الشك باليقين -3 – سلسلة هزلية غير مكتملة

استيقظت على حذاء جلدى متسخ يهزنى. وصوت أجش يقول بتهكم “اصحى أنت فاكر نفسك نايم عند حماتك”. بذلت مجهوداً في السيطرة على انفعالي حتى لا يظهر الامتعاض على وجهى ثم اعتدلت على الفرشة جالساً. كان “منمون” في لباس مدنى، خاطبنى:

-قوم.. زيارة.

أخذنى من الزنزانة إلي قاعة الاستقبال في القسم حيث وجدت عطيات وصديق البار. ما أن رأتنى حتى وقفت وهى تغالب دموعها. عانقتها ثم صافحت صديق البار. أفهمنى أنه استطاع من خلال أحد معارفه ورشوة بسيطة تدبير تلك الزيارة المبكرة في غير مواعد الزيارة الرسمية في القسم والتى تكون في المساء. قال أن المحامى طمأنه. صحيح أن العقوبة هى الحبس التأديبي مدة غير معلومة كما تقتضى قواعد الحبس التأديبي لكن مثلما يعنى هذا أن المدة قد تصل لثلاثين شهر فقد تكون أيضاً ثلاث أسابيع كما ينص الحد الأدنى للعقوبة التأديبية غير المعلومة.

في القانون الامبراطوري الحبس التأديبي يختلف عن الحبس العقابي، فالأخير يكون بسبب جنحة أو جريمة محددة الأركان يستحق المدان عقوبة محددة لها. أما الحبس التأديبي فيكون لخروج الجانى عن روح القانون أو الناموس الامبراطوري أو تقاليد المجتمع أو العرف الدينى وتقرير ذلك متروك لروح القاضي. ولأن الغرض منه تأديب الروح لا عقاب الكينونة أو الجسد على فعل مادى تم ارتكابه فالحبس يكون منزوع الأمل بحيث لا يعرف المدان متى سيخرج ليغرق داخل ذاته ويراجع حياته منتظراً رحمة روح النظام الذي تعدى على روحه وهيبته. لكن المحامى مطمئن فمازال أمامنا درجتين للتقاضي وهو واثق من البراءة أو تخفيف الحكم أو إيقاف تنفيذه في درجات التقاضي القادمة. صحيح أن الاجراءات قد تستغرق أسابيع لكن من يدري ربما تنتهى مدة الحبس قبل حتى أن تبدأ إجراءات الدرجة الثانية من التقاضي.

لاحظت عطيات وجومى وأنا استمع لسرد صديق الحانة. وضعت كفها على يدى وهمست “متقلقش أنا كلمت مجدى بيه، ووعد أنك هتقضي المدة في سجن كويس، كل شئ سيكون على ما يرام، كل شئ سيمر سريعاً” أطبقت على يدها بكفي يديا الاثنين “لا تقلقى أنا بخير”.

أشارت عطيات إلي الحقيبة القابعة أسفل قدميها. قليل من الطعام، غيارات داخلية، كتاب لتزجية الوقت عن “إيزيس وعبادتها” كنت اقرأ فيه وتركته بجوار الفراش، سألتنى عما احتاجه، ولم أهتم إلا بطلب أقلام للكتابة، ووصفت لها مكان الأوراق وأين تجدها وأن تقوم بتصوير نسخة منها وإحضارها إلي. لوت شفتيها المكتزتين لكن لم تعترض ثم تلفتت حولها “وهل سيسمحون بدخولها” سألت. ضغطت على كفها “سنتصرف” جاوبتها.

فتحت الحقيبة وأخرجت لفافة منها “طيب كُل معايا، أنا عملت لك أكتر حاجة بتحبها سندوتشات كبدة ومسقعة”. عزمت على بسندوتش ثم على صديق البار.

بينما نتناول الطعام، دخل ضابط إلي القاعة بصحبة اثنين أصغر سناً منه، نظر نحونا ثم خاطب أحد الضباط بصوت عالى “مين دول، وليه قاعدين هنا؟” التفت الضابط الشاب حوله، فهرول ميمون نحوه وانحنى على أذنه هامساً بينما أكمل الضابط الكبير طريقه نحو غرفة كتب عليها “غرفة الأحراز” تبعه الضابطين الشابيين والميمون، ثم تعالى صوت الضابط الكبير من داخل الغرفة “مفيش الكلام دا، الزيارة في ميعاد الزيارة بس”. توتر صديق البار وبدا كمن يعتذر بلا كلام. خرج الضابط وهو يشعل سيجارته، بينما هرول الميمون نحونا وقد فهم صديق البار فقام واقفاً مستأذناً في الانصراف.

خرج الثلاثة من القاعة؛ صديق البار والميمون وعطيات بصحبتهما تتهادى بجسدها الملفوف في ثوب طويل أخضر ملتصق بجسدها مظهراً حدود ملابسهما الداخلية على كفلها الكبير الرجراج. شمس الظهيرة كانت تغرق الساحة الخارجية للقسم، ويسقط ضوئها عابراً باب قاعة الاستقبال مشكلاً مستطيل كبير المساحة على الأرض وقف فيه الضابط متابعاً خروجهم من باب القسم الخارجي أو للدقة خروج مؤخرة عطيات التى لطالما لفتت الأنظار. هز سيجارته بين أصابعه فسقط رمادها على الأرض، استدار برأسه نحوى “زوجتك؟”

لا مهرب ولا يمكن لمسجون أن يتحاشي سؤال سجانه. أول الدروس كما أن الحقيقة ليس ضرورياً أن تجلب المنفعة. نعيش مع بعض منذ سنوات لكن أبداً لم يكن الزواج بالمطروح، وعطيات لم تكن تجد للأمر داعى وأنا بعد تجربتى الوحيدة المشؤمة لم أجد في الأمر أى إغراء لتكراره. مع هذا أجبت الضابط على سؤال:

-نعم حضرتك.

* * *

اعتمد الجهاز الشرطى في تركيبة قبل العصر الامبراطوري على ثلاث فئات رئيسية، الضباط برتبهم الجمهورية المختلفة ويتخرجون من كلية الشرطة بعد دراسة لمدة أربعة أعوام، ثم أمناء الشرطة وهم من الفئات التى لم تكمل تعليمها الثانوى لأسباب مختلفة سواء لضعف قدراتهم العقلية والثقافية أو لظروفهم الاجتماعية أو الاقتصادية حيث يلتحقون بمعهد لإعداد الأمناء لمدة 18 شهر ثم يتم إلحاقهم للعمل كمعاونين للضباط. والفئة الثالثة هم العساكر المجندين الذين يتم اختيارهم من المجندين اجبارياً في الجيش حينما كان التجنيد إجباري في زمن الجمهورية حيث يعملون بدون أجر تقريباً في آخر السلم الوظيفي بجهاز الشرطة.

وحيث أن الأمناء كانوا يقيمون بغالبية العمل تقريباً دون أى تقدير معنوى لجهودهم وبفارق كبير في العائد المادى بينهم وبين الضباط، بل وحتى لم يكن مسموحاً لهم بالعلاج في ذات المستشفيات التى كان يعالج فيها ضباط الشرطة أو حمل السلاح في غير أوقات العمل إلي جانب العشرات من أوجه التمييز والتميز المختلفة، فقد استغل الأمناء فترة السيولة والاضطرابات التى سبقت التحول الامبراطوري، وأخذوا يضغطون من أجل الحصول على الكثير من الامتيازات والمساواة مع الضباط. ومع قيام الامبراطورية وبدأ الاصلاحات الأساسية النظامية تقرر لانهاء هذا التنافس وانعدام السماواة بين الأمناء والضباط حل معهد أمناء الشرطة وتحويل الأمناء لضباط صف. ليقتصر تركيب الجهاز الشرطى على فئتين؛ الضباط والعساكر المجندون.

 العساكر لا يمكن الاعتماد عليهم لأنهم مجندون لفترات زمنية محددة، وغالباً لا يتقنون القراءة والكتابة. والأهم أن الضباط لم يشعروا أنهم ضباط بلا أمناء يصدرون لهم الأوامر ويعتمدون عليهم ويشكلون نافذة تعامل بينهم وبين المدنيين. هنا برز “المنمون” كوسيط مدنى محسوب على السلطة القانونية لا الشرطية.

برزت الحاجة إلي الميمون في كل الجهاز الاداري للامبراطورية لا الشرطي فقط. فكان الحل في افتتاح “الجبلاية الإدارية العليا” وهى معهد بفروع منتشرة على طول وعرض الإمبراطورية. الدراسة فيه لمدة تسع شهور. تحصل بعدها على شهادة معتمدة من إدارة الجبلاية العليا التابعة للمشروع الامبراطوري لتأهيل الشباب. ثم تتقدم لدفع عربون لأى مكتب حكومى يحتاج لميمون، لتحصل على كارنيه “ميمون” معتمد من تلك الوزارة أو الإدارة الحكومية أنك ميمون رسمى تابع لا منتمى لها، وأحياناً تمنع بعض الادارات الحكومية والامبراطوية مع الكارنية طيلسان ترتديه وقت الخدمة حتى يسهل تميزك عن المواطنيين المدنيين والموظفيين الامبراطوريين. بعض الهيئات تمنح “الميامين” التابعين لها زى رسمى وتجبرهم على ارتدائه أو الالتزام بألوان وقواعد تفصيلية ولونية في الملابس. لا يتقاضي الميمون أى أجر رسمي من الهيئة التابع لها فهو ليس موظف وليس لديه مواعيد عمل رسمية، بالتالي فلا يحمل الجهاز الإداري للدولة وميزانيتها أى أعباء إضافية. بل يحصل على أجره بشكل مباشر من المواطنين المتعاملين مع الهيئة.

لنفرض أنك دخلت إلى مكتب إداري ما من مكاتب الإدارة الحكومية الإمبراطورية سواء كانت هيئة عليا أو سفلي  أمنية أو اجتماعية أو خدمية، وذلك لإنجاز معاملة رسمية ما من أى نوع. لنفرض أن هذه المعاملة تطلب منك المرور على ثلاث مكاتب حكومية وإضاعة يوم كامل وربما أكثر من وقتك، هنا يظهر لك الميمون يتقاضى أجره/ إكراميته وينجز لك المعاملة. هكذا قلص ظهور الميمون الوقت الذي تستهلكه البيروقراطية الإدارية، وقضي على الرشاوى والفساد من خلال تقنينه، وكل هذا بدون تحميل الموازنة العامة أعباء مالية إضافية التزاماً بقرارات وشروط صناديق النقد ومعابد الدولار ومؤسسات التمويل والتصنيف الائتمانى الدولية

 

9a5fa0a9a32f970ca10ebf1697de7632
لوحة استشراقية تعود لزمن الاحتلال الفرنسي للجزائر للفنان Horace Vernet

 

الشك باليقين -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.

 

الشك باليقينن -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.