ريشار جاكمون: أحمد ناجى استخدام الحياة والزومبي

ما إحساسك عندما تعلم أن مؤلف الرواية التي قرأتها واستمتعت بها على مدار الأيام القليلة الماضية حُكم عليه بالحبس عامين لخدش الحياء العام؟ تقول ها هو اسم آخر يضاف إلى القائمة. فهناك آلاف المواطنين أمثاله ملقى بهم في السجن، يتعرضون إلى شتى الانتهاكات، بلا محاكمة عادلة ولا حتى محاكمة صورية -بعضهم محبوس لارتدائه تي شيرت، وبعض آخر للتظاهر ضد القانون الذي يحرمه من حقه في التظاهر، وغيرهم الكثيرون محبوسين لأنهم تواجدوا في المكان الخطأ بالوقت الخطأ.

لقد أمضيت الأسبوعين الماضيين حزنًا على جوليو ريجيني. تحاول مع أصدقائك وزملائك الإيطاليين والمصريين وغيرهم التكهن بأسباب قتله وعواقبه، وتفكر في مسؤوليتك الشخصية تجاه طلابك. تتذكر زميلك عاطف بطرس، واحد من أفضل وأشجع الباحثين المصريين الذين قابلتهم خلال السنوات القليلة الأخيرة، وقد مُنع من دخول بلده وأُرسل ليعود إلى ألمانيا في اليوم السابق لوصولك مطار القاهرة آخر مرة. ما العمل؟ ما الذي يمكنك فعله هنا في فرنسا سوى أن تنفث عن غضبك على فيسبوك وتوقع على العريضة المعتادة؟

إلا أنك ما تلبث أن تتذكر أنك قد قرأت “استخدام الحياة” لا بغرض الترفيه فقط وإنما أيضًا لأنك قد كرست معظم حياتك المهنية لدراسة وترجمة الأدب المصري، وأن ذلك يلقي على عاتقك مسؤولية من نوعٍ خاص. تتذكر قصة بيير رابحي عن الطائر الطنان. قد لا يكون اسم بيير رابحي معروفًا للقارئ المصري، لكنه واحد من أكثر المفكرين المؤثرين في مجال البيئة في فرنسا. حدثنا رابحي عن هذه الأسطورة من تراث الأمريكيين الأصليين:

ذات يوم كان هناك حريق هائل في الغابة. شعر جميع الحيوانات بالذعر وقلة الحيلة وهم يشاهدون الكارثة. خاف الجميع عدا الطائر الطنان، الذي أخذ يطير ذهابًا وإيابًا ما بين الحريق وبركة مياه، ليلقي في كل مرة بضع قطرات مياه على اللهب. انزعج حيوان المدرع العجوز من هذا الحماس المثير للشفقة وصاح به: “كف عن هذه الحماقة! لن تطفئ الحريق ببضع قطرات من المياه تلقي بها واحدة تلو الأخرى!”، رد عليه الطائر الطنان قائلًا: “أعلم هذا، لكني أقوم بدوري.”

لحسن الحظ يبدأ العديد من الناس من حولك في التحرك، وبعد بضع ساعات تجد نفسك حلقة في سلسلة التضامن التي تمكنك من القيام بدورك بأفضل طريقة ممكنة. تتصل بك إحدى معارفك القدامى، والتي تعمل حاليًا مع الجامعة الدولية لحقوق الإنسان (IFHR). تسألك إن كنت ترغب في التوقيع على بيان أعدته الجامعة وترجمة الفصل المُجرَّم من الرواية باللغة الفرنسية. هذا أقل ما يمكنك فعله. تبعث الفصل إلى زميلك فريدريك لاجرانج وتعود إلى العمل على الرواية.

تعد الترجمة أقرب ما يكون إلى “القراءة المتمعنة”، ولذلك فهي على الأرجح أضمن طريقة لاختبار جودة النص. ومع ترجمة السطور الأولى تشعر أن نص أحمد ناجي يجتاز الاختبار بنجاح. أمامك كل ما تقدره في النص الأدبي: المباشرة والسخرية والصدق. ومن ضمن ما تجده علاقة الحب والكراهية مع القاهرة، والتي تربطك بها والعديد من المصريين من كل الأعمار. تستمتع بقدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويزيد ذلك من إعجابك به. إنه دليل آخر على حداثة الرواية العربية. فقد حاربت أجيال من الكتاب العرب لأكثر من قرن من أجل حرية التعبير عن أنفسهم، كيفما يحبون، وكما هم. تتذكر النص الاستهلالي في رواية “تلك الرائحة” (1966) حيث اقتبس صنع الله إبراهيم قول جيمس جويس: “أنا نتاج هذا الجنس وهذه الحياة. ولسوف أعبّر عن نفسي كما أنا.” ناجي ابن بار لهذا التاريخ.

في نهاية الفصل وفي منتصف المشهد الجنسي الذي يُزعم أنه قد أزعج قارئ “أخبار الأدب” وجعله يقيم الدنيا ويقعدها، تمر بفعل لم تشهده قط في آلاف صفحات الأدب العربي الذي قرأته: “رهزتها.” وكما هو معتاد في تلك الحالات تظن للوهلة الأولى أنه خطأ مطبعي، لكنك تجد أنه تفسير غير معقول. تعود إلى المرجع المقدس: النسخة الإنجليزية من قاموس هانس فير العربي الألماني. القاموس لا يضم الجذر. تزداد فضولًا. كاتب معاصر يستخدم جذرًا نادرًا لدرجة أن هانس فير لم يقر به، لا بد وأنه قارئ جيد للتراث العربي -وهي نقطة أخرى تحسب لناجي. تبحث على موقع لسان العرب على الإنترنت من خلال محرك الباحث العربي وتجد الكلمة:

الرهز: الحركة. وقد رهزها المباضع يهرزها رهزا ورهزانا فاهترزت: وهو تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة.

مذهل! هذا واحد من الأسباب التي جعلتك تقع في غرام هذه اللغة منذ أكثر من 30 عامًا، وما زال تأثيره فعالًا. ما زال هناك مجال لاكتشاف فعل عربي كلاسيكي من كلمة واحدة ذي معنى دلالي دقيق لا تجد له نظيرًا في اللغة الفرنسية، ويأتي ذلك في سياق رواية نشرت قبل بضعة أشهر. وأي معنى هذا: “تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة” -ونلاحظ أن لسان العرب يغفل الفروق النوعية بين الرجل والمرأة.

تتأمل الأمر لفترة لا يستهان بها، بينما تبحث عن فعل فرنسي من كلمة واحدة ينقل المعنى نفسه، ويكون وقع كل الكلمات التي تجدها فجًا بالطبع، بالمقارنة مع هذا الفعل العربي الممعن في القدم على نحو ساحر، ولا تجد أي مقابل يوحي بمعناه الدقيق. هل فهم القارئ المنزعج المعنى الحقيقي لكلمة “رهزتها” قبل أن يغيب عن الوعي؟ هذا لا يهم. المهم هو أنه كان هناك وقت يكتب فيه الشعراء والكتاب وعلماء الدين وكثيرون غيرهم ممن يكتبون بالعربية مستخدمين كلمات كهذه. وقت لم يخجل فيه زملاؤهم الذي جمعوا معاجم العربية الفصحى من إدخال هذه الكلمات في معاجمهم مع ذكر المصادر والاشتقاقات والمعاني. كما تجد أيضًا جذر كلمة “نيك” (نكح) في لسان العرب، لكنك لا تجده في أي معجم عربي حديث.

وتلك واحدة من أغرب تأثيرات عصر النهضة العربية وأكثرها خفاءً. لم تكتف النخبة المثقفة في عصر النهضة باستيراد الحس القومي والرواية والعديد من المنتجات المادية والثقافية من أوروبا، بل استوردت أيضًا القيم الفيكتورية الدخيلة على الثقافة العربية وسعت إلى فرضها على المجتمعات، وحدث ذلك بمساعدة النموذج الإسلامي الوهابي الذي دعت إليه الدولة السعودية في عقود لاحقة.

لم تكف المجتمعات العربية قط عن رعاية شتى أنواع ومساحات مقاومة هذا الإخصاء الأخلاقي المفروض من قبل النخبة، علمانية كانت أم دينية. وقد يكون الأثر الأكثر عمقًا والأطول أجلًا لثورات عام 2011 نابعًا من زعزعتها لهذا النمط الأبوي والبطريركي والتطهري للهيمنة الاجتماعية وإحداثها صدع به. هذا أكثر ما يخيف السلطات الحالية، ولهذا السبب فعدوها الأول ليس “الإرهاب،” أيما كان معنى هذه الكلمة، بل هذا الشباب المتمرد الذي نزل إلى الشوارع في 2011، والذي ينتمي إليه ناجي وأقرانه، ويعبرون عنه.

تصادف أن تعرفي الأول على كتابات ناجي كان قد جاء قبل بضعة أيام من سفري إلى القاهرة في يناير الماضي، وكان ذلك من خلال نص قصير نشر في كتاب “Génération Tahrir” (“جيل التحرير”) الذي اشترك في كتابته مع بولين بوجنيه (صور) وعمار أبو بكر (رسوم)، ونشر في مارسيليا (عن دار لو بيك أون لير Le Bec en l’air). في هذا النص القوي تحت عنوان “وداعًا للشباب” يضع ناجي الشباب في مقابل “الزومبي.” قبل الثورة “كان الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق.” ثار الشباب، لكن الآن وبعد مرور خمس سنوات قرر الشيوخ والزومبي والجنرال “أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودي بك إلى السجن.”

وسأترككم مع خاتمة ناجي:

“هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.”

عبد الله غنيم: نبؤة القاهرة في رواية “استخدام الحياة” و “عطار

كان يمكن للإسكندرية، استكمالًا لدورها تحت الحكم الروماني، أن تظل عاصمة لمصر حتى بعد الحكم الإسلامي، فقد خطَّط عمرو بن العاص للإبقاء عليها عاصمة لولايته بعد غزوها في 641 ميلاديًا، إلا أن خطابًا ورد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جاء فيه أن “لا تجعلوا بيني وبينكم ماء، فمتى أردت أن أركب راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت”، فغيّر عمرو خطته ليعود من شمال غرب النيل لشرقه، وينشئ مدينة الفسطاط، بجوار حصن بابليون – حي مصر القديمة حاليًا، وهو النواة الأولى لما سيعرف بالقاهرة في ما بعد.

بعد أكثر من 300 عامًا من وجود العرب المسلمين في مصر، توالت عليها فيها أربع دول، نشأت القاهرة. في الأول جاء قائد بأصول أوروبية، وبولاء للمعز لدين الله الفاطمي، اسمه جوهر الصقلي بجيش قوامه 100 ألف جندي، فرض به سيطرته على “مدينة مصر”، بحسب اسمها القديم، دون حرب، ومن الليلة الأولى لوصوله وضع الأساس للمدينة الجديدة “المنصورية”، وضمَّ بها المدن القديمة؛ الفسطاط والعسكر وما تبقى من القطائع، وبنى الجامع الأزهر.

بعد أربعة أعوام كانت المدينة مستعدة لاستقبال الخليفة الفاطمي، الذي انتقل بعائلته ورفات آبائه ودولته من المنصورية –جوار القيروان- إلى منصورية مصر، ليسميها القاهرة، التي تقهر الدنيا. وكانت تلك بداية الدور السياسي التاريخي للقاهرة، فبعدما كانت ولاية تابعة صارت مركزًا لإدارة جديدة للخلافة الإسلامية، تناطح سطوة الخلافة العباسية في بغداد على زعامة الدولة الإسلامية. ومنذ تأسيسها اتسعت القاهرة، حتى صارت القاهرة الكبرى المعروفة حاليًا.

نبوءة الجحيم

تصلح مدينة القاهرة لاستضافة فعاليات عديدة للجحيم، الجحيم اليومي الحالي الممثل في الانتقال بين نقطتين عبر كوبري أكتوبر مثلًا، أو في قاهرة 455 هجريًا، كما يرسمها الكاتب محمد ربيع في روايته “عطارد”، الصادرة عن “دار التنوير”، حيث صخر الخزرجي الشاب ابن الموت، الذي يموت ويُبعث في عام 455، لينذر الناس أنهم في الجحيم خالدين، أنهم “ما كانوا وما عاشوا، أنهم عاشوا على الأمل ولا أمل”. جحيم يضم الحشد المرعوب المسيّر كالموتى يوم الحشر؛ يصرخون أن “اللهم اقبضني”، رجل يلطم وآخر يصرخ أنه يلد، ويرى الواقفون المولود يشبه الكلب، قبل أن يعوي الجميع فيما يشبه الصراخ ولا يدرون أنهم يعوون. تنطق جثة صخر: “أنتم ميتون، كلنا ميتون” ليسأله أحد الواقفين: “كيف متنا ونحن نقف أمامك؟” فيرد أن “كلنا نقف في الجحيم”، كانوا يمشون في شوارع القاهرة الفاطمية، في عهد المستنصر بالله، تحديدًا قبل الشدة المستنصرية التي ضربت القاهرة بعامين، كأنها إرهاصة لما قبل الجحيم الذي ستعيشه القاهرة لسبعة أعوام، وسيقضي على أكثر من نصف السكان، مع مجاعة يأكل فيه الناس الكلاب، تتخللها أعمال السلب والنهب وعموم الفوضى. واشتدت تلك المجاعة حتى لم يجد الناس شيئًا يأكلونه، فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا. وتكونت فرق اصطياد البشر بغرض أكلهم، في جحيم سيغير خريطة القاهرة للأبد.

كان النيل في فيضانه يغطي اليابسة من حوله، وتصل المياه لحدود المنصورية، فأنشأ جوهر الصقلي، ضمن ما أنشأ، قنطرة سُميّت بـ”المقسي”، تقع عند الأزبكية حاليًا، وبعد نحو 300 عام سيتوقف النيل عن الجريان وتنحسر ماؤه لسبع سنوات عجاف، في ما عُرف بـ”الشدة المستنصرية”، وستجف المقسي وينبت بها الزهر والشجر حول البرك لتسمى بـ”بستان المقسي”، ثم “بركة بطن البقرة”، وفي عهد المماليك سيأتي أمير اسمه أزبك ليمهِّدها ويُجري إليها الماء من النيل ويسميها “بركة الأزبكية”. يصعد ويهبط نجم حي الأزبكية، مع المماليك ثم الفرنسيين، ثم يصير مع الخديو إسماعيل حيًا أوروبي العمارة في قلب القاهرة، تسكنه الطبقات العليا من المجتمع، حتى تأتي حركة الضباط في 1952، ويتحول معها الحي وتتغير علاماته، ليصبح مسرح حديقة الأزبكية هو المسرح القومي، وتتحول العتبة الخضراء إلى سوق لكل شيء.

في هذا الميدان سيجلس النقيب أحمد عطارد، في قبة سماوية تحملها أربعة تماثيل أعلى مبنى تيرينج الشهير، سيصطاد الناس من حوله، بموضع يتيح له قتل الناس. ببندقية قنصه وصناديق من الذخيرة سيقتل المارة عبر ميدان العتبة وميدان الأوبرا وكوبري الأزهر. سيقتل كل من يقع تحت منظار بندقيته، البائع والمشتري، السيدة والشابة. سيضع أسماء لضحاياه. سيظن نفسه ملاكًا وشيطانًا يخلص الناس من عذابات جحيمهم، أو يرسلهم لجحيم جديد.

يحدث هذا في قاهرة عام 2025. أصبح ميدان العتبة مسرحًا لقتل عشوائي، لم يتبق من تمثال إبراهيم باشا المميز لميدان الأوبرا غير ثلاث قوائم لحصانه، بعدما نُشرت رأسه وسُرقت أجزاؤه الواحد تلو الآخر. بعد غزو مصر تحت أقدام وتحليق طيران نحو نصف مليون فرد من جيش فرسان مالطا، تتحول القاهرة لديستوبيا حقيقية؛ تخلو جزيرة الزمالك من السكان، في حين تظل القاهرة الغربية -مدينة الجيزة غربي النيل- “محررة وتحت سيطرة المصريين تمامًا”، رغم تعرض بعض مبانيها للهدم بسبب القصف. تصور الرواية تعرض معالم القاهرة في بداية الاحتلال عام 2023 للقصف والتدمير والانهيار التام، وتشمل مبنى جامعة الدول العربية والبنوك والفنادق ودار الأوبرا والوزارات.

في القاهرة المحتلة من فرسان مالطة، وتحديدًا في شرفة برج القاهرة، يصف العقيد أحمد عطارد القاهرة كما يراها بعيني قناص؛ مبنى ماسبيرو رجل بمؤخرة ضخمة وردفين هائلين، وصدر وجذع نحيلين، ومبنى الخارجية رجل أوروبي طويل القامة بعمامة شرقية، ركام فندق هيلتون النيل الذي تهدم مع بداية الاحتلال هو سائح أمريكي سكران سقط ولا يدري شيئًا مما حوله.

رسم ربيع عالم روايته بدقة بالغة. في قاهرة عام 2025 تهدمت الأبنية التقليدية في العاصمة المصرية، في جحيم متخيل/متوقع إذا ما تعرضت مصر لاحتلال بلا مقاومة كما في فصول 2025 في “عطارد”؛ انتحار الناس في الشوارع قفزًا من الجسور والأسطح، القتل والسرقة والاغتصاب، خاصة بعد رحيل فرسان مالطا المحتلين بلا سبب، تقنين الدعارة وتعاطي الناس لمخدر جديد يُصنع من الحشرات اسمه “الكربون”. هذا حفل يأس لا نهائي، القاتل القناص فيه يخلِّص الناس، بقناع بوذا الذي لا يعرف القنص بغيره، وفعل القتل يصير مقدسًا على نحو ما. وحين يتوقف عن القتل، سيبحث الناس عنه، سيهتفون “أين ذهبت؟ عد واضرب”. إنّهم في الجحيم، والموت ينقلهم إما إلى الجنة أو إلى جحيم جديد لا يذكرون فيه جحيمهم السابق.

نبوءة بحر الرمال

هذه قاهرة لا تقهر الدنيا، بل تقهر نفسها وتشهد نهايتها، أو بالأحرى نهاياتها التاريخية، وقد تأتي النهاية على يد جيش محتل، لا خطط استعمارية لديه، أو بكارثة بيئية، تحيل الأخضر للأصفر الصحراوي، كما في رواية “استخدام الحياة- دار التنوير” للكاتب أحمد ناجي، فيما يُعرف بـ”تسونامي الصحراء”، الذي تغرق فيه القاهرة المحدودة ما بين المعادي والجيزة ومدينة نصر وشبرا تحت أطنان من الرمال، وشلالات الرمال المنسابة من كباري المدينة. خليط من الرياح الساخنة والعواصف والرطوبة يدوم لأكثر من أسبوعين بلا انقطاع، تتبعه عدة زلازل وهزات أرضية، ثم زلزال عظيم وتشققات أرضية تبتلع شوارع كاملة وتغير وجه المدينة المألوف كما تغير مجرى النيل، وبدلًا من خلو جزيرة الزمالك من السكان في “عطارد” محمد ربيع، فهي تختفي بالكامل هنا، تتهدم الأهرامات وتتحول لكومات من الأحجار. كل ما يميز الوجه الحضاري والتاريخي للقاهرة ينتهي متحولًا لصحراء، القاهرة الفاطمية والخديوية تصبح خرائب باستمرار العواصف الترابية، وتنتقل العاصمة للقاهرة الجديدة.

كل هذا يحدث في قاهرة مستقبلية، في زمن وسط بين أزمنة الرواية الثلاثة، والتي تدور بكاملها عن القاهرة، ويعلِن خلالها بطل الرواية “بسام بهجت” سخطه تجاه القاهرة الكبرى، زمن يحوي وصفًا للقاهرة الكبرى المعاصرة، بزحامها وسكانها وعمارتها العشوائية، الطريق الدائري والمجتمع المتاخم له، أكوام الزبالة ومزارع الخنازير.

بالتزامن مع لقاءاته العملية كباحث ومعد للأفلام التسجيلية يحضِّر بهجت أفلامًا عن عمارة القاهرة ويتورّط مع “جمعية معماريي المدن”، جماعة سرية أزلية التكوين، تدين بالمعرفة وتبحث في عمارة المدن حول العالم، وتهتم بالقاهرة “أم المدن” بحسب وصف إحدى عضواتها. في هذه الرحلة يتبدى بحث الكاتب في تاريخ عمارة القاهرة.

يحكي إيهاب حسن، أحد الأعضاء البارزين بجمعية معماريي المدن قصة أسطورية، عن قوم من جماعة قابيل ابن آدم، أول من اخترع الزراعة والقتل، وهما أول خطوتين في تأسيس المدينة، أن قافلة من سبعين راكبًا على رأسها نقراوس الجبار بن مصراييم بن مركاييم بن دوابيل بن مرباب بن آدم ظلت سائرة، حتى وصلت للنيل فأعجبها فيضه، واستقرت إلى جواره ومنحوها اسم التلميذ “مصراييم” فصارت مصر. صنعت حضارتها ومدنها، وتبدلت عواصمها عبر التاريخ حتى صارت القاهرة، بكل دورها السياسي والتاريخي في الماضي، أو تغيراتها الجغرافية والديموغرافية المعاصرة، مقالب الزبالة والزحام والتكدس فيها، مركزيتها واستقبالها للملايين يوميًا، فضلًا عن الملايين من سكانها، بعقدهم الاجتماعي الذي يفرض عليهم مزيدًا من الضغط والرقابة المتبادلين بين أفرادهم، وإيذاء بعضهم بعضًا لمجرد أن أحدًا يستطيع ذلك.

حلول أزمة القاهرة كمدينة تأتي على حساب مركزيتها، علاجها يأتي عن طريق التخلص منها. تطرح بابريكا، إحدى عضوات جمعية معماريي المدن، علاجًا للواقع الكابوسي للقاهرة وعشوائيتها وزحامها، هو تحويل مجرى النيل بعيدًا عنها، أي سحب الميزة الأهم لها، وهكذا تذوي المدينة وتفقد رونقها، وتقل كثافتها السكانية لصالح مدن عمرانية جديدة، ما يتيح الوقت والفرصة لعلاج قلب المدينة القديمة، أو اعتباره منتجعًا تاريخيًا مفتوحًا.

تأتي العاصفة “تسونامي الصحراء” متبوعة بالزلازل والتشققات الأرضية، يتحول مجرى النيل، تذوي المدينة لصالح مدينة جديدة. وكما تغيرت القاهرة تغير العالم، وخضع لحكم تحالف اقتصادي يضم 99 شركة، تتحكم بها بابريكا المهيمنة على شركة “معمار”. يتحكم التحالف في كل شي، من الزراعة لصناعة الأدوية والأسلحة والتحكم بشبكة إنترنت عالمية. أصبحت مدينة أكتوبر الجديدة تطل على النيل وعلى بحر رمال برتقالية تمتد وتحمل العديد من المراكب الشراعية المعتمدة في حركتها على حركة الرياح ومد وجذر الرمال. تبتلع رمال ناعمة السيارات وتحمل السفن. تضم مشهدًا سورياليًا كما في لوحة سلفادور دالي “إصرار الذاكرة”، صحراء ممتدة وساعات متدلية ستعرف باسم “صحراء دالي”. لا قاهرة في المستقبل، فقط رمال وصحراء ومعمار جديد، ههنا في المستقبل قاهرة سيريالية يقود فيها القرود المناطيد في بحر الصحراء.

هنا القاهرة، مدينة صالحة للجحيم المتجدد ما بين العصور، مدينة سيريالية ولا تزال تحتمل فرص أكثر للسيريالية وسيناريوهات النهاية، ماتت وولدت مرات عدة وتبشر بنهايات وميلادات أكثر، كما تبدو في كتابة روائيين شابين صدر عملاهما عنها عام 2014، أي بعد ثلاثة أعوام من الثورة، وفي مطلع فترة حكم يعتبرها كثيرون هي الأسوأ في تاريخها.

%d bloggers like this: