يحيا الفن الزائل

نشر هذا الموضوع في صيف 2011 في أخبار الأدب، وحصل على جائزة دبي للصحافة العربية كأفضل موضوع ثقافي عام 2011.

جنزير، موفا، التنين، ملكة جمال الأزاريطة كلها ليست أسماء خيالية، بل ألقاب لفنانين شباب يمثلون أيقونات المشهد الفني المصري الآن. أعمال هؤلاء الفنانين لن تجدها في جاليرهات يرتادها أصحاب رابطات العنق، ولا في قاعات عرض وزارة الثقافة. أعمالهم ستجدها معروضة في جاليري كبير ومفتوح اسمه المدينة. ستجد أعمالهم علي جدران القاهرة، الإسكندرية، أسيوط وربما مدن مصرية أخري. اختار هؤلاء الفنانون ا الجدران العامة مكانا للعرض ورجل الشارع العابر جمهوراً له. هذا فن ينتشر في المدن المصرية ويحمل اسم “الجرافيتي”. يقوم به في الغالب أشخاص مجهولون، وفنانون لا يضعون توقيعاً بجانب أعمالهم. كل ما يطمحون فيه تلك اللذة السرية في التواصل المباشر مع الجمهور وفي إعادة تلوين وجه مدينتهم. في مقابل جهات رسمية كجهاز التنسيق الحضاري تدعي الحفاظ علي وجه المدينة ولا تقدم إلا إعادة طلائه كله باللون الأصفر كأننا في مدينة مريضة. نحاول في هذا الملف الوقوف علي تفاصيل مشهد “الجرافيتي” في مصر، والتعرف علي الاتجاهات الرئيسية في هذا الفن كمفتتح للاقتراب من روح المدينة المصرية الجديدة.

العم عمرو

في ربيع 2007 استيقظ سكان حي مصر الجديدة ذات يوم ليجدوا علي طول شارع الميرغني عددا من الرسومات الغريبة تحتل الحوائط، أعمدة الكباري، والأرض. الرسومات التي جاءت بدون إمضاء حملت أيقونات متنوعة. حذاء عسكري ضخم بحجم انسان، صورة ضخمة لعمرو دياب في الثمانينيات، كائنات خيالية وآخري مشوهة، ووسط كل هذا رجل ماكدونالدز يجري فاتحاً ساقيه.

هيئة بلدية الحي الراقي والذي توليه محافظة القاهرة أهمية كبيرة نظراً لموقعه وطبيعة ساكنيه الاجتماعية لم تنتظر أي أوامر وتحركت بهمة ونشاط خلال أيام معدودة لطلاء كل هذه الأعمال الفنية وإزالتها فوراً شارك بالطبع بعض الجمهور المتطوع. لكن شاءت الصدف أن يسجل المخرج الشاب أحمد عبد الله هذه التجربة بالصور والنص علي مدونته “http://o7od.blogspot.com” ليحفظ لنا أول تجربة لحركة جرافيتي في تاريخ المشهد الفني المصري. مبادرات الجرافيتي قبل ذلك كانت مبادرات فردية من هواة يستغلون الجدران للدعاية السياسية والتجارية لكن ما حدث في “مصرالجديدة” كان أول حركة فنية منظمة تحاول تغيير صورة القاهرة.

بداية هذه الحركة كما وثقها عبد الله كان عبر الانترنت حيث تجمع مجموعة من الفنانين والمصممين الشباب في مجموعة سيبرية حملت اسم “الكاتاليست” (المحفز الكيمائي باللغة الانجليزية). كان الهدف من المجموعة مد أواصر الصداقة والتعارف بين هؤلاء الفنانين وتوفير بيئة “سيبرية” علي الانترنت يعرضون فيها أعمالهم ويتبادلون التعليقات عليها. ثم بمبادرة من فنان يحمل اسم “كريم” اتفق أعضاء المجموعة علي يوم ينزلون فيه بشكل جماعي لترك رسوماتهم وأعمالهم علي حوائط شوارع القاهرة.

معظم أعمال المجموعة كانت تندرج تحت تصنيف “البوب آرت” والتيمات المعروضة كانت صور وأيقونات من الثقافة الشعبية لهذا الجيل الجديد، لكن مع كل عمل كان الفنانون يقومون بلوي أو تغيير تفصيلة في التيمة البصرية لينقلب المعني ويؤدي إلي معني وغرض آخر في نفس الفنان. يلاحظ أيضاً في تلك الأعمال ابتعاد أعضاء المجموعة عن القضايا السياسية الحساسة، فإذا كان رجل الشرطة يمر بجوارهم دون أن يعترض لظنه أنهم يقومون بعمل دعاية، فموقفه كان سيكون مختلفا إذا كان فيما يقدمونه شبهة أي فكرة أو طرح سياسي، لهذا جاءت الأعمال بصبغة اجتماعية في أغلب الحالات.

o7od56
جرافيتى 2010

واحد من الأعمال البارزة التي أنجزت في هذا اليوم كانت الأيقونة الشهيرة لشخص يلقي ورقة في سلة مهملات. لكن بدلاً من الورقة كان هناك “أذن” وبدلاً من عبارة “حافظوا علي نظافة مدينتكم” وضع الفنان عبارة “عيب ترمي ودان”.

لم تدم تجربة “الكاتاليست” طويلاً لكنها كانت بمثابة الدفعة الأولي لفن سيظل ينمو ببطء في شوارع المدن المصرية طوال السنوات الماضية حتي يكون الانفجار الكبير للجرافيتي المصري بعد ثورة 25 يناير.

الرسم أو الكتابة علي الجدران عمل ممتد في القدم. تقريباً أينما وجد جدار ووجد إنسان، فهناك أثر ما يمكن أن نلمسه علي ذلك الجدار. وفي مصر الحديثة احتل الرسم علي الجدران حيزاً كبيراً بداية من رسومات الترحيب بالحج وزيارة بيت الله، وحتي رسومات نحن نساعدك في تربية عش الغراب، ونهاية بالقلب الذي يخترقه السهم وسمير وسميرة.. حب إلي الأبد.

لكن هناك تفاصيل طفيفة تصنع الفرق بين تلك الرسومات وفن الشارع أو الجرافيتي؛ فأولاً الجرافيتي مكانه علي الجدران والأماكن العامة التي هي ملك للجميع بمن فيهم الفنان بالطبع ولهذا ففنان الجرافيتي هو فنان متمرد بطبعه لا يحتاج لإذن من الإدارة المحلية لانجاز عمله. ومكان الجرافيتي ليس جدران المنازل أو الممتلكات الخاصة. الجرافيتي ليس فنا دعائيا فهو ليس رسما لأرنب بجواره رقم تليفون وعبارة “نحن نساعدك في تربية الأرانب”. الجرافيتي أيضاً يعبر عن خصوصية الفنان وأفكاره الخاصة، هو ليس نسخا لصورة تمثل شعار السيفين والقرآن الكريم وعبارة “الإسلام هو الحل” فنان الجرافيتي يعكس أفكاره الخاصة حتي لو كانت تلك متماشية مع ايديولوجيا أو فكر سياسي ما فيجب أن يحمل العمل بصمته الخاصة.

الجرافيتي فن متاح للجميع لاتحتاج لزيارة جاليري أو قاعة عرض لرؤيته، بل يتحقق معناه والهدف منه مع رؤية الجمهور العادي له والمشاركة فيها بحيث يتحول الحائط إلي ساحة حوار بين كل من يرغب، حوار فني مختلف الأفكار والتوجهات يؤدي في النهاية إلي عمل فني متكامل يعكس روح سكان المدينة وقيمهم الجمالية.

تميز وتفرد الجرافيتي ينبع من كونه فنا زائلا. يحصل علي خلوده واستمراريته لا من بقائه بل من استمرار عمليات الكشط والشطب للأعمال القديمة علي الحوائط وإبدالها بأعمال جديدة.

يحمل الجرافيتي بين طياته في الأغلب رسائل سياسية معارضة للنظام، أو يفضح التناقض داخل تقاليد وقيم مجتمعية راسخة. في آسيا وفي مدرسة صينية صغيرة عام 1915 قام طالب في أحدي المدارس بانجاز أكبر لوحة جرافيتي في العالم 4آلاف حرف انتقد فيها مدرسي المدرسة، والإدارة التعليمية، وإدارة المقاطعة والحكومة. وفي الصباح تم إلقاء القبض عليه وتعنيفه وإزالة اللوحة، بعد سنوات أصبح هذا الفتي هو “ماو تسي تونج” زعيم الحزب الشيوعي الصيني.

الفنان مجهول
جرافيتى مجهول من سنة 2011

لهذا فالجرافيتي فن خطر، فما يبدأ بجملة علي الجدار من الممكن أن ينتهي بجمهورية الصين الشعبية. ولذلك تشن الكثير من الحكومات الأوروبية حروبا واسعة علي الفن الجرافيتي، فهم مخربون يجب إزالة آثار أعمالهم الشيطانية التي قد تقود إلي نهايات غير طيبة. إلي جانب إصرار البعض علي وصف الجرافيتي والنظر إليه بصفته تخريبا لا كفن شعبي جماهيري خارج عن التقاليد المؤسسية. في انجلترا ظهرت علي جدران لندن منذ سنوات طويلة أعمال فنان يدعي “بانكسي” لكن لا أحد يعرف وجهة حتي الآن تنتقد كل رموز النظام السياسي الانجليزي من عساكر الدرك وحتي الملكة، وانتقلت رسومات “بانكسي” لتترك أثرها علي حوائط العديد من المدن العالمية بداية من نيويورك وباكين وحتي الجدار العازل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية واحتاج الأمر لسنوات طويلة حتي تتوقف الإدارة المحلية للندن عن إزالة أعمال بانكسي، بل وتوفير خريطة للمدينة يمكن للزائر عبرها مشاهدة أعمال بانكسي الذي تحول لأيقونة للفن الانجليزي الحديث. عند نقطة ما تنظر الحكومات المحلية للجرافيتي كبصمة للمدينة يكسبها خصوصيتها، خصوصاً إذا استطاع فنانو تلك المدينة فرض رؤيتهم أو الحصول علي دفعه إعلامية تمكنهم من التحول إلي أيقونات فنية بعيدا عن عنف ومطاردات الشرطة.

رغم تشارك معظم حكومات العالم في حربها علي الجرافيتي إلا أن بدر عبد الملك في كتابه “الإنسان والجدار” يوضح الفرق بين الدول الديمقراطية والدول القمعية في علاقتها مع الجرافيتي، فبينما تزيل الأولي الجرافيتي بغرض الحفاظ علي المنشآت العامة وبدعاوي الحفاظ علي النظافة العامة. لا تهتم الدول القمعية بالجرافيتي إلا إذا احتوي علي رسائل سياسية مباشرة أو حمل مضمونا فنيا يصعب تفسيره ويثير البلبلة واهتمام الرأي العام. وكما يوضح عبد الملك “اهتمام الدولة القمعية منصب علي مضمون الكتابة، أكثر من الاهتمام بممتلكات الأفراد والمجتمع، وما عدا ذلك فإنها لا تبدي أهمية كبيرة للحفاظ علي نظافة وحماية الممتلكات العامة والخاصة”. يبدو هذا واضحاً في التجربة المصرية فقد ترافقت تجربة مجموعة “ايكاليست” مع نمو متزايد للاهتمام بالجرافيتي لدي الفنانين الشباب. من بعيد كانت الحكومة بمؤسساتها الثقافية والفنية تراقب الظاهرة عن كثب. البعض قد يتذكر في العام 2009 حينما انتشرت علي أرض شوارع منطقة وسط البلد رسمة غامضة “لرجل يمسك بيده مقشة”. سرت في الإعلام الرسمي موجةمن الرعب وانتقلت أجهزة الشرطة تبحث عمن قاموا بهذه الرسومات.

تم إلقاء التهمة وقتها علي شباب “الايموز” ليأخذوا مكان “عبدة الشيطان” الأكذوبة الإعلامية الأضخم في زمن التسعينات. تحركت أجهزة البلدية لإعادة طلاء الأرض وإزالة الرسم الغامض الذي حير سكان المنطقة. ذراع الدولة الثقافية المتمثلة في وزارة الثقافة كان أكثر حنكة في تعاملها مع ظاهرة الجرافيتي، وربما كان القائمون علي الوزارة أكثر دراية بما قد يمثله “الجرافيتي” من خطورة محتملة علي الفن المدجن الذي تنتجه وترعاه وزارة الثقافة، لهذا سارعت باحتواء رغبات الفنانين الشباب عبر إقامة مهرجانات دورية لفن الجرافيتي في متحف محمود خليل. كان يتم جمع شباب الفنانين وإعطاؤهم مساحة للرسم والتلوين ثم وضع أعمالهم الفنية حبيسة داخل جدران المتحف.

البعض اعترض وقتها فالرسم علي لوحات قماشية أو ورقية حتي لو كان بمساحات كبيرة لا يحول العمل إلي جرافيتي. حينها تمت إقامة سلسلة مسابقات تحت إشراف وزارة الثقافة لطلاء ورسم بعض جدران المؤسسات العامة في القاهرة، كسور مسرح البالون والسور الموجود في نهاية شارع الهرم. كان علي الفنانين أن يتقدموا بأوراق أو نماذج للأعمال التي يرغبون في تقديمها ثم تختار لجنة تحكيم من بين هذه الأعمال العمل الفائز وتقوم بمنح الفنان الفرصة لتنفيذه علي تلك الجدران.

النتيجة كانت الكارثة الجمالية الموجودة في عدد من شوارع القاهرة. تشكيلات لونية متداخلة تمثل نهر النيل، وأطفال يطيرون الطائرات الورقية. تيمات رسمية مقررة مثل تلك التي نراها علي جدران المدارس في إطار حملات “مدرستي نظيفة متطورة”. لكن في النهاية كانت أعمالا فائزة في مسابقة رسمية حصلت علي ختم النسر من وزارة الثقافة قبل تنفيذها. المار بجوارها لا يجد فيها ما يستحق التأمل أو التفكير. بقع ألوان علي الحائط تم تنفيذها بدعم من وزارة ثقافة فاروق حسني.

تعامل الحكومة والمؤسسة الرسمية في ذلك الوقت مع الجرافيتي مثال يلخص سياسة طويلة عاشت فيها مصر طوال ثلاثين عاماً. فالفن مساحته الوحيدة المتاحة هي وزارة الثقافة، أما إذا فكرت في الخروج خارج الحظيرة فالشرطة سوف تطاردك وتقبض عليك. وتصمك بأنك من “عبدة الشيطان” أو شباب الايموز.

بعيداً عن قبضة السلطة المركزية في القاهرة. كان وضع الجرافيتي أفضل كثيراً في مدينة الإسكندرية.

منذ التسعينات عرفت الإسكندرية نموذجاً بدائياً للجرافيتي يتمثل في أعمال واحد من أشهر الشخصيات السكندرية العامة وهو “جمال الدولي”. مشجع نادي الإتحاد السكندري وصاحب الجداريات وأعمال الجرافيتي التي تتناول كل شئون الحياة بداية من وضع الدوري المصري لكرة القدم، وحتي الشئون الفنية وآخر أعمال فنانته المحبوبة ليلي علوي وانتهاءاً بالشأن السياسي.

كان الدولي هو النسخة السكندرانية لعبد الرازق عفيفي أديب الشباب في القاهرة، والذي كان يروج لكتبه علي الجدران. الدولي في المقابل لم يكن يمتلك كتبا مطبوعة لذلك كان يروج لنفسه واسمه فقط.

في 2009 ظهرت أول مبادرة لتأسيس مبادرة للجرافيتي الحديث في إسكندرية. كان هناك تلك الفتاة ذات الشعر القصير، والبسمة الشريرة الساحرة التي تتحرك في شوارع الإسكندرية وهي تمطي “العجلة”. لم تكن آية طارق تهتم بكل التعليقات والمعاكسات التي تلقي عليها، كانت تستمر في التبديل فوق العجلة، وتتحرك من شارع لآخر فوق ظهرها حقيبتها داخلها “علب الاسباري” والألوان، وكل مستلزمات أعمال الجرافيتي.

دخلت آية كلية الفنون الجميلة، لكنها لم تجد في محاضرات الكلية وما تدرسه ما يفيدها. ركزت علي تنمية مهاراتها وتنمية معرفتها بنفسه “البركة في الإنترنت.. يخليك مش محتاج لحد”. علي الانترنت تمتلك آية موقعاً تقدم فيه نفسها تحت لقب “ملكة جمال الأزاريطة” إحدي المناطق الحيوية المفضلة لدي آية في مدينةالإسكندرية.

لم تأت آية من عائلة فنية بالمعني التقليدي لكن جدها من طرف أمها “حسن إبراهيم” كان فنان دعاية معروف في السبعينات والثمانيات. لديه استديو صغير وأنجز آلاف التصميمات والرسومات لأفيشات الأفلام ولافتات الماركات والمحلات التجارية. إذا تمكنت يوماً من السفر عبر الزمن إلي إسكندرية الثمانينات فمعظم الرموز والأيقونات الجمالية والبصرية التي قد تراها في شوارع الإسكندرية تم انجازها من طرف الجد حسن إبراهيم.

حينما بدأت آية في الاهتمام بالفن بشكل أعمق، مثل أي فنان بدأت في البحث عن مكان ولو غرفة كمعمل لأفكارها وتجاربها. أعادت فتح “استديو” الجد لكن هذه المرة كاستديو خاص لها اسمته “استديو فوق وتحت”. فتحت آية الاستديو لفناني الإسكندرية أو أي فنان مصري يرغب في المشاركة معاها في ورشة الجرافيتي التي فتحت باب الانضمام إليها في ديسمبر 2009. الورشة أقيمت بإمكانيات بسيطة وعلي نفقة الفنانين الشباب أنفسهم.

آية

علي مدار شهور طويلة شاركت آية مع فنانين آخرين منهم ساره سامي، محمد رجب، محمد جابر، في انجاز عشرات الأعمال الفنية التي زينت شوارع الإسكندرية. الأعمال التي تم انتاجها من خلال تلك الورشة عكست صورة أكثر حيوية للمشهد الفني، واللافت أن كلمة “الثورة” كانت حاضرة بقوة في معظمها. إحدي القطع التي شارك في انجازها أكثر من فنان كان رسما لمخ بشري ملون، كتب بجواره “الثورة تبدأ من هنا”. وعلي طول جدار مبني آخر كتب بخط رقعة جميل “غرباء في هذا العالم”. حتي القبضة المضمومة الشعار الثوري الأثير علي مدار القرن الماضي ظهر في أحد الأعمال لكن اليد هذه المرة كانت تمسك “رول” طلاء وكتب بجواره عبارة “كن مع الفن”.

آية طارق7
جرافيتى محمد جابر ضمن ورشة الإسكندرية

لم تكن السياسة هي العنصر الأبرز في أعمال ورشة آية طارق، كانت تيمات وأيقونات الثقافة الشعبية أيضاً حاضرة؛ علي أحد الجدران هناك تليفزيون مرسوم والشاشة يحتلها شعار البرنامج التلفزيوني “البيت بيتك” لكن الجملة يحولها الفنان لتصبح “البيض بيضك”. علي جدار الآخر نجد خريطة لإشارات اليد التي يتعامل بها سائقوا الميكروباصات وبجواره مكتوب بخط هندسي “مسارك/حدد/ مصيرك”.

تحولت آية إلي أيقونة في أوساط فناني “الاندر جراوند”، وظهرت أعمالها في فيلم “ميكروفون” الذي عرض مع بدايات أحداث ثورة 25 يناير 2011.

آية طارق2
من اليمين لليسار جابر، ساره، آية، رجب

إلي جانب كونه فنا مستقلا بذاته يتماس “الجرافيتي” مع عدد من الفنون والظواهر الاجتماعية والثقافية التي ظهرت في مصر خلال السنوات الأخيرة تحديداً موسيقي وثقافة “الراب”، وتجمعات حركات الألتراس الرياضية. فتلك الجماعات الاجتماعية والتي لم تجد أي مساحة أو وسيلة تعبر بها عن نفسها، بل شن الإعلام الرسمي حملات هجوم مكثفه عليهم بصفتهم مخربين لأنهم فقط يشعلون “الشماريخ” ويدقون “الطبول”. والنتيجة لم يكن أمامهم سوي الجدران التي تحولت العبارات المكتوبة عليها من “الزمالك مظلوم” إلي جداريات ضخمة تحمل أيقونات تلك الأندية والفرق الموسيقية. وأحيانا تتماس مع بعض التوجهات السياسية التي تتبناها تلك الروابط الإجتماعية فعلي سور نادي 6 أكتوبر الرياضي سوف نجد العديد من جداريات “الألتراس” تحمل شعار الرابطة علي خلفية علم فلسطين.

 

آية طارق
جرافيتى لآية طارق

 

صحيح أن قطع “جرافيتي” الألتراس وفرق الراب لم تعكس رؤية فردية لأصحابها، ولم يأت معظمها علي مستوي فني بارز. لكنها ساهمت في نشر ثقافة الجرافيتي وإكسابه قبولاً عاماً في الشارع، وجذب عشرات الشباب للتعرف علي تقنيات وأدوات ممارسة هذا الفن.

خلال سنوات من التدريب والممارسة نمي أعضاء تلك الجماعات الإجتماعية مهاراتهم في التعامل مع الطباعة وتفريغ القوالب لاستخدامها في انجاز قطع الجرافيتي، إلي جانب استخدام “الاسباري” للكتابة علي الجدران. أيضاً عبر مواجهات الألتراس مع قوات الأمن في المباريات الرياضية طوروا مهاراتهم في التعامل مع عنف قوات الأمن، لهذا فيوم 28 يناير المعركة الحاسمة في ثورة 25 يناير، كان الألتراس هم رأس الحربة للمظاهرات والمسيرات التي تحركت من كل مكان في القاهرةباتجاه ميدان التحرير. وحينما هدأت المعركة كان شباب هذا الروبط إلي جانب فناني الجرافيتي هم أول من بدأوا مهمة إعادة رسم وتشكيل شوارع قاهرة ما بعد الثورة.

 

 

جنزير

كان يمكن للفنان الشاب المعروف بموفا وأحيانا يلقبونه “جنزير” أن يرضي بدوره كواحد من أهم الأسماء الفنية الشابة، أعماله تعرض في قاعات وزارة الثقافة، وتشارك في معارض عالمية في هولندا وأوروبا، وتصميماته محل تنافس الشركات العالمية للحصول عليها. لكن جنزير والذي سبق له القيام ببعض تجارب “الجرافيتي” قبل الثورة، شعر أن عليه مسئولية آخري في مصر ما بعد 25 يناير. يلخص هذه المسئولية في جملة بسيطة “شعرت أنه لا بد من وجود تقارب أكثر بين الفنانين ورجل الشارع العادي.” ويكمل شارحاً لماذا زادت هذه المسئولية بعد الثورة “زمان كنا نتحجج بالحكومة والسلطة لم تكن تترك أي مساحة من الحرية للفنانين أو مجال للتقارب بينهم وبين رجل الشارع العادي. لكن الآن لا يصح أن يظل الفنانين في قوقعتهم الخاصة إلا إذا كان الفنان خائفاً أو كسولاً.”

يري جنزير أن الثورة سوف تغير الكثير من تفاصيل المشهد الفني المصري، فبالنسبة له بدا واضحاً أن دور “الجاليرهات” لا يمثل أي قيمة. فالمدينة كلها يمكن تحويلها إلي جاليري كبير.

بعد الثورة انطلق جنزير بالتعاون مع عدد من الفنانين الشباب والمتطوعين لتنفيذ جداريات ضخمة في شوارع القاهرة وفي أحياء متفرقة من العاصمة المترامية. البداية كانت بجداريات الشهداء. بورتريهات كاملة لشهداء الثورة يمكنك أن تجدها علي جدار دورة مياه أمام دار القضاء العالي، أو في موقف باب اللوق. لاقت هذه الجداريات التي تم تنفيذها بألوان زاهية وبجوار كل جدارية اسم الشهيد وسنه وأحيانا فقرة عن كيف استشهد أثناء المظاهرات السلمية. الجداريات لم يكن الغرض منها فقط تخليد الشهداء، بل تذكير المارة أن هناك من ضحي بحياته من أجل مصر جديدة وأن دمه أمانة في عنق هذا المار. لاقت الجداريات استحسانا كبيراً من المارة وسكان المناطق الموضوعة فيها. لكن ذات يوم استيقظ سكان منطقة باب اللوق ليجدوا أن صورة الشهيد التي كانت موجودة علي جدار إحدي دورات المياة تمت إزالتها.

توجهت الشكوك في البداية نحو إدارة حي عابدين أو هيئة نظافة وتجميل القاهرة، لكن الإثنين نفيا مسئوليتهما أو معرفتهما بمن قام بإزالة صورة الشهيد. جنزير حاول القيام بتحرياته الخاصة صاحب محل بقالة وعدد من أصحاب المحلات التجارية في المنطقة وجهوا أصابع الإتهام نحو أحد أعضاء مجلس الشعب السابقين المعروف بتأييده للنظام السابق. بعد أيام قليلة تم استدعاء عضو مجلس الشعب المتهم إلي النيابة ووضعه في سجن طره لتورطه في قضية الاعتداء علي المتظاهرين في موقعة الجمال والحمير جنزير بالتعاون مع عدد من المتطوعين أعاد رسم صورة الشهيد.

فلول الحزب الوطني لم تكن آخر العناصر التي تحارب الجرافيتي. في يوم 26 مايو الماضي تبين لجنزير أن هناك الكثير من المعارك التي لازال علي فن وفناني الجرافيتي أن يخوضها. كان جنزير في صباح هذا اليوم يلصق علي الحوائط بوستر ينتقد أداء المجلس العسكري ويدعو للخروج لمظاهرة 27 مايو التي عرفت إعلاميا بجمعة الغضب الثانية، وفي رواية الإخوان المسلمين بجمعة الوقيعة. أثناء تعليق البوستر كان بعض المارة يمرون بجوار جنزير، يعلقون بكلمة هنا أو هناك أو يفتحون نقاشا حول الموضوع. فجأة انفعل أحدهم وامسك بجنزير والمخرجة عائدة الكاشف التي كانت تساعده وأخذ يصرخ “أنتم مين؟ أنت مش مصريين؟ أنتم جواسيس؟ أنتم بتوقعوا بينا وبين الجيش” تطور الأمر حضرت الشرطة ذات الملابس البيضاء التي بدورها سلمتهم للشرطة ذات القبعات الحمراء. تم اقتياد موفا وعائدة الكاشف إلي مقر الشرطة العسكرية.

المسئول في الشرطة العسكرية نظر للبوستر، طلب شاي وقهوة لجنزير وعائدة ونديم زميلهم الثالث الذي ألقي القبض عليه. فتح حوارا وديا مع جنزير حول البوستر، ثم ودعه علي الباب. عبر المسئول عن اندهاشه من وجود جنزير. ولم يفهم لماذا تم احضاره إلي مقر النيابة العسكرية فليس هناك أي اتهام أو مخالفة ارتكبها. بعد هذا اليوم كان هناك اثنان من أصدقاء جنزير يعلقان نفس البوستر لكن في منطقة شعبية، نفس السيناريو تكرر تجمهر الناس وبدأوا في مهاجمتهم والتشكيك في وطنيتهم، في النهاية حضر أحد ضباط الشرطة. اطلع علي هوياتهم الشخصية نظر للبوستر في نظر للناس وقال لهم “طيب وأنا مالي.. دي حرية رأي وتعبير وهم أحرار” وفجأة مع عبارة الشرطي تحول موقف الجمهور من الغضب والحنق علي الشباب إلي التسابق للحصول علي البوستر.

كلا التجربتين كشفا لموفا أن التحدي الآن أمام فن الجرافيتي هو كيفية خلق علاقة مركبة مع الجمهور العادي الذي يسعي في إصرار غريب إلي أن يمارس الرقابة علي نفسه بنفسه، كعنكبوت يخنق ذاته بشبكته.

لكن الجرافيتي فن مستفز بطبعه سواء للسلطة أو الجمهور، لهذا فموفا يعرف أنه لن يتوقف عن استفزاز الاثنين. ولن يخفض من سقف أعماله، بل سيسعي فقط في المرات القادمة أن يكون أكثر حذراً. أسأله ما الذي يقصده بالحذر؟ يجيب مبتسماً ونحن خارجون من الاستديو الخاص به في منطقة لاظوغلي “يعني مش لازم اعلق بوسترات أو أعمل جرافيتي الساعة 12 الظهر”

التنين لا يتكلم

من بين مئات أعمال الجرافيتي التي ظهرت علي جدران المدن المصرية بعد الثورة، ظهرت مجموعة تحمل علامة مميزة وإمضاء واحدا حمل اسم “التنين”. من أبرز أعمال التنين قطعة “الجرافيتي” التي يمكن رؤيتها علي سور مكتبة الجامعة الأمريكية. حيث رقعة الشطرنج بالأبيض والأسود النصف الأعلي يمتلئ بقطع العساكر، وفي الأسفل جميع القطع في موقعها المعتاد ما عدا الملك مقلوباً. يحمل العمل الكثير من الدلالات حول طبيعة المشهد في مصر ما بعد الثورة. وفي أماكن متفرقة تتوزع أعمال الجرافيتي التي تسلط الضوء علي الانتهاكات التي يمارسها النظام الحاكم حالياً.

التنين شطرنج (3)
من أعمال التنين

عملية العثور علي التنين استغرقت وقتاً وبحثاً طويلا في النهاية عثرنا علي حساب علي موقع الفيسبوك يحمل اسم “التنين” وبعض الصور لأعماله، وبالتواصل معه تمكنا من تحديد موعد للقاء في العالم الواقعي شرطه الوحيد كان عدم الافصاح عن شخصيته/ شخصيتها.

يفضل التنين أن يظل مختفياً عن الأنظار. والسبب كما يقول “في الفترة القادمة سننجز الكثير من أعمال الجرافيتي التي تتعرض للنقد للكثير من العادات والأفكار الاجتماعية السلبية في المجتمع المصري، لا يمكننا التكهن برد الفعل عليها لكنه في الغالب لن يكون إيجابياً”. لا يشعر التنين بأي قلق من تعرض للمطاردة أو عنف السلطة “نثق في قدرة النشطاء والحقوقيين والرأي العام علي الضغط علي السلطة خصوصاً في قضايا الحريات والفضل في ذلك يعود إلي ثورة يناير.”

الجرافيتي كان حلما مؤجلا دائماً للتنين. أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة فكر في عمل أكثر من قطعة جرافيتي تنتقد مسرحية الانتخابات المزورة لكن الأمر كان مستحيلاً لأن قبضة الشرطة كانت أقوي وأعنف. لكن في يوم 25 يناير ووسط الجماهير في الميدان ولدت فكرة مشروع التنين للجرافيتي، ويوم 26 يناير بدأ الاستعداد للتنفيذ.

الآن تنتشر أعمال التنين في مناطق تبدأ من الزمالك وحتي مصر الجديدة، والهدف في المرحلة القادمة توسيع الدائرة الجغرافية. أعمال التنين تتميز بخلوه من الكلمات هي في الغالب رسم مصمت دون أي كلمات توضيحية. والمعني الحقيقي للجرافيتي في رأي التنين يأتي من قدرة العمل علي ايقاف العابر في الطريق ودعوته لتأمله والتفكير فيه، بالتالي التفكير في حياته الخاصة والعامة واكتشاف الخطأ والتناقض في الصورة الكلية. يستخدم التنين في انجاز أعمال تقنية القوالب الجاهزة المفرغة حيث يتم لصقها ورش الاسبراي. بالتالي يسهل انجازها في وقت قصير ويصعب إزالته من علي الجدران لكن واحدة من القطع التي انجزها علي سور إحدي المؤسسات العامة في شارع القصر العيني، تعرضت لأغرب عملية تخريب فبدلا من إعادة طلاء الجدار، قام أحدهم بتكسيره.

255156_10150671642460294_825170293_19423486_1948609_n
جرافيتى لفنان آخر يرفض الافصاح عن اسمه

مازال النيل يجري

النماذج التي عرضنا لها لا تمثل إلا جزءاً ضئيلاً من مشهد الجرافيتي المصري الآخذ في الاتساع يوماً يعد يوم. وليس كل ممارسي هذا الفن في شهرة هؤلاء، فالقطاع الأكبر من فناني الجرافيتي هم جيوش من الفنانين المجهولين الذين بالتأكيد سيتزايدون يوماً بعد يوم. وأثناء الإعداد لهذا الملف كان هناك مظاهرة أمام وزارة الداخلية في ذكري قتل خالد سعيد. في وسط الهتافات واللافتات المرفوعة للمطالبة بمحاكمة القتلة. كان مجموعة من الشباب يجرون بجوار سور الوزارة لينفذوا قطعة جرافيتي جديدة “علامة” علي وزارة الداخلية. حيث صورة خالد سعيد وأسفل منها أبيات من قصيدة أمل دنقل تذكر بثأر خالد المعلق “هل يصير دمي بين عينيك ماء/ هل تنسي ردائي الملطخ بالدماء؟”.

شهاب فخري مؤرخ الصرف الصحى: ‏ثورة عرابي كانت ثورة البرجوازية المصرية

الطريق الذي قطعه شهاب فخرى من الفلسفة إلى تاريخ المجارى والصرف الصحى بالقاهرة كما يحب أن يقدم نفسه، حكاية مشوقة لا بسبب طبيعة الموضوعات البحثية والأكاديمية التي عمل عليها، بل أيضاً تكشف وتوضح لنا كيف تعمل المؤسسات الأكاديمية من الداخل سواء في مصر أو الولايات المتحدة، وهى طريقة تطرح الكثير من التساؤلات حول الحرية الأكاديمية وطبيعة الدور المطلوب من الجامعات اتجاه المجتمع.

في عامه الثانى بالجامعة الأمريكية حدثت سلسلة من الحوادث التي تمس الحرية الأكاديمية كان شهاب فخرى طالب الفلسفة في 1998/1999 شاهداً عليه. الأزمة تخص د.سامية محرز أستاذة الأدب لكن لا يذكر شهاب بدقة الآن هل كان الأمر يتعلق برواية الهجرة إلى الشمال للطيب صالح أم الخبز الحافي لمحمد شكرى، لكن الأمر نتج عنه منع تدريس الرواية واختفائها من مكتبة الجامعة. في ذات الوقت شهد شهاب كيف تم التضييق على أستاذ فرنسي حتى غادر الجامعة بسبب إصراره على تدريس كتاب “محمد” لماكسيم ردنسون.

كان شهاب في أبرز الجامعات المصرية وقتها، لكن بدا أنه حتى داخل الحصن الأكاديمى الأمريكي لا مهرب من تدخلات الرقابة، والسعي الدؤوب للسلطة للمراقبة والسيطرة على البحث الأكاديمي فاختار السفر إلى أمريكا حيث أكمل دراسته في مجال الفلسفة في جامعة “بنسلفانيا”

تخرج شهاب من جامعة بنسلفانيا في 2002، واتجه بعد ذلك لجامعة “The New School for Social Research” وهى جامعة برز اسمها بقوة في منتصف القرن العشرين، حينما انتقل معظم الفلاسفة والمفكرين اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد من أوروبا للتدريس فيها وأبرزهم شتراوس وحنا أرندت. الحصول على درجة الماجستير هناك يتطلب الاختيار بين مسارين أما العمل على تحضير مقال في موضوع محدد لا يتجاوز الـ60 صفحة على العكس المتبع في الجامعات المصرية حيث تكون المطلوب ضعف هذا الرقم. أو القراءة في موضوع محدد اختار وقتها شهاب الفترة من ديكارت لروسو ودخول اختبار متعدد الأسئلة والمراحل وهو ما اختاره شهاب. بعد ذلك أتت مرحلة الدكتوراة وقتها تنازعت فكرتين شهاب الأولى محاولة لطرح وجهة نظر هيجيلية في النقاش بين أفكار شتراوس وفوكو، والثانية هو التأثير الفلسفي للعلماء العرب في مجال العلوم الطبيعية خصوصاً الفيزياء.\

1973788_10155061954350463_932776435145814293_o.jpg
شهاب فخري بعدسة تراكوفيسكى

***

وجد شهاب دفعاً من أساتذة الجامعة لموضوع العلماء العرب. كانت هذه سنوات الأسئلة “2004/2005” وكان هناك تحول نوعى يحدث في الأكاديمية الغريبة يوضحه شهاب قائلاً:

-كانت هذه فترة ما بعد غزو العراق وفي أمريكا وأوروبا أصبح هناك اهتمام متزايد وجهات مختلفة لديها طلب بأى دراسات أو تخصصات لها علاقة بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، أذكر في هذه الفترة أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية للمرة الأولى عن حاجاتها لخريجى “أنثروبولوجيا” للعمل في الوزارة وبمرتبات ضخمة.

الأمريكان كانوا يتورطون أكثر فأكثر في المنطقة بسبب الحرب وكان لديهم الكثير من الأسئلة. أيضاً في ذات الفترة تزايد نفوذ رأس المال العربي وتحديداً الخليجي في الجامعات الغربية وتمويل أقسام كاملة. لكن كانت العقبة في استفادة الإدارة الأمريكية من خريجى أقسام الشرق الأوسط أنه منذ السبعينات ومع ظهور أفكار إدوارد سعيد ترسخت تقاليد يسارية في أقسام الشرق الأوسط، لم يكن هناك تماشي بين توجهات الإدارة والمناخ العام في الأكاديمية الأمريكية وخصوصاً أقسام دراسات الشرق الأوسط، الطلبة الذين كانوا يدرسون اللغة العربية أو المجتمعات العربية من أجل الالتحاق بالإدارة الحكومية كانوا يتعرضون للنبذ داخل الكليات على سبيل المثال.

-كيف أثر كل هذا المناخ على اختياراتك؟

 كنت منحازاً للعمل على مشروع يتتبع الجدل بين “شتراوس وفوكو” لكن من وجهة نظر هيجلية بعض الشيء. لكن بسبب كونى عربياً، فقد وجدت دفعاً من قبل الأساتذة للعمل على موضوع العلماء العرب. ونتيجة لهذا فقدت اهتمامي باستكمال العمل على الفلسفة، وانتقلت إلى جامعة كولومبيا للتخصص في مجال آخر وهو التاريخ.

اهتممت منذ البداية بفترة الاحتلال البريطاني لمصر، وكان هذا غريباً فبينما نجد عدد كبير من الدراسات التاريخية حول فترة محمد على وحول التاريخ المصري بعد ثورة 1919، لكن الفترة التي تمثل المرحلة الأولى من الاحتلال البريطاني (1883-1920) أقل فترة نجد أن الدراسات التاريخية تناولتها وكانت هذه الفترة هي مجال اهتمامى الأول، ليس بسبب قلة الدراسات التي تناولتها، بل أيضاً بسبب كونها الفترة التي شهدت تشكل الأفكار الكبرى، بداية من الثورات العلمية وحتى الأفكار السياسية والاجتماعية.

-بماذا اخترت أن تبدأ إذن عن تلك الفترة؟

البداية كانت من الثورة العرابية، كانت موضوع رسالة الماجستير وحاولت فيه التركيز على الرواية الإنجليزية والأسباب التي دفعتهم للإقدام على خطوة التدخل في مصر واحتلالها.

الثورة العرابية كانت مسألة داخلية بامتياز. كان هناك خلاف بين الخديوى ومجلس النواب يتعلق بضرائب فرضها الخديوى على كبار ملاك الأراضي الزراعية، وهذا لأن مصر كانت واقعة تحت ضغط الدين الخارجي وكان الخديوى يحتاج لتسديد تلك الديون. أيضاً كانت الدولة المصرية مقسمة عرقيا، يسيطر على المناصب العليا فيها الطوائف العثمانية المختلفة.

 صحيح أن عرابي في لحظة انفعال هدد بإغلاق قناة السويس لكن لم يكن هذا ما استفز الانجليزى ودفعهم للتدخل، بل ببساطة لأن الانجليز ظنوا أن ثورة عرابي إذا نجحت وأصبح هناك مجلس نواب منتخب ذو سلطة تشريعية فلن تدفع مصر الضرائب المدينة بها للشركات والبنوك الإنجليزية. طبعاً إلى جانب التخوف الإنجليزي من تدخل الفرنسيين ودخولهم قبلهم إلى مصر.

الغريب في المقابل أن الرواية المصرية تكسب الثورة العرابية طابع مغاير بتصويرها ثورة من أجل الحرية أو صعود القومية، وهذا كلام بعيد تماماً عن الحقيقة الفلاحون على سبيل المثال مشاركتهم في الثورة لم تكن موجودة أو منظمة بل وللدقة لم تكن أوضاع الفلاحين لتتأثر بالخلاف بين الخديوى ومجلس النواب ولا حتى بالضرائب التي سعى لفرضها على ملاك الأراضي. ثورة عرابي كانت ثورة البرجوازية المصرية، وحاولت اكسابها أبعاداً أسطورياً. حكاية موقف عرابي حينما وقف أمام الخديوى وقال له خلقنا الله أحراراً ولن نستبعد بعد اليوم. هذه حكاية لم أعثر على أي مصدر لها إلا لدى الرافعى، وحتى الرافعى يرويها دون أي مصدر.

-في الماجستير وحتى في رسالة الدكتوراه التي تعمل عليها الآن تقدم رواية أن الانجليز كانوا الأكثر اهتماما بالفلاحين، كيف يستقيم هذا مع كونهم قوة احتلال ومشروع استعماري؟

-اللورد كرومر قالها صراحة في أكثر من موضع في خطابته وهو أنه يبنى نظام قائم على رضا الفلاحين وملاك الأراضي. لذلك كان من أول القرارات التي اتخذها الانجليز حينما دخلوا إلى مصر أنهم وضعوا ضريبة ثابتة للأراضي بل وثبتوا هذه الضريبة لمدة ثلاثين عاماً.

إنجلترا كانت تنظر لمصر باعتبارها المعبر لمستعمرتها الأساسية في الهند، وإضافة زراعية لعائدتها لا أكثر من ذلك. لذلك فاهتمام الانجليز بالمدينة جاء في فترة متأخرة وبسبب ضغوط من الرأي العام البريطاني والأوروبي. بعد عام من دخول الانجليز لمصر ظهر وباء للكوليرا قضي على ثلاثة آلاف مواطن في القاهرة في ثلاث أسابيع. وكانت أمراض كالتيفود والكوليرا تظهر في دورات مستمرة وتحديداً في القاهرة التي كانت تحتاج إلى إعادة تخطيط وبناء، لأن الوضع الصحى بالقاهرة كان متدهوراً للغاية.

 طالب الرأي العام الانجليز بالتدخل لإنقاذ الوضع لكن هذا الأمر تأخر كثيراً. لاحظ أيضاً أن مشاريع كالصرف الصحى هي مشاريع مكلفة جداً، وليس لديها عائد استثمارى. تكلفة انشاء شبكة الصرف الصحى في القاهرة تقارب تكلفة انشاء سد أسوان وقتها، لكن بينما ينتج مشروع السد عوائد اقتصادية ويكون له آثار إيجابية على توسيع الرقعة الزراعية، فشبكة الصرف الصحى لا يوجد هناك اقتصادى يمكن قياسه سينتج عنها.

إذا نظرت في تاريخ الفترة من (1882-1990) ستجد أن معظم الأموال التي ضخها الانجليز في مصر كانت موجهه نحو الإصلاح الزراعى من شق الترع والمصارف إلى القناطر وبناء سد أسوان، لكن مع ازدياد المشكلة الصحية في المدن خصوصاً القاهرة، فقد فرض الظرف عليهم التدخل في تخطيط المدينة.

-كيف جرت عملية إعادة تخطيط القاهرة لإنشاء شبكة الصرف الصحى إذن في هذه المرحلة؟

استعان الانجليز بمهندس مدنى بريطاني هو جيمس كاريكت، كان قد صمم شبكة الصرف الصحى في بمومبي بالهند، تتبعت أرشيف “كاريكت” الموجود في مصدرين الأول هو  مجلة “معهد المهندسين المدنيين” في إنجلترا، ووجدت لديهم خرائط تفصيلية للقاهرة ودراسات ومقالات عن شبكات الصرف الصحي وكيفية القيام بعملية التخطيط للمشروع.

وصل “كاريكت” إلى مصر بعد ثالث وباء للكوليرا أصاب القاهرة عام 1905، واستغرقت المرحلة الأولى من رسم للخرائط ودراسة للمدينة ما يقرب الخمس سنوات. ما نقصده بالخرائط هنا ليس فقط خرائط للشوارع وأزقة المدينة. بل خرائط اجتماعية توضح توزيع الجغرافيا البشرية في المدينة ومستوياتها الاجتماعية. كان يجب على “كاريكت” أن يحدد المستوى الاجتماعى لكل منطقة في المدينة لأنه على هذا الأساس يتم تصميم الشبكة وحجم ومقاسات المواسير. فالمناطق الغنية والبرجوازية تستهلك الكثير من المياة وهذا يعنى حاجاتهم إلى شبكة صرف أوسع من تلك الموجودة في المناطق الفقيرة.

الخطأ الذي وقع فيه “كاريكت” أنه تعامل مع المدينة بشكل “استاتيكى” كأنها ديمغرافي بشرية ساكنة. “كاريكت” كان يضع تصميم لشبكة صرف صحى من المفترض أن تستمر لمدة 25 عاماً. هو وضع تخطيطاً يتضمن حسابات الزيادة السكانية لكنه لم يضع اعتبار تغير الجغرافيا الاجتماعية المدينة.

***

-لكن هل شهدت هذه الفترة تغيرات اجتماعية جديدة في المدينة تؤثر على تخطيطها؟

بالتأكيد وهذا هو ما أثار الاضطراب لدى الإدارة البريطانية. فكما سبق وذكرنا تعامل الانجليز مع مصر باعتبارها تتكون من فلاحين وملاك أراضي، لكن مع توسع الجهاز الإداري للدولة وتوسع المدينة. ظهرت طبقة جديدة هي طبقة “الأفندية”. كرومر في هذه الفترة لم يكن يعتبر الأفندية مصريين، ويعتبرهم ظاهرة شاذة في المجتمع المصري، لاحظ أيضاً أن هؤلاء الأفندية هما طبقة المتعلمين والمثقفين الذين أخذوا يكتبون المقالات ويهاجمون الاحتلال وكرومر.

ظهور الأفندية غير الكثير من الجغرافيا الاجتماعية للمدينة، بل ربما يكون أحد الأسباب التي من أجلها وبعد سنتين من إتمام المشروع جرت تعديلات كبيرة على الشبكة.

-ماهى المشاكل الآخرى التي واجهت هذا المشروع؟

حينما تم اتخاذ القرار، لم تجر أي مناقصات بل تم تكليف المشروع بالأمر المباشر لشركة انجليزية بعينها، بالتالى المشروع كله كان في مصلحة الإنجليز لذا فقد قابله المصريون بالحذر وأحياناً بالرفض والممانعة.

المشروع تطلب الكثير من أعمال الإزالة، شارع بورسعيد تم تغييره بالكامل. وزارة الأوقاف والمساجد والجوامع رفضوا السماح للانجليز بالدخول إلى الجوامع لعمل المقايسات. وجرى صراع بين الجهتين حيث تمسكت الجوامع بالشكل التقليدي “للميضة” ورفضوا التخلي عنها، بينما أصرت الشركة على هدم الميضة واستبدالها بحمامات عصرية.

الطريف أن أعقد مشكلة واجهت الانجليز عند تنفيذ المشروع كانت إشاعة ليس لها أي مصدر من الصحة شغلت الرأي العام بشكل كبير وصنعت معارضة قوية للمشروع. هي أن الحفر في باطن الأرض سوف يخرج الكوليرا والتيفود المدفون في باطنها، وحينما تعود إلى الجرائد والمجلات في تلك الفترة تجد أراء لكتاب وصحفيين تعارض المشروع على هذا الأساس الأمر الذي كلف الشركة القيام بحملات دعاية ضد هذه الإشاعات والتأكيد على أن الحفر لن يصل لمدى عميق.

تركز دراستك على تاريخ انشاء شبكة الصرف الصحى في القاهرة، لكن ماذا عن بقية المدن الآخرى كالإسكندرية على سبيل المثال كيف جرى الأمر هنا؟

إسكندرية وضع مختلف. الإسكندرية كان لديها مجلس محلى منتخب هو المسئول عن المدينة. لذا فقرار شبكة الصرف الصحى في الإسكندرية خرج من المجلس المحلى وتم تنفيذ المشروع تحت إشراف المجلس المحلى، والمجتمع السكندرى الذي كان فاعلاً في دفع المشروع.

مشروع الإسكندرية كان أفضل كثيراً من مشروع شبكة الصرف الصحى في القاهرة، فبينما احتاجت الأخير إلى إعادة تهيئة وصيانة وتغيرات جذرية بعد سنوات من اتمامها استمر مشروع شبكة الصرف الصحى بالإسكندرية.

-تعمل الآن على الانتهاء من الفصول الأخيرة من الرواية واستكمال الإطلاع على ما ينقصك من أرشيف المشروع، كيف وجدت التعامل مع دار الوثائق؟

في العموم فدار الوثائق مكان منظم جداً في رأى، هناك طبعاً عدد من القوانين واللوائح الداخلية التي تنظم العمل في المكان لا استطيع أن أحدد الغرض منها، لكنها من خلال حبرتى تضع عوائق على البحث التاريخى. على سبيل المثال لا يمكننك تصوير أكثر من مائة ورقة، وهو رقم ضئيل جدا. أحياناً وثيقة واحدة يتجاوز عدد صفحاتها المائة. لا أفهم الغرض من هذا القرار. في الأرشيف البريطاني على سبيل المثال هناك كاميرا موضوعة يمكنك استخدامها لتصوير أي عدد من الصفحات.

هناك قرار آخرى لا أفهم السبب منه الأرشيف المصري مقسم إلى وحدات أرشيفية على ما أذكر يبلغ عددها حوالى أربعين وحدة، لكنك كباحث لا يمكنك الإطلاع على أكثر من 6وحدات في الوقت ذاته، في حين أنها حينما تعمل على موضوع بسيط مثل شبكة الصرف الصحى فسوف تجد ملفات متعلقة في عشرات الوحدات والهيئات الآخرى.

هناك أيضاً المسألة الأمنية. شخصياً لم أطلب ملف أو وثيقة ورفضوا إعطائها لي، لكن أحد زملائنا والذي يعمل على تاريخ شبكات الرى والزراعة حينما قدم طلبه للأمن ترافق هذا مع الضجة الإعلامية حول مشروع النيل، ولسبب ما فقد قام الضابط المكلف برفض تصريحه. موضوع تحميل ضباط من الداخلية مسئولية إعطاء تصاريح الإطلاع على الوثائق أمر في رأى يحتاج إلى المراجعة. أذكر أننى حينما بدأت إجراءات إستخراج التصريح وحتى ابعد نفسي عن أي شبهات كتبت في الورق المقدم كلام من نوعية أن هذا البحث يتتبع تاريخ الوطنية. طبعاً هناك ثغرات كبيرة في الأرشيف المصري أرشيف وزارة الداخلية مثلاً يقل بشكل تدريجى بداية من الثلاثينات حتى يختفي تماماً بعد 1952، أيضاً ملفات وأرشيف وزارة الخارجية من أقل الوحدات الأرشيفية التي يمكن أن تجد فيها أي وثائق.

الفن ككمين يُنصب في جُنح الليل

يستشهد بسام الباروني في مقدمة الكتاب/ المشروع “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” بمقولة الفنان والكاتب الأوروغوانى لويس كامنتزر التى يعرف فيها “النظام” بأنه “يترسخ في إطار القوانين والمراسيم والبروتوكالات، أو يظهر ببساطة كتعسف السلطة”.

يصلح هذا التعريف لفتح الكثير من النقاشات في المجال السياسي حول معنى الشعار الشهير “الشعب يريد إسقاط النظام” وهل سقط النظام بالفعل؟

 لكن في الكتاب الذي صدر مؤخراً عن منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة يأخذنا بسام البارونى من تعريف “كامنتزر” إلى طرح تساؤلات آخري حول نظام إنتاج الفن المعاصر وذلك بصحبة فيلسوف فرنسي وخمسة عشر فناناً عربياً ومقال نقدى لسهيل مالك.

من الصعب تصنيف كتاب “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” حيث يقع الكتاب بين مجالات عدة تبدأ من الفلسفة وتنتهي بالفن. يتكون الكتاب بشكل أساسي من مقدمة لبسام البارونى، ثم ترجمة عربية أعدها خالد حديد للأطروحات الخمسة عشر الفيلسوف الفرنسي آلان باديو عن الفن المعاصر مع ترجمة محاضرة باديو التى قدم فيها تلك الأطروحات للمرة الأولى عام 2003 ثم دراسة لسهيل مالك عن الأطروحات. بعد ذلك دعى بسام البارونى خمسة عشر فناناً ليقدم كل منهم عمل فنى يشتبك مع أطروحة أو أكثر من أطروحات باديو. ليخرج الكتاب مزيجاً بين مجالات متعددة ومحققاً لوصية باديو نفسه الذي يري أنه “من واجب الفلسفة أن تصوغ فكرها قدر الإمكان قريباً من موقف اللا-فلسفة”.

059-01-8159

ابن سارتر ولاكان

حينما زار آلان باديو فلسطين عام 2009 قدم نفسه للجمهور العربي قائلاً: “ بداية، أنا ابن مستعمر أقام في المغرب لكنه سرعان ما عرف حقيقة الاستعمار وأهدافه اللاإنسانية وناضل ضده وابعد لفرنسا ثم ناضل ضد الاحتلال النازي لفرنسا، وكان من أصدقاء المهدي بن بركة. لذا فأنا من عائلة مناضلة، ولدت في المغرب وعشت فيها 5 سنوات. ساعدت الجزائريين في ثورتهم وأنا شاب ( لذا فأنا ارهابي ) .. درست الفلسفة في جامعة باريس واليوم ادرسها في سويسرا.”

هذا التعريف الموجز يصلح كمفتاح لفهم السيرة الذاتية لباديو المولود في الرباط بالمغرب عام 1937. لكن المشروع الفكرى والفلسفي لباديو يتسع إلى ما هو أبعد من المجال السياسي. ففي مراحل دراسته للفلسفة كان باديو  موزعاً ما بين الصراع البارز وسط أعوام الستينات تحت تسمية “الوجودية” من جهة، و”البنيوية من جهة آخري.

ورغم التعارض الظاهرى بين الاتجاهين إلا أن باديو يأخذ من الاتجاهين ما يصفه بأنه المهمة الأبرز للفلسفة وهى منح الشجاعة. فمن الوجودية تحتفظ فكر وأطروحات باديو بالحد الأدنى من البطولة الوجودية ومن البنيوية يتمسك باديو بأطروحات لاكان والذي رغم رؤيته المتشائمة والذاتية يراه باديو يحتفظ دائماً بشيء لا يقبل للانحلال كتمسكه بعبارة “لا تتنازل عن رغباتك”.

شكلت كتابات باديو منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم ما صار يعرف بالتيار الفلسفي المعادى لما بعد الحداثة في قائمة تضم أسماء كأنتونيو نيجري و اجامبيون وسولافيك جيجك.

لذا فالفيلسوف الذي يكتب كتب بعناوين مثل “مفهوم النموذج” أو “نظرية الذات” لا يجد غضاضة في أن تمر سنوات طويلة دون أن يكتب فيها كتاباً فلسفياً وحداً أو يصدر كتاب في الهجاء السياسي مثل كتابه “معنى ساركوزى”. فالنشاط الفلسفي عند باديو على حد تصريحه في مقابله صحفية هو “سعى المرء لإعطاء شيء من الشجاعة للجميع. فحتى الفيلسوف الأكثر خيبةً وتخيباً منذور لهذا الغرض: إذ يمكن استبطان الخيبة ورفعها إلى مستوى المثال عند البعض”. ومن هناك يأتي انفتاح باديو بشكل خاص على المجالات الفنية المختلفة ومنها “الفن المعاصر”.

نظام الفن المعاصر

في محاضرته التى ألقاها للمرة الأولى بمركز الرسم في نيويورك عام 2003 وحملت عنوان “خمسة عشرة أطروحة عن الفن المعاصر”. يوضح باديو من الأطروحة الأولى حتى الأطروحة الثامنة الحدود والمعالم التى يتصف بها الفن الذي يمكن وصفه بأنه فن معاصر. ويشرح بوضوح صفاته العامة والبروتوكالات الراسخة التى يلتزم بها ليحصل على لقب “معاصر”.zizek-and-badiou

من الأطروحة التاسعة وحتى الأطروحة الخامسة عشر يعرف ويحدد باديو ما يسميه “بالفن اللا-إمبيريالى”. وفي هذا التعريف يتكأ باديو على مفهوم الإمبراطورية لأنتونيو نيجري كنظام حاكم لواقعنا السياسي والاقتصادي، ويحاول باديو وضع مجموعة من القيم والأطروحات التى من خلالها يمكن للفن المعاصر أن يعمل بشكل حر خارج قواعد الإمبراطورية وأن يكون في موضع مُضَاد لقواعده أو على حد تعبيره في الأطروحة الثانية عشر “ينبغي للفن اللا-امبيرالى أن يكون متماسكاً كشرح حسابي، مفاجئاً ككمين يُنصب في جُنح الليل، وسامياً كنجمة”.

سبل لتعدى الإمبراطورية وباديو

في دراسته عن الأطروحات الخمسة عشر والتي تحمل عنوان “الأشكال بين الفن والكونية: شرح توجيهي لـ “الأطروحات الخمس عشرة عن الفن المعاصر” لألان باديو يوجز سهيل مالك في المقدمة رؤية باديو قائلاً: “يهبط الفيلسوف علينا من السماء –أو من باريس، أو مايو 1968، كل ذلك سواء لدى هؤلاء- ويُخبرنا بالتالى:

-الفن يكون حقيقياً عندما يُنتج ذاتية لا متناهية عبر مجال الحواس.

-الإمبراطورية هى السيطرة على ماهية وكيفية العالم، على كل ما هو ممكن، من خلال النظام الرأسمالى وسلطة الدولة.

-يمكن للفن أن يتحدى الإمبراطورية، أو حتى أن يكسر نفوذها، حين يكون معنياً بالحقيقة (أو، في صورة معاكسة، الفن المعاصر يخضع للإمبراطورية”.

مثلما هناك إغراء للوقوع تحت سيطرة الإمبراطورية فهناك إغراء آخر في الوقوع تحت أفكار وأطروحات باديو. ومن هنا تأتى أهمية ذلك الكتاب/ المشروع الفنى. فلا يقدم منتدى الإسكندرية للفنون أطروحات باديو بصفتها مانفيستو أو جهد تنويري يسقط علينا من أعلى بل يفتح المجال أمام خمسة عشر فناناً من أجيال مختلفة للاشتباك مع أطروحات باديو ومعارضتها في بعض الحالات.

لذا فقراءة الكتاب والإطلاع على أعمال الفنانين المشاركين في المشروع هى دعوة لإعادة التفكير في مكانة الفن الآن في ظل التغيرات والتحولات التى تشهدها الإمبراطورية والتغييرات الشكلية التى يمر بها “النظام” الضابط للمجال السياسي والاجتماعى في مصر.

لذا نشاهد في الكتاب الفنان محمد علام ينشر حواراً متخيلاً على صفحته على الفيسبوك بينه وبين آلان باديو حول أطروحته الخامسة عشر. ونفس الأسلوب تتبعه عريب طوقان حيث تقدم عملها “ماركسية على عشاء تلفزيونى” بحوار تخيلي مع باديو، أما منى مرزوق في عملها “حاملات اللعنة” تقف منى في المسافة الفاصلة بين صراع الإمبراطورية والفن، حيث داخل الصراع على حد تعبير منى تصنع أشياء مثير للاهتمام”.

معظم الأعمال أتت محاولة الاشتباك مع باديو بشكل أو آخر، لكن في المنتصف يقف عمل عادل السيوى بشكل ما من أطروحات باديو ومن اليقين الدائم لمصاحب للتعريفات “الفن هو..” أو “الفن ليس” في بورتريه عصام محفوظ حيث الصورة معكوسة لحلاق يقص شعره أحدهم. إلى جانب مشاركات لكل من؛ محمد عبد الكريم، دعاء على،  حمدى عطية، بسام البارونى، حازم المستكاوى،  محمود خالد، حسن خان، باسم مجدى، ستانس،  أكرم زعتري، طارق زكن.

ننشر هنا أطروحات باديو الخمسة عشر بترجمة خالد حديد البديعة والدقيقة آملين. لا تقديماً فقط لباديو وأطروحاته بل احتفاء بتجربة نشر متميز تمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية.

———————— —

نشرت في أخبار الأدب في 2012

سؤال عام 2016 هل السيرالية المصرية فرنسية أم عربية؟

نشرت في أخبار الأدب في يناير 2016

فجأة امتلأت الصفحات الثقافية المصرية بالمقالات التى تشيد وتثنى على ميراث الحركة السيرالية المصرية، بل وتؤكد على مصريتها وضرورة الاعتراف بهذا الميراث. مُبادرة لطيفة وإن أتت مُتأخرة ستين عاماً، وربما تكتمل لطافتها إذا أثمرت أى نوع من الاهتمام من جانب وزارة الثقافة المصرية بهذه الحركة وتراثها الذي كانت الوزارة أول من عمل على تهميشه ونبذة، بل ولدت  وزارة الثقافة المصرية في عهد الضباط الأحرار لأسباب كثيرة منها محاربة  استئصال تراث وأفكار الحركة السيرالية وتشريد مبدعيها وطمس تاريخهم، وهو ما نجحت الوزارة في فعله على مدار نصف قرن. فلم تكن السيرالية أبداً بالحركة الوطنية، دافع مبدعوها عن حرية الفرد وعن مفهوم عالمى للمواطنة، وحذروا من الفاشية التى هى ابنة المشاعر الفياضة للوطنية والدولة القومية، وكانوا كذلك جزء من المناخ المتنوع لغوياً وثقافياً وايدلوجياً التى عاشته مصر قبل يوليو 52، والذي لم يعد له مكان بعد ذلك في دولة الضباط الأحرار.

joyce-mansour-avec-andrc3a9-breton-circa-1960-dans-l-c3aele-de-la-citc3a9
جويس منصور وأندرية بريتون في باريس 1960

هذا الاهتمام بالسيرالية هذا العام هو نتاج للسباق والتنافس الذي انطلق بين مركز بامبيدو في باريس، وبينالي الشارقة في الامارات. حيث يتنافس الاثنان على تقدم تراث حركة السيرالية المصرية. المعرض الأول ينظمه سام بردويلي ويفتتح في سبتمبر القادم بمركز بامبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسية. وقد قضي بردويلي أكثر من ثلاث سنوات مع فريق من الباحثين لجمع تراث فنانى وكتاب وشعراء الحركة الموزع بين مصر وأوروبا.

المعرض الذي سعتبر الأضخم لم يكن بالامكان تنظيمه دون عرض لوحات رواد الحركة السيرالية والتى يقبع جزء كبير منها في مخازن وزارة الثقافية يعانى الاهمال والضياع. لهذا ففي نوفمبر الماضي زار وفد فرنسي وزير الثقافة حلمى النمنم والأخير وافق ببساطة وتلقائية شديدة على سفر الأعمال بصحبة المرممين وأطقم موظفي الوزارة دون أى مقابل مادى، أو اتفاق يفرض الشراكة المصرية أو الأقل يضمن إقامة المعرض في مصر.

 بعد العرض في باريس، يطوف معرض السيراليون المصريون أكثر من مدينة أوروبية دون أن يأتى للقاهرة. وستعود أعمالهم لتدخل مخازن الوزارة ويغطيها النسيان بينما ينسى الجميع صور الوزير مع الوفد الفرنسي واحتفاءه بالحركة والفن السيرالي.

** *

انتهت السيرالية مع صعود دولة يوليو، وفي مناخ فاشي أسست فيه الدولة وزارة الثقافة لم تنظر الوزارة بأى نوع من التقدير لأعمال السيراليين. أحد الحكايات التى توضح العلاقة التاريخية بين وزارة الثقافة والحركة السيرالية هى حكاية الفنان رمسيس يونان الذي أمام التضيق على المجال العام الذي مارسته دولة يوليو تقدم في أحد السنوات لنيل منحة التفرغ من قبل الوزارة. لجنة التحكيم التى كانت تضم عباس العقاد وأم كلثوم رأت أن أعمال رمسيس يونان التي كانت تعرض في أشهر قاعات العرض في باريس منذ الأربعينات ليست أعمال فنية، بل أن أم كلثوم قالت له أنه لا يجيد الرسم. وتمكن رمسيس يونان في النهاية من الحصول على المنحة كمترجم متقدماً بمشروع ترجمة لكتاب.

حينما توفيت بولا حنين حفيدة أحمد شوقي وزوجة جورج حنين، عرض الورثة التبرع بمكتبة جورج حنين في بداية الألفية لصالح الوزارة لكن لم يتلقوا أى رد، فتبرعوا بالمكتبة لصالح المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة حيث تقبع مكتبة مؤسسة الحركة في مقر المركز بالمنيرة حتي الآن.

مع الاهتمام العالمى باعادة تقديم السيرالية المصرية هذا العام، لم يتعد موقف وزارة الثقافة ومساهمتها سوى التقاط الصور التذكارية مع المسئولين الفرنسيين والاماراتيين الذي اتوا لعقد الاتفاقيات مع الوزارة.

** *

لكن وكالعادة انقذنا الرز. مؤسسة الشارقة التى تشق طريقها لتصبح أهم المؤسسات الفنية المعنية بالفن الحديث والمعاصر في المنطقة لا ينافسها حالياً سوى متحف الفن العربي الحديث في قطر، قررت الدخول إلي معترك البحث عن تراث السيرالية المصرية، واختارات لهذه المهمة السودانى د.صلاح محمد حسن مدير معهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل بأمريكا. والذي يعمل على إعداد وتجهيز معرض بعنوان “حين يصبح الفن حرية، السرياليون المصريون” والمقرر إقامته في مطلع عام 2017 في الشارقة، على أن يعرض جزء منه بعد ذلك في مصر.

الشارقة أيضاً وحينما حاولت تنظيم مؤتمر بحثي حول تاريخ الحركة السيرالية المصرية في نوفمبر الماضي، اتجهت للجامعة الأمريكية التى استضافت المؤتمر على مدار ثلاثة أيام.

لكن لماذا تهتم مؤسسة ثقافية إماراتية بإعادة الاعتبار لحركة فنية مصرية. الاجابة كانت في كلمة حور القاسمى مدير مؤسسة الشارقة للفنون التى أوضحت أن المؤتمر والمعرض جزء من مشروع ضخم تطلقها الشارقة لتوثيق الحركات الفنية العربية، وذلك كما أوضحت حور في كلمتها في نوفمبر الماضي بمؤتمر القاهرة: “كي نستطيع صياغة تصور لمستقبل أكثر غنى في منجزه الإبداعي وفي طاقته التعبيرية، مستقبل نتشارك جميعاً في رسم ملامحه، وفي إغناء وتعميق محتواه الإنساني، خارج المفاهيم والانتماءات الضيقة.”

** *

بالطبع لا مجال للانتماءات الجديدة في سوق الفن الذي تؤسسة دبي والدوحة الآن. فنظراً لصغر ومحدودية الأرشيف التاريخي والفني لهذه الدولة وحداثة مشاريع التنوير والحداثة فيها تسعى إلي تحويل متاحفها ومشاريعها الفنية إلي مستودعات تعكس أحياناً صورة افتراضية عن هوية عربية متخيلة، وأحياناً تتشبث بعالمية غير محددة المعالم.

في هذا الاطار وفي عالم السوق الحر ومادام حجا –وزارة الثقافة- ليس مهتماً بلحم ثوره فالافضل توجيه الثور لمن يعرف قيمته ويستطيع رعايته.

يتم تفريغ المتاحف المغلقة ومخازن الوزارة من كنوزها وتعرض للعالم في باريس ودبي والدوحة، والتراث المصري لا يجد مكاناً له في مصر، والوزير سعيد وفخور بالتقاط الصور مع الوفود الأجنبية، بينما الثقافة المصرية وتاريخها إلي ثور ونقطة صراع بين ممولين الثقافية الفرنسيين الذين يرغبون في نسبة تاريخ الحركة إلي الحقبة الاستعمارية الفرنسية وانجازاتها، وأخوة عرب يريدون نزعها من انتمائاتها الضيقة إلي فضاء عروبي مبتدع يغطون به على الثقب الاسود في هويتهم القومية. وفي هذا كله تقوم الوزارة فقط بدور أمين المخازن والسمسار الذي يوفر لصناع الفعاليات الثقافية العالمية والعربية الفرصة لاخراج هذا التراث من مصر وعرضه .