غواصه من الماضى

نشرت لأول مرة في عام 2011

أثناء اعتصام ميدان التحرير الممتد لـ 18 يوم والذي أطلق عليه بعد ذلك ثورة 25 يناير. كنت في طريقي من 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير حينما لمحت على الوصلة بين ميدان جهينة ومدينة الشيخ زايد فتاة تسير على الرصيف وترتدى بدلة غطس كاملة. أعنى بدلة ذات لون أسود، خزانة أكسجين في الخلف على ظهرها، نظارات مائية ضخمة، زعانف في الأقدام، حزام رصاص حول الخصر، كانت تسير بهدوء كأنها فوق مياة البحر الأحمر. توقفت عند بقعة ما وبدأت في إزاحة غطاء المجاري. اقتربت بالسيارة منها. توقفت على بضعة أمتار وفتحت النافذة مذهولاً وهى ببساطة تقفز داخل فتحة المجاري ثم تسحب غطاء البلاعة الثقيل كأنه ورقة وتعيده لمكانه خلفها وهى تختفي ببدلة الغوص تحت الأرض.

غاب مشهد فتاة الغواصة عن ذهني في مقابل ما كنت أراه طوال تلك الأيام، كما أنه لم يجد سياقاً مناسباً وسط أحاديث الأصدقاء والشئون والنميمة السياسية. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ يعنى هتقعد وسط ناس بتحكى عن مؤامرات الجيش والجنرالات والرصاص وقنابل الغاز وأنت تقطع هذا الحديث الشيق المفيد وتحكى مشهد فتاة ترتدى ملابس الغوص وتختفي في بلاعة مجاري على محور 26 يوليو.

بعد تنحى الرئيس طلب منى أحد الأصدقاء وهو مصور يعمل مع الوكالات الأجنبية المساعدة في سعيه لانجاز قصة عن أصحاب الخيول والجمال أبطال موقعة الجمل الشهيرة، تطلب الأمر مشاوير وأبحاث طويلة. رفضوا التصوير أو الحديث لكن في محاولة أخيرة قررنا زيارة المنطقة.

الزيارة كانت محبطة، وأنا شخصيا لم أكن متحمساً للموضوع. جلسنا على أحد المقاهى لشرب “سبرايت”. فجأة حانت منى لفتة للوراء شاهدت فتاة البلاعة، وهى تزيل نظارة المياه من على وجهه، وبجوارها أسطوانة الأكسجين، طلبت شاى خفيف سكر برا. رغم أن المكان كان قهوة شعبية ليس من المعتاد أن يجلس عليها النساء. لكن كل من كانوا في المنطقة كانوا يتعاملون معها بأريحية وكأنها جزء طبيعى من المكان، عامل المقهى وهو يضع الشاى تبادل منها بعض الجمل لم استطع تبينها. صديق اندهش هو الآخر وقرر التقدم ومحاولة فتح الحوار معاها لكنها رفضت بعنف. ثم قامت وحملت أسطوانة الأكسجين وقررت الانصراف دون حتي أن تحاسب على المشاريب، كأنها زبونة دائمة ولديها حساب مفتوح.

 

علي طالباب: الكلام الكبير للمعاني الواضحة

أنا الديك اللي باض، والثور اللي اتحلب

القانون اللي اتركن، والدستور اللي انكتب

أنا القاضي والمحامي والمتهّم القتيل

أنا الراجل اللي بشنب بالل نفسه على السرير

علي طالباب

يبدو الجدل والصراع بين الثنائيّات المختلفة الذي شهدته العقود الأخيرة في التاريخ الثقافي المصري بعيداً الآن، فلا أحد يفاضل بين قصيدة النثر والشعر الموزون، أو بين الذاتيّة في الإبداع والمسافة مع البروباغندا الأيدلوجيّةهنا تحديداً، وبينما يأخذ إم سي أمين الراب نحو الشارع وتصعد موسيقي الراب والمهرجانات من الشوارع الضيّقة التي يصل بينها التوك توك، يظهر على طالباب مطوّراً تقنية رص الكلام” من الراب نحو ما يصفه أحياناً بـروايات شعريّة“.

لا يجد طالباب مشكلة في المزج بين العاميّة والفصحى في أغانيه، أو أن تأتي بعضها فصحى تماماًولا يبدو له أن هناك أي تناقض بالاستعانة بصوت أمل دنقل يلقي قصيدة الكمان” في إحدى أغانيه، وأن يستخدم صوت يوسف رخا – أحد المحاربين القاسيين في قصيدة النثر الحديثة لكل ما يمثّله أمل دنقل – في أغنية آخرى مضاجعة الوقت“.

على المسرح، لا يقف علي طالباب مثل بقيّة مغنى الراب أو المهرجانات وخلفه دي جيه، بل فرقة صغيرة عمودها الأساسي البايس غيتار” والدرمز“. لا يخجل طالباب من التصريح في أغانيه بأن الاشتراكيّة هي الحل، ولا يخفي أحياناً هذه التوليفة الصوفيّة التي تظهر في أغانٍ أخرىلكن أعمال طالباب ليست موجهّة فقط في البصق” حرفيّاً على كل رموز السلطةمن العسكر حتى تجّار الدين، بل يبدو واضحاً أن الغضب داخل أعمال طالباب يتوجّه أكثر نحو ذلك البؤس المتزايد في الشوارع الخلفيّة في المدينة.

تفتح آهات أم كلثوم في كلمة حبيبي” السرديّة الصوتيّة الطويلة لعلي طالباب (14 دقيقة)، يليها طنين بعيد مولّف إلكترونيّاً، ونغمة بسيطة تخفت في الخلفية، ثم يدخل صوت يوسف رخا: “كل هذه السنينيا صاحبيوكأنّنا هنا عن طريق الخطأننتظر حتى تفرغ الشوارعلنقود مركباتٍ غير مرّخصةونواجه جنود المعابر بالضحكة الصفراء والنقودنحلم بأماكن ولو وجدت/.. نحن لا ننفع لها، يا صاحبي“.

وكما في أعمال أخرى لطلباب، فالغلظة وخشونة الألفاظ ووحشيّة الصور تنتشر في السرديّةوجه آخر لخشونة الثورة. إنّه الغضب الانفعالي وما يصفها الخبراء والمحللين السياسيين بـالمراهقة الثوريّة“.

روح جديدة لا تفهمها النخبة السياسيّة ذات الشعر الأبيض التي تتصدّر المشهد، ويستمرون في ترديد أسئلتهم الحائرة أمام هذا الغضب المراهق، يتساءل السياسي ما الذي يريده الأولتراس؟ ما الذي يريده شباب الثورة؟

يعطيهم على طالباب إجابة مختصرة: “بالنسبة للدولة، إرداة إلهيعنى ملكيش ديّةخليها تتحرق بعشوائياتها بعششها في الضواحيبشحاتينها مشوهّينهاباللي حاكمنا في برج عاجيخليها تنطبق بلجانهابلوائحهاومجالسها/ونظامها الضريبيخلى سمواتها السبع فوقها تنفجر“.

رشيد طه: عجوز يتأمّل تفتُّح الورود من سقف العالم

يختتم رشيد طه عشرين عاماً من التجارب واللّعب والغناء منذ أول أسطوانة له (1983) “Carte de sejour” بأسطوانة جديدة صدرت مؤخراً تحت عنوان “زووم“. بلهجة تقريريّة متواضعة، يقول رشيد في واحدة من أغاني الأسطوانة: “ومشروعي أنيق. أنيق، وصافي“. ربّما تغيب الأناقة عن بعض أعمال رشيد السابقة، إلا أن “الأناقة” هي الصفة الأهم التي تتمثّله هنا بما تحمله الكلمة من تناسق في التوزيعات والألحان وفي الحالة العامة التي تجمع أغاني الأسطوانة.

أناقة عجوز لا يخجل من الشعر الأبيض فيصبغه كمغنين آخرين، ولا ينجر بسهوله مع الغرور والصورة الأبويّة التي يفرضها التقدم في السن كحالة الشاب خالد، بل يعبر بخفة من حالة الشاب رشيد طه ليقدّم صورةً مغايرة للشيخ، الذي يجلس على كرسي في نافذة تطل على سقف العالم يتأمّل زهرة تتفتّح في وداع الشتاء.

وفي “زووم” ينعكس مشوار طه عبر عشرين عاماً، كأن الأسطوانة رحلة داخل مشروع طه ذاته، لا يفوته عبرها أن يوجه التحية لأهم الفنانين الذي كانوا دائماً مصدر إلهام له من شيوخ وشيخات الراي، حتى أم كلثوم وإلفيس بريسلي.

1

في عام 1981 كان أعضاء فرقة فريق “The Clash” يقوم بجولة صغيرة في باريس، حينما اقتحم شاب نحيف المشهد وقدم لهم شريطاً تجريبيّاً عليه بعض التسجيلات لهم، لكن أعضاء الفريق لم يعاودوا الاتصال بها. وبعدها بشهور قاموا بإصدار عملهم “Rock The Casbah”. الفتى كان رشيد طه، والشريط حمل أول تجاربه التي ستصدر في أول أسطواناته بعد ذلك. سيظل رشيد يكرر وحتى 2007 بأن “روك القصبة” التي غناها “فريق التصادم” كانت نتيجة استماعهم لأعماله.

الفرقة ستنفي بالطبع وستحكى قصة أخيرة عن مصدر إلهام “روك القصبة“. لكن Joe Strummer مصدر الإلهام الأول لرشيد المراهق سيتوفى، وستتفكّك الفرقة وتنقلب الأحوال. حتى أن مايك جونز سيعزف بعد ذلك خلف رشيد طه. لا دايم إلا وجهه الله، وهكذا الدنيا مثل المرجيحة يوم فوق ويوم تحت.

لكن رشيد في 2013 في أغنية “Algerian Tango” سيقول أنه لا ينسى: لا ينسي سنوات التجاهل الأولى، الرفض من شركات الإنتاج الفرنسيّة التي لم تكن تريد التعامل العرب. حتى هؤلاء سيذكرهم رشيد “مننساش العنصريين، مننساش العبوديين“.

2

من الثمانينيّات وحتى منتصف التسعينيّات، لم يكن الأمر كنزهة في الحديقة: العنصريين في أوروبا لم يكونوا المشكلة فقط: فهناك العبوديين والحجّارين والظلاميين في الجزائر وفي أماكن أخرى. ورشيد يعرف أنهم لن يتركوا قلبه صافياً. إلا أن معركته ليست معهم، بل معركة في غابة الموسيقى الحديثة المتشابكة. سارت رحلة رشيد بين المسارح والنوادي الليليّة من لندن إلى باريس، مازجاً بين الراي وأنواع موسيقى صاعدة من الراب حتى الروك والموسيقى الإلكترونيّة في التسعينيّات. معلّقاً بين عالمين يبحث عن أرضٍ خاصة به.

في 1997 سيصدر أسطوانة “Carte Blanche” ، ويعيد فيها تقديم رائعة دحمان حراشي “يا رايح وين مسافر“.

تنجح الأغنية عربيّاً وأوروبيّاً، وتصبح من الأغاني الرئيسيّة في موجة “راي” التسعينيّات. الجمهور العربي لن يلتفت لأغنية أخرى في ذات الأسطوانة، وهي “زبيدة“: قصّة استوحاها رشيد من فتاة جزائريّة تعرّف بها أثناء عمله في الصحافة في بداية مشواره. تجسّد الأغنية القصّة التقليديّة لفتاة عربية تزوّجت بسبب ضغوط الأب، وانتهت حياتها تحت سلطتين لم تختر أي منهما. لكن الكلمات الحماسيّة جاءت مصحوبة بلحن طفولي وتوزيع بسيط تقليدي.

سيعود رشيد لتقديم ذات كلمات “زبيدة” في 2013 في “زووم“، هذه المرة تحمل زبيدة اسم جميلة، لكن القصة لا تزال كما هي.

وهذه المرة تعلّم رشيد الدرس، ليقدّم “جميلة” في توزيعين: أحدهم مسجّل من حفلة حيّة، والآخر في استوديو، حيث يقدّم القصّة بصوته في البداية، وتصحبنا الغيتارات إلى داخل الأغنية مع تنويعات الكيبورد الشعبيّة الجزائريّة المميّزة للموسيقى التجاريّة، ويصعد الكورال ليضيف على الأغنية أبعاداً أسطورية.

تتحوّل “زبيدة” العاديّة في 1997 إلى “جميلة” أسطوريّة في 2013. وتتشكّل بين العملين المرحلة الجديدة لرشيد طه التي سينتقل فيها إلى مستوى الاحترافيّة، لتتضح أبعاد وحدود مشروعه الموسيقي الذي سيشكل اثنين أهم سماته:ستيفين هيغل، الموزّع الذي رافق رشيد منذ تلك الفترة حتى أسطوانة “تيك توا“، وحكيم: عازف المندولين المطور.

3

مع أغنية “جميلة“، يستقدم رشيد صوت فضيلة في أغنية “خلوني“. مؤكّداً على عمديّة مركزيّة مسألة المرأة بالنسبة له كما علمته “الماما ريمتي” بأنها حريّتها. فضيلة هي الأخرى شخصيّة مركزيّة في تاريخ الراي والموسيقي الجزائريّة.إذ كانت النجمة الأولى في نهاية الثمانينيّات، محقّقة شهرة أوروبيّة واسعة مع زوجها “صحراوي“، وقدّمت أول أغنية راي “فيديو كليب” “ما عندي زهر معاك“.

يصحبنا رشيد إلى قاع موسيقى “الراي” مع فضيلة. مطلقاً العنان للوحش الكهربائي في حنجرته، مستخدماً كل الحُلي الموسيقيّة الشعبية، من “الأوتو تون” حتى العواء الرتيب “للأورغ“. كأننا في لحظة من الزمن الذهبي لأستوديوهات الراي في تسعينيّات الجزائر. ومن خارج الاستوديو، يمكن أن نسمع صدى طلقات النار في الأغنية الذي ميّز حروب وصراعات سنوات التسعينيّات في الجزائر.

ربما خفت دوي الرصاص في الجزائر، لكنه يبدأ الآن في مناطق أخرى. ربما لهذا اختار رشيد هذه الأغنية، واختار تقديمها بهذه الروح: روح الراي الذهبيّة الخالصة.

4

في أسطوانة “أنت فاكر نفسك مينTékitoi“، يصل التعاون بين  رشيد ومنتجه الفني Steve Hillage إلى قمّته. هذا التعاون الذي بدأ بالتعارف بين الاثنين في منتصف التسعينيّات، ليشرف “ستيف” على الإنتاج الفني الكامل لمشروع” ‘1, 2, 3 Soleils‘,” بين رشيد والشاب خالد وفضيل.

ستيف صاحب البصمة الأبرز في مشروع رشيد، والذي فتحه أكثر على إيقاعات أكثر تنوعاً، تبدأ من الساحل الأفريقي في السنغال، وحتى الهند شرقاً والمكسيك يساراً. ومع ستيف، سيبرز براين إينو باستمرار، ويظهر في الحفلات إلى جوار رشيد حكيم، عازف آلة الماندولين أو الآلة الغريبة والمدهشة التي طوّرها حكيم بنفسها من الماندولين، وهي أكبر من الماندولين العادية وصندوقها الموسيقي الأعمق، ويحوّرها حكيم باستمرار لتقوم بدور وسط بين العود والغيتار.

بين الاثنين، تأتي أسطوانة رشيد “أنت فاكر نفسك مين” كصرخة في البريّة. كان ذلك العام 2005، والمياه الراكدة في المنطقة العربيّة تتحرّك وتتململ بفعل آثار غزو العراق وبروز شمس مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفي الشوارع أطفال يلهون على الانترنت بأصول الحكم. في 2006 قام رشيد بإحياء حفل موسيقيّ في القاهرة. مغنيّاً: “نحّوهم، حاسبوهم“، “ثقافتنا ما في شي ديموقراطيّة، الهدرا الهدرا ممنوعة“، “قلبي وقلبك مفتوح“، وأخيراً: “السلطان قال للبوجي مان، خدوا الطيارات، وطقوا البومبات على الناس المجرمين. اللي نكروا كلام السلطان“. (روك القصبة).

وها هي الطائرات تضرب ناكري كلام السلطان في 2013، وتنطلق حمى الثورة: بموسيقى الثورة، وأغاني الثورة.ويتبدّى الأفق لرشيد كأن الكل “قبض ريح“.

وبينما يتحدّث مغنيو الثورات والربيع بحماس وثقة مفرطة عن الثورة، وحق الشهيد والحريّة، يبتعد رشيد عن ستيف منذ أسطوانته السابقة  “بونجور“، ليختار هذه المرة التعاون مع مهووس آخر بالموسيقى العربية، والمزج بين التنويعات الشرقيّة والغريبّة: جاستن آدمز. يقف الشيخ رشيد في منطقة متشكّكة، كأنما يعيد النظر في مشروعه الأنيق. ويفتتح أسطوانة  “زووم”  بأغنية “ ويش نعمل“.

وتتصاعد موجات الأسئلة: “هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا قبيح؟“. وبدلاً من الحماس والعواء الذئبي المجنون الذي عرفنا فيه رشيد يصرخ: “برا برا النجوم طفيت ودلقت الشمس“، يقترح هذه المرة حلّاً آخر: “اليوم، اليوم إضراب. نسافر للنجوم مع حبيبي“.

5

في الأسطوانة الأخيرة، ومن بين كل أعمال رشيد طه على مدار عشرين عاماً، تأتي النجمة والجوهرة الفريدة التي يقدمها هنا تحت عنوان Now or Never. ليقدّم التحية لأغنية إلفيس بريسلي القديمة، مع توزيع يطوف بنا من جداول الماء حتى صوت Jeanne Added التي عرفناه سابقاً في بعض الأعمال مع توفيق فروخ.

لا تعليق يمكن إضافته غير إتاحة الفرصة لتأمل هذه الجوهرة الفريدة.

About Alaa: Prison isolates and so does your silence

They woke us early that day. We could hear the sound of dogs barking and some other sounds that were more unusual. A prison guard was yelling, “Inspection! Inspection! Put on your uniforms and get ready.” Alaa [Abd El Fattah] and I got up and started our routine of hiding things. He was trying to hide the radio to stop it from being confiscated, even though he had already acquired permission to keep it. I was trying to hide the coffee pot. I was also trying to hide my journal among a bunch of envelopes and paper. The atmosphere in the prison ward was tense. No one was prepared, as we were given no prior warning.

Alaa-Abdel-Fattah

Generally, on inspection day, a prison services committee arrives, accompanied by hoards of Central Security Agency forces, policemen, dogs and metal detectors. The committee also visits the prison administration and checks the official paperwork. They inspect the wards and check for any violations of prison rules, and for the presence of prohibited items like glass containers, electronic devices, metal cutlery, mobile phones, pills or narcotics of any kind and any suspicious papers. During this particular inspection, they confiscated all the pots and pans we used for cooking and heating our food. They left just two pots and one metal frying pan for the 60 prisoners on our ward.

We put on our prison uniforms and lined up in the sun for around five hours — the amount of time it took them to go through the ward and scatter everything: clothes, food and trash, in heaps on the floor. After two hours of standing, they allowed us to lean against the wall. Then they called for Alaa, who had to go inside for about 20 minutes. He came back out again, laughing. When I asked him what it was about, he said they were going through every piece of paper in our cell. “But, what did they want to ask you?” I said. Alaa kept a small notebook with a photo of Lenin on the cover. In it, he would record figures concerning the economy published by Al-Ahram, like government debt and the state deficit, and other figures pertaining to the financial situation in the country. It was one of the exercises Alaa resorted to in order to try and stimulate his brain and to maintain a connection to the outside world. The task was to record the figures published by Al-Ahram and to track how they changed over time. Based on these official figures from state newspapers we were restricted to in prison, Alaa would come up with his own analyses of the economic crisis.

The figures in Alaa’s notebook unsettled the inspectors, who suspected them to be telephone numbers, or perhaps a code for communicating with the outside world. When they asked him about them, Alaa began to explain in detail the meaning of every figure, which left them paralyzed and unable to decide what to do. After all, these were numbers published in Al-Ahram, the newspaper they allow prisoners to receive and read. Eventually, the head of the inspection committee intervened and permitted Alaa to keep the notebook. They did confiscate the radio, however.

Forgetting what the world is like outside prison is a nightmare Alaa and I thought about a lot. As a computer programmer and technician, this was an even bigger nightmare for him. How would he cope with the technological developments taking place during his time in prison after he is released?

Would he be able to go back to work? The internet world changes in a matter of weeks, let alone a period of wasted years. We thought of that Iranian blogger who, upon his release from prison after five years, found blogging to be a thing of the past. Unable to find his place in the present, he waged an attack on social media, calling for a return to blogging.

alaa-1792

After each of his court sessions for “insulting the judiciary,” Alaa would come back with dozens of epic stories from Muslim Brotherhood leaders implicated in the same case as him: Tales of an imminent coup d’état, and the intervention of divine powers to rescue them. They were stories of desperation and defeat that also somehow refused to acknowledge a crushing new reality. I used to wait for him after each session to hear the latest tales. After we laughed a little, the silence would set in. We were afraid the same thing would happen to us one day. What did we really know about the world outside?

A verdict in the “insulting the judiciary” case is due in December, a sentence that could potentially double Alaa’s jail time and increase his isolation from the world. Tomorrow, a court will review Alaa’s appeal against his five-year sentence for breaking the protest law, of which he has already served three-and-a-half years behind bars.

It’s not true that prison doesn’t change one’s ideas. If you come out and that is the case, then you’ve lost your mind. We change both inside and outside prison. Mulling over old disputes and differences was our bread and butter. Reading was like a breath of fresh air. They understood this. In the words of one inspection officer who checked my list of requested books, “Here is your opium.”

Alaa is also waiting for a verdict in a lawsuit he filed against the prison administration to allow him to receive books. On the day of the inspection, we were preoccupied with finding new material to read. Sometimes I would suggest to Alaa that he should apply for a master’s degree to advance his professional experience. He used to say he’d consider it, as he didn’t want to give them something they could use against him. “What if I apply for a degree and they refuse to let me sit my exams or to have access to the necessary books?” he would wonder.

The list of those unjustly detained is getting longer by the day, and many prisoners are suffering from deteriorating health and lack of access to adequate medical attention. Some have been in prison for two years without even knowing what they’ve been accused of. As the list gets longer and longer, so our desperation grows, and we wonder: What is the point of writing? What do we gain by making demands? What’s the use of our hashtags? Do any of these efforts accomplish anything?

There is nothing more important than to think about them, to remember them. Prison isolates people from the world and the world from them. In Alaa’s case, the state is more eager to isolate the world from him than to isolate him and break him. This is why every act of remembering counts. Every tweet or re-tweet, even if you think it has no impact on the prisoner, I am telling you, is appreciated. When family members tell prisoners others are writing about them or talking about them, it lifts their spirits. They are remembered.

Because having your name mentioned outside the prison walls means you exist outside the walls, in the hearts and minds of those who love you or share your values.

And one day, upon their release, because most prisoners will one day be released, they will see the words of support that didn’t reach them in their cells, and it will help ease some of the anger and resentment over the time that was lost.

Remember Alaa. Remember all prisoners. If we can’t break their chains ourselves, do not let your silence isolate them. Do not give their jailers another victory by your forgetfulness.

Translated by Asmaa Naguib

هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

نشرت على موقع معازف عام 2013

مقدمة موجزة للتأصيل التاريخي

قاد جمال عبد الناصر ورفاقه منذ الخمسينيّات عمليّة تغيير جذري، ليس فقط للنظَام العام للدولة وأجهزتها التنفيذيّة، بل للفضَاء العام والمجتمع ذاته من أجل تطويعه في آلة ضخمة لتحقيق مشروع ضخم لم تتضح أبداً معَالمه– وإن كنا عرفناه كأجيال لاحقة بـ“المشروعِ الناصري المُجهض“.

كان الفن والثقافة من ضمن تلك المجالات التي تعرّضت لعمليّة تطويع ضخمة شملت سيطرة الدولة على وسائل البث والنشر من إذاعة وسينما وتلفزيون بعد ذلك، وامتدّت لاحقاً لتشمل أدوات الإنتاج الثقافي والفنّي نفسها، ليتم تأميم الصحف وشركات الإنتاج الفنّي تحت ذرائع مختلفة.

تحرّكت دولة عبد الناصر في مجال الأغنية على مستويين أساسيين: المستوى الأوّل: امتلاك أدوات الإنتاج والبث، وبالتالي: التحكّم في الأغنية العربيّة والمصريّة، والمُسَاهمة في إضفاء تابع القدَاسة على نجومها المرضيّ عنهم، عبد الحليم وأم كلثوم نموذجاً، أو تهميش آخرين لانتمائهم إلى العهد البائد، صفر علي وفؤاد المستكاوي، أو لأن أغانيهم ليست أغانٍ هادفة، شكوكو نموذجاً.

pict0031

أما المستوى الثاني فقد كان جزءاً من خلق عملاق وزارة الثقافة، وقاده وقتها زكريا الحجّاوي الذي طاف المدن والأقاليم لجمع الفنانين الشعبيين من الموالد ومن الفضاء العام، وتحويلهم لموظفين يؤدّون فقرات ثابتة وجاهزة على مسارح الدولة.

لكن ومثلما تعملنا من “فوكو“: أينما وجدت السلطة وبدأت في ممارسة أدوات تسلّطها، وجدت المقاومة. لذلك، لم تمر عملية سيطرة الدولة على الأغنية من دون مقاومة التي برزت أوّل صورها في تجربة الشيخ إمام. لكن على هامش آخر، ومع نهاية الستينيّات، ظهرت مجموعة من الفرق الشابة المتأثرة بالتطورات النوعية التى حدثت في مجال الأغنية في أوروبا وأميركا. وتجلّت في عدد متنوّع من الفرق بداية من”The Rocket” و“The Black Coats”، ومشاريع إسماعيل توفيق الحكيم الذي مات منتحراً بعد ذلك في ظروف غامضة.

للآسف، لم تحمل تجارب تلك الفرق خلفها ميراث آيدولوجيّاً أو جماعة ثقافيّة مولعة بأمجاد التاريخ كاليسار لكى تحفظ لنا تجاربها الموسيقيّة. بينما توفّرت مثل هذه الظروف للشيخ إمام، الأمر الذي كفل لتجربته الاستمرار التاريخي كنموذج لما سيعرف بعد ذلك بـ“الأغنية الملتزمة“.

توسّع الهامش أكثر فأكثر مع سنوات السبعينيّات والثمانينيّات كنتيجة لتراجع تسلّط الدولة النسبي على مجال الفن والثقافة، ولظهور تقنيات بث ونشر جديدة أقل تكلفة وأوسع انتشاراً ويصعب السيطرة عليها كشريط الكاسيت، حتى أصبح هناك تيّار غنائي كامل يعرف باسم “الأغنية البديلة“.

لم يتّضح أبداً ما هو التعريف الدقيق للأغنية البديلة، لكن اصطلح على وصفها بالأغنية القابعة في الهامش بعيداً عن آلات البث الخاضعة لسيطرة الدولة التى تضخّمت لتصبح نظاماً وشبكات إنتاج خاصّة قد لا تكون تابعة للدولة، لكنها تمارس دور النظام الحاكم. لكن تسمية “الأغنية البديلة” لم تشمل أبداً الأغنية الشعبيّة بداية من أحمد عدويّة وسلالته، بل تم وضعهم في ركن منفرد، أو التعامل معهم كإفراز لحالة مجتمعيّة سياسيّة ملتبسة وغير مفهومة.

جاء ذلك في وقت تراجع فيه اهتمام الدولة مع الوقت بتأكيد سيطرتها على المجال الثقافي والأغنية، إلا في قضايا حساسّة، وللحفاظ على الخطوط الحمراء في الوقت ذاته. صحيح أن الآلة الإعلاميّة للدولة، والتي ظلت الأضخم والأوسع انتشاراً، حافظت على انحيازها للأغنية للرسميّة– لكن على حساب لتجارب الموسيقيّة المختلفة الشابة، أو حتى لتلك التي تحمل اسم الأغنية الشعبيّة، ناهيك عن استبعاد الغناء المحلّي، وكل ما هو خارج القاهرة من الطنبورةوحتى الغناء البدوي، والتعامل معها كمنتجات فولكلوريّة مكانها مساحة بسيطة في فرق الفنون الشعبيّة.

مشهدان وبضعة أسئلة

طوال أيام الاعتصام الذي أعقب مظاهرات 28 يناير، كان الميدان ساحة لإذاعة الأغاني الوطنيّة، بداية من تلك التي ظهرت مع المشروع الناصري المجهض، وحتى أغاني الفرق الشابة الجديدة التي تكرّر نفس التجارب القديمة، وتخلط هتافات المظاهرات بالموسيقى.

كان الميدان بالنسبة لكثيرين حالة من حالات الفن الجميل. وفي يوم 11 فبراير في ميدان التحرير، وفي إحدى الإذاعات، ومع ارتفاع موجات فرحة الجماهير وطوال أكثر من ثلاث ساعات، كانت الموسيقى التي يتم بثها هي موسيقى المهرجانات فقط: بداية من عمرو حاحا وفيجو وحتى 8%. لماذا اختفت حالة الفن الجميل مع الاحتفالات إلا من شرفة حزب التجمّع فقط التي كانت تبث أغاني عبد الحليم يومها، وتم استبدالها بأغاني المهرجانات، ومنها أغنية مهرجان “يا حسني سيبنا حرام عليك“؟ ولماذا بعد ذلك تقوم مؤسسة كالمورد الثقافي باستضافة نجوم المهرجانات كـ“إسلام شبيسي” و“عمرو حاحا” في مسرح الجنينة؟ بينما تستضيف البرامج الحواريّة على التلفزيون الرسمي والقنوات الفضائيّة فرق كـ“إسكندريلا” وغيرها؟

جرت العادة أن تختار شركات المشروبات الغازيّة نجماً غنائيّاً عالميّاً وعربيّاً ليقوم بحملتها الإعلانيّة السنويّة. وكانت بورصة النجوم تتغيّر تبعاً للنجم الذي ستختاره الشركة كل عام. اختيار نجم ما لإعلان واحدة من شركتي المشروبات الغازيّة يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام.

بعد عام من الثورة، اختارت شركة مشروبات غازيّة فريق “وسط البلد” للقيام بحملتها الإعلانيّة، بينما اختارت الشركة الأخرى فريق “كايروكي“. تنتمي الفرقتان للأغنية التى ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافيّة المستقلة التي كانت تستضيف حفلاتهم، أو من خلال تسجيلاتهم التى كان يتم تبادلها مجاناً على الإنترنت. لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية؟ لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلالأو محمد فؤاد، رغم أن الثلاثة قدّموا أغاني للثورة؟ وهل يمكن استمرار وصف الأغنية التى تقدمها فرق موسيقيّة تقوم بعمل إعلانات لشركات مشروبات غازيّة بأنها أغنية بديلة أو مختلفة أو مستقلة؟

“التطوّر الطبيعي للحاجة الساقعة“

في كتاب عبد الله كمال وابراهيم عيسى عن الأغنية البديلة الذي صدر في طبعة واحدة تقريباً على نفقتهما في الثمانينيّات، يبدي جميع الفنانين الشباب الذين يقدمون ما اصطلح عليه المؤلفان باسم “الأغنية البديلة” استياءهم من اضطرارهم للغناء في كباريهات شارع الهرم. مصطلح الأغنية البديلة في الثمانينيّات كان يعني تجارب علي الحجار ومحمد منير وجيلهما الذي حارب في سنوات “العدم” من أجل وجود مكان وشركات إنتاج تتبنى تجاربهم الغنائيّة.

لكن مع بداية الألفيّة، ومع سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التي سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها تلك التي تركز على التنمية الثقافيّة، تغيّر المشهد ليصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمّى بـ“الفن البديل” في كل المجالات ومنها مجال الأغنية.

سمحت هذه المنظومة بتكاثر الفرق الغنائيّة الشابة، وبتوفير المسارح وخيارات الدعم. لكن ظلّ معيار استحقاق دعم الفن، لدى هذه المنظّمات، مقتصراً على تلك التجارب الغنائيّة التي تتكئ على تراث مشاريع الأغنية البديلة منذ الستينيّات. لهذا، حمل قاموس الكلمات والجمل اللحنيّة في تلك التجارب الغنائيّة أطياف وأرواح تجارب سابقة، بل وأحياناً بدت بعض تلك التجارب استنساخاً لما كان.

لم تكن منظومة إنتاج الفن المستقل، التي وفرتها مؤسسات التنمية الثقافيّة المختلفة، تتحرّك أيضاً بالحريّة الكافية:إذ حافظ ظل الدولة ونظامها وخطوطها الحمراء على التواجد، ثم ظل الخطوط الحمراء بالنسبة للمجتمع والذوق العام. الأمر الذي أثّر بدوره على طبيعة تلك التجارب الفنيّة، فابتعدت عن المحظورات السياسيّة والاجتماعية أو الحسيّة. وخارج هذه الخطوط، لن تجد لك مكاناً تحت ظل صناعة الفن المستقل.

لكن التطور التكنولوجي في تلك الفترة أيضاً فتح أبواب لعالم آخر من خلال الإنترنت. فحتى إذا كنت بعيداً عن منظومة الفن البديل، ولا تمت بأي صلة للفن الرسمي، وحتى إذا كان ما تقدمه محاولة للتجريب أو التخريب أو العبث، يمكنك من خلال الإنترنت نشر تلك التجربة بدون اشتراط الكشف عن الهويّة عليها إذا كانت لديك تخوّفات من ردود أمنيّة أو اجتماعيّة.

سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة. وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم.لهذا، لم يجد مكان مثل “الساقية“، الذي كان يرفض في بدايته استضافة حفلات الفرق التي تقدّم موسيقيي “الراب“، أمامه بعد فترة إلا القبول بهم، خصوصاً بعد أن تحوّل بعضهم بفضل الانترنت إلى أسماء لديها جمهورها.

نهاية العالم القديم

خلق تكاثر وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة من قنوات فضائية لإذاعات لصحف معادلة أخرى: الحاجة إلى منتج لتغطية كل ساعات البث والصفحات البيضاء، وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام بالشأن السياسي. هنا، يزداد الطلب على الأغنية الوطنيّة، وتصبح المطالبة برد الاعتبار للفن البديل في تصوّر البعض نوعاً من الانتصار لوجهه نظر سياسيّة.ناهيك عن استخدام الأغنية في خدمة العمل السياسي كنوع من البروباغندا الإعلاميّة. وفي هذا الحالة، لا يصبح التقييم الفنّي – الذي هو بطبعة مسألة نسبيّة– مسألة تقتصر على مستوى مكوّنات العمل الغنائي، بل تمتد لتشمل طبيعة رسالته السياسيّة والآيدولوجيّة، ومواقف الفنان السياسيّة.

لكن المدهش أنّه بدلاً من أن يدفع هذا الأمر إلى تطوير الأغنية السياسيّة والوطنيّة تطوّراً نوعيّاً ينعكس على فن البروباغندا السياسيّة، تأتي تلك الأغاني خالية من أيّ طموح للاختلاف أو التجريب. بل يجمعها المباشرة والإصرار على استخدام القوالب الموسيقيّة الجاهزة، وبالتالي يختفي الفرق بين أغنية “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير” لحمادة هلال، وأخرى يقدّمها فريق “كايروكي” مع عايدة الأيوبي “ياه يالميدان كنت فين من زمان بتجمعنا“.

لم يعد الغناء البديل بديلاً لأي شيء. فقد روحه التجريبيّة وخياله غير المؤطّر، لكنه احتفظ بالختم التى حمله قبل الثورة: بوّابته الحاليّة نحو العالميّة والتجارويّة.

وفي هذا الحالة، لا يقتصر التحدّي فقط على الفنانين الموسيقيين بخروجهم من العباءة الهلاميّة لذائقة الفن البديل، بل أيضاً على تلك المؤسسات الثقافيّة التى رعت هذا الفن طوال السنوات الماضيّة، والتي يبدو واضحاً تخبطها أكثر من الفنانين أنفسهم في العام الماضي من حيث استضافة فرق موسيقيّة في تظاهرة كـ“الفن ميدان” في الشارع، واستضافة إسلام شبيسي على مسرح الجنينة.

وهو تخبّط يكشف ضمن ما يكشف أن مؤسسات الدولة الثقافيّة والفنيّة ليست الجهة الوحيدة التى تحتاج إلى إعادة هيكلة والتفكير في طبيعة رسالتها، بل أيضاً مؤسسات رعاية الفن البديل والمستقل والجديد حتى لا تسقط في حالة المهرجانات فقط.

النوايا الطيبة والإعلانات السيئة

نشرت في المصري اليوم في صيف 2013

تضايق بعض المسؤولين في جمعية «رسالة الخيرية»، بسبب الشائعات التي طالت الانتماءات السياسية لبعض كوادر فريق الإدارة وعلاقاته بقيادات جماعة الإخوان المسلمين. «رسالة» لم تكن لوحدها، فمعظم الجمعيات الخيرية التي طالما تلقت تبرعات من رجال أعمال من كل التيارات، ومنهم الإخوان، وتطوع فيها آلاف الشباب، ومنهم شباب الإخوان، سارعت إلى إنكار أي صلة لها بالإخوان. في سلوك يعكس مقدار جُبن قيادات هذه الجمعيات من الشائعات الإعلامية، لأنهم ببساطة يعتبرون ما يقدمونه عملًا في مجال الدعاية والتسويق، لا مجال التنمية وإدارة المؤسسات الخيرية.

 بدلاً من إنكار صلتهم بالإخوان، لماذا لا تتبع هذه الجمعيات أسلوبًا أكثر شفافية يكشف عن مصادر تبرعاتها وأوجه إنفاقها، وبدلاً من إعلاناتهم السخيفة القائمة على الابتزاز العاطفي، فنشر تلك الجمعيات لميزانيتها جدير بنيل ثقة المتبرعين وجذبهم.

لا نعلم عن تلك الجمعيات التي تجمع الملايين سوى العبارات الدعائية التي يعلنون عنها، ولا أُشكّك في نزاهة القائمين عليها لا سمح لله، بل أطرح أسئلة حول أوجه إنفاق أموال المتبرعين في تلك الجمعيات. يكفي أن تفتح التليفزيون أو الإنترنت أو حتى تمشي في الشارع لترى بنفسك إعلانات تلك الجمعيات التي تُقدّر حملات بعضها خلال شهر رمضان بالملايين.

عرف المجتمع المصري الجمعيات والمؤسسات الخيرية بأشكال متعددة وكانت دائمًا يد إنقاذ لملايين المحتاجين في مصر، وحكمها باستمرار مجموعة من المعايير الأخلاقية أبرزها أن تنفق بيمينك ما لا تعلمه يسارك، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت أشكال جديدة من تلك الجمعيات، تتم إدارتها بمنطق وأدوات المؤسسات الرأسمالية، فأصبحت الدعاية والإعلانات جزءًا أساسيًا من ميزانياتها. وهنا من حقنا أن نسأل: أين تذهب أموال المتبرعين بالضبط؟

 فزكاة المال وزكاة شهر رمضان مثلًا هناك جهات صرف في الشريعة الإسلامية محددة لها بدقة ووضوح، وهناك في مصر ملايين الأفراد في أمس الحاجة لأي قدر من المساعدة، لكن تخيل مثلًا أن «عشرة آلاف جنيه» من أموال المتبرعين لجمعية خيرية يكون مصيرها بدلاً من الذهاب إلى المحتاجين أن تذهب إلى إحدى القنوات الفضائية لشراء خمس ثوانٍ وسط مسلسل غادة عبد الرازق لعرض إعلان لتلك الجمعية.

لطالما كانت السرية في التبرع وفعل الخير بعيداً عن أعين الناس وسيلة لدفع الرياء والتفاخر حتى يكون الخير خالصاً لوجه الله، والآن يدافع المسؤولون في تلك الجمعيات عن حملات الإعلانات الباذخة بأنها وسيلة لجذب متبرعين ومتطوعين أكثر، ورغم أن وظيفة تلك الجمعيات مساعدة المحتاجين لا جذب مُتبرعين أو رفع رأس مال تلك الجمعيات، فهناك عشرات الأسئلة التي تحيط بأوجه التخطيط الإعلاني لتلك الجمعيات. فدفع كل هذه الأموال من أجل إغراق موقع «يوتيوب» مثلًا بإعلانات جمعية رسالة يفتح الباب للكثير من الأسئلة حول نوعية المتبرعين المستهدَفين، وهل يجذب اليوتيوب هذا القدر حقاً من المتبرعين؟

 ناهيك عن الدور الذي يلعبه القائمون على التخطيط الإعلاني في تلك الجمعيات في صب أموال المتبرعين في قنوات إعلامية محددة. لماذا مثلاً تحصل القناة (س) التليفزيونية على كل هذه الأموال من إعلانات الجمعية الأخرى، ولا تحصل القناة (ص)، وحينما يظهر مدير الجمعية في عشرات المناسبات والصور مع إعلاميين وأصحاب قنوات محددة لا يتم توجيه أموال الإعلانات إلا إلى برامجهم وإعلاناتهم، ونفس الإعلاميين يظهرون في إعلانات الجمعية ويدافعون عنها، فنحن هنا أمام «لوبي» وشبكة مصالح وعلاقات غير واضحة المعالم.

إذا كنا نطالب بمجتمع أكثر شفافية وانفتاحًا، يمارس فيه الشعب الرقابة على ثرواته ومقدراته، فالأولى بتلك المؤسسات الاجتماعية أن تكون أكثر شفافية، ويكون لديها ميثاق مهني أكثر رقياً وأخلاقاً. فهناك عشرات الأسئلة والملاحظات حول الرسائل التي تحملها تلك الإعلانات، على سبيل المثال واحدة من المؤسسات الطبية الخيرية تقوم كل رسائلها الإعلانية على انتهاك خصوصية الأطفال المرضى، وبينما تمنع المواثيق الطبية الأطباء والمؤسسات العلاجية الإفصاح عن أي بيانات خاصة بالمرضى، تقوم المستشفيات الخيرية بعرض صور الأطفال المرضى وأسمائهم، وتصويرهم في أكثر الصور بؤساً بشكل يستغل حاجتهم ومرضهم.

نعرف جميعًا هشاشة الوضع الاقتصادي المصري وافتقاده للعدالة الاجتماعية، ونرى بوضوح كيف يقوم الاقتصاد المصري على «الشحاتة» والتبرعات من الأشقاء العرب، بل حتى الدولة المصرية التي تجني الضرائب وتمتلك حق إدارة الثروات الطبيعية تمارس تلك «الشحاتة»، وكل فترة يروّجون لرقم حساب بنكي تبرع عليه حتى تنقذ اقتصاد مصر. كأن الاقتصاد هو خزنة إذا امتلأت بالمال فسوف يكون كل شيء على ما يرام، لا سياسات أو مناخ يكفل استمرار ونمو المجتمع. طبعاً نحن شعب بذاكرة سمكة، وننسى سريعاً ولا نسأل المذيعين أو الشيخ محمد حسان أو رئيس الوزراء أين تذهب أموال تبرعات إنقاذ مصر. مثلما أيضاً لا نسأل مثل تلك الجمعيات لماذا تنفقون أموالنا في مقرات زجاجية فخمة في أرقى أحياء القاهرة أو توجهونها لمنتجي المسلسلات من أجل مساحة إعلانية.

يمكن أن يستمر الوضع هكذا مثلما كان وسيكون، تجلس أمام التلفاز فيعرضون لك إعلاناً يتاجر بآلام المرضى والفقراء، ضميرك يوجعك، فتذهب للتبرع، ينفقون مالك على إعلان جديد يخبرك بأن هناك وجوهًا أخرى لإنفاق مال الزكاة ويقدم لك حالة بائسة أخرى، فتتبرع مرة أخرى. هذا حل لطيف يحافظ على وجود الفقراء حتى يتم استغلالهم في التصوير وتستمر تلك الجمعيات في شراء الأتوبيسات ورفع رأسمالها وإنتاج الإعلانات وتوزيع الأموال على القنوات التليفزيونية، وكلما وجعك ضميرك تُخرج مالًا وتعطيه لهم. أو حل آخر أن نبدأ في طرح الأسئلة والبحث عن وسائل أكثر نزاهة وفاعليه لإنفاق وإدارة ملايين التبرعات الخيرية.

 

كروش ونعوش

نشرت في المصري اليوم في 2013
مهما تناولوا من مشهيات، وسلاطات، وبابا غنوج وحمص وشاورما سوري وكباب وكفتة وسيارات فارهة ومنازل بحدائق وخدم وحشم، لا تمتلئ أبداً كروش «الشيوخ».
وفي هذا يقول ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا». والحمد لله لم يعد في عصرنا أمراء، بل أمير واحد هو الرئيس باراك حسين أوباما ومعه مجلس الكونجرس الموقر، وهم  في العاصمة «واشنطن دى.سي» لا يفتحون الأبواب للعلماء بل يصدرون إليهم الأوامر فيطيع الشيوخ الأمر ويهبون لتنفيذ رغبات أمير المؤمنين.
رأينا كيف ما إن وافق الكونجرس الأمريكي على تسليح المعارضة، كيف هب شيوخ الكروش من كل مكان ليطرقوا أبواب السلطان، القرضاوي في السعودية، والعريفي يدعو لمرسي في مصر، وأخيراً كل نخبة كروش الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح المعروفة باسم تكية شهبندار التجار خيرت بيه الشاطر الزغلول الكبير.
يقف العلماء أمام مرسي لا يسألونه عن ضحايا التعذيب الذين يموتون على يد جنده وضباطه في وزارة الداخلية، ولا يعاتبونه على كذبه المستمر بل ينافقون ويمدحون ويتغزلون في حلاوة دمعته ويقبلون الأيادي أمام الشاشات.. إذا لم يكن هؤلاء هم علماء كروش السلطان، فماذا يكونون؟
أوباما يعطي الأوامر، ملوك النفط في الخليج يدفعون، يلبي الشيوخ بكروشهم وألسنتهم الملتوية يزيفون الحقائق ويخدعون الناس لمصلحة السلطان. أو كما قال أحمد عدوية «هما الإدارة يا ليل.. واحنا الحيارى يا ليل». لكن كروش الشيوخ لا تشبع ولا تمتلئ مهما منحهم السيد الأمريكي من سلطة وتطمينات، ومهما انهال عليهم أمراء الخليج بالقروض والودائع، لا تمتلئ كروش الشيوخ إلا بالدم ونعوش الشباب الذين يدفعونهم نحو الموت باستمرار وإصرار وعزيمة لا تلين. فقط النعوش تملأ كروش الشيوخ.
كيف إذن يحصل شيوخ الكروش على نعوشهم؟
من خلال لعبتهم، التدليس، والنفاق، وتزييف الحقائق. فيصبح الاختلاف السياسي والمظاهرات أو التمرد يوم 30 يونيو فرصة للتكفير ودعوة للشباب للجهاد ضد الكفار المتمردين، كما يقول محمد عبد المقصود الشيخ المهاجر من ضيق السلفية وشحها إلى رحابة الفتة والمشويات في كرش الزغلول الكبير. يحب كرش عبدالمقصود دماء المتظاهرين السلميين الكفار العلمانيين والرافضة الشيعة.
أما علي السالوس ومحمد حسان، فكروشهما لا تكفيها هذه الأمور التافهة، وهم مستعدون للتلاعب بآيات الله، والمصطلحات الفقهية بحيث يتحول «رد الفئة الباغية» إلى «جهاد في سبيل الله»، وبحيث يتحول الصراع في سوريا لا بين شعب يحلم بدولة آمنة ديمقراطية متعددة الهوية والعرقيات، بل صراع بين فئتين سنة وشيعة رافضة، والنصر بالنسبة لحسان والسالوس لا يتحقق إلا بالذبح والنحر، وإبادة كل الرافضة الشيعة ورفض الحوار معهم ومنعهم من دخول البلاد.
يخاطب حسان والسالوس المواطن الجالس بلا كهرباء ولا ماء، يعددون فضائل وخيرات سوريا، ثم يدعونه إلى الجهاد، فإما الشهادة وإما الغنائم من خيرات الشام.
ومثلما ارتوت كروش شيوخ قبل ذلك بدماء الشباب المصري الذي تم إلقاؤه في الجحيم الأفغانى الذي كان حلالا وقت الجهاد ضد السوفيت وحرامًا الآن ضد الأمريكان، تنتظر كروش الشيوخ في تكية خيرت بيه الشاطر (هيئة الحقوق والإصلاح) النعوش التي ستأتى من سوريا وتروي وتملأ كروشهم. لن يتحرك أحد منهم بل سيدعون للجهاد من القاعات المكيفة في فنادق القاهرة كيهود موسى حينما قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فلدينا كروش نحتاج لملئها بالدماء والنعوش.
ورغم أنهم في السلطة ورئيسهم المنتخب كان حاضراً، ومجلس الشورى في يدهم. فهم لن يختاروا الطريق العلنية. لن ينادوا بخطة معلنة لتدريب الشباب أو تأمينهم أو حتى مشاركة القوات المسلحة المصرية فيما طالب به الرئيس مرسي من فرض لحظر طيران. بالطبع لا، للشيوخ طرق ملتوية أكثر تعبر عن نفسها ببجاحة حينما يهاجم الشيوخ الغرب الكافر والملحد وفي الوقت ذاته يطالبونه بأن يقف بجوارهم ويدعم السنة في سوريا ضد الرافضة الكافرين!
  أما هم فهم قاعدون على مؤخراتهم التي تأخذ يوماً بعد يوم شكل مقاعد مهرجى السلطان، ينتظرون الشباب الصغير ويرتبون طرق شحنه إلى سوريا في معركة بلا تدريب ولا تأمين ولا يعلم الهدف منها ليموت ويعود في نعش يغذي كرش الشيخ الجالس يسبح بحمد الرئيس في ظل خيرات الشاطر.