هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

نشرت على موقع معازف عام 2013

مقدمة موجزة للتأصيل التاريخي

قاد جمال عبد الناصر ورفاقه منذ الخمسينيّات عمليّة تغيير جذري، ليس فقط للنظَام العام للدولة وأجهزتها التنفيذيّة، بل للفضَاء العام والمجتمع ذاته من أجل تطويعه في آلة ضخمة لتحقيق مشروع ضخم لم تتضح أبداً معَالمه– وإن كنا عرفناه كأجيال لاحقة بـ“المشروعِ الناصري المُجهض“.

كان الفن والثقافة من ضمن تلك المجالات التي تعرّضت لعمليّة تطويع ضخمة شملت سيطرة الدولة على وسائل البث والنشر من إذاعة وسينما وتلفزيون بعد ذلك، وامتدّت لاحقاً لتشمل أدوات الإنتاج الثقافي والفنّي نفسها، ليتم تأميم الصحف وشركات الإنتاج الفنّي تحت ذرائع مختلفة.

تحرّكت دولة عبد الناصر في مجال الأغنية على مستويين أساسيين: المستوى الأوّل: امتلاك أدوات الإنتاج والبث، وبالتالي: التحكّم في الأغنية العربيّة والمصريّة، والمُسَاهمة في إضفاء تابع القدَاسة على نجومها المرضيّ عنهم، عبد الحليم وأم كلثوم نموذجاً، أو تهميش آخرين لانتمائهم إلى العهد البائد، صفر علي وفؤاد المستكاوي، أو لأن أغانيهم ليست أغانٍ هادفة، شكوكو نموذجاً.

pict0031

أما المستوى الثاني فقد كان جزءاً من خلق عملاق وزارة الثقافة، وقاده وقتها زكريا الحجّاوي الذي طاف المدن والأقاليم لجمع الفنانين الشعبيين من الموالد ومن الفضاء العام، وتحويلهم لموظفين يؤدّون فقرات ثابتة وجاهزة على مسارح الدولة.

لكن ومثلما تعملنا من “فوكو“: أينما وجدت السلطة وبدأت في ممارسة أدوات تسلّطها، وجدت المقاومة. لذلك، لم تمر عملية سيطرة الدولة على الأغنية من دون مقاومة التي برزت أوّل صورها في تجربة الشيخ إمام. لكن على هامش آخر، ومع نهاية الستينيّات، ظهرت مجموعة من الفرق الشابة المتأثرة بالتطورات النوعية التى حدثت في مجال الأغنية في أوروبا وأميركا. وتجلّت في عدد متنوّع من الفرق بداية من”The Rocket” و“The Black Coats”، ومشاريع إسماعيل توفيق الحكيم الذي مات منتحراً بعد ذلك في ظروف غامضة.

للآسف، لم تحمل تجارب تلك الفرق خلفها ميراث آيدولوجيّاً أو جماعة ثقافيّة مولعة بأمجاد التاريخ كاليسار لكى تحفظ لنا تجاربها الموسيقيّة. بينما توفّرت مثل هذه الظروف للشيخ إمام، الأمر الذي كفل لتجربته الاستمرار التاريخي كنموذج لما سيعرف بعد ذلك بـ“الأغنية الملتزمة“.

توسّع الهامش أكثر فأكثر مع سنوات السبعينيّات والثمانينيّات كنتيجة لتراجع تسلّط الدولة النسبي على مجال الفن والثقافة، ولظهور تقنيات بث ونشر جديدة أقل تكلفة وأوسع انتشاراً ويصعب السيطرة عليها كشريط الكاسيت، حتى أصبح هناك تيّار غنائي كامل يعرف باسم “الأغنية البديلة“.

لم يتّضح أبداً ما هو التعريف الدقيق للأغنية البديلة، لكن اصطلح على وصفها بالأغنية القابعة في الهامش بعيداً عن آلات البث الخاضعة لسيطرة الدولة التى تضخّمت لتصبح نظاماً وشبكات إنتاج خاصّة قد لا تكون تابعة للدولة، لكنها تمارس دور النظام الحاكم. لكن تسمية “الأغنية البديلة” لم تشمل أبداً الأغنية الشعبيّة بداية من أحمد عدويّة وسلالته، بل تم وضعهم في ركن منفرد، أو التعامل معهم كإفراز لحالة مجتمعيّة سياسيّة ملتبسة وغير مفهومة.

جاء ذلك في وقت تراجع فيه اهتمام الدولة مع الوقت بتأكيد سيطرتها على المجال الثقافي والأغنية، إلا في قضايا حساسّة، وللحفاظ على الخطوط الحمراء في الوقت ذاته. صحيح أن الآلة الإعلاميّة للدولة، والتي ظلت الأضخم والأوسع انتشاراً، حافظت على انحيازها للأغنية للرسميّة– لكن على حساب لتجارب الموسيقيّة المختلفة الشابة، أو حتى لتلك التي تحمل اسم الأغنية الشعبيّة، ناهيك عن استبعاد الغناء المحلّي، وكل ما هو خارج القاهرة من الطنبورةوحتى الغناء البدوي، والتعامل معها كمنتجات فولكلوريّة مكانها مساحة بسيطة في فرق الفنون الشعبيّة.

مشهدان وبضعة أسئلة

طوال أيام الاعتصام الذي أعقب مظاهرات 28 يناير، كان الميدان ساحة لإذاعة الأغاني الوطنيّة، بداية من تلك التي ظهرت مع المشروع الناصري المجهض، وحتى أغاني الفرق الشابة الجديدة التي تكرّر نفس التجارب القديمة، وتخلط هتافات المظاهرات بالموسيقى.

كان الميدان بالنسبة لكثيرين حالة من حالات الفن الجميل. وفي يوم 11 فبراير في ميدان التحرير، وفي إحدى الإذاعات، ومع ارتفاع موجات فرحة الجماهير وطوال أكثر من ثلاث ساعات، كانت الموسيقى التي يتم بثها هي موسيقى المهرجانات فقط: بداية من عمرو حاحا وفيجو وحتى 8%. لماذا اختفت حالة الفن الجميل مع الاحتفالات إلا من شرفة حزب التجمّع فقط التي كانت تبث أغاني عبد الحليم يومها، وتم استبدالها بأغاني المهرجانات، ومنها أغنية مهرجان “يا حسني سيبنا حرام عليك“؟ ولماذا بعد ذلك تقوم مؤسسة كالمورد الثقافي باستضافة نجوم المهرجانات كـ“إسلام شبيسي” و“عمرو حاحا” في مسرح الجنينة؟ بينما تستضيف البرامج الحواريّة على التلفزيون الرسمي والقنوات الفضائيّة فرق كـ“إسكندريلا” وغيرها؟

جرت العادة أن تختار شركات المشروبات الغازيّة نجماً غنائيّاً عالميّاً وعربيّاً ليقوم بحملتها الإعلانيّة السنويّة. وكانت بورصة النجوم تتغيّر تبعاً للنجم الذي ستختاره الشركة كل عام. اختيار نجم ما لإعلان واحدة من شركتي المشروبات الغازيّة يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام.

بعد عام من الثورة، اختارت شركة مشروبات غازيّة فريق “وسط البلد” للقيام بحملتها الإعلانيّة، بينما اختارت الشركة الأخرى فريق “كايروكي“. تنتمي الفرقتان للأغنية التى ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافيّة المستقلة التي كانت تستضيف حفلاتهم، أو من خلال تسجيلاتهم التى كان يتم تبادلها مجاناً على الإنترنت. لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية؟ لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلالأو محمد فؤاد، رغم أن الثلاثة قدّموا أغاني للثورة؟ وهل يمكن استمرار وصف الأغنية التى تقدمها فرق موسيقيّة تقوم بعمل إعلانات لشركات مشروبات غازيّة بأنها أغنية بديلة أو مختلفة أو مستقلة؟

“التطوّر الطبيعي للحاجة الساقعة“

في كتاب عبد الله كمال وابراهيم عيسى عن الأغنية البديلة الذي صدر في طبعة واحدة تقريباً على نفقتهما في الثمانينيّات، يبدي جميع الفنانين الشباب الذين يقدمون ما اصطلح عليه المؤلفان باسم “الأغنية البديلة” استياءهم من اضطرارهم للغناء في كباريهات شارع الهرم. مصطلح الأغنية البديلة في الثمانينيّات كان يعني تجارب علي الحجار ومحمد منير وجيلهما الذي حارب في سنوات “العدم” من أجل وجود مكان وشركات إنتاج تتبنى تجاربهم الغنائيّة.

لكن مع بداية الألفيّة، ومع سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التي سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها تلك التي تركز على التنمية الثقافيّة، تغيّر المشهد ليصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمّى بـ“الفن البديل” في كل المجالات ومنها مجال الأغنية.

سمحت هذه المنظومة بتكاثر الفرق الغنائيّة الشابة، وبتوفير المسارح وخيارات الدعم. لكن ظلّ معيار استحقاق دعم الفن، لدى هذه المنظّمات، مقتصراً على تلك التجارب الغنائيّة التي تتكئ على تراث مشاريع الأغنية البديلة منذ الستينيّات. لهذا، حمل قاموس الكلمات والجمل اللحنيّة في تلك التجارب الغنائيّة أطياف وأرواح تجارب سابقة، بل وأحياناً بدت بعض تلك التجارب استنساخاً لما كان.

لم تكن منظومة إنتاج الفن المستقل، التي وفرتها مؤسسات التنمية الثقافيّة المختلفة، تتحرّك أيضاً بالحريّة الكافية:إذ حافظ ظل الدولة ونظامها وخطوطها الحمراء على التواجد، ثم ظل الخطوط الحمراء بالنسبة للمجتمع والذوق العام. الأمر الذي أثّر بدوره على طبيعة تلك التجارب الفنيّة، فابتعدت عن المحظورات السياسيّة والاجتماعية أو الحسيّة. وخارج هذه الخطوط، لن تجد لك مكاناً تحت ظل صناعة الفن المستقل.

لكن التطور التكنولوجي في تلك الفترة أيضاً فتح أبواب لعالم آخر من خلال الإنترنت. فحتى إذا كنت بعيداً عن منظومة الفن البديل، ولا تمت بأي صلة للفن الرسمي، وحتى إذا كان ما تقدمه محاولة للتجريب أو التخريب أو العبث، يمكنك من خلال الإنترنت نشر تلك التجربة بدون اشتراط الكشف عن الهويّة عليها إذا كانت لديك تخوّفات من ردود أمنيّة أو اجتماعيّة.

سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة. وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم.لهذا، لم يجد مكان مثل “الساقية“، الذي كان يرفض في بدايته استضافة حفلات الفرق التي تقدّم موسيقيي “الراب“، أمامه بعد فترة إلا القبول بهم، خصوصاً بعد أن تحوّل بعضهم بفضل الانترنت إلى أسماء لديها جمهورها.

نهاية العالم القديم

خلق تكاثر وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة من قنوات فضائية لإذاعات لصحف معادلة أخرى: الحاجة إلى منتج لتغطية كل ساعات البث والصفحات البيضاء، وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام بالشأن السياسي. هنا، يزداد الطلب على الأغنية الوطنيّة، وتصبح المطالبة برد الاعتبار للفن البديل في تصوّر البعض نوعاً من الانتصار لوجهه نظر سياسيّة.ناهيك عن استخدام الأغنية في خدمة العمل السياسي كنوع من البروباغندا الإعلاميّة. وفي هذا الحالة، لا يصبح التقييم الفنّي – الذي هو بطبعة مسألة نسبيّة– مسألة تقتصر على مستوى مكوّنات العمل الغنائي، بل تمتد لتشمل طبيعة رسالته السياسيّة والآيدولوجيّة، ومواقف الفنان السياسيّة.

لكن المدهش أنّه بدلاً من أن يدفع هذا الأمر إلى تطوير الأغنية السياسيّة والوطنيّة تطوّراً نوعيّاً ينعكس على فن البروباغندا السياسيّة، تأتي تلك الأغاني خالية من أيّ طموح للاختلاف أو التجريب. بل يجمعها المباشرة والإصرار على استخدام القوالب الموسيقيّة الجاهزة، وبالتالي يختفي الفرق بين أغنية “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير” لحمادة هلال، وأخرى يقدّمها فريق “كايروكي” مع عايدة الأيوبي “ياه يالميدان كنت فين من زمان بتجمعنا“.

لم يعد الغناء البديل بديلاً لأي شيء. فقد روحه التجريبيّة وخياله غير المؤطّر، لكنه احتفظ بالختم التى حمله قبل الثورة: بوّابته الحاليّة نحو العالميّة والتجارويّة.

وفي هذا الحالة، لا يقتصر التحدّي فقط على الفنانين الموسيقيين بخروجهم من العباءة الهلاميّة لذائقة الفن البديل، بل أيضاً على تلك المؤسسات الثقافيّة التى رعت هذا الفن طوال السنوات الماضيّة، والتي يبدو واضحاً تخبطها أكثر من الفنانين أنفسهم في العام الماضي من حيث استضافة فرق موسيقيّة في تظاهرة كـ“الفن ميدان” في الشارع، واستضافة إسلام شبيسي على مسرح الجنينة.

وهو تخبّط يكشف ضمن ما يكشف أن مؤسسات الدولة الثقافيّة والفنيّة ليست الجهة الوحيدة التى تحتاج إلى إعادة هيكلة والتفكير في طبيعة رسالتها، بل أيضاً مؤسسات رعاية الفن البديل والمستقل والجديد حتى لا تسقط في حالة المهرجانات فقط.

نص حيثيات حكم براءة أحمد ناجي محكمة الجنح يناير 2016

ئاسة السيد / ايهاب الراهب

السيد / حسين شقوير وكيل النيابة

محمد الصاوي امين السر

قضية النيابة العمومية رقم 9292 لسنة 2015 جنح بوﻻق ابو العلا

ضـد

احمد ناجي احمد حجازي

طارق الطاهر حنفي سيد

بعد سماع المرافعة ومطالعه الاوراق

حيث تتحصل وقائع الدعوي فيما ابلغ بيه المدعو / هاني صالح من انه حال شراءه لجريدة اخبار الادب العدد منه يتضمن عبارات تخدش الحياء العام وعبارات جنسية وانه يتضرر من كل من طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير جريدة اخبار الادب والصحفي احمد ناجي احمد حجازي كاتب المقال .

حيث باشرت النيابة العامة التحقيقات وبسؤالها للمتهم الثاني طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير اخبار الادب انكر ما هو منسوب اليه وقرر بانه لم يطلع علي النص بالكامل وانما اكتفي بقراءة رقم 1097 الصادر بتاريخ 3 اغسطس 2014 فوجي بمقال يحمل اسم ملف استخدام الحياة الفصل الخامس عنوان النص فقط وبسؤال الشاكي قرر بمضمون ما جاء بمحضر الاستدﻻﻻت واضافة ب انه فقد اصابه ضرر من ذلك وبسؤال النقيب احمد سمير الشيخ معاون مباحث قسم بوﻻق ابو العلا شهد بان تحرياته انتهت الي صحة الواقعة وقد قدمت النيابة العامة المتهمان للمحاكمة الجنائية بالمادتين 178و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات لقيام المتهم الاول بنشر مقال بقصد العرض و التوزيع يحتوي مادة كتابية خادشة للحياء العام علي النحو المبين بالأوراق وقيام المتهم الثاني بصفته رئيس تحرير جريدة اخبار الادب اخل بواجب الاشراف علي جريدته فيما ادي الي نشر المقال محل الاتهام السابق .

وحيث تداولت الدعوى بالجلسات علي النحو المبين بمحاضر جلساتها مثل فيها المتهم الاول ووكيل محام والذي طلب شهادة المختصين من رجال الادب والفكر واختص كل من الاستاذ/ محمد سلماوي و الروائي / صنع الله ابراهيم والاستاذ/ جابر عصفور كما مثل المجني عليه بوكيل محام وطلب اجل لإعلان بالدعوى المدنية وبجلسة 12 ديسمبر 2015 مثل كل من الاستاذ / محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب و الروائي / صنع الله ابراهيم واقر كل منهما بان العمل محل المحاكمة هو عمل روائي متكامل من خيال الكاتب المتهم الاول وﻻ يمكن اجتزاء اي جزء منه علي حده وتقييمه بشكل منفصل عن سياق الرواية وانه يوجد الكثير من الاعمال الادبية الهامة حوت علي الفاظ وايحاءات جنسية كرواية الف ليله وليله ورواية دعاء الكروان لعميد الادب العربي طه حسين كما ان العديد من كتب الفقه و التفاسير حوت ايضا علي الفاظ وعبارات جنسية كما مثل محام المتهم الاول وابدي مرافعه شفوية استمعت اليها المحكمة كما قدم ايضا مذكرة بدفاعه طالعتها المحكمة والمت بها كما قدم محامي المدعيين بالحق المدني صحيفة الاعلان بالدعوى المدنية وقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم جلسة اليوم .

هذا ولما كانت المادة 67 نصت على ” حرية الابداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب ورعاية المبدعين وحماية ابداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك.

وﻻ يجوز رفع او تحريك الدعاوى لوقف او مصادرة الاعمال الفنية والادبية والفكرية او ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانيه المنتج الفني او الادبي او الفكري.”

“ولما كان من المسقر عليه بأحكام محكمة النقض بأن حق محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي اليه اقتناعها سواء من الادلة المباشرة او بالاستنتاج و الاستقرار و كافة الممكنات الفعلية مادام سائغا”

(الطعن رقم 4184 لسنة 73-قضائية جلسة 29 سبتمبر 2003)

كما أنه من المستقر عليه ايضا ” لمحكمة الموضوع تجزئة اقوال الشاهد والاخذ لما تطمئن اليه وطرح ما عداها. علة ذلك؟ عدم التزامها بان تورد من اقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها

(طعن رقم 42490 لسنة 72 قضائية جلسة 5 مارس 2003)

حيث انه من المقرر ان حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتوالد عنها ﻻ يجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارساتها سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها بل تكن للمواطن الحرية ان يتنقل بينها يأخذ منها ما يأخذ ويلفظ منها ما يلفظ دون ان يوضع له اطارًا او قالبا يحد من تكوين افكاره ومعتقداته كما ان طرح الافكار والآراء والمعتقدات علانيه يجعلها مجالًا للبحث والتقييم من جانب المختصين بل والمجتمع اجمع فيأخذ منها الصالح ويطرح الطالح.

وحيث انه عن موضوع الدعوى فلما كانت النيابة العامة احالت كلا المتهمان بتهمة حدش الحياء العام طبقا للمادتين 178 و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات الامر الذي يتطلب توافر القصد الجنائي الخاص الذي يتمثل في قصد المتهمان حدش الحياء العام او نشر الفجور و الرذيلة وهو يتنافى مع ما قام به المتهم الاول الذي يعد عملا ادبيا من وحي خياله وان ما تضمنه ذلك العمل الادبي من الفاظ وعبارات ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء به ، هو في اطار عمل ادبي وسياق عام لقصه حاكها المتهم الاول من وحي خياله كما ان ما احتواه العمل الادبي ( القصة ) علي الفاظ وعبارات جنسية هو امر درج في العديد من المؤلفات و الاعمال الادبية و الاشعار قديما وحديثا وهذا ما انتهت اليه شهادة كل من الاستاذ / محمد سلماوي والروائى / صنع الله إبراهيم والتي تطمئن اليهم المحكمة من ان العمل الادبي ﻻ يمكن الانقطاع من سياقه او اخذ جزء منه و ترك الاخر .

كما أن العمل الادبي هو كيان واحد إذا انقطع منه جزء انهار ذلك العمل.

كما ان المحكمة ترى ان تقييم الالفاظ والعبارات الخادشة للحياء امر يصعب وضع معيار ثابت له فما يراه الانسان البسيط خدش للحياء تراه الانسان المثقف او المختص غير ذلك وما يراه صاحب الفكر المتشدد خدشا للحياء لا يراه صاحب الفكر المستنير كذلك.

وكذلك ما يطرح في مجاﻻت البحث العلمي في الطب مثلا يكون بالنسبة للغير خدشا للحياء إلا انه ﻻ يكون كذلك بالنسبة للأطباء مثلا فان العبرة في عقلية المتلقي وتقديره للأمور.

فالعبارات التي حوت تلك القصة محل الاتهام ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء لم يرتأها الادباء والروائيين خدشا للحياء طالما انها كانت في سياق ومضمون عمل ادبي فني.

إذا فان المعيار في ذلك يختلف من شخص الي اخر حسبما لثقافته وافكاره وتعليمه فما اتاه العلماء والمثقفين قديما من أفكار وآراء واجتهادات كانت محل رفض ونقد لهم من مجتمعاتهم ان ذاك اصبحت اليوم من الثوابت العلمية والابداعات الادبية التي تثري مجتمعنا.

ولما كان ذلك الامر الذي ترى معه المحكمة انتفاء القصد الجنائي الخاص لدى المتهمان عن قصدهما بخدش الحياء ونشر الرذيلة ولما كان المستقر عليه قانونا وفي قضاء محكمة النقض أن الاحكام الجنائي تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين وإن تشكك القاضي في صحة الاسناد كفيلا بالقضاء ببراءة المتهم الامر الذي تقضي معه المحكمة والحال كذلك ببراءة المتهمان مما نسب إليهم من اتهام ورفض جميع الدعاوى المدنية المقامة وإلزام رافعيها المصاريف وخمسون جنيها اتعاب محاماة

لهذه الأسباب حكمت المحكمة

ببراءة المتهامان مما نسب اليهما من اتهام ورفض الدعاوى المدنية وإلزام رافعيها المصاريف اتعاب محاماة وخمسون جنيها.

 

استأنفت النيابة على حكم البراءة، حيث أعيدت المحاكمة أمام محكمة استئناف، التى قضت يوم 20 فبراير بسجن أحمد ناجى لمدة عامين بتهمة خدش الحياء

إيمان مرسال: عن البوليس وشَعْر المواطنين

في ليلة عيد الفِطر سنة ١٩٩٥، أوقف البوليس على كوبري مدينة المنصورة طالباً جامعيّاً كان في طريقه لقضاء العيد مع أسرته. سألوه عن إثبات الشخصيّة، أعطاهم بطاقته، وضعوه في عربة الشرطة لعدّة ساعات واصلوا فيها توقيف العابرين والتأكد من هويّاتهم. في الفجر، تركوه يمضي ولكن بعد أن أعلن ضابط الدوريّة رأيه في طول شعْره: “ما قصّتش شعْرك ليه قبل العيد ياله، انت خول ولا إيه؟” في القاهرة، في نفس الليلة، أوقف ضابط بوليس فناناً تشكيليّاً شاباً وسأله عن وجهته وأوراقه، أمسك بالبطاقة الشخصيّة وقبل أن ينظر فيها قال له: “انت فاكر نفسك مين وليه حالق لي راسك كابوريا؟”. لا توجد مادة في القانون المصريّ تتناول الطول القانونيّ الصحيح لشعْر الرجل. مع ذلك، يعبّر رجال البوليس، يد الدولة القويّة، عن ذوقهم الشخصيّ في قصّات الشعْر وفي الرجولة وفي شكل المواطن الصالح. إنهم محميّون بقانون الطوارئ والذي يعني بشكل كبير غياب ما يمكن أن نسميه “القانون”.

لابد أنني حكيت لأحمد ناجي هذه القصّة وتأثيرها الكبير عليّ في التسعينيّات. لقد هزّتني معرفتي الوثيقة ببطليها أكثر من حوادث منع الكتب والأفلام والصحف خلال تلك الفترة. بدت أكثر رعباً من قضيّة الحسبة الشهيرة ضد نصر حامد أبو زيد والتي انتهت بإعلان إحدى المحاكم المصريّة أنه “مُرتدّ”. طبقاً لفهمي وقتها، محاكمة أبي زيد كانت نتاج وجود بعض قوانين العصور الوسطى في يد نظام يدعي أنه ليس من العصور الوسطى، نظام عسكريّ يدعي العلمانيّة، مسلم متديّن، بوليسيّ، أخلاقي، عائلي، بيروقراطي، فاسد، ويستخدم تلك القوانين في لعبة الصراع والنفاق والتواطؤ مع فئاته الداخليّة ومع الإسلاميين حسب الطلب. مع ذلك، بدت عشوائيّة هذا النظام المهلهل أكثر رعباً في تقييمه لقصّات الشعْر. كيف يصبح مواطنٌ ما مهدداً لمجرد تحركه في الفضاء العام للمدينة بسبب شعره فقط؟ دعني أقول أنني كنتُ وقتها خائفة كمواطنة أكثر من خوفي كمثقفة.

المثقفون أيضاً مواطنون

لقد رأى أنطونيو جرامشي منذ عقود، أن المثقفين ليسوا طبقة اجتماعيّة مستقلّة؛ فهم أنواع وفئات مختلفة، يرتبط كل منهم بأصوله الطبقيّة، تعليمه، ما يتبناه من أيديولوجيا ومصالح. يمكن أن نضيف الكثير لهذه القائمة؛ مثلاً الفرديّة، والتوجّه الجنسيّ، وحتى الاختيارات اللغويّة والفنيّة. ولكن قبل وبعد كل هذا، يرتبط المثقف في تاريخنا العربيّ الحديث بكوارث الصورة الشخصيّة وانعكاساتها. لقد تكوّن مفهوم ما عن تفوّق مثقفي القرن العشرين في ثقافتنا باعتبارهم مختصّين بصناعة الأفكار في مجتمعات تعاني من الأُميّة، وبكونهم قادة معارضة الاحتلال والديكتاتوريّات وطرفاً في الصراع الطبقيّ وفي النقاش حول التخلّف المجتمعي، وإضافة لتميّزهم بسبب كل ما سبق، ظلوا الجماعة القادرة على “التعبير” عن مصالحها حتى لو كان صوتهم يأتي في أغلب الأحيان من داخل المنظومة التي يعارضونها.

هناك من لم يقبل بهذه الصورة في المشهد الثقافي العربي طوال القرن العشرين، كتّاب وسينمائيون وفنانون يمكن رسم سلالتهم في سياق آخر. ولكن صورة المثقف كصوت وممثّل لجماعة أكبر منه وكضمير لأمته أو طبقته لم يتم التنكيل بها لأسباب شتى إلا في تسعينيّات القرن الماضي على يد جيل لم يشارك في صناعة المشاريع القومية الكبرى ولا المشاريع الثقافية الكبرى التي دعمت خطاباتها. حاول أن تتخيّل كاتباً في عشرينياته ينظر بغرابة لمثقف قوميّ كبير وهو يدافع باستماتة عن حرية التعبير في قضايا مرفوعة ضد فيلم “المهاجر” في منتصف التسعينيّات أو بعد ذلك رواية “وليمة لأعشاب البحر”، أو  أزمة “الروايات الثلاث” بينما يدافع بنفس الاستماتة عن صدام حسين أو القذافي، ويطالب بأقصى عقاب على بعض الاسلاميين في محاكمات هزليّة أو على علي سالم بدعوى التطبيع.. إلخ. في الحقيقة، في كل مرة كانت تندلع فيها نيران التضامن العارم مع حريّة تعبير أحد المثقفين، كانت مشاعري لا تخلو من اختلاط التضامن المبدئيّ بالتوتر والسخريّة، وربما القنوط. مثل آخرين لاحقين منهم أحمد ناجي نفسه، لا أستطيع أن أنسى أن معظم مثقفينا لا يتضامنون بنفس الحماس عندما يأتي الأمر لحقوق الإنسان بشكل عام، كأن التضامن مع حريّة التعبير هو الأسهل والأكثر أماناً من غيره. أتخيّل الآن أن ناجي سيضحك من بعض المتضامنين معه بينما ما زالوا يبررون مشاهد القتل وسجن المعارضين السياسيين وتجاوزات الشرطة وينفون وجود حالات اختفاء قسريّ في عهد السيسي.

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

شروط التضامن مع حريّة التعبير

هناك تضامن كبير مع حريّة أحمد ناجي في الكتابة، والخيال، واستخدام اللّغة. هناك على الأقل جملة يلتف حولها كثيرون تقول: “لا يجب أن يذهب الكلام للمحاكم”. أنا لا أكتب هذه المقالة من أجل تأكيد هذه البديهة، لم يكن ناجي ليفعل ذلك لو كان مكاني، هكذا أعرفه وأشعر بحزن غامر لأنه في السجن بينما أنا أكتب.

في نفس الوقت، قرأنا بعض الآراء -في سياق الحكم على الكاتب بالسجن-  ويجب أن نقف أمامها، دعني أُلخصها لك في النقاط التالية: تكتل المثقفين حول قضية كهذه مدعاة للسخريّة حيث أنهم معزولون وبلا تأثير. رواية “استخدام الحياة” ليست جيدة وخالية من “الإبداع” الذي يستحق التضامن. أخبار الأدب التي نشرت الفصل سبب المحاكمة تصدر بأموال دافعي الضرائب ولم تحترم الميثاق اللغوي أو الأخلاقي للمجتمع وهي تُعبّر فقط عن آراء محرريها. تحتوي الرواية على “بذاءة” والبذاءة أيضاً نوع من العنف الذي لا يستطيع إقامة حوار مع المجتمع. بالطبع، قوبلت هذه الآراء برفض وسخرية من بعض المتضامنين مع ناجي وأنا منهم.

هذا التضامن اللافت وهذه الآراء التي تشكك في أسبابه وجدواه ودلالته تطرح بعض الأسئلة: هل من شروط التضامن أن يكون صاحب الحق له تأثير على المجتمع؟ هل هناك شروط للتضامن مع قضيّة محدّدة تخصّ حريّة التعبير؟ هل يُشترط في الدفاع عن حريّة أحد أن نتفق مع ما يقوله، مع كيفيّة قوله؟ هل يجب أن ننادي بالتخلص من أي هامش تسمح به مؤسسات الدولة الثقافيّة لتناسب تصورنا عن أخلاق دافع الضرائب؟ أليس أحمد ناجي وبعض قرائه من دافعي الضرائب أيضاً؟ ما هو كنه هذا المجتمع الذي تنجح رواية في إقامة حوار معه أو تفشل بسبب بذاءتها، وكيف تعلّم الكاتب وهو أحد أفراد هذا المجتمع النقيّ – البذاءة؟

الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً ولا يجب أن تكون

دعنا نتذكر أن الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً، وأنه لا مجال لمطالبة أفرادها بالاتحاد خلف حرب ما. دعنا أيضاً نعترف أننا كأفراد لا تعترينا نفس الدرجة من الغضب كلما تم الاعتداء على حرية آخرين من نفس الجماعة الثقافيّة – ربما لأسباب قيميّة أو إيديولوجية أو شخصيّة – وأن هذا ليس مأزقاً أخلاقيّاً بالضرورة ما دمنا لا نبرر ولا نقبل بأي شكل من الأشكال الاعتداء على حرياتهم لهذه الأسباب.

إنني أسأل نفسي قبل الآخرين إذا كان غضبي الشديد من سجن ناجي له علاقة باهتمامي بكتابته، بانتمائي لها، بفهمي لعالمها. وإجابتي هي: نعم!

لقد فتحت مدوّنة  أحمد ناجي“بيسو” منذ بدايتها ٢٠٠٥ مع مدوّنات أخرى باباً واسعاً للغة حيّة خارج تعليبات الأنواع الأدبية والصحف الورقيّة والرقابة. إنه منذ البداية لا يقدّم نفسه ككاتب تنويريّ أو كمثقف يريد كسر تابوهات المجتمع؛ إنه في الحقيقة لا يخاطب وحشاً افتراضيّاً يسمونه المجتمع. لقد أدهشني استغراق ناجي من وقت لآخر في متابعات تناسب مزاجه وأسئلته، مثل مقالاته عن المهرجانات، أو السعوديّة، أو القاهرة، ودراسته الهامة عن الجرافيتي “يحيا الفن الزائل” في ٢٠١١.

295389_540137946024580_408280608_n (1)
صورة ثلاثية من اليمين لليسار: نائل الطوخى، أحمد ناجى، محمد ربيع في مدخل دار ميريت في مقرها القديم بشارع قصر النيل

بالنسبة لي، يمثل أحمد ناجي مع نائل الطوخي ومحمد ربيع وأحمد شافعي وآخرين من كُتّاب الأجيال الأحدث أهم ما يحدث في الكتابة المصريّة الآن. أُضيف إلى هذا التحيّز للكتابة، الامتنان لوجود مثل هؤلاء الأشخاص حولنا، بحواراتهم ولغتهم وطزاجتهم ونديّتهم والاقتراحات التي يقدمونها لنا كقراء أو كمهتمين بالكتابة. الأكثر من ذلك، أنهم ربما يمثلون الجيل الأول الذي لديه هذه الحرية في اللعب الحقيقيّ باللغة والتخييل السرديّ دون رغبة في صدم أحد أو في بطولة طليعيّة، دون خوف أو قلق من صورة المثقف التي نشأنا تحت وطأتها وفقدنا الكثير من الوقت والطاقة في رفضها. نعم يجب أن نرفض أي اعتداء على حريّة التعبير، ولكن يجب أن نتصالح مع حقيقة أن هذا الغضب يستمد طاقة أكبر عندما يتم الاعتداء على ما نستمتع به وندعمه ونظن أنه يخصّنا.

صدمة القارئ وصدمة المجتمع

إذا كان لدى نص ما قدرة على الصدم، فإنه لا يصدم إلا قارئه. إنه قارئ فرد يجلس على الحافة بين مجتمع لا يقرأ وبين النصّ الذي أمامه. يشعر القارئ بالصدمة كنتاج للعلاقات الدلاليّة في النصّ وليس داخل المجتمع. قد يسبق المجتمع في لغته ما يمكن أن يُكتب. أنت تسمع كلمة “كُس” كل يوم في شوارع القاهرة ومع ذلك تظل صادمة عندما تقرأها في “استخدام الحياة”. لماذا؟

يقول ميشيل ريفاتير الذي فكر في هذا الأمر لأسباب أخرى إن الصدمة التي تسببها العلاقات النصيّة ليست نتاج كسر العادات والتقاليد المجتمعيّة ولا محاكاتها، إنها قد تأتي من التقليد الساخر، من توسيع الدلالة أو تضخيمها، من صناعة خلل داخل السرد يجعل أكثر المفردات عاديّة تشبه النتوءات وتورط القارئ في لعبة التبديل والإحلال. التبديل اللغوي هو لعبة الكاتب ومادته.

ما يسميه ريفاتير بـ “الفضيحة اللغويّة” يكون له صدم مستمر حتى في أكثر المجتمعات تحرراً، ذلك أنها نتاج النصّ وليس نتاج الذوق العام. دليل ريفاتير على ذلك بديهيّ للغاية، لو كانت الفضيحة اللغويّة في نص ما هي نتاج اختلافها عن أخلاق المجتمع، لفقد هذا النصّ قدرته على الصدم، بصمته، بمجرد تغيّر هذه الأخلاق، وهذا ما لم يحدث مع مئات النصوص من “نشيد الإنشاد” وحتى “أناشيد مالدورور” للوتريامون. هذا يجعلني أفكر أن هؤلاء الذين يظنون أن الفضيحة اللغويّة بذاءة، أو أن الصدم هو نتاج مخالفة عادات المجتمع أو محاكاتها، هم نفسهم الذين يصدقون أن على المثقف أن يحافظ على صورته القديمة للأبد، أو أنه يسعى لحوار مع مجتمع مفترض ليس موجوداً إلا في أذهانهم.

أصدق القارئ الذي تسارعت دقات قلبه عندما قرأ الفصل الخامس من “استخدام الحياة” في أخبار الأدب، بل ويمكنني أن أحكي له كيف حدث لي ذلك عندما قرأت “تلك الرائحة” وأنا طالبة في الثانوي، وكيف شعرتُ بنفس الصدمة وأنا أقرأ جورج باتاي بعد ذلك بسنوات. الصدم أحد ملامح القراءة المُنتجة. تبدأ الكارثة عندما يظن هذا القارئ الفرد أن ما يخدشه يخدش أخلاق المجتمع الذي لم يقرأ ولم يكن ينوي أن يقرأ الرواية، ويقوم بتنصيب نفسه ممثلاً لهذا المجتمع فيرفع دعوى قضائيّة، ثم يقوم القاضي بقراءة الرواية نيابة عن المجتمع فيقرر أن يعاقب كاتبها. بمعنى آخر، لا توجد مشكلة في تصوّر ضابط بوليس ما، كمواطن، عن طول الشعْر المناسب للرجولة الحقيقية، ولكن تحدث الكارثة عندما يعاقب مواطنين مثله مستخدماً سلطته وغياب القانون في ذلك. لسنا في حوار مع رافع الدعوة ضد ناجي ولا القاضي الذي يحمى المجتمع منه ولا ضباط البوليس. نحن في حوار شئنا أم أبينا مع من تشغلهم الكتابة والقراءة ثم يتحدثون عن وجود شروط للتضامن مع الحريّات.

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر