرقها المختلفة للعمل على مادتها، من تنظيم وتوزيع وتأطير وتشتيت، هي ما تخلق سياسةً للأدب، وتتيح له التفاعل مع واقعه. قضية ناجي بهذا المعنى هي قضية لا تنتمي إلى الصراعات السياسية الحالية، أو على الأقل لا تنتمي إليها فقط، وإنما تنتمي بعمق إلى معركة الأدب القديمة، أي منذ ظهوره كشكل جديد من أشكال فن الكلام. هذه المعركة تتمثل في إصراره على تأسيس سياسة نصيّة مستقلّة والعمل من خلالها. تتقاطع هذه السياسة مع الواقع في نقاط مختلفة عن تلك التي تتقاطع معه فيها السياسة بمعناها التقليدي. وفي زمن احتقار السياسة، بل ومحاولة وأدها من قبل الجميع، يغدو من الأهمية بمكان تلمس أفق جديد للسياسة، نوع آخر من السياسة، وذلك من خلال فهم معركة الأدب وتأملها في خصوصيتها وصيرورتها، لا باعتبارها مجرد تابع لصراع سياسي راهن، من دون أن يعني ذلك بالطبع عزل تلك المعركة عن اللحظة الحالية.

ث

يمكن القول إجمالًا إن قضية ناجي بُنيت على تهمتين، إحداهما مضمرة والأخرى معلنة، التهمة المضمرة هي قيام الكاتب أحمد ناجي نفسه بالأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية في روايته، والمقصود بالأفعال هنا هي أفعالٌ من قبيل تعاطي المخدرات وممارسة الجنس. أما التهمة المعلنة فهي كتابة ونشر ألفاظ وعبارات تُعدّ خادشةً للحياء العام. التهمة الأولى كانت حاضرة بقوّة في التحقيقات الأوليّة حسب شهادة من حضرها، ثم تراجعت تدريجيًا، وهيمنت التهمة الثانية شيئًا فشيئًا على مسار القضية، لتصبح في النهاية قضية خدش حياء عام. غير أن هذا لا يقلل من الأهمية الكبرى للتهمة الأولى المضمرة، إذ إنها تنطوي على أحد أسئلة الأدب الجوهرية. فهي تحيلنا مباشرة إلى صراع خافت يعمل في قلب قضية ناجي، صراع آخر غير الصراع على حرية التعبير أو حدود الخيال، إنه الصراع على ضمير “الأنا”. هذا الصراع يدور حول سؤال: من يتكلم على لسان ضمير المتكلم؟ من هي هذه “الأنا”؟ رواية “استخدام الحياة” لمن لم يقرأها اختارت أن تسرد ما حدث لبطلها “بسّام” باستخدام ضمير المتكلم. “بسّام”، أي المتكلم، هو شاب يعيش في قاهرة المستقبل. يعمل “بسّام”، ويحب، ويمارس الجنس، ويدخل في صراعات مع آخرين في المدينة، تمامًا كما يحدث عادةً مع غيره من الشخصيات الروائية. وبعد نشر الفصل السادس من الرواية في صحيفة أخبار الأدب انفجر فجأة هذا السؤال القديم مرة أخرى في وجه الجميع: من يتحدث هنا بضمير المتكلم؟ هل هو المواطن أحمد ناجي متخفيًا وراء شخصية مختلقة؟ أم هو الشخصية المختلقة “بسّام”؟

الادعاء رأى أن ما نُشِر هو مقال، وبالتالي فهو يسجّل حقائق. هذه الحقائق تُنسَب إلى من كتب المقال، أي ناجي، وبالتالي يحق للقانون محاسبته عليها. أما دفاع الكاتب أحمد ناجي فحاجج بأن ما نُشِر ليس مقالًا صحفيًا وإنما نص ابداعي متخيل ومقتطع من رواية، يسرد أفعالًا قامت بها شخصية مختلقة تدعى “بسّام”، ومنفصلة عن شخصية كاتبها. هناك إذن طريقتان في فهم الذات تتصارعان في هذه القضية. الأولى ترى في الذات وحدة مكتملة، متوحّدة مع نفسها ومنفصلة عن أي آخر. أقوالها متسقة دومًا مع أفعالها. والثانية ترى في الذات وحدة غير مكتملة، يداخِلُها الآخر وتعتريها الشقوق. أقوالها لا تتسق دائمًا مع أفعالها.

لذلك فعندما يكتب أحمد ناجي نصًا بضمير المتكلم على لسان “بسّام”، فإن الطريقة الأولى في فهم الذات – وهي ليست قاصرة على القارئ مقيم الدعوى أو الادعاء، بل تنتشر بدرجات مختلفة بين كثير من القراء، والكتّاب أيضًا – هذه الطريقة سترى في هذا النص اعترافًا بأفعال حقيقية وقعت لناجي نفسه، لأن ذاته هي ذاتٌ مكتملة، مسؤولة عن أفعالها، وأقوالها تشير إلى أفعالها تلقائيًا بصرف النظر عن أي حِيَل كتابية. في حين سترى الطريقة الثانية أن الذات، أيّةُ ذات، هي مكان للاختلاف والغيرية، وبالتالي يمكن لناجي أو غيره أن يتحدث مستخدمًا “أنا” لا تخصه، “أنا” أخرى، لقول حقيقة لم تقع بالضرورة. لنُسمِّ الآن الأنا التي تقترحها الطريقة الأولى “الأنا القانونية”، والأنا الثانية “الأنا الأدبية”.

يعتمد القانون، بما هو إدارةٌ للحقوق والواجبات، اعتمادًا كليًّا على منظومة الذوات. عليها يضبط الحقوق والواجبات، ومن دونها لن يمكنه أن يقوم بوظيفته. الذات من وجهة نظر القانون هي شرط وقوع الفعل. فلا يوجد فعل من دون فاعل، أي من دون “أنا” يُنسب إليها هذا الفعل، سواء قامت به أو وقع عليها، وسواء اعترفت به أم لم تعترف. ولا يمكن للقانون أن يقبل بفك الارتباط بين الفعل والفاعل، أو بتعقيد مفهوم الفاعل، لإن ذلك يعني فساد منطقه. فالذات إذا لم تكن نقطة ثابتة ومحددة في الفراغ، فلن تُمكن نسبةُ الأفعال إليها، وبالتالي ستسقط المسؤولية من وجهة نظر القانون، ولن تمكن محاسبة المرء على ما فعله. الذات قانونيًا هي إذن وحدة إدارية، تقع في إطار نظام حكم سياسي واجتماعي معيّن. وتنبع مسؤوليتها القانونية من واقع ارتباطها بأفعالها بعلاقة سببية تخارجية، أي أنها سبب خارجي ومستقل عن الفعل نفسه، ومن ثمّ تمكن محاسبتها عليه. أما الأدب فمن خلال الصدع الذي يحدثه في ضمير “الأنا”، أي من خلال إتاحته الفرصة لاستعارة أو إعادة تشكيل الأنا أثناء الكتابة، فإنه يُخرج الذات من البناء القانوني المحكم، ويجعل الفعل نشاطًا لا يصدر عن فاعل يسبقه، بل عن فاعل يتشكل من خلال الفعل نفسه.

فعل الكتابة هو نشاط تقوم به ذات قيد التشكل، فالكاتب يحصل على ذلك الاسم فقط عندما يكتب وليس قبلها، وينتج ذوات أو شخصيات روائية هي أيضًا قيد التشكل. والعمل الأدبي ينبع، في إحدى مداراته، من حركة ترفض رؤية الواقع بوصفه قد اكتمل بالفعل، فالأدب يبحث دائمًا عن طرق ووسائل لإعادة فتح الواقع بعد أن بدا أنه قد تجمّد وأخذ شكلًا نهائيًا، من أجل العمل عليها وإعادة تشكيله. أين تكمن إذن المسؤولية في الأدب إذا كانت الأفعال فيه تتماهى دائمًا مع فاعلين قيد التشكل؟

في الأدب لا توجد قوانين تَفرض على الذوات واجبات أو تمنحهم حقوقًا، بل هناك ذوات تتداخل في طريق تخلقها وتشكلها. ذوات لا ترغب في البقاء على ما هي عليه، أو ما كُتب عليها أن تكونه. وهذه هي مسؤوليتها. بكلمات أخرى، المسؤولية الأدبية هي إعادة فتح الواقع من أجل جعل عملية إعادة تشكيله ممكنة. في الأدب يصعُب بالتأكيد نسبة فعلٍ ما إلى نقطة وحيدة تُدعى الذات كما يفعل القانون، لأن هذه النقطة أصبحت غيمة من ذوات متداخلة، قيد التشكل دائمًا. لكن ذلك لا يجعل المسؤولية تسقط، وإنما يجعلها تتعاظمi.

سؤال من هي هذه “الأنا” التي تتكلم هو سؤال سياسي بامتياز. فهو وثيق الصلة بسؤال إلى أيّ جماعة تتحدث هذه الأنا، وأيُّ إطار يحكم العلاقة بينهما. الذات القانونية هي ذات من الممكن حُكمها وإدارتها بيروقراطيًا. من السهل سوقها وتحريكها في حشود، ومن السهل أيضًا تفريقها وعزلها داخل أبنية القانون. فهي نقية ومتسقة مع نفسها، مسؤولة عن أفعالها. عندما تقول “أنا”، تعني ما تقوله، لأنها تعرف ما هي هذه “الأنا”. إنها مكعب صغير يقف جوار مكعبات أخرى صغيرة ليكوّن معمارًا مجردًا يسمى الجماعة، ومسؤوليتها تجاه جماعتها تنظمها حزمة من القوانين والحقوق والواجبات التي تضمن عدم تداخل هذه المكعبات. أما الذات الأدبية فإنها عندما تقول “أنا” فهي تعني شيئًا آخر غير ما تقوله. لأنها لا تعرف على وجه الدقة ما هي هذه “الأنا”. أو لأن هذه “الأنا” هي دائمًا قيد التشكل، هي طيف من ذوات متداخلة، هي جماعة صغيرة. عندما يستخدم الأدب ضمير الأنا فإنه يُغيّر مرجعيته، مُفسحًا الطريق لنوع آخر من الذاتية. “الأنا” في النص الأدبي لا تحيل إلى ذات مكتملة مُعرَّفة، سواء كانت ذات الكاتب أو غيره، وإنما هي أقرب إلى كونها إمكانية جديدة، أو ولادة ثانية. الأنا هنا تُحيل، إن جاز التعبير، إلى ذاتية قائمة على ممارسةٍ داخليةٍ للغيرية. ولعلّ ذلك هو أحد الفروق الجوهرية بين الشخصية الأدبية والشخصية الواقعية. فالشخصية الأدبية ليست محض استنساخ لنمط الشخصيات الواقعية بكل خصائصها، بل هي نوع آخر من الذاتية. ذاتية تحيل إلى إمكانية الاختلاف والتغيير. هي نقد للذاتية كما يعرفها القانون.

DSC_0029
واحدة من رسائل التضامن التى وصلت لى عن طريق نادى القلم الدولى

كيف يمكن إذن حُكم وإدارة مثل هذا الذاتية التي يقترحها الأدب؟

ما هو الإطار الذي ينظم علاقتها بجماعتها؟

لا يُمكن بالتأكيد أن يتم ذلك بقوانين إدارية. ما يقترحه الأدب هو، ويا للغرابة، رفع المسؤولية إلى مرتبة القانون الأساسي. فتصبح أفعال تلك “الأنا”، أيّة “أنا”، خاضعة في الأساس لمسؤوليتها أمام نفسها، أي مسؤوليتها المترتبة على فهم أن الذات ما هي سوى مكان لاختبار الغيرية. بنية لا يمكن أن تستقر، وإذا استقرت تخلّت عن مسؤوليتها. الأدب لا يكفّ عن إنتاج شخصياته وإخراجها إلى الواقع، لا لتمييع المسؤولية، وإنما على العكس، من أجل تعقيدها. والمسؤولية التي يقترحها الأدب كإطار لعلاقة الفرد بجماعته هي مسؤولية إعادة فتح الواقع، إعادة فتح الماضي، إعادة فتح الذات، لا لترسيخ كل ما سبق، وإنما من أجل جعل إمكانية تغييره واردة. فالأدب ليس شأنًا خاصًّا يحدث فقط في الكتب، بل هو أداة اجتماعية يمكن للجميع استخدامها. أداة لفهم الذات وصياغتها بناءً على التفاوض المستمر مع المستحيل في لحظة تاريخية بعينها. وضمير “الأنا” كما يمارسه الأدب يصلح أيضًا للتطبيق خارج الكتب بالكفاءة نفسها. فخصوصية الأدب في فهمه للسياسة، لا تعني عزلته، وإنما تعني دقّته في تشكيل مجال عمله. تعني رغبته في الانتماء إلى الواقع المشترك من خلال محاولة تغييره، على طريقته. أو كما قال “رانسيير” في كتابه “سياسة الأدب” “إنه [أي الأدب]، باختصار، مركزٌ آخر للمدركات وطريقة أخرى في ربط قدرة انفعالية حسيّة بقدرة على الدلالة. إلّا أن رابطةً أخرى بين المعنى والعالم الحسيّ، وعلاقةً أخرى بين الكلمات والكائنات، تعني أيضًا عالمًا آخر مشتركًا وشعبًا آخر”.

ما هي هذه البنية التي نسميها “أنا”؟

هل هي بنية تخيلية؟ أم هي بنية قانونية؟ أم لعلها مزيج منهما؟

بتقدم التحقيقات في قضية ناجي توارى سؤال الأنا شيئًا فشيئًا، وتراجعت التهمة الأولى لكي تتصدر التهمة الثانية الخاصة بخدش الحياء مجريات القضية، حتى أصبحت الأخيرة تتمحور حولها. وصدر الحكم النهائي بعقوبة السجن بعد أن أثبتت المحكمة تهمة خدش الحياء تحديدًا. لكن الالتباس الخاص بالتهمة الأولى وسؤال من هي “الأنا” التي تتكلم ظل مخيمًا على القضية، وظهر جليًا في منطوق الحكم. فالمنطوق يشير إلى نص ناجي تارةً باعتباره “مقال للعرض والتوزيع حوى مادة كتابية”، وتارةً أخرى باعتباره “مادة مكتوبة”، وتارةً ثالثة باعتباره “مقال”. في الجلسة الأخيرة للقضية قبل صدور الحكم، وبعد أن يأس الحاضرون من رفع هذا الالتباس، قام رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب، والمتهم الثاني في القضية، طارق الطاهر، وقال للقاضي إن لديه ما يرغب في إثباته في محضر الجلسة.

ما الذي رأى الطاهر أن من المهم إثباته في هذه اللحظة التي ترتسم فيها ملامح الكارثة في الأفق؟ ما أراد الطاهر إثباته هو أنه في أثناء إحدى جلسات التحقيق التي لم يحضرها ناجي قال له ممثل الادعاء إن بإمكانه حبس ناجي بتهمة تعاطي الحشيش الذي كان يدخنه بسّام في الرواية. وعندما أثبت الطاهر ذلك في محضر المحاكمة دافع ممثل الادعاء عن موقفه قائلًا إنه كان بإمكانه أيضًا حبس ناجي بتهمة تصنيع الحشيش، لأن بطل قصة “السنيورة” التي كتبها ناجي أيضًا بضمير المتكلم، قام بطبخ الحشيش، لكنه لم يفعل. مما يدل من وجهة نظر الادعاء على أن موقفه من ناجي موقف غير شخصي. من المستبعد أن تكون بادرة الطاهر قد لعبت دورًا في حكم المحكمة النهائي، إلا أن أهميتها تكمن في كونها آخر ما يمكن الدفاع به. كأن لسان حال هذه البادرة يقول: إذا لم يكن من الممكن دفع الالتباس، فعلى الأقل يمكن تسجيله. بعدها رُفعت الجلسة للحكم، وأُدين طارق الطاهر أيضًا في القضية، وحصل على أقصى عقوبة يوقعها القانون على رئيس التحرير في جرائم النشر، وهي غرامة مالية قيمتها عشرة آلاف جنيه.

الجسد الأدبي

يزخر التراث العربي بالكثير من النصوص التي تتحدث صراحة ومن دون تورية عن الجنس. لذا لم يكن من الغريب أن يحاجج دفاع ناجي على براءة موكله من تهمة خدش الحياء العام مستخدمًا مقاطع من “العقد الفريد” و”أغاني الأصفهاني” و”أخبار أبو نواس”. في هذه المقاطع نقرأ عن نساء يتحايلن لكي يضاجعهن أزواجهن، وعن أمراء يغرقون في عسل جواريهم. نقرأ ما قاله الظرفاء عن الأعضاء الجنسية، وما أنشد به الشعراء في المضاجعة. ورغم منطقية هذا الدفع الذي يستند على وجوب إجازة لناجي ما أُجيز لمن سبقه، وذلك بحكم انتماء الجميع إلى الحقل المعرفي نفسه، أي الكتابة، إلا أن هناك اختلافًا جذريًا بين الأدب بمعناه الحديث، والذي تنتمي إليه رواية ناجي، وبين النصوص التراثية التي تتناول الأخبار والنوادر وأوضاع الجماع.

الفارق باختصار هو أن الأدب كما نعرفه اليوم هو خطاب مباين تمامًا للخطابات التي تقف الأعمال الأدبية التراثية على أرضيتها، فهو شكل جديد من أشكال فن الكلام، شكل تاريخي مرتبط بعالم لم يعد يسكنه فقهاء وأمراء وجواري ورعايا، وإنما يسكنه أفراد يعيشون في عمران ينفجر كل يوم في وجوههم، وتحكمهم فيه سلطة سياسية لم تعد تتركز في يد شخص واحد.

الجنس في الأدب الحديث ينتمي إلى ذاتية لم تعد تبحث عن إطار فقهي لرغباتها، أو عن أبيات تحتفل بفحولتها. إنها ذاتية باتت أكثر تعقيدًا ووعيًا بما يلحق بمسارات رغبتها من انسدادات جراء وضعها المعيشي. والأدب هو خطاب لهذا النوع من الذاتية، والتي يمثل الجنس أحد خطوط مواجهتها مع المجتمع وأخلاقه. على هذا الخط تفحص الذات ضعفها وهشاشتها، تفحص شبقها وانحرافها عن المعياري. مشهد الحفلة في الفصل الأزمة الذي قاد ناجي إلى السجن ينطلق من سؤال: “ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟” أو بكلمات أخرى، ما هي الإمكانيات المتاحة في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ بعد هذا السؤال تأتي تلك الجملة التي وقفت على الأرجح في حلق القارئ صاحب الدعوى، وهي الجملة التي تذكر الأعضاء الجنسية بأسمائها المعتادة، ثم مشهد ممارسة الجنس مع السيدة “ملعقة”. ما حدث لباسم بطل رواية “استخدام الحياة”، وما حدث لكاتبها أحمد ناجي من بعده، هو بالضبط ما تقدمه القاهرة اليوم لشبابها.

10483911_739261326135048_8090798527048330377_n
تفاصيل من لوحة صلب المسيح لوليد عبيد

من المثير ملاحظة أن منطوق الحكم لا يعارض تناول الجنس في الأدب بشكل منهجي، بل يعارض استخدام ألفاظ بعينها. يقول منطوق الحكم إن “من علوم اللغة العربية علم البلاغة ومن أساليبها أسلوب الكناية والتورية، فلو كان المتهم عالمًا بأساليب اللغة وآدابها لاستخدم أيًا منهما في التعبير عما أراد إذا ما اقتضى سياق الرواية ذلك، ولكن أنّى له بعلوم اللغة فقد اختار لنفسه أحطّ الألفاظ التي لا تستخدم إلا في مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. ليس من الصعب أن يخمّن المرء سبب الارتباط شبه القدري بين الجنس والكلمات الفاحشة في كل اللغات. إذ يظهر للوهلة الأولى أن الجنس، الذي كثيرًا ما تصمه المجتمعات المحافظة بـ “القذارة”، يجد صورته في الألفاظ “القذرة”، لأنها مثله محرمة ومستبعدة. أو لعلها استُبعدت بعد أن عبّرت عنّه. على أية حال هناك فيما يبدو جذر محافظ، أو ارتباك قديم حيال الرغبة مرّت به معظم المجتمعات وخلّف أثره في اللغة. بين الجنس والكلمات الفاحشة ما يشبه الحبل السُري. كلاهما يحمل ما يهدد النظافة الاجتماعية الكاذبة، ويُعيد وحش الرغبة الذي أراد الجميع إخفاءه بعيدًا. بلا كناية أو تورية.

لكن ما هي هذه الألفاظ التي تخدش الحياء العام؟

الألفاظ الخارجة النابية الفاحشة البذيئة الإباحية الساقطة القذرة؟ ما هي الألفاظ التي أسمتها المحكمة “أحطّ الألفاظ”، والتي أُقيمت عليها التهمة الثانية في القضية، وقادت ناجي إلى السجن؟ إنها ألفاظ تجري على الألسنة كغيرها من ألفاظ اللغة. لكن على ألسنة من؟ على ألسنة من أسمتهم المحكمة “مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. إنها لغة السوقة والدهماء، لغة الأوغاد والسفلة، لغة المراهقين والمتمردين. وكمجرم تائب يتسامح المجتمع مع استخدام هذه الألفاظ مؤقتًا، شريطة أن يجري التخلّي عنها بعد ذلك. المجرم القديم الذي يعرف حلاوة الخروج عن القانون سيتسامح مع المراهقين والشباب إذا ما عزفوا عنها بعد وصولهم لمرحلة النضج والتحقق. وسيتسامح مع استخدام السوقة لها إذا ما تخلّوا عنها أمام مترفيهم. جريان الألفاظ النابية على الألسن يعكس إذن تصورًا اجتماعيًا للحياة كرحلة تصعد بالأفراد من القاع إلى القمة، من القذارة إلى الطهارة، من الفقر إلى الغنى، من سوقية الطبقات الدنيا إلى حذلقة الطبقات العليا. كأن السوقية هي ما تجب مغادرته إلى الأبد في سلم الترقي الاجتماعي، وليست أداة تعبير تكون هي الأدق والأفصح في سياقات معينة. لكن ما يثير الدهشة حقًا، أيًّا كان تصور المجتمع عن نفسه، هو عمق الجرح الذي تسببه هذه الألفاظ عندما تُقرأ في كتاب، مقارنة بالجرح الذي يمكن أن تحدثه عند سماعها فقط. مالذي يستدعي مقاضاة ناجي وعدم ترك روايته ببساطة جانبًا كما يحدث عندما يجد المرء نفسه في مكان يكثر فيه السباب مثلًا فيغادره؟ هل لأن الكتاب مرتبط بالطهارة؟ هل لأن القراءة مرتبطة بتصور طُهراني عن الذات؟ مرتبطة بتلك الخرافة الجماعية لرحلة عصامية تحمل المرء من القاع إلى القمة؟

اللغة مادة الأدب الأولى، والألفاظ الفاحشة هي منتج عضوي أفرزته اللغة نفسها، لذلك من الطبيعي أن يتوقف الأدب أمام هذه الظاهرة التي تجعل بعض الكلمات محرّمة وأخرى محلّلة.

أليس استخدام ألفاظ فاحشة في نص أدبي هو مراجعة لهذه التراتبية، بما يحمله ذلك من مراجعة لتراتبية الناطقين بكليهما، وبذلك هو جزء من سياسة الأدب؟ أليس استخدام ألفاظ نابية مراجعةً لأسطورة الطهارة؟ وإذا كان هذا هو هدف الكاتب حقًا فكيف يمكنه استخدام هذه الألفاظ من دون السقوط في الشعبوية أو الابتذال؟ ليس أحمد ناجي هو أول من يقف أمام كل هذه الأسئلة، فتاريخ الأدب المصري حافل بأمثلة متنوعة لخلق إجابات عنها، ولعلّ أكثرها زخمًا وقوّة هو ديوان الشاعر نجيب سرور، غير المطبوع والمنتشر رغم ذلك على نطاق واسع، ديوان “… أميّات” الشهير. وهو ديوان غني عن التعريف، صاغ شعرية شعبية مستخدمًا كل الألفاظ المحرّمة على الشعراء. الكلمة الأولى في عنوان الديوان غير خافية على معظم القراء، لكن كاتب هذه السطور قرر أن يستخدم مكانها النقاط الثلاث الشهيرة، فهل هذا هو عمل الرقابة الذاتية؟ عمل شرطة الأدب الداخلية؟ ربما. أو لعل الأمر مرتبط أيضًا بسياسة الأدب، فالأخيرة هي ما تجعل نصًّا يختار ممارسة حقّه في استخدام كلمة باتت تُعدّ خارجة، رغم أن الجميع يستخدمها ليلًا نهارًا، في حين يختار نص آخر وضع النقاط الثلاث، لأن قضيته ليست ممارسة الحق في استخدام ألفاظ يعدّها المجتمع خارجة، وإنما تأمّل هذا الحق.

كل اختيار منهما مرتبط بسؤال وبمجال بحث. مرتبط باختيار أدبي وانحياز في الكتابة في لحظة بعينها، باختصار مرتبط بسياسة أدبية. ومن حق كلا الاختيارين التواجد والعيش.

نعم، ليس ناجي هو أول من يقف أمام سؤال الألفاظ الفاحشة، ولا أول من يقف أمام سؤال الجنس في الأدب، ولكنه أول من يُودع السجن بسببهما في تاريخ الأدب المصري الحديث.

لماذا صدر الحكم ضد ناجي في هذه المرحلة تحديدًا؟ لماذا انتهت القضايا الشبيهة سابقًا إلى سحب الأعمال من الأسواق أو فرض غرامة مادية فقط على مؤلفيها؟ هل يرجع ذلك إلى الظروف السياسية الحالية والدور الذي تلعبه السلطة القضائية فيها؟ هل يعود ذلك إلى تغيّر في ذائقة المجتمع وتوجهه أكثر إلى المحافظة؟ هل سنشهد إذن مزيدًا من القضايا ضد أعمال أدبية؟ أم أن الأمر هنا سوء حظ ومصادفة عبثية؟ من الصعب العثور على إجابة مقنعة عن كل تلك الأسئلة، فهناك عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية التي تنشر في مصر اليوم يتضمن نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا.

كذلك لا توجد جهة رقابية حكومية تُعرض عليها الأعمال الأدبية قبل صدورها، وتملك سلطة رفضها أو الموافقة عليها. من ناحية أخرى، فهناك أكثر من قضية نشر حُكم مؤخرًا فيها بحبس الكتاب، مثل قضيتي الإعلامي إسلام البحيري الذي يقضي في السجن عقوبة بالحبس لمدة عام لتقديمه حلقة تليفزيونية اُعتبرت مسيئة للإسلام، والكاتبة فاطمة ناعوت المقيمة حاليًا خارج البلاد بعد صدور حكم بحبسها بتهمة ازدراء الأديان في تعليق لها على موقع الفيسبوك. جميع هذه القضايا أثيرت بدعاوى أقامها مشاهدون أو قراء. مما قد يشير إلى تنامي سلطة ما يدعون بـ “المواطنين الشرفاء.” لكن ما هي معايير عمل سلطة المواطنين الشرفاء تلك إن صح وجودها؟ وعلى أي أساس تُرفع قضية على عمل ما دون الآخر؟ لا أحد يعرف بدقة. هذه الضبابية هي سمة اللحظة الحالية في مصر، إذ لا يمكن معرفة ما إذا كان المرء قد تجاوز خطًا ما أم لا، ويصبح من العسير تقدير الخطوة التالية. يمكنك أن توجه نقدًا للنظام السياسي في مقال صحفي ولا يحدث لك شيء، أو تكتب رواية بها مشهد جنسي فتودع السجن. وهو الأمر الذي يثير الرعب حقًا.

لنعد مرة أخرى إلى تناول الجنس في الأدب.

الجنس في الأدب ليس ألفاظًا جنسية فحسب، بل أجساد أيضًا، أي نوع آخر من الكلمات يسمّى الضمائر. ومثلما يمتد حبلٌ سُري بين الجنس وبين الألفاظ الفاحشة، يمتدّ حبلٌ آخر بينه وبين ضمير المتكلم.

بالطبع لا تقتصر معالجة الجنس في الأدب على مقاطع تتحدث بضمير المتكلم، لكن هناك صدى شهواني خافت يرافق ضمير المتكلم، حتى ولو خلا كلامه من أي شهوة أو جنس. فالأنا مشحونة جنسيًا بطبيعتها، هي تجسّد وحميمية، بمجرد ظهورها يظهر جسد يتقاطع مع جسد الواقع الأكبر. الأنا ليست لحظة انتباه فكري فقط، أو جزءًا من تنظيم سياسي واجتماعي، وإنما أيضًا لحظة انتباه وتفتُّح جنسي. لحظة اتصال بالطاقة الليبيدية التي تسري في الحياة. إنها تمدّ تلك الطاقة بالحضور الذي تحتاجه، ليتشكل الجسد الذي ستتلبّسه في هذه اللحظة، ومن دونها تظل هذه الطاقة متخيلة وغير متعيِّنة. لكن ما هو هذا الجسد الذي يظهر مع ظهور الأنا؟ ما هو هذا الجسد الأدبي؟

إذا كان الأدب يرى في الأنا مجالًا للغيرية والتحول، كيف يمكن إذن لهذه الغيرية أن تحلّ في جسد؟ إنه جسد غريب بلا شك. جسد بلا اسم. درجة من التجسّد مختلفة عن الجسد الفيزيقي. فالأخير هو جسد هويّاتي، أو حُكم عليه أن يحمل هوية واضحة لا لبس فيها. أما الجسد الأدبي فهو الإمكانية التي لم تُكتشف بعد في الجسد، هو تجسّد خال من التأطير، وبالتالي فهو بلا اسم علم، حتى ولو حمل واحدًا. الجسد الأدبي هو إعادة فتح للجسد الفيزيقي من أجل شق مسارات داخل الانسدادات التي أصابته، من أجل البحث عن إمكانية جديدة لم يُلتفت إليها فيه. بكلمات أخرى، فالجسد الأدبي هو إعادة اكتشاف الجسد الفيزيقي وكل ما لا يزال كامنًا فيه، من أجل إعادة تشكيل لما ظننا أنه أخذ شكلًا نهائيًا إلى الأبد.

15619_10206083415233058_5471382005290153661_n
الأنا والعالم. خريطة فلكية قديمة لجسد السماء ومواقع الأبراج والأفلاك

يومًا ما سنقرأ تاريخًا لضمير الأنا في الأدب العربي. سيخبرنا هذا التاريخ كيف تتشكل الذاتية على ضفاف النص المكتوب، وكيف تُعاد صياغتها مع كل حقبة وسياق فكري واجتماعي وسياسي. سيرينا هذا التاريخ أن هناك طرقًا متعددة لتكوّن الذاتية كعلاقة بين الذات ونفسها، هذه العلاقة تربط الأفراد بالسياق الخارجي الحاكم لحياتهم، والذي يتغير في كل حقبة. سيكشف لنا هذا التاريخ كيف يمكن للأنا أن تصبح مركزًا للمقاومة، وكيف يمكن أن تلتف على نفسها لتتحول إلى ثقب أسود. تاريخ مثل هذا سيرينا الخطوط والمحطات التي تطوّرت الذاتية عبرها، وقد يعرّج في إحدى محطاته القريبة على كتابة التسعينيات في مصر، بوصفها الكتابة الأقرب إلى ضمير الأنا في الأدب الحديث، والصوت الأكثر التصاقًا بالذاتية. فكتابة التسعينيات مسكونة بضمير المتكلم، عثرت فيه على حليفها في رحلة انطلقت من الذات والجسد، رحلة جاءت في لحظة كان الجسد فيها يختفي تحت أستار التنميط والأيدولوجيا. لن يضع هذا التاريخ الذاتية على الطرف النقيض من الجماعية، ولن يساويها بالانعزالية، بل سيراجع اختيار الأنا التسعينية موضعة نفسها داخل جسدها الفردي كاستراتيجية للخلاص، ليحدد متى نجحت هذه الاستراتيجية في انتزاع حق تشكيل الحياة بشكل مستقل أمام التنميط الاجتماعي، ومتى انغلقت على نفسها لتعيد إنتاج التنميط الاجتماعي. سيراجع مثل هذا التاريخ كل ذلك، لأن الأنا التسعينية هي في النهاية “أنا” تاريخية.

الخيال كأداة للحقيقة

لا تكتمل الكتابة من دون أنا أُخرى أو ذات أُخرى، تعمل عليها قوى الكتابة. إنها ذات القارئ التي هي المجال الحقيقي لعمل الأدب. فالأدب هو تأثير ذات على ذات. لذلك لا يصعب تصديق القارئ الذي اختصم ناجي عندما قال إنه شعر “باضطرابات في نبضات القلب، وارتفاع في ضغط الدم”، فهذا هو بالضبط رهان الأدب. رهان الأدب هو أن الكلمة، على كل هشاشتها، يمكنها أن تُغيّر، يمكنها أن تؤثّر، يمكنها أن تجرح الواقع وتعيد فتحه بعد أن بدا أنه أُغلق إلى الأبد. هناك دومًا ذات تتلقى النص الأدبي مهمًا كان الضمير الذي كُتب فيه، ذات تفكر في ما تقرأه بينها وبين نفسها. اللغة لم تسعفنا بضمير خاص بالقارئ على غرار ضمير المتكلم، أي بتلك الأنا التي لا تتكلم وإنما تقرأ وتستمع. تلك الأنا الشاردة في الكتاب الذي بين يديها، غائبة عن الواقع وحاضرة فيه في آن. لذلك ليس أمامنا سوى استخدام ضمير واحد لكليهما، أنا واحدة. وقد يكفي ذلك بالفعل، لأن الأنا هي ذلك الحيز الذي يتغيّر فيه صاحبها كما رأينا. والقراءة الحقّة هي أيضًا استعداد لمبارحة النفس، وقبول دعوة التغيير التي يحملها النص المقروء، وليست مراكمة لما يُقرأ في مستودع داخلي يدعى الذات.

الكتابة والقراءة إذن تؤسسان لنوع خاص من الذاتية، فهما لا تنفكان تتصلان بضمير الأنا، ومعركة الأدب المستمرة هي كيفية فهم هذا الضمير. هل هو وسيلة لتحريك الواقع أم وسيلة لتثبيته؟ هل تقف وراءه ذات قيد التشكل أم ذات قد فرغت من تشكيل نفسها؟ بإمكان القارئ أخذ دعوة المراجعة والتغيير التي يطلقها الأدب بجدية، أو يهملها جانبًا. بإمكانه الاستمرار فيها أو العمل ضدها. فهذه هي مسؤوليته. ومن هذا المنطلق فإن جميع قضايا النشر الأخيرة هي قضايا تتعلق بمسؤولية القراءة وتبعاتها. هناك قراءة تؤدي إلى إقامة دعوى على الكاتب، وأخرى تسمح للنص أن يُغير القارئ. قراءة تنخرط في خدش الواقع، وأخرى تقيم حوله الأسوار.

هذا الواقع الذي خُدش يتأسس مثله مثل أي واقع آخر داخل خطاب ما للحقيقة، خطاب يحدد ما هو واقعي وما هو غير ذلك. لنعد الآن مرة أخيرة إلى الالتباس الأولي في هوية نص ناجي عند القارئ عندما نُشر في الجريدة. ما هو هذا الخطاب الآخر الذي خُلط بينه وبين الأدب في بداية القضية؟ إنه الكتابة الصحفية. رافع الدعوى وممثل الادعاء، بل والمحكمة في منطوق حكمها، الجميع تعامل مع فصل الرواية المنشور باعتباره مقالًا صحفيًا، أو في أفضل الأحوال باعتباره مقالًا حوى كتابة روائية. وما هي الصحافة؟

ما هو هذا الخطاب الذي نسميه صحافة؟

الصحافة الحرّة هي خطاب يضع على عاتقه في المقام الأول تقديم معلومة صحيحة، بعيدة عن التزييف أو الدعاية. فيمدّ قارئه بتقارير وآراء دقيقة وموضوعية، وبتحقيقات استقصائية تكشف الحقيقة. أو لنقل إن معركة الصحافة الحرّة أو الجادة مع غيرها من أنواع الصحافة هي معركة على ضمان صدق الخبر ونزاهته. هذه المعركة لا تُخاض فقط ضد الصحافة المدلِّسة، بل ضد أنواع أخرى من الصحافة أيضًا. علينا فحسب أن نتذكر المعركة التي شهدتها الصحافة العقد الماضي مع ظهور أشكال صحفية أخرى مثل المدونات وصحافة المواطن، ودارت رحاها حول كيفية التثبت من صحة المعلومة التي تقدمها تلك الوسائل الصحفية الجديدة، وضمان نزاهتها. باختصار يمكن القول إن الصحافة تنتمي لخطاب الحقيقةiv، هدفها تقديم الحقيقة وحمايتها من التزييف، وإشراك قارئها في هذا الخطاب لكي يكون جزءًا من الواقع الذي تؤسسه هذه الحقيقة. قارئ ناجي والادعاء خلطا إذن بين الصحافة والأدب، وتعاملا مع الأخير باعتباره خطابًا يُنتظر منه أن يقول الحقيقة. وفي خطاب الحقيقة لا توجد شخصيات مختلقة أو قصص مؤلفة. عندما تُدلي الأنا بشهادتها، عندما تقول إنها فعلت شيئًا، يُنتظر منها أن تكون صادقة فيما تقول، وبالتالي قد قامت بذلك بالفعل، وتتحمل تبعاته، وإلّا فإنها تكذب. ما منبع ذلك الخلط؟ هل الأدب لا ينتمي حقًا إلى خطاب الحقيقة؟ هل الأدب “كذب”؟ ما هي الحقيقة الأدبية؟

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

الأدب هو عمل دؤوب لإلحاق الخيال بالحقيقة. والحقيقة الأدبية المعجونة بخميرة الخيال ليست هي حقيقة ما حدث وتمّ بالفعل، ليست واقعة منتهية يمكن فقط معرفتها من خلال الاعتراف أو التقصّي، وإنما هي حقيقة غريبة تتعلق بما يمكن أن يحدث، أو ما كان يمكن أن يحدث. أي أنها حقيقة لم تقع بالضرورة بعد، أو لن تقع أبدًا. باختصار الأدب معنيٌ بتأسيس الحق في نسبة ما لم يقع (بعد) إلى الحقيقة.

تأسيس حق الخيال، لا الكذب، في الانتماء إلى خطاب الحقيقة. الأدب من هذه الزاوية يقدم أرضًا جديدة لخطاب الحقيقة بعيدًا عن أرض الصدق والكذب التقليدية. إنها أرض الخيال. والخيال هنا ليس مجرد تهويمات في الفراغ، بل هو تقنية لاختبار الحقيقة.

هو إعادة فتح الحقيقة من أجل العمل عليها، هو بالضبط رفض تصوّر الحقيقة بوصفها قد تمّت واكتملت، وإنما بوصفها دائمًا صالحة لإعادة التشكل. ولا يمكن لهذا الاختبار أن يحدث دون القراءة. أو على نحو أدق، القراءة هي اختبار الحقيقة عبر أدوات الأدب. مالذي يجعلنا نقرأ الأدب؟ لماذا لا نكتفي بقراءة العلم أو الدين أو غيرهما من مصادر الحقيقة النهائية؟ أو قراءة القصص الصحفية الجادة والتعليقات السياسية التي سترشد طريقنا في عالم مضطرب؟ ألا تكفينا كل هذه السرديات التي تحيط بنا؟ لماذا نحتاج ما يزيد حيرتنا وبلبلتنا؟

ربما لأننا بحاجة دومًا إلى البحث عن مخرج. فالأدب ليس مركزًا لإنتاج الحقيقة، وإنما لمراجعتها. إنه لا يدّعي تقديم مضمون الحقيقة أو فحواها داخل سردية، وإنما تقديم أدوات من أجل الخروج على سردية الحقيقة. والحقيقة بالنسبة إليه ليست جوهرًا مخبأ في مكان بعيد المنال، وإنما تتشكل في اللحظة التي ينفتح فيها الواقع على إمكانية مفاجئة. وأين يبدأ كل ذلك؟ في القراءة. فهي ما يجعل الخيال رجعًا لصدى الواقع، أرضًا نضع فيها الحقيقة على المحكّ، وليست أرضًا نهرب إليها من الواقع.

عندما يلجأ الأدب لضمير المتكلم فإنه يُلحق الذاتية بخطاب الحقيقة، فيصبح ضمير الأنا إحدى أدوات الأخير. هذه الأداة تختلف عن أدوات الحقيقة الأخرى مثل الاعتراف والتقصّي. عندما يتكلم ضمير الأنا في النصوص الأدبية التي تستحق فعلًا هذا الاسم فإنه لا يكذب علينا، بل يتحدث بمنتهى الصدق. لكنه لا يريدنا أن نفهم ما يقوله على أنه مضمون الحقيقة، وإنما يريدنا من خلال القراءة أن نفرك الحقيقة بورقة الخيال الخشنة التي يمدنا بها، ثم نقف لنتأمل الإمكانيات الجديدة الكامنة في الحبيبات المتساقطة.

في فصل الرواية المنشور في الجريدة يتحدث بسّام عن ممرات سرية تحت القاهرة يحتمي فيها من العاصفة التي دفنت القاهرة تحت أطنان من الرمال والأتربة، فهل يريدنا أن نصدق أن هذا ما سيقع للقاهرة فعلًا في المستقبل؟ أم أنه يقدم لنا أداة تساعدنا على مراجعة واقع المدينة؟ يقدم لنا حقيقةً لن تحدث لكي نختبر بها حقيقةً تحدث؟ ما نسميه الخيال هو مجموع التقنيات والأساليب والأجناس التي يبتكرها الأدب أثناء احتكاكه بمادة الحقيقة. القصيدة والرواية والقصة ما هي إلا أشكال مختلفة لدفع الحقيقة إلى حدودها القصوى، للضغط عليها حتى تتوهج. الأدب يقدح الحقيقة بحجر مجازها فيتطاير شرر الجمال. ومع الجمال قد يولد ذلك العالم الآخر أو الشعب الآخر الذي يتحدث عنه “رانسيير”.

هذا النص هو محاولة لإعادة قضية ناجي إلى بساط الأدب. محاولة لتأمل اللبس القديم بين الأنا الذي تظهر في النصوص الأدبية وبين تلك التي تعيش في السجلّات القانونية.

اللبس الذي تسبّب – ولو جزئيًا – في دخول الكاتب أحمد ناجي إلى السجن، ليس بالجديد، بل قديم قِدَم الأدب، يتجدد في كل عصر بقضية جديدة وضحية جديدة، وينطوي على واحد من أكثر أسئلة الأدب جوهرية. وسعى هذا النص إلى القول بأن الفارق بين طريقتي فهم ضمير الأنا يكمن باختصار في أن مدخل الأنا الأدبية إلى الحقيقة ليس الاعتراف بها، وإنما وضعها موضع اختبار. اختبار يقوم به قارئ. والحقيقة التي يريد الأدب اختبارها وإعادة فتحها ليست حقيقة مكتملة ونهائية، وإنما يُعاد تشكيلها مع كل مرة تُفتح فيها. هذه الحقيقة هي ما يؤسس الذات كحيّز للتحولات، ويؤسس الجسد كمكان للاكتشاف. وهذه الطريقة في فهم الحقيقة هي ما يمكّن الأدب من صياغة سياساته في التعامل مع الواقع.

الدفاع عن الأدب انطلاقًا من الحق في حرية التعبير وحرية الخيال هو دفاع مشروع وضروري بلا جدال. فلكل إنسان الحق في التعبير عن أفكاره كيفما شاء، بما في ذلك كتابة الأدب. لكن هل تعريف الأدب حقًّا هو أنه كلام حُرّ؟ هل ما يميز الأدب عن غيره من الخطابات النصيّة هو حرّيته في التعبير عن نفسه؟ بالتأكيد لا.

الحرية في أن يقول كل من يريد، ما يعنّ له، بالطريقة التي تحلو له، وفي الوقت الذي يجده مناسبًا، هذه الحرية هي الوعد الذي تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي لمستخدميها. أمّا الأدب فهو خطاب من نوع آخر. الأدب ينتمي إلى خطاب الحقيقة. فهو لا يريد أن يقول أي شيء فحسب، بل يريد أن يختبر الحقيقة، وهذا هو وعده. وهو يعمل على ذلك من خلال سياسات واستراتيجيات دقيقة خاصة به، مختلفة عن سياسات الأنواع الأخرى لخطاب الحقيقة مثل الصحافة أو القانون أو التاريخ، ولها أثمان غالية، يدفعها الكتاب من أعمارهم كما حدث في حالة ناجي أو غيره من الكتاب الذين سجنوا بسبب ما كتبوا. بين الكاتب والقارئ عالم مشترك. يريد الكاتب أن يفحص حقيقة شيء ما فيه، يريد أن يعيد صياغة هذا العالم المشترك، وهذه هي حريته. ويريد أن يفعل ذلك بمنتهى الصدق، ومن دون أن يتعرض للسجن أو الأذى، وهذا هو حقه.

سيخرج أحمد ناجي من السجن حتمًا عمّا قريب. إن لم يخرج اليوم فغدًا، وإن لم يخرج في هذا العام ففي الذي يليه. أمّا الجرح الغائر الذي أحدثته قضيته في جسد الأدب المصري فسيبقى مفتوحًا لعقود طويلة.

—— —–

نشرت في موقع مدى مصر عام 2016

ورد الوردوش: رسالة الخروج من السجن

كتبت هذه التدوينة مباشر بعد الخروج من السجن، ونشرت لأول مرة على صفحة “وسع خيالك” وصفحة “ضد محاكمة الخيال” بتاريخ 24 ديسمبر 2016

صباح الخير، وورد الوردوش على الجميع..‏

بعد أكثر من 300 يوم من العزلة عن العالم الخارجي والانترنت الحبيب، يدور المكن ببطء ‏في محاولة لاستيعاب ما يحدث في العالم وإيقاع اللحظة حتى أكون قَادراً على التحدث بما ‏يمكن فهمه، لذلك عذراً على التأخر في الكتابة.

‏ لا أزال في المرَاحل الأولى لاستيعاب ما حدث وكل رسائل الحب والتضامن التى فاقت كل ‏توقعاتى ولم أكن أعلم عنها شيئاً طوال فترة السجن حيث كان يتم حجب هذه الرسائل لذلك لا ‏أزال في صدمة استيعاب كل ما كان يدور بالخارجِ طوال عشرة شهور مضت ومعرفة كل ما ‏فعلتوه. الموضوع مُذهل خصُوصاً بالنسبة لشخص غير اجتمَاعى مثلي، ولا مُثقف تنويري. ‏كل ما حدث وما يحدث من حُبكم يبدو مُفاجأة مُتجددة أحتاج لوقت طويل لاستيعَابها. أدين لكل ‏هذه الرسائل بالطاقةِ والدفء التى كانت أفضل عون للاستمرار والتماسك والقدرة على ‏ممارسة وتجاوز التجربة.‏

أدرك أيضاً أن الكثير من هذا التضامن ليس لشخصي الضعيف ولا لـ #استخدام_الحياة بل ‏يأتى من أفراد يهمهم أن يكونوا في مُجتمع صحى أكثر بحد أدنى من سقف لحرية الرأى ‏والتعبير. من أخرين لديهم هذا الشغف بالأدب وبالايمان بأخوته العابرة للحدود القومية ‏والأعراق الجنسية. وأنا لم أكن أتخيل أن يكون عدد أفراد الفئات سابقة الذكر بمثل هذا العدد ‏وهذا الاهتمام والحماس للتعبير عن أنفسهم، وعن ما نحب. فشكراً لهؤلاء الذين لا أعرفهم ‏لأنهم فتحوا عينى عل عالم كنت أظنه في هشَاشةِ الزجاج بينما أتضح أنه في قوة الماء.‏

الشكر بالتأكيد في القلب من كل ذلك لفريق المحامين الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعي، خالد ‏على، ياسمين حسام الدين، محمود عثمان وكل فريق عمل موسسة حرية الفكر والتعبير. إلي ‏جانب كل الأساتذة والزملاء الذين حضروا معانا جلسات الاستشكال المتعددة. أدين للجهد ‏القانونى والصبر وتكاتف جهود الجميع بخروجى الآن وكتابة هذا.‏

الزملاء الكتاب سواء في مصر أو الدول العربية، على عهد المقاومة والمرواغة وسعيد بأنى ‏جزء من هذه الفيسفَاءالمُتنَاقضة المُتنافرة الشَاردة وسط خرابات الشرق الأوسط الكبير، وفي ‏زمن عودة الانحطاط القومى الغربي مُدججاً بقوة سخَافة الديمقراطية فأخوة الكُتاب مُمتدة ‏ومتمَاسكة، وسعادتى لا توصف برسائل التضامن والمحبة التى وصلتنى بشكل خاص من ‏كتابي المفضلين وبعضهم كانت أعمالهم اللذة الوحيدة المتاحة في السجنِ، والبعض الآخر ‏قرأت لأول مرة له أيضاً داخل السجن.‏

أما مفاجأة العام فقد كانت هذه التيار من السياسيين والبرلمانيين المصريين الذين أظهروا ‏انحيازهم للدستور أولاً الذي أقسموا عليه، ولتعزيز حرية الرأى والتعبير من خلال تغيير ‏القوانين المعوقة لحرية الرأى والتعبير أو التى توقع عقوبات سَالبة للحرية على النشر أو ‏التعبير الفنى مما يحمل تناقض صريح مع الدستور. صحيح أن جهود هؤلاء لا تزال جزء من ‏عملية الشد والجذب في حلبةِ الصراع اللاسياسي في مصرنا الحنونة. لكن شهدنا زمن يكون ‏فيه البرلمان هو المبَادر بتغيير العقوبات السَالبة للحريةِ في جرائم النشر والعلانية بينما ‏تعترض الحكومة. وهى خطوة أولى على طريق طويل.

بشكل شخصي أوجه الشكر للنواب ‏أحمد سعيد، ود.نادية هنري على مبادرتهم بتقديم مقترح لتغيير العقوبة السالبة للحرية في مادة ‏خدش الحياء بما يتماشي مع الدستور وعلى التكاتف والتأييد الذي أبداه عدد من النواب ‏أبرزهم أعضاء حزب المصريين الأحرار. وخارج البرلمان كان التكاتف والاهتمام من جانب ‏عدد من الأحزاب السياسية دليل آخر أنه حتى وسط وحش التضخم الذي نهوى جميعاً داخل ‏أحشاءه لا نزال قادرين على التفكير في حقوقنا الطبيعية.‏

أيام السجن بصراصيرها وعرقها وبردها ومهانتها. لم أكن بقادرٍ على تحملها ‏وتخطيها إلا بسبب رفقة الزملاء المساجين، وبشكل خاص زملاء عنبر 4-2 بسجن الزراعة، ‏والسادة البكايتة والدباديب من كل الجنسيات الأفريقية واللاتينية والعربية في عنبر 1-2. ‏وأمنيتى للجميع أن يأتى الغد بتعديل أكثر انسانية لقوانين الحبس الاحتياطى بحيث لا يكون ‏عدد مرتدى الأبيض في السجون أكثر من مرتدى الأزرق.‏

الزملاء الصحفيين والإعلاميين. شكراً على المتابعة والاهتمام والتغطية. لدي ظروف صحية، ‏والتزامات عائلة تحتل الآن ولأيام قَادمة الجزء الأكبر من وقتى إلي جانب عدم وجودى داخل ‏القاهرة. فقدت خط هاتفي لكن سأحاول الحصول على رقم جديد في أقرب وقت. ليس لدى ما ‏أضيفه أو أرغب في التعليق عليه في الوقت الحالي، والأولوية للالتزامات العائلية الآن، ‏أعتذر عن عدم قدرتى على تلبية أى دعوات لإجراء أى أحاديث أو تصريحات في الوقت ‏الحالي حتى نرفع المكن ونزيت الماتور وأفهم ما الذي يحدث يدور في الكون الذي يدور، ‏شكراً لاهتمامكم وتفهمكم.‏

الأصدقاء والصحاب والأحباب نفر نفراية وفرد فردايه، في سويداء القلب ومحبة موصولة ‏دائماً وليالينا قادمة وكلام وأحضان كتير في انتظارنا.

أخيراً، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال هناك جلسة مصيرية يوم الأحد بعد القادم أمام محكمة ‏النقض. تضامنكم وحبكم حتى نتجاوز تلك الخطوة الأخيرة بكل الخير وبسعادة.‏

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fahnajeahmed%2Fposts%2F948574795273674&width=500

%d bloggers like this: