التنظيم السري

تدوينة من أرشيف المدونة تعود لعام 2011

شكلت مع مجموعة من الأصدقاء وزملاء أثناء المرحلة الجامعية “جماعة سرية” لم نسعي للحصول على تصريح من مكتب شئون الطلبة ولم نختر مشرفاً من أساتذة الجامعة. بنيناً تنظيماً قوياً وحديدياً. كان من الصعب أو المستحيل أن تشاهد اثنين من أعضاء التنظيم واقفين مع بعضهما. كنا ننادى بعضنا البعض بأسماء مستعارة، ونلتقي في أماكن سرية خارج وداخل الأكاديمية.

كنا نناقش في اجتماعاتنا أمور سرية للغاية ونتخذ قرارات سرية لا مجال للإفصاح عنها. نجحنا في تنفيذ الكثير من الأمور والأفعال السرية التى تخدم أهداف الجماعة السرية، وفشلنا في تحقيق بعض الأهداف الأخيرة. كان أمين الصندوق لفترة هو “دال” وكان يبدأ الاجتماع كل مرة موجهاً حديثه لى “خربان أنت والبلد خربانة”.

في هذا الزمن البعيد كنت أشرب دواء السعال لما يحتويه على مواد مكيفة وأدخن سجائر الكليوبترا الخشبية بكثافة، وادندن وأنا تحت الدش “الدنيا خربانة/ المنصورة خربانة/ يا أحمد يا كباكا خربانة“. العالم كله لم يكن يساوى خراء جاموسة علق في حذائي ولم أكن أهتم بأى شيء آخر إلا الجماعة وأعضاء الجماعة.

جاء “دال” ذات يوم، وفي مخالفة فاضحة لقواعد تنظيم العلاقات داخل الجماعة وقال “مان.. أنا سحبت فلوس من الصندوق” تصنعت أنى لا أنظر له وحافظت على تعبيرات وجهي جامدة “ليه؟!”

رد منفعلاً: زعيم الميتال دخل المستشفي وكانوا عايزين فلوس علشان يعملوا له عملية وينقذوا له حياته.

ملابسة دائماً سوداء، ويرتدى الكثير من الحظاظات والسلاسل. كان “دال” من الموغلين في عوالم موسيقي الميتال. في فترات فراغه كان يمكن مشاهدته في ركن منزوى ممسكاً بموس يجرح جلد ساعده به.

بتعمل ليه كدا يا “دال”؟

ينظر لك مذهولاً “مش هتفهموا… مش هتعرفوا لازم تشوفوا اللى أنا شفته.”

وكان “دال” يحب “زيزو” لكن هذه قصة آخري. القصة التى تهمنى أولاً يوم قاد زعيم الميتال سيارته البورش بصحبة صديقته حتي هضبة المقطم، ثم أخرج من حقيبة السيارة منشار كهربائي وقام بقطع صديقته لنصفين، ثم قطع السيارة البورش لنصفين، ورمى كل شيء من فوق هضبة المقطم، وفي طريق عودته مشياً على الأقدام صدمته سيارة ونقل على المستشفي وكان أول من حادثة ليطلب منه مال للمستشفي “دال”. بعد أن استمعت لتلك الحكاية الخرافة سألت “دال”:

سحبت كام من الصندوق يعنى؟

-بتاع خمسة آلاف جنيه.

أحه…. شخرت بصوت عالى ثم انصرفت وأنا اسب الدين لكل شيء.

تم الإعلان عن اجتماع طارئ في هذا اليوم، ذهبت مبكراً لمقر الجماعة السري وهناك وجدت شرموطتين جلبهم “ميم” و “مام”. كانت الشرموطتين بقمصان النوم ويتحركان في الشقة السرية والأوراق والمستندات السرية. دخلت لغرفة قيادة العمليات فوجدت احداهن بتبعبص في المروحة قالت لى “والنبي يا اخويا المروحة دى بتشتغل ازاى” من الصالة كان “ميم” يتسارع مع “مام” حول تشغيل شريط سميرة سعيد الجديد أو تشغيل شريط منوعات يضم أغانى أجنبية.

شعرت أن العالم كله انهار من حولى. على المكتب وجدت ملف مكتوب عليه عملية “فرجينا والف” سري للغاية. بعثرت الأوراق. وأخذت أكسر كل ما في الغرفة والشرموطة تقول “بسم الله الرحمن الرحيم.. صاحبكم اتجنن”.

خرجت من الشقة السرية ولم أعد مرة ثانية للجماعة.

كولاج بدائي
كولاج بدائي قمت بتنفيذة عام 2012

اهدأ أحمد تنشق رائحة ريم -نص يعود إلي عام 2006

يعود هذا النص إلي أرشيف المدونة عام 2006، أعيد نشره هنا لأغراض شخصية وللحنين إلي المستقبل القادم

ماذا الآن؟!

و هاأنا قد صرت أب. لدى طفلة جَميلة عُمرها ست أيام، و مهنة طَيبة، و حيَاة صَاخبة مَليئة بالقفزِ و الجري و المُشَاغبات و الاستفزاز و اللعب و المرح و الشجن الذي لا ينتهى، كيف من المفترض أن أصبح أب؟ هذه مشكلة لكن حكايتي شرح يطول.

السبت المَاضي، كان لدى عمل طويل و مهَام أكثر يجب إنجَازها، و في المسَاءِ حفلة وداع خَالية من الكحول لعدد من الأصدقَاء، و حين عدت للمنزل في السَاعةِ الثانية، نَظرت لي في تأنيب و أنا اكتشفت أنى قد نسيت شرَاء الدواء و الحضور بَاكراً لأن هناك طفله يفترض بعد سنتين أن تقول لي بابا؟ حسناً لدى الآن اعترَاف…لستْ نَادماً على شيء لقد عشتُ حيَاتي كما أحببت و قدمتُ التنَازلات و التَضحيات التي رأيت أنها لن تؤثر كثيراً على سلامي الدَاخلي، كرهت السبَانخ، و أحببتُ الفاصوليا و البامية، أكلت الكافيار و لم أحبه و فضلت الجمبري و البورى و كميات ضخمة من البطاطس المحمرة، لم أحب الكابتشينو و فضلت القهوة باللبن دائماً أحببت ثلاث فتيات و أبحرت في أربع علاقات عاطفية، و لم أنتظر كثيراً حتى أجد حبي الكبير المبنى على الهندسة العقلية و المدعم بالخيَالِ و المرحِ و المُنتج بعد ذلك للبهجة التي لا أزال أيعيش فيها إلى الآن.

أنا اعترف.. لا تقاطعني من الخطأ أن تقاطع مدون حين يبدأ في الاعتراف بحياته السرية التي لم يكتب عنها من قبل، أسمي أحمد و عمري 27 سنة، لست نادماً حتى الآن على نصف القرن هذا. لم أكره أحد بشكل مطلق فشلت في ذلك، انزعجت من بعض الأشخاص و اتبضنت من البعض، لكن من آذوني بشكل قاسي تلمست لهم العذر ..ماذا يمكن أن تقول مريض نفسي بقي هاهاهااه…

أصبت طبعاً بالاكتئاب و الملل و بصقت كثيراً في الشارع و رميت أعقاب السجائر و أكياس الشبيسي على الأرض، و لم أحب شيء في الحياة مثل حبى للصحبة الحلوة …و البركة في اللمة.

كثيرا ما اتبضنت من الرسائل التي يكتبها البعض لأولادهم، يعنى يبدأ الكاتب هكذا ((عزيزتي ريم- اسم ابنته- اكتب إليك هذه الرسالة و أنت لم تتعامى الكلام بعد لا أحد يعلم ما الذي قد يحدث في الغد ..{ثم فاصل من الابتزاز العاطفي للقارئ }.. أحبك قوى يا ريم، مثلما أحب مصر يجب أن تحبي مصر يا ريم ..{ ثم فاصل من الابتزاز لمشاعر الجماعة و الوطنية للقارئ} .. التوقيع بابا حبيبك)) ثم ينشرها في جريدة ما و بعد ذلك في كتب يضم أعماله الكاملة.. أقول لك يا ريم أن هذا خراء, و أبوك لن يفعل ذلك و لن يكتب أبداً هكذا.

سوف نتناول النبيذ معاً و حينما تكبرين سوف يكون دخلي المادي أكبر بشكل يسمح لنا أن نذهب سويا لتعلم الرقص و سوف أخبرك باعترافاتي السرية التي لم أطلع عليها أحد، بداية باكتشافي العادة السرية و انتهاء برأي في المشكلة  الفلسطينية الإسرائيلية، سأحكي لك عن الخليل الكردي الذي يحمل خطأَ الجنسية السوري و جمال الكشميري الذي يحمل خطأ الجنسية الباكستانية، و أحمد عبد الله الذى سيصبح وقتها لاعب كرة قدم أكثر شهرة من عماد متعب، و حماده الاسكندرانى، و حودة الجامد، و تامر تموره و عمو فادى و خالتو منى، حاتم العماوى و البطوطى و بالطبع الريس مهابوف، سنمضي وقتاً طويلاً و أن أحكي لك عن الأستاذ عبد الناصر و أقرب شخص لقلبي أحمد جيفو، و عبد النبي، و سعد القذر و نعمان المنذر، و هاجر، و سوسو الشهيره بثوثو، ربما جورج أو عادل أو يارا أيضاً لكن من المؤكد أن سأحكى عن بنش الصعيدي الطيب، و آل غربية و علاء و منال و سمورة التائه في أدغال شاشة حاسوبه المحمول و نيرمين الودودة التي تعرف كل شخص، و جاين الطيبة، و يسرا الشريرة، و نهال التي تظهر فجأة و تختفي فجأة.

 سوف نمشي معاً في الدقي و ستستغربين لم أحب هذا المكان، و إذا كان لا يزال حياً سوف أحدثك عن شريف و عبس و الساكن بين عيونى إيهابوف و بابا i.b، شادى، المليجى، الوكيل، الغمري، ممنوخ، حمكشة، السلطان، فوكس، الحاج راضي، أما الأخير فهو يخاف على حياته الخاصة لذا لن أتحدث عنه و أمك سوف تحكى لك عن شيراز و ليالي المنصورة.

هؤلاء هم أهلنا مثلما قال لينين، هذه العبارة الشعرية التي تسكن القلب محملة برياح المحبة كيف توصل لها هذا المحمل بثقل الأيدلوجية و جماعية الخطابة.. هؤلاء هم أهلنا.

آه حكايتي شرح يطول.. فأسمعي و أنصتي فأنا اكتب بلغة لن تريثها منى، و لن يكتب مثلها أحد بعدى، ليس لأني عبقري، بل لأنه ليس بالإمكان أن يعبر أحدهم النهر مرتين.

الحب

((أنت شايف الحب كله\ عيونى و همس\ لكن أنا شايف\ أحلى كلام عشاق يا حبيبي\ هو كلام الشفايف\ أنت ..)) هكذا غنى عبد الحليم حفظ في نبتدي منين الحكاية يا ريم . بإمكاني أن أكتب لك مجلدات ضخمة عن الحب لكن لا شيء قد يصل لقلب النار و مثلما كتبت قبل ذلك ليس بإمكاني أبداَ أن امسك الحب أو أعرف كينونته، من منكم يستطيع أن يصل لجسد الحب أن ينشب أظافره في لحمه، أن يجرح ساقه بسكين أو موس، أن ينزع قلبه أو يشوه وجهة… من منكم كذلك فليرمني بحجر و يكتب لريم.. هكذا يجب أن تقرأي الحب و أن تشاهديه.. خدعة لم يصل أحد لجسده أو يحدد وجوده، طبعاً ستجدي كلامي حديث أب مخرف، و في الأغلب لن تأخذي به… خوضي التجربة إذن و اركلي العالم في الحائط حتى ينزف أو ينكسر الحائط .

أمك الآن نائمة و أنت كذلك.. الأطفال في شهورهم الأولى ينامون بعمق لفترات طويلة، هكذا يقول الكتاب الطبي، الكتلوج الذي استعين به في التعامل معك هذه الأيام… حقاً معلومة قيمة!!

الأطفال في شهورهم الأولى ينامون بعمق لفترات طويلة.. كان ينقصها إضافة عبارة مثل، و الآباء الغير متكيفين نفسيين –مثلى- يسهرون يفكرون ما هى حقاً مشاعر الأبوة.. آه كم أتمنى لو أمزقك أيها الحب..

البضان

 

الجيل الذي انتمى إليه من حقه أن يَفتخر بأنه صَاحب هذا المنجز اللغوي الحقير، أعنى كلمة بضان ، هذه الكلمةُ الغول الذي أكل كل الصفَات و الحَالات الشعورية السيئة، عند الغضب نقول بضان.. عند الحزن نقول بضان.. عن الملل نقول بضان.. في حالة الظلم برضه بضان.. الإحسَاس بالوحدة بضان.. الرفض بضان.. عند الاكتئاب بضان.. في النهاية أكل البضان اللغة و أكلنا معها..

أصبح الكل مُعتقداً أن الحياة بضان و الكثير منا فقد القدرة على التميز بين الملل و الاكتئاب فالكل بضان، هناك المرَادف اللغوي الأخر لتلك الكلمة الخَاصة بالفتيات اللواتي يحملن أخلاق البرجوازية الصغيرة و هو مَخنوقة شوية، في كل الحالات الأمر خدعة ابتكرها هذا الجيل أنجى بنفسك من النَارِ و البضان.

يا ريم أوصيك بالدقة لا الوضوح، اصدقي الحديث مع نفسك و أتقني اللغة فهي لعبة الحياة، حين تحسين بالملل قول أنا اشعر بالملل و حين تشعري بالاكتئاب قولي أنك مكتئبة، أبداً أبداً لا تسلمي نفسك للبضان.. عيشي الحياة بكل تجلياتها لكن لا تنخدعي أبداً بالبضان فما هو إلا مرض ابتكره هذا الجيل.. خدعه مثل باقي الخدع فما الحياة إلا خدعة، عمك طوربارا يرسل إليك بقبلاته.

أحمد

 

هاهااهاها.. هل تعلمى من المفترض أن اسمي كان سيكون تامر، لكن القدر و التقاليد العائلية جعلته أحمد على أسمى جدي و خالي الأكبر، تخيلي لو كان اسمك ريم تامر …هاهاها

هيه يا ريم، لم أحب اسمي و لم أري فيه أي جاذبية، أنه ليس متفرد، لا يثير أى اندهاش، تعرفي شخص غير متكيف مثل أبوك بحاجة دائماً للفت أنظار الأخرين ليس طمعاً في الشهرة و لا الخلود بقدر ما هو حاجة إلى الدخول في حياة الآخرين، المودة اللم. إليك سر أخر هل تعرفي هذا الاسم ألف .. ليس المقصود هنا الألف كعدد بل الألف كحرف الـ(أ) ، أنه أول حرف من اسمي، و بالإمكان استخدامه كاسم مستعار، لكن حين انتبهت لهذا اللفظ الجميل و الاسم الملفت كان هناك بالفعل من يحمله..

هيه يا ريم، استخدمت الكثير من الأسماء المستعارة طوال حياتى لكن و لأنه بالأمس سجلت اسمك هكذا ريم أحمد فها أنا منذ الآن اكتب بذلك الاسم و أحمله… أحمد

تصدقي اسم جميل يا بنت…في هيرمونيه برضه، أوعى تكوني مش بتعرفي ترقصي شرقي!!

الزمن

 

سنة و اثنين و تلاته و هووب\ و الحلوة بكرة هتكبر و تحب.

للأسف لم نشترى أنا و أمك كاميرا ديجتال بعد لكي ألتقط صورة لوجهي الآن، يجب أن تري الابتسامة الزئبقية المرسومة على وجهي الآن، ((الحلوة بكره هتكبر و تحب)) … أحــيه على المسخرة ما هذه الرومانسية التي و اللغة المتدلعه التي أكتب بها، كأني الست نعامه أو عصفور متدلع، ياه على الزمن.. من كان يتصور؟!

خافي من الزمن، و اتقي شره بأن تبتعدي عن المطلقات و لا تصدري أحكام قاسية على نفسك، فليس هناك من يعلم ما الذي يمكن أن يحدث، في مرحلة ما قررت أن لا استغرق في علاقة عاطفية أكثر من سبعة شهور و لا أعرف لماذا؟، ثم التقيت بها، و لم نفكر أبداً في الزواج، عشنا حياة طيبة و ألعاب ايروسيه مرحة و رغم العوائق الاجتماعية لم نتعرض لمضايقات تستحق الذكر ما الحاجة إذن للزواج، لكنه الزمن و هاأنت قد حضرت للحياة… الزمن، الزمن، الزمن..  هذا درس يجب إضافته لكتاب دليل الآباء في تربية الأطفال من سن يوم لثلاث سنوات، الحياة تتغير و أنا أتغير حتى أنت ستتغيرين و سنة و اثنين و ثلاثة و هووب\ و الحلوة بكره هتكبر و تحب

 

هدئ السرعة هنا توجد ريم

 

ماذا حدث يا أحمد؟

لما تَكتبُ هكذا؟ و لما تَري الأمور على هذه الطريقة، قلبك خفيف يا ولد، خفيف، و أضعف من قلب فتاة محجبة ، هذه الإنسَانيةُ و التسَامحُ الذي تُمارس به الحياة من أين أتيت به، اهدأ يا أحمد و تنشق رائحة ريم..

 

عشرين ألف جنيه غرامة

قضت محكمة الجنايات أمس بإدانة أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام، وتغريمه 20ألف جنيه مصري.

وقائع القضية تعود إلي عام 2014 حينما تم اتهامي وجريدة أخبار الأدب بخدش الحياء العام بعد نشر فصل من روايتى “استخدام الحياة”، حيث قضيت محكمة أول درجة بالبراءة، ثم استأنفت النيابة العامة فقضت محكمة الاستناف بالإدانة وحبسي لمدة عامين. قضيت منهم 300 يوم في السجن، قبل أن تقضي محكمة النقض بوقف تنفيذ الحكم مع المنع من السفر كإجراء احترازى، ثم قضت محكمة النقض بقبول النقض وإعادة المحاكمة.

في يناير 2018 قضت محكمة الاستئناف بعدم اختصاصها نظر الدعوة وبإحالتها إلي محكمة الجنايات التى أصدرت حكم الأمس.

لا يزال المنع بالسفر سارياً. سنتبع الاجراءات القانونية للتقدم بطلب لرفع المنع الذي كان إجراء احترازى مرتبط بنظر القضية. ونلتمس من العدالة الموقرة النظر بعين التقدير للظرف الانسانى الذي يستدعى ضرورة سفري في أقرب وقت ممكن.

 

مهما تمكنت من تعداد كلمات الشكر والثناء لا استطيع التعبير عن مدى شكري لفريق الدفاع الأساتذة؛ ناصر أمين، محمود عثمان، ومحمد عيسي على دعمهم ودفاعهم ووقوفهم معى على مدار ثلاث سنوات من عمر القضية. والشكر دائماً موصول إلي الأساتذة نجاد البرعى، خالد على وكل الأساتذة.

أدين بالفضل لقدرتى على الاستمرار إلي دعم ومحبة عائلتى، وكل الأصدقاء الذين أحاطونى بمحبتهم وهداياهم التى أتمنى أن استطيع رد ولو جزء بسيط منها. وإلي الروابط التى تجمعنى مع كل الشغوفين بالأدب والكتابة والمؤمنين بحرية الرأى والتعبير.

“ألف شكر.. ألف شكر” بصوت محمود الخطيب

ضد الجمال، ضد السلطة التنفيذية

 

7_henein
جورج حنين الشاب على رمال مصر في انتظار عبور القطار

 

في إطار مشروع بدأته منذ سنوات “بدأت في تجميع كل النصوص التى اتهمت يوماً، ونصوص تلك الاتهامات حتى لو كانت إدعاءات بخدش الحياء والذوق العام. أحلم يوماً بمتحف مخصوص للمواد الخادشة للذوق العامة. يمنع من دخوله ضعاف القلوب، من يعانون من أمراض الضغط، أو العاملين في قطاع أمن النفاق، وفضيلة الإدعاء.

من بين عشرات القصاصات التى جمعتها وجدت هذه القصاصة المرحة والتى تعود إلي ما يقرب قرن من الزمن. في عام 1935 كان جورج حنين مع ثلة من الشعراء والكتاب الشباب يصدرون مجلة باسم “أنيفور”. نشر حنين في تلك المجلة نصاً بعنوان “قاموس لاستخدام العالم البرجوازى” جاء النص مصحوباً برسوم كاريكاتيرية لكامل الديب. ووما جاء في ذلك القاموس المرح:

فوضى: انتصار الروح على اليقين.

جمال: سلطة تنفيذية.

كرامة: افتراض جاهز لأيام الاستقبال.

امرأة شريفة: احتكار جنسي.

فكرة: لعبة لا تنكسر، مجانية وأحياناً قاتلة.

شرعية: لجام الشعوب.

الأنا: الشئ الأكثر أهمية في العالم.

متحف: أكبر مزبلة معترف بها رسمياً.

عمل: كل شيء لا ترغب في فعله”

يخبرنى سمير غريب في كتابه عن السيرالية أن هذا القاموس أثار استياء عدد من القراء، بل أن كاتبة علقت على هذا القاموس المختصر في جريدة “البورص اجبسيان” بأنه كلام شباب مسكين بقلب ميت وروح جامدة. فرد جورج حنين بتهكم عليها قائلاً: “تأكدى من فضلك، أن نداءك المهزوز أثر بلا شك في الكتاب اللغويين الذين أوحت لك أخلاقهم بمثل هذه الاحتجاجات العنيفة. لقد كان هؤلاء المتوحشون الدمويون بالتحديد في طريق الغرق في الوحل، عندما وصلت رسالتك الثأرية لتنقذهم من ممارسة مهامهم”

طرق لتجنب عذاب الجحيم

في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.

أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.

ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.

في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.

قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».

على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.

في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.

يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».

اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.

من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»

في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».

في رحاب أعلَم السحَرة العرب

يخبرك الفلكي (المنجم) الساحر، بكل شيء ترغب في معرفته، لكنه أبداً لا يخبرك كيف يعرف هو، أو كيف يقوم بصنعته. قد يقول لك أن لديه فتوحات أو أنه “مخاوي” عفريتاً من الجن، أو، كما صرح الفلكي الشهير محمد فرعون مؤخراً مع وائل الابراشي، بأنه متزوج من جنيّة، وبالتالي فهي من تساعده في تنفيذ أعماله السحرية أو معرفة الحاضر والمستقبل من خلال الفلك والأبراج.

dav

خلال السنوات الأخيرة، انتشر طراز خاص من النساء، تقريباً يقصدن الكوافير ذاته، معظمهن بشَعر أصفر، شفاه مكتنزة، وجه فخور بالعمليات الجراحية والخيوط الفرنسية التي تشده، ونظرة تحدق في الفراغ. يصاحب اسمها لقب “خبيرة الأبراج” أو “خبيرة الفلك”. والسؤال هنا كيف كونت هذه الخبرة؟ كيف حصّلتها وراكمتها حتى أصبحت خبيرة؟ السؤال الأكثر تعقيداً هو كيف يمكن تعلُّم السحر؟

الانترنت، وتحديداً “غوغل” وفيديوهات “يوتيوب”، تحتوي على شرح وتفصيل لعمل كل شيء. إذا أردت معرفة كيف تصنع سيارة مفخخة ستجد إجابتك. كيف تصنع قنبلة بدائية الصنع ستجد. كيف تطبخ الحشيش؟ كيف تزرع الماريجوانا؟ كيف تتعلم عزف الغيتار؟

كل الأفعال والمهارات، الشرعية وغير الشرعية، القانونية وغير القانونية، لها دليل استخدام في الانترنت، وعشرات الفيديوهات.. إلا السحر. من أين إذن يأتي كل هؤلاء السّحَرَة؟

الإجابة الكسولة التي يقدمها البعض هي أن تلك فتوحات أشبه بـ”الفتوحات المكية” لابن عربي أو “التجليات الصوفية”. وفي قبولك لهذه الإجابة ما يعني أن السحر موهبة. لكن حتى الموهبة تحتاج تنمية، والسحر مسألة مارسَتها الإنسانية عبر آلاف السنوات من تاريخها. فأين تراث الإنسانية من كتب السحر وتاريخه وتطوره؟

dav
غلاف كتاب السحر العظيم

من المؤسف أن المكتبات العامة تخلو من تصنيف لكتب السحر، كذلك الأمر في دار الوثائق ودار الكتب. وإذا دخلت أي مكتبة تجارية الآن، وسألته عن كتب السحر، فسيخرج لك مجموعة من الكتب، معظمها لمشايخ سعوديين أو سلفيين. هي كتب تَدعي أنها تُحَارب السحر غير الشرعي، وتقدم الرقية والوسائل الشرعية للتعامل مع عَالمِ السحر، لكن كتب السحر نفسه، صوت السحرة الملعونين طوال التاريخ، دائماً غائب.

لم يتعرض تصنيف كامل من الكتب للمحو والحرق والإبادة، مثلما حدث مع كتب السحر، والنتيجة أن واحدة من أقدم ممارسات الإنسانية، وكتبت وسجلت فيها عشرات الكتب والمراجع، كلها الآن أصبحت هباء. سراب ضائع في تحالف يجمع بين الرقابة السلفية، ورقابة الحداثة التنويرية، التي ترفض نشر كتب الدجل والشعوذة، لكنها تحتفي بكتب التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية، وألغاز النصوص الصوفية.

كتب مثل “الصارم البتار في مواجهة السحرة والأشرار“، أو غيره من أعمال وحيد بالى، وكتب واسعة الانتشار تباع في مكتبات السلفيين، إضافة إلى الكتب الدينية، تطرح نفسها كوسيلة للوقاية والحماية من الوقوع في حبائل الدجالين والمشعوذين، حيث يعتمد المؤلف على عدد من التفسيرات للقرآن والسنّة، ويستخدم الآيات والأدعية النبوية وتكرارها كوسيلة للقضاء على الأعمال الشريرة وإخراج الجن من أجساد النساء البائسات اللواتي سكبن ماءً ساخناً في الحمام من دون أن يتعوذن من الشيطان. لكن هذه الكتب لا تدلّنا كيف يمكن تسخير الجان، أو كيف يمكن قراءة الأفلاك.

يدافع الفلكيون، خبراء الأبراج، عن شرعية عملهم. لديهم تفسيرات خاصة من القرآن والسنّة. يستشهدون بالآيات التي أقسم فيها الله بمواقع النجوم، وأن في السماء بروجاً لتهتدوا بها. ولهذا، فما يمارسونه شرعي ورسمي من الكتاب والسنّة. لكن بينما يقدم لنا وحيد بالىخلاصة تجاربه وكيف يمكن استخدام القرآن والسنّة لعمل السحر المضاد والرقية الشرعية، فالفلكيون المدنيون لا يكشفون أبداً سر الصنعة. لأنه مهما بلغ علمهم ومعرفتهم، فلن تصل أبداً إلى معرفة وأعمال وكتب الأستاذ عبد الفتاح السيد الطوخي، مدير “معهد الفتوح الفلكي لمصر والأقطار الشرقية”.

للطوخي عشرات الكتب والعناوين في كل تصنيفات السحر وأنواعه، بداية من مؤلفه القصير “نهاية العمل في علم الرمل”، حتى تخصصه الذي كتب فيه مؤلفات واسعة وهو علم الحروف وقدرات كل حرف وسره، وجمعها في كتابه “البداية والنهاية في علوم الحرف والأوفاق والأرصاد والروحاني”. تنتشر عناوين مؤلفات الطوخي في الانترنت. وفي الشبكات الاجتماعية ينتحل اسمه وشخصيته الكثيرون. فاسم الطوخي هو عَلَم لكل المهتمين بالسحر والعلوم الميتافيزيقية في مصر والعالم العربي. لكن رغم ذلك، لا نعثر على أي معلومات موثقة عن سيرته الذاتية، سوى الشذرات التي تركها هو في مقدمة كتبه، حيث يعرف نفسه بصفته مدير عام “معهد الفتوح الفلكي لمصر والأقطار الشرقية”.

خلال سنوات طويلة، حاولت العثور على كتب عبد الفتاح الطوخي، وحينما كنت أسأل أصحاب المكتبات القديمة، بعضهم لا يعرفه، والآخرون يهزون رؤوسهم ويجيبون بازدراء “مش بنبيع الكتب دي”. أما في النت، فالنسخ المرفوعة من بعض كتبه لا يُعرف أبداً مدى صحتها. أضف إلى هذا أن كتب الطوخي تحتوي في العادة، رسوماً وطلاسم ومنادل مرسومة ومكتوبة بخط يده شخصياً، وهو ما لا يتوافر مع النسخ الموجودة في الانترنت إن وجدناها.

موقع “النيل والفرات” يبيع نسخاً نادرة من كتبه سعرها يبدأ من ألف جنيه مصري (50 دولار أميركي) وحتى أربعة آلاف جنيه (200 دولار). لكن بفضل الصديق والمترجم والباحث في الأدب والتراث العربي، بن كوربر، خرجت من السجن لأجد هدية منه هي الجزء الثالث من كتاب السحر العظيم مع ورقة في ضرورة استكمال بحثنا عن الجزأين المفقودين.

الكتاب صادر عن مكتبة القاهرة في شارع الصنادقية (ميدان الأزهر)، لا يحمل تاريخ الطبع، لكن الأرجح أنه طُبع في الستينات أو بعدها. مثل معظم مؤلفات الطوخي، الصفحة الأولى تحتوى على صورته وتحتها بيتان من الشعر الذي دائما ما يضعهما:

 “المرء ضيف في الحياة وإنني/ ضيف كذلك تنقضي الأعمار

فإذا أقمت فإن شخصي بينكم/ وإذا رحلت فصورتي تذكار”.

يحتوى الكتاب على عدد من التمائم والطلاسم والأعمال، التي يمكن استخدامها في أغراض مختلفة، فهناك فصل لجلب وتهييج المحبة، عمل سورة يس الشريفة وطلسمها لمعرفة السارق، للصلح بين الزوجين، لعلاج الرمد، لزيادة البهجة والألفة، ولخلاص المسجون. ولتوضيح طريقة عمل كتاب الطوخي، نستعرض مثلاً طلسم “خلاص المسجون”، وهو يقع في باب حرف الـ(ب) حيث يوضح الطوخي أن للحرف شكلَين للكتابة، واحد عربي والآخر هندي. ويكفي نقش الشكل الهندي لحرف الباء، خمس مرات يوم السبت، على صحيفة من الرصاص ثم وضعها في باب السجن، ليخلص كل من فيه بإذن الله. لكن بعض الأعمال والطقوس أكثر تعقيداً وتستلزم ما يسميه الطوخي الرياضة أو الخلوة. حيث على القائم بالعمل اعتزال الناس والاستغراق في الطقوس التي يصفها الطوخي بالتفصيل. فمثلاً، لأجل التغلب على أعدائك فعليك أولاً، كما يقول، “الصلاة والصوم تنال الخير وتستريح من اللوم لأن كل شيء أصله العمل ومجاهدة النفس عن الشهوات ومخالفتها، فكن فطيناً ولا تكن عجيباً”. فمن دون الرياضة لا يمكن للأعمال أن تعمل، أما العمل نفسه فتكتبه في قعر إناء مدهون بالأخضر، ثم تصب الماء وتقرأ عليه سورة “قل أوحى إلى” وآخر سورة الحشر، وتشرب الماء على الريق فلا يقوى عليك أحد من الأعوان.

dav
طلسم في هيئة ختم سلمانى

أعمال وطلاسم الطوخي السحرية ليست دائماً مُسخرة للخير. فهناك باب مُخصص للأختام السليمانية وكيفية استخدامها لتسخير الجان، هناك فصول في الأعمال التي يمكن استخدامها لإهلاك الظالم، ولمنع النوم، لقتل الفسقة، ولهلاك المتمردين وللاحتراق في المحبة.

الجدل بشأن علم الطوخى لا ينتهي، بالنسبة إلى المؤمنين بعالم السحر والماورائيات هو أستاذ وشيخ كبير، وبالنسبة إلى غير المؤمنين فالكتاب مثل بقية كتب الطوخي، تظل كتابة فريدة وسحرها الأدبي لا يقاوم، لغة تغرف من التراث العربي، لكنه تراث مطمور، ليس التراث الأدبي أو النصوص الدينية القديمة، بل النصوص المتهمة بالهرطقة والدجل والشعوذة.

الكتاب كله كأنه درس يلقيه الطوخي على طالب شاب في علم الفلك والسحر، وبين ثنايا الطلاسم والتعاويذ يعطيه نصائح مختلفة في الحياة، مَن يصادق ومن لا يصادق، وكيف يجاهد شهوات النفس. وفي أحيان أخرى، يتحدث الطوخي عن نفسه. فتحت عنوان “وأما بنعمة ربك فحدث”، يكتب الطوخي “إنني كتبر مستتر في ثرى أرض، وأهل تلك الأرض في فاقة شديدة وكثير ما يمرون على الأرض، وينظرون لمعان بعض ذرات التبر، ولكن لا يفكرون ولا يبحثون. فإذا جاء أجنبي (يضع هامش هنا قائلاً: أن الأجنبي هو الموت) وبحث في تلك الأرض وأخذ تبرها، وعلمت بذلك أهلها ولا بد أن يعلموا لأن الأجنبي، سيزيع (هكذا كتبها في الأصل) ما عثر عليه من ثراء ونفع (يضع هامش هنا قائلاً: لأن العبقري لا يظهر إلا بعد الموت، كالمخترعين والفنانين والفلاسفة) فهنالك تندم المواطنون وهيهات أن ينفع الندم”.

هيهات أن ينفع الندم حقاً يا عم طوخي. ربما في وسط العتمة والصفعات المتتالية التي يتلقاها مشروع التنوير والحداثة العربي، يكون هذا اليأس فرصة لكي ننقب في هذا التراث أو بألفاظ الطوخي الفلكي “التبر”.. علنا نعثر على الذهب، أو وسيلة لإهلاك الطاغية.

dav
طلاسم هندسية مختلفة

 

الوطن هو الخنزيرة التى تأكل أبنائها

“وبدأ مد يفور تحت سطح ود ستيفن الهادئ وقال:

-إننى نتاج هذا العصر وهذه البلدة وهذه الحياة. سأعبر عن نفسي كما أنا عليه في الواقع.

فكرر دافن: حاول أن تكون واحداً منا. إنك ايرلندى في فؤادك ولكن كبرياءك أقوى من اللازم.

فقال ستيفن: لقد ألقي أجدادى لغتهم واستبدلوا بها لغة أخري. لقد سمحوا لحفنة من أن يستبعدوهم. هل تتصور أننى سوف أدفع من حياتى ومن شخصي ديوانا ارتكبوها هم؟ لماذا؟

فقال دافن: من أجل حريتنا.

فقال ستيفن: لم يمنحكم إنسان محترم ومخلص نفسه وشبابه أبداً منذ أيام “فون” إلي أيام “بارنل” إلا وبعتموه إلي الأعداء أو خذلتموه في وقت الحاجة أو لعنتموه وتركتموه إلي غيره. ثم تدعونى إلي أن أكون واحداً منكم. وإنى سأراك ملعوناً قبل ذلك.

فقال دافن: لقد ضحوا من أجل مثاليتهم، ولسوف يأتى يومنا، صدقنى.

وظل ستيفن صامتاً برهه شارداً مع أفكاره. ثم قال في غموض:

-إن الروح تولد البداية في مثل هذه اللحظات التى أخبرتك بها. إن مولدها بطئ وغامض، أكثر غموضاً من مولد الجسد. وحين تولد روح إنسان في هذا البلد فإنهم يلقون عليها الشباك ليمنعوها من التحليق. إنك تحدثنى عن الوطنية واللغة والدين. إننى سأحاول أن أفر من هذا الشباك.

ونفض دافن الرماد من غليونه.

قال: إنك عميق حتى لتستعصي على. ولكن بلد المرء يأتى أولاً. أيرلندا أولاً يا ستيفي. ويمكنك أن تصبح شاعراً أو صوفياً بعد ذلك.

فقال ستيفن في برود: هل تعرف ما هى أيرلندا؟ أيرلندا هى الخنزير الذي يأكل أبناءه.”

جيمس جويس

-صورة الفنان في شبابه

-“ماهر البطوطى