أيتها العاملات.. الآتي أشرس

حينما خرجتُ من السجن، بعد عام قضيته بعيداً من شوارع القاهرة، كان أول ما لاحظته، إلى جانب كثافة سُحب الإكتئاب والإحباط على وجوه سكان المدينة، هو تلك الزيادة في عدد النساء والفتيات العاملات، بل ظهورهن بكثافة ندر وجودهن فيها في القاهرة. ظننت أن الأمر شخصي وأني بسبب البقاء في السجن لشهور طويلة، بلا تواصل مع الجنس الآخر، أصبحت حساساً لوجودهن وأكثر ملاحظة لهن. حتى مررت ذات مساء أمام واحد من مطاعم الوجبات السريعة في وسط البلد، اعتدت التعامل معه طوال أكثر من عشرة أعوام، ولا أذكر أبداً أني رأيت فيه أي أنثي عاملة. كان الوقت قد تجاوز الحادية عشرة ليلاً، ووقفت أمام “الكاشير” لطلب السندويش فوجدت فتاة تجلس خلف ماكينة الحسابات.

استغربت الأمر لأن وردية الليل في هذا المطعم تنتهى في الثانية بعد منتصف الليل، فما الذي تفعله هذه الفتاة هنا؟ لاحظت كيف أنها، خلافاً لزميلها الجالس بجوارها على ماكينة آخرى، وضعت أمامها طبقاً صغيراً لتضع فيه “الفكة” فيأخذها الزبون، حتى لا تضطر للتعرض لملامسة يد الزبائن. لكن، بعدما طلبت ما أريده، لم أستطع أن أقاوم فضولي وسألتها: “هو أنت بتشتغلي هنا من زمان؟”. جاء الرد بارداً بالطبع، كأنها ملّت من هذا النوع من الأسئلة والحوارات، وقالت: “اتفضل يا أستاذ روح خد طلبك من جوا”.

10393722_516183941843269_569061840803221652_n
صورة من تدريبات السيدات في الدفاع المدنى في الخمسينات بمصر أثناء العدوان الثلاثي

بدأت ألاحظ هذه الزيادة في عدد الفتيات والبنات العاملات في المطاعم وفي أماكن خدمية آخرى، مثل بعض محطات البنزين وحتى المقاهي الشعبية. لم تكن مطاعم القاهرة باستثناء مطاعم الفنادق لترحب بعمل الفتيات، وفي الغالب كانت الكافيهات التى توظف الفتيات توصف بأنها مفتوحة لأغراض أخرى غير تقديم المشروبات.

حاولت كذلك الوصول إلى أرقام أو إحصائيات ترصد أي تغيير في معدلات عمل المرأة في سوق العمل، لكني لم أجد أي أرقام واضحة يمكن الاعتماد عليها. اكتفيت بسؤال الأصدقاء والدوائر القريبة ومعظمهم رصد الظاهرة ذاتها. مالك ومدير سلسلة من مطاعم الوجبات السريعة، أكد لي الأمر، قائلاً إنه بدأ، العام الماضي، بتعيين فتيات للعمل لديه، وأنه قبل ذلك كان يرفض الأمر لأن “البنات مشاكلهم كتير” على حد قوله. فمطاعمه متخصصة في الوجبات الشرقية (سندويشات الفول والطعمية بشكل أساسي)، وبالتالي يرى أن زبائنه من طبقات متنوعة ومعظمهم من طبقات شعبية، ومن الممكن لأحدهم أن يتطاول أو “يعاكس” إحدى العاملات. لكن موقفه تغيير مؤخراً مع ارتفاع معدل التضخم وازدياد الأسعار.

“لما تحسبها تلاقي البنت بتكلفني أقل من الولد”، يلخص بهذه الجملة تغيير سياسته في التوظيف. فمعظم العاملين لديه طالبوا برفع أجورهم مع ارتفاع الأسعار، ولما رُفض طلبهم، غادروا المحل.

“البنت أو الست اللي نازله تدور على شغل تبقى محتاجة الشغل بجد، مش هتنزل من بيتها ولا راجلها هيسيبها تنزل إلا إذا كانت محتاجة القرش، مش زي الشاب اللي نازل يدور على شغلانة على مزاجه وعايز يشتغل في التكييف”، يقول. بدأ صاحب هذا المطعم بتوظيف الفتيات في المطبخ، ثم لتقديم الطلبات في الصالة، والآن تمثل الفتيات حوالى 20% من العاملين/العاملات لديه، وذلك كله حدث في عام واحد.

لا قوانين تنظم العمل في مثل هذه الوظائف، معظم العاملين لا يتم تعيينهم بعقود. ومعظم المطاعم تعتمد على الأطفال والقاصرين في العمل للسبب ذاته، لأنهم “أرخص”، ويمكن الاستغناء عنهم بسهولة. يدافع صاحب المطعم عن التمييز في الرواتب بين الذكور والإناث، بأن دوام عمل الشاب يبلغ عشر ساعات، بينما دوام الفتاة عنده ثماني ساعات، كما أن الفرق في الأجر ليس كبيراً، وهو لا يحاسبهن على البقشيش بل يتركه لهن، والفتيات رزقهن واسع ويمكنهن أن يحصلن على بقشيش أكثر من الشبان. كنت أهز رأسي وأنا ابتسم له، وأثني على “عبقريته وطيبة قلبه” في مساعدة تلك الفتيات ليجدن مهنة شريفة، فيصدمني أكثر بالمزيد عن ظروف العمل. فالمطعم يعمل طوال اليوم، حتى في الإجازات والأعياد، وبالتالي فإنه لا سياسية للإجازات لديه. أما أغرب ما قاله، هو أنه لا يوظف فتيات متزوجات أو مطلّقات، ولم يفسر السبب إلا بجملة “حتى لا تكون عيونهن مفتوحة”.

ترسخ السلطة الذكورية في أي مجتمع، ليس نتيجة أفكار دينية واجتماعية فقط، بل الأساس ينهض على البنية الاقتصادية داخل ذلك المجتمع. وفي المجتمع المصري، تتراكم الثروة من خلال الأراضي والمنقولات العقارية، وحيث يفرق القانون في الميراث بوضوح شديد بين المرأة والرجل. وحتى هذا القليل لا تحصل عليه المرأة في الكثير من مناطق الجمهورية، فالأرض لا تورث للفتيات في الصعيد، وفي الكثير من مناطق الدلتا. بالتالي من الطبيعي أن تظل النساء في كنف الرجال، طالما ظلت عملية تراكم الثروة تصب في مصلحة الرجل، وطالما استطاع هذا الرجل تلبية احتياجات بيته.

كنت شاهداً وبشكل شخصي على وصول سيدة من الفيوم، لتعمل في “مدينة 6 أكتوبر”، كحارسة عقار، وفي تنظيف الشقق، وكيف تحملت لسنوات بطالة زوجها واستيلائه على ما تجنيه، حتى اكتشفت أنه تزوج بمالها شابة ثانية. حينها، ثارت عليه وطلبت الطلاق وحصلت عليه بالفعل، وعاد هو زاحفاً بعد عام بدعوى مسؤوليته عن أولاده. لكنها أبداً لم تعد القطة “المغمضة” التي أتت إلى شارعنا منذ خمس سنوات، بل بسطت سلطتها على كل عمارات الشارع وزوجها الذي كان يضربها، أصبح يعمل على “توك توك”، ويأتي ليقف عند باب المنزل في انتظار ظهور أولاده، إذ ترفض دخوله المنزل. صحيح أنها ما زالت تسمح لابنها الصغير أن يضرب ويتطاول على أخواته الفتيات بدعوى أنها ولد و”راجل” البيت الآن، لكن وكما الدرس الذي يعرفه يعلم الجميع، تظل الاستقلالية الاقتصادية المسمار الأول في نعش الذكورية المجتمعية.

سيقلص التضخم والكساد الاقتصادي في البلاد من فرص العمل، سينفجر غضب الرجال في وجوه النساء اللواتي من المفترض أن يخضعن لسلطانهم. الأسرة التي كان من الممكن أن يرعاها رجل واحد، ستحتاج الآن لعمل الأم، بل والابنة، لكي تستطيع البقاء. سيواجَه نزول النساء إلى سوق العمل بالاستغلال والتمييز، وستزداد حوادث التحرش والعنف ضد النساء. أخبار مثل تخفي سيدة وزعمها أنها رجل لكي تحصل على عمل ستزداد بالتأكيد.

كل عنف وتحرش جنسي شهدته القاهرة خلال السنوات الماضية، لم يكن سوى رد فعل مباشر وغير مباشر على وجود النساء في المجال العام، على تحركهم في الشارع، على تهديدهم من خلال العمل والاشتباك مع القضايا العامة لتلك السلطة الراسخة. لكن الموجة المقبلة ستكون أعنف. الأخبار الإيجابية أن المجال الآن مفتوح مع المؤسسات النسوية لتستعد للمزيد من الحقوق التي يمكن اقتناصها. فوسط الحصار الذي يعانيه المجتمع المدني بكافة تشكيلاته القتالية، يبدو الأمل في النساء وفي حركتهن وفرضهن لشروطهن -وهذه المرة الفرصة لتشكيل حراك حقيقي- ليس مضطراً للاعتماد على غطاء من قبل سيدة أولى في قصر الرئاسة.

مدينة العابر المقيم، 6أكتوبر

نشرت في مجلة شاهد للدراسات والمقالات العمرانية سنة 2013

The_Sorrows_of_the_King
اللوحة لهنري ماتيس

هناك مخيمات للاجئين، منازل إيواء للمهاجرين، لكن كيف يمكن للاجئين والمهاجرين أن يؤسسوا مدينة. لقد كنت محظوظاً حيث أعيش في واحدة تدعى مدينة “6أكتوبر”. هي بامتياز مدينة اللاجئين والمهاجرين من مدن آخرى داخل مصر ومن خارجها.

تحمل أغطية البلاعات في 6أكتوبر تواريخ متفرقة من سنوات الثمانيات، مما يدل على أن أعمال البنية التحتية بدأت في المدينة في تلك الفترة بغض النظر عما تقوله الأوراق الرسمية. بعد وضع أغطية البلاعات بعقد من الزمن بدأت نواة المدينة السكانية في التشكل مع منتصف عقد التسعينات وبداية الألفية حيث افتتحت فيها أكثر من جامعة خاصة.

مثل الطلبة النواة الأساسية لسكان المدينة، معظمهم من محافظات مختلفة من مصر وطلبة عرب منحتهم الجماعات الخاصة الفرصة لتحقيق أحلام الطبقة الوسطى في الحصول على شهادة في الطب أو الهندسة وحتى إن لم تكن درجاتهم في الثانوية العامة كافية، ظهر العمال أيضاً في الأحياء الشعبية للمدينة حيث يعملون في المنطقة الصناعية. لكن أماكن تركز الطلبة والعمال ظلت في أحياء محددة معظمها ذات نمط معمارى واحد انشأته الدولة. لكن الموجة الأهم كانت بعد حرب العراق الأخيرة حينما تزايد عدد اللاجئين والهاربين من الحروب الطائفية والتفجيرات في العراق.

وضع جهاز المدينة مجموعة من الشروط التي تحكم الأبنية والبناء في أكتوبر، فهناك معيار محدد لعدد الأدوار في كل حى، ويتدخل الحى في حالة مخالفة شروطه وإزالة الطوابق الزائدة، لدى الجهاز أيضاً قائمة بالألوان التي يمكن استخدامها في طلاء المنازل والبنايات من الخارج، بالتالى فمساحة التغيير والتعديل في عمارة المدينة تظل محدودة بشروط الدولة المصرية.

لكن مع الحرب أضفي العراقيون على المدينة الكثير من محلات الطعام العراقي والخبز العراقي، ارتفعت الإيجارات بشكل ملحوظ لكن لم يعرب أحد عن ضيقه، اللاجئون القادمون للمدينة ليسوا كلاجئين المخيمات ولا يتسولون صدقة من أحد، بل جاءوا هاربين بكل ممتلكاتهم لتأسيس مدينة جديدة. ومثلت موجات العراقيين ثم السوريين بعد ذلك أوقات انتعاش لاقتصاد المدينة، تكرر مع الموجة السوريا التى بدأت منذ حوالى سنة. الشارع الذي أسكن فيه منذ حوالى أربع سنوات أصبح يمتلئ بالمحلات ذات اللافتات السوريا، الجزارة الشامية، مخبز دمشق، حلويات حلب، وأخيراً مطعم الجنانى. اختفت من الحى الثانى تقريباً جميع اللافتات المصرية حتى أصبح المكان كأنك تعيش في جيتو سورى صغير.

عدم وجود هوية للمدينة سهل على اللاجئين والمهاجرين استدعاء ذكرياتهم ومدنهم التي تركوها لإحلالها في الفراغ “الأكتوبري”. وضع مطعم الجنانى لافتة كتب عليها “فرعنا الأساسي دمشق ميدان دوار باب مصلى، فرعنا الثانى مصر الحنونة 6 أكتوبر”  يقدم المحل الوجبات الشعبية فول وفلافل لكن بالطريقة السوريا حيث الاعتماد الأكثر على الحمص، بالتالى يأتي الفول والفلافل مختلف تماماً عما تعود عليه المصريون منذ أجيال طويلة. يعمل العاملون ومعظمهم سوريون في مطعم الجنانى أيضاً بالطريقة السوريا. فهناك معلم مسئول عن طاسة الزيت وآخر يتولى عملية تغليف السندوتش وآخر يشرف بنفسه على وضع مكوناتها، ويرفض أن يمس أي من مساعديه الخبز أو مكونات السندوتش بل يتولون عملية التغليف فقط. وبدلاً من السلطة والطحينة التي تشكل الإضافات الوحيدة على السندوتش المصري. يتحرك المعلم السورى بين تشكيلة متنوعة من الإضافات تبدأ من المايونيز والثومية والطحينة وشرائح البطاطس مقطعة في أوعية منفصلة، وبالتالي يضاف إليك ميزة اختيار مكونات السلطة.

ذات يوم وبينما كنت انتظر سندوتش من المعلم في واحدة من لحظات الذروة، تابعت حيرة المعلم ومساعديه وإصرارهم على اتباع نظامهم في العمل أمام الزحمة وتدافع الأيدى عليهم، كان العاملون يتحركون بتأنى بالغ في إعداد كل سندوتش الأمر الذي يستغرق وقتاً أطول وبالتالي يشعر الزبائن المحشورون في الزحام أمام الشباك بالضيق والتبرم ويبدأون في الصياح مطالبينه بالأسرع. ظهر وسط الزبائن شاب عراقي أخذ يراقب المعلم السورى لدقائق ثم خاطبه بلهجة مصرية ذات مخارج حروف عراقية “يا معلم مش هينفع هنا في مصر الشغل دا، مش لازم تعمل كل سندوتش بنفسك، هنا الدنيا زحمة”.

كان العراقي ينقل له في جملة بسيطة جانب من خبرته التي اكتسبها من سنوات إقامته للمعلم الحائر الذي يبذل جهداً في الحديث مع الزبائن باللهجة المصرية. تبدت لى الروح الجديدة للمدينة التي عرفتها منذ أن كانت مساكن خاوية. روح قلقة لكنها ساكنها تبحث عن إقامة وتبنى مدينة لا تعرف هل تكون مدينتها بقية حياتها أم يكون للعودة موعد قريب.

أعداد السوريون في  6أكتوبر، تتجاوز تلك التي عرفنها مع العراقيين، وبينما كثير من العراقيين استغل 6أكتوبر كمحطة في تغريبة طويلة، يبدو السوريون مطمئنين أكثر للمدينة، يشترون البيوت ويتوغلون في قطاع العقارات، يفتحون المحلات ويعقدون شراكات طويلة مع آخرين مصريين، أمام محلاتهم يمدون النجيلة الخضراء المزروعة، لمسات السورى في فراغ المدينة تبدو واضحة، يتعاملون براحة كبيرة مع الفراغ، حتى مؤخراً في المناسبات الدينية أصبحوا يغلقون بعض الشوارع وينصبون مسرح في الشارع تغنى عليه فرقة حلبية موسيقي شرقية تراثية، يذهب الأطفال إلى المدارس ويكبرون عاماً في المدينة، ومن النافذة تأتى أصوات لهوهم تختلط فيها اللهجات مع بعض الكلمات الإنجليزية.. روح جديدة، وشيء ما يحدث هاهنا في 6 أكتوبر.

غواصه من الماضى

نشرت لأول مرة في عام 2011

أثناء اعتصام ميدان التحرير الممتد لـ 18 يوم والذي أطلق عليه بعد ذلك ثورة 25 يناير. كنت في طريقي من 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير حينما لمحت على الوصلة بين ميدان جهينة ومدينة الشيخ زايد فتاة تسير على الرصيف وترتدى بدلة غطس كاملة. أعنى بدلة ذات لون أسود، خزانة أكسجين في الخلف على ظهرها، نظارات مائية ضخمة، زعانف في الأقدام، حزام رصاص حول الخصر، كانت تسير بهدوء كأنها فوق مياة البحر الأحمر. توقفت عند بقعة ما وبدأت في إزاحة غطاء المجاري. اقتربت بالسيارة منها. توقفت على بضعة أمتار وفتحت النافذة مذهولاً وهى ببساطة تقفز داخل فتحة المجاري ثم تسحب غطاء البلاعة الثقيل كأنه ورقة وتعيده لمكانه خلفها وهى تختفي ببدلة الغوص تحت الأرض.

غاب مشهد فتاة الغواصة عن ذهني في مقابل ما كنت أراه طوال تلك الأيام، كما أنه لم يجد سياقاً مناسباً وسط أحاديث الأصدقاء والشئون والنميمة السياسية. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ يعنى هتقعد وسط ناس بتحكى عن مؤامرات الجيش والجنرالات والرصاص وقنابل الغاز وأنت تقطع هذا الحديث الشيق المفيد وتحكى مشهد فتاة ترتدى ملابس الغوص وتختفي في بلاعة مجاري على محور 26 يوليو.

بعد تنحى الرئيس طلب منى أحد الأصدقاء وهو مصور يعمل مع الوكالات الأجنبية المساعدة في سعيه لانجاز قصة عن أصحاب الخيول والجمال أبطال موقعة الجمل الشهيرة، تطلب الأمر مشاوير وأبحاث طويلة. رفضوا التصوير أو الحديث لكن في محاولة أخيرة قررنا زيارة المنطقة.

الزيارة كانت محبطة، وأنا شخصيا لم أكن متحمساً للموضوع. جلسنا على أحد المقاهى لشرب “سبرايت”. فجأة حانت منى لفتة للوراء شاهدت فتاة البلاعة، وهى تزيل نظارة المياه من على وجهه، وبجوارها أسطوانة الأكسجين، طلبت شاى خفيف سكر برا. رغم أن المكان كان قهوة شعبية ليس من المعتاد أن يجلس عليها النساء. لكن كل من كانوا في المنطقة كانوا يتعاملون معها بأريحية وكأنها جزء طبيعى من المكان، عامل المقهى وهو يضع الشاى تبادل منها بعض الجمل لم استطع تبينها. صديق اندهش هو الآخر وقرر التقدم ومحاولة فتح الحوار معاها لكنها رفضت بعنف. ثم قامت وحملت أسطوانة الأكسجين وقررت الانصراف دون حتي أن تحاسب على المشاريب، كأنها زبونة دائمة ولديها حساب مفتوح.

 

عادى

صادف ذات يوم أنني كنتُ عائدًا في وقت متأخر إلى 6 أكتوبر، حينما ظهرتْ لي فَجْأَة شرموطة عَاملة بالزي الرسمي، عباية سوادء دون طرحة، بل شعر أسود تسقط منه قُصةعلى جبينها، وتَحمل بالطبع حقيبة ضَخمة جدًا ذات لون فسفُوري.

للدقة فقد تجاوزتها ببطء وأخذتُ أرَاقبها من خلال مرآة السيارة وهي تنظر للسيارة. توقفتُ وعدتُ بالسيَارة إلي الورَاء. أغلقتُ الموسيقى. أنزلتُ الزُجاج وبكل براءة وأدب طفل سعيد: “حضرتك، رايحة مكان؟ تحبي أوصلك؟

باختصار ركبتْ، وكانتْ تريد الذهاب إلي الحي 12، وهو بعيد عن منطقة سكني حاليًا، لكن قضيتُ فيه فترة طويلة أيام سنوات الدراسة الجامعية، بالتالي كان لدي شوق وحنين قوي لزيارة مرابع الشباب، ثم سألتُها: “أنت رايحة فين في الحي الاتناشر؟فردتْ، وهي تعبث في حقيبتها: “عند الكشك الأخضر“.

سَقَطَت نظرة من عيني على صدرها الكبير، الذي ظهر جزء منه من تقويرته، ثم عدتُ ونظرتُ بتركيز إلى الطريق تفاديًا لأي مطب قد يظهر من تحت الأرض، أو يسقط من السماء، انتبهتُ لحركتها فنظرتُ فإذ بالشرموطة قد أخرجتُ سكينًا ناصعةً، ووضعتْ طرفها على حافة معدتي وهي تصرخ: “وقف العربية على جنب يا ابن المتناكة“.

نظرتُ للسكين، ثم لها، تمامًا كما الأفلام، وابتسمتُ في ثقة مكملًا القيادة بهدوء: إيه دا يا وزة؟، نغزتْ طرف السكين الضخمة أكثر في خصري، ثم نزلتْ به مرورًا بفخذي، حتى أصبح السكين بين فخذيّ، وطرفه ينغز بالضبط في زبري المنكمش خوفًا.

—— —

من قصص مجموعة لغز المهرجان المشطور