عصر الزرائبية أو معنى حميدتى

 

155517365558800900

في واحدة من الفيديوهات التي وثقت لعميلة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم على يد قوات الدعم السريع. يظهر مجموعة من جنود الجيش السودانى الفخيم خلف القضبان الحديدة لسور صديء، كأسري حرب في معسكر اعتقال، بلا أسلحة، وأحدهم بلا حذاء. بينما ضباع الدعم السريع تطلق النار، تضرب المتظاهرين، تحرق الخيام، تغتصب الرجال والنساء، تحاصر المستشفيات، ترمى الجثث في النيل، و… غيرها من باقة الموبقات والجرائم العريقة المشهورة بها قوات الدعم السريع (الجنجويد) والتي مكنتهم من تخليد أسمائهم في محكمة العدل الدولية كواحدة من أقذر وأشرس الميليشيات المتخصصة في ارتكاب المجازر الجماعية وكافة الجرائم الجنونية الدموية.

تصلح تلك الصورة أن تكون أيقونة جديدة للحظة الراهنة وذلك المنعطف للثورة السودانية، وفي المستقبل سيتذكر الجميع أن مذبحة اعتصام القيادة العامة هى بداية النهاية لهذا الجيش قبل أن تكون الفصل الختامى للثورة السودانية.

تأسست الجيوش الحديثة كما نعرفها كجزء من لوازم إنشاء الدول القومية، يأتي الجيش مع العلم، والمتحف، والمدرسة، والنظام الصحي. يحتكر الجيش حق حمل السلاح، ويخلق في معسكراته وثكناته بوتقة لصهر أبناء الشعب من كافة الطبقات والتوجهات ليصبغهم بزى موحد وبأخوية السلاح وتقديس العلم.

وفي دولنا المقززة، فالجيش هو الرأس الكبيرة، والحاجب الذي لا يجوز للعين أن تعلوا عليه. سواء كانت تلك العين حزب سياسي، أو برلمان منتخب، أو رئيس منقلب. الجيش في الدول العربية هو مصدر السلطات ومنبع الشرعية، ببساطة لأنه ما من شرعية في الدول العربية إلا شرعية السلاح والاعتراف الدولى، وغير ذلك تدريبات ذهنية.

لكن في السودان انتج الوضع الذي خلفه عمر البشير، والتلاعب السعودى بالمشهد حالة مغايرة، فالجيش لم يعد “نمبر وان. بل أصبح حميدتى وعصابات الجنجويد هم “النمبر وان”. في حالة فريدة، يمكن تسميتها بالمرحلة الزرائبية.

الزرائبية من الزرائب، هو عنوان المرحلة القادمة في السودان، وهى حالة قابلة للتعميم والانتشار طالما استمر الدعم من امبراطوريات الرمال والنفط لكل الأنظمة المتخلفة في المنطقة العربية.

ولد محمد حمدان الشهير بحميدتى لأبوان عربيان من تشاد، حيث نشأ في إقليم دارفور. لم يكمل تعليمه الابتدائي حتي ثم تفرغ لتجارة المواشي والعمل في الزرائب. ومن الزريبة لبى نداء الوطن وقائده عمر البشير. فالبداية كانت بتشكيلة عصابة صغيرة من البلطجية لحماية زرائبه، ثم تطوع لحماية زرائب الآخرين. وحيث أن تجارة المواشي هي أنشط السلع التجارية بين تشاد، ومالى والسودان. فقد بدأ في تقديم خدماته لقوافل تجارة المواشي لحمايتهم من السرقة. طبعاً من لم يكن يدفع للحماية تتم سرقته.

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في دارفور، تم الاستعانة بالقبائل والعصابات التي يقودها حميدتى لقمع الانتفاضات الشعبية. في حالة بهيمية متكاملة الأركان لم يكن أحد قادر على انتاجها إلا البشير، حيث دفع مثل أى تاجر مواشي لحميدتى فتوة الزرائب لكي يحمى ملكه ويقمع انتفاضة دارفور. منح البشير حميدتى امتيازات حصرية لمناجم الذهب وأصبغ عليه الرتب العسكرية دون أن يدخل أى مدرسة عسكرية، ومنح عصابته اللقب الكرتونى قوات الدعم السريع والمعروفة شعبياً بـ”الجنجويد”. وهى الكلمة المستخدمة لوصف راكبي الخيل الذين يعيشون على السرقة والنهب، السلوك الذي ميز ميليشيات الجنجويد مضاف إليه التعذيب والاغتصاب وتجارة الأعضاء وغيرها من الجرائم المسجلة باسمها في أرقي المؤسسات الدولية والحقوقية في مختلف أنحاء العالم.

ولتميز حميدتى وخبرته في مجال الزرائب والمواشي، فقد ترقي سريعاً وحاز على ثقة البشير الذي كثيراً ما داعبه بلقب (حمايتى)، قبل أن يقلبه ويضعه في الحجز في مكان غير معلوم.

لكن طموح حميدتى ليس طموح عكسري، هو ليس جنرال يرضي بتركيب النياشين والترقي وتلقي الأوامر ممن هم أعلى منه رتبة. حميدتى تاجر مواشي، وليس جندى نظامى. ثقافته هي ثقافة الزريبة لا التربية العسكرية. لذا مع ترقيه انتقل من الأدوار المحلية إلى الأدوار العالمية ليقدم خدماته “الزرائبية” للأنظمة الخليجية، ويساهم في تصدير المقاتلين من تشاد والسودان إلى اليمن ليحاربوا فيما تخوضه السعودية وتسميه في مفارقة ساخرة “حرب دعم الشرعية”.

في سنوات قليلة، خلق حميدتى امتداد إقليمي له موازى لامتداد البشير والمؤسسة العسكرية السودانية. أصبح قائداً لأول ميلشيا معترف بها دوليا، وجنوده في اليمن يحملون الأسلحة الأمريكية الممنوعه حتى على الجيش السوداني.

ليس هذا فقط تعاون حميدتى مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وعملت قواته في السنوات الأخيرة علي إيقاف خطوط الهجرة من أثيوبيا وجنوب السودان التي تنقل المهاجرين لسواحل المتوسط في ليبيا. ومؤخراً حينما تزايدت الضغوط الدولية عليه هدد الاتحاد الأوروبي بايقاف التعاون وإطلاق جحافل المهاجرين عليهم.

لذا حينما تنحى  البشير وأعلن أحمد عوض بن عوف توليه زمام الأمور، صرح حمدتى  بعدم رضاه عن خطة عوف الانتقالية، وفي أقل من 24 ساعة تنحى عوف ليتولى حميدتى مقاليد الأمور واضعاً بجواره دمية على شكل جنرال يدعى برهان.

لأول مرة إذن نشاهد حالة لا يكون فيه الجيش رأس السلطات، بل ركع حميدتى الجيش وركبه، ويحكم فعليا بقوة السلاح في يد عصابته، وهى ميليشا غير مدربة عسكريا، ولا متعلمة، وليست نظامية، بل والعديد من أفرادها ليسوا إلا أطفال حروب يتاجر فيهم حميدتى، ويقودها  مجموعة من مربي المواشي والبهائم انتقلوا من سلخ الحيوانات لسلخ البشر.

ثقب الأمل لا يزال مفتوحاً، والمفاوضات والشد والجذب مستمر. وإن كنا كما نعرف “جميع الثورات تهزم”. لكن إن حدث واكتملت هزيمة الموجة الثورية السودانية الحالية، فستكون مؤشر لظهور نظام جديد نموذجى تسعي الدول الخليجية الداعمة لنشره، ويمكننا تسميته بالنظام الزرائبي.

وفي هذا النظام تتحول الدول بشعوبها وجيوشها ومؤسساتها الامنية والاقتصادية إلى زريبة كبيرة، يشرف عليها تاجر مواشي معين من قبل القوي الفاعلة في النظام الدولي ووظيفته السيطرة على قطعان الماشية في زريبته بما يتفق وأجندة الأنظمة الدولية، فهذا النظام لا يريد مهاجرين فيحرص تاجر المواشي على منع المهاجرين، وهذا النظام يرغب في رؤوس ماشية بشرية للقتل نيابة عنه في حروبه الفاشلة فيورد تاجر المواشي الرؤوس والأيدي المقاتلة.

في تصريح كاشف منذ أسابيع قال حميدتى بأن قوى الحرية والتغيير خدعتهم في المفاوضات ولا تريد سوى حكم مدني وإرسالهم لثكناتهم. لكي أين هي ثكنات حميدتى؟

لا ثكنات لحميدتى ليعود إليه، وفي سبيل بقاءه فهو مستعد لحرق ثكنات الجيش ومساكن المدنيين

حميدتى ليس عودة للحكم العسكري، حميدتى هو عودة لما قبل الحداثة، لما قبل الدولة والشرعية، لما قبل الاقتصاد الحديث، لعصر المقايضة والرعي والصيد والالتقاط. حميدتى ردة حضارية أثرها لن يقف عند السودان، بل قادر على إغراء أنظمة آخري مجاورة على تسريع خطوات التحول من شبه دولة إلى زريبة.

الشك باليقين -4- سلسلة هزلية غير مكتملة

تعالت أصوات الضجيج من الزنزانة المجاورة؛ آهات مكتومة وآخري مطلقة، وثالثة تحولت لصريخ، سباب، زئير، توسلات، صليل معدنى، صرخات ذكورية ثم صوت ضابط يسب الدين للجميع. حوار غير مفهوم التفاصيل بينه وبين أحدهم لكن على عكس المتوقع يبدو كأنما الضابط هو من يسعى لاحتوائه. ينفتح باب زنزانتنا ويقذفوا بشاب يحمل وجهه وسامة بعيدة. كفه الأيسر مربوط بشاش أبيض ملوث بالدماء وشورت وشبشب فلينى بصباع، أوساخ سوداء متراكمة تحت أظاهر القدمين الطويلة. ذقن نابته. وكف أيمن لوح بالسلام ثم ارتمى جالساً بجوار العجوزين.

عزم عليه العجوز المدخن بسيجارة وبدا كأنه يعرفه حيث خاطبه باسمه وكما سمعته كان “كسح”. انطلق في وصلة من السباب واللعن عن خناقة مع نزيل في الغرفة المجاورة، بينما العجوز الآخر غير منتبهاً لحديثه ومندمج أكثر في قرض أظافر يده بأسنانه. أخرجت سندوتشات عطية وتقاسمتها معهم كمحاولة لكسر الحاجز الجليدى وتوثيق المعرفة بالعيش والملح، سألنى أحدهم عن سبب وجودى هنا فحكيت باختصار بدو متأثرين. حسدنى كسح على النعمة حيث لن تطول إقامتى هنا حتى ينقلونى على السجن، أما هو فله هنا شهر ونصف في “قسم ابن وسخة، ومساجين أوطى من الموس على الأرض”. ثم مشيراً لحقيبة طعامى وملابسي نصحنى أهم وأول نصيحة لأيامى القادمة. “أنت جاى هنا، مش عارف هتخرج امتى، وكلمة لك يا زميل احسبها بالورقة والقلم، متعرفش ظروف اللى برا وإذا جت لك زيارة النهارده، متعرفش امتى ممكن تيجى لك حاجة ثاني.”

نصيحة رمتنى في حيرة التفكير في المستقبل في مجدى بيه وصاحب البار وعطيات التى وإن كان مد حنانها بحر فالجذر يضربه سريعاً. كما عرفتها ما أن تجد الباب مغلق أو الطريق شاقاً حتى تيأس وتلجأ لصرف الهم والغم عن نفسها بتسريحة شعر جديدة ونزهة في سيارى سريعة وقد تتذكر قصة حزينة –في هذه الحالة ستكون أنا- بشجن وثلج مشروبها يذوب وقدمها تهتز مع إيقاع أغنية قديمة.

ما الذي انتظره؟ وهل في الحياة غير ذلك؟

لم أعد ذلك الساذج الذي يثق بالإخلاص الزوجي مثلما خدعت لأول مرة منذ سنين، بالتالي لا يجب أن أعول الكثير على عشيقة وشيطانة كعطيات.

قام كسح متجهاً لزاوية الحمام. انزل الشورت الذي يرتديه، ثم قرفص عارياً وأخذ يحزق بلا مباله، حركت رأسي بعيداً لكنى انتبهت للعجوزان يراقبان بشغف حزق “كسح” ويده اللتى امتدت لمؤخرته تسحب طرف كيس بلاستيكى أسود خرج من صرمه. سحب الكيس كساحر يخرج منديل من قبعة خاوية. اتجه لصنبور الماء وغسل الكيس من قطع الخراء البنية التى علقت به ثم فتحه مخرجاً كيس آخر يحتوى على حبوب حمراء، وقبل أن يخرج حبة حمراء من الكيس انتبه لعيون العجائز التى كانت تدمع جشعاً وشهوة لا دموع، فأخرج حبة واحدة رماها باتجاههم “كل واحد نص”. ثم مد كفه الذي كان في صرمه نحوى قائلاً “تضرب يا زميل”. اعتذرت له بأنى ليس لى في أى نوع من المخدرات، وحينما بان التعجب في عينيه “ملكش في أى حاجة كدا”. خجلاً أجبت بصوت خافت “بيرة فقط”. مط شفتيه ورفع الحباية لفمه قائلاً “والله أنت جيت هنا غلط، حكومة بنت كلب ظالمة”.

* * *

فتحت الحقيبة، أخرجت لفافة وجبة المشويات. بلا اعتبار لنصيحة كسح بسطت الطعام وعزمت عليه هو والزملاء. هجم كسح وتبعه العجوزان بينما دسست يدى إلى قاع الحقيبة مخرجاً الأوراق المجموعة في غلاف بلاستيكى شفاف. تناول العجوز الصامت صباع كفتح، وهو يهمس مرحباً: حمد لله على السلامة زيارة سعيدة.

هل كانت زيارة سعيدة؟ كنت سعيداً لأنها أحضرت الأوراق وسيلة مقاومتى ونجاتى من ظلمات الجُب الذي رميت فيه. لكنى أحسست أنها قد تكون المرة الأخيرة التى أري فيها عطيات على الأقل حتى خروجى من هنا ..إن خرجت في يوماً غير معلوم.

حضرت عطيات الزيارة المسائية لوحدها وبعد أول عشر دقائق لم نجد ما نقوله. في مواقف سابقة صامتة مثل هذه كنت أعد لنا مشروب بارد يحتوى على البراندى أو تجذبنى نحوها وهى تخلع ملابسي عنى. لكن الآن خرجت من صمتها باقتراح متلجلج تلقته من مجدى بيه بأن تسافر معه إلى الساحل لتغيير الجو والخروج من ضغوط الأزمة. ثم أضافت “أحتاج إلى رأيك أولاً، هل اسافر معه؟ لا أريد أن اتركك لوحدك لكنى أشعر بالعجز.” لم أقاوم ظهور شبح الابتسامة على شفتي كانت عطيات عاجزة حتى عن تمثيل العجز أو الحيرة وحتى الحزن وهى تحدثنى. عملياً لا شئ يمكن عمله إلا انتظار تعاقب متسلسله الاجراءات البيروقراطية والقانونية. ربّت على كفها وكان بارداً وأخبرتها “أنا في السجن ولا فائدة ترجى من حبسك لنفسك” غيرت الموضوع وقالت:

-أحضرت لك أوراق روايتك الجديدة التى كنت تكتبها.

وضعت حزمة الأوراق أسفل منى. جلست عليها وتناولت الكباب والكفتة مع كسح ورفيقي السجن. وصدى صوت أغنية قديمة يتردد داخلى “ودع هواك وانسانى”.

ما أن انهينا الطعام وجمعنا البقايا في كيس بلاستيكى حتى فُتح باب الزنزانة ودخل اثنان من العساكر وميمون يحملان رجل مكبل اليدين والساقين في هيئة شنطة. ألقوه على ظهره ولم يفكوا حتى القيود. ساقاه مكبلان ويديه كذلك بقيود حديدية، وكلبش ثالث يغلق طرفه على الحديد الواصل بين الساقين والطرف الآخر على الحديد المقيد للذراعين. مرمياً على أرض الزنزانة عاجزاً عن الوقوف أو الجلوس وكدمات متفرقة في أنحاء جسده. لسانه خارج فمه والزبد يسيل منها مشكلاً بركة لعاب صغيرة على الأرض. بهيمة تفرفر في طلوع الروح.

أغلقوا الباب بينما اطلق كسح وصلة سباب فيمن أحضروا الذبيحة وفي المباحث والحكومة والظلمة والكفرة. انحنى هو والعجوز الصامت على البهيمة التى كانت انسان مقيد في هيئة شنطة. كان واضحاً أنه أتى من السلخانة لدى إدارة المباحث الجنائية لكن في الغالب لم يفلحوا في انتزاع أى شئ منه حيث لا يزال رغم كل العذاب الذي ترك آثاره على جسده غارقاً في غيبوبة داخل عالم آخر نتيجة ابتلاعه لكمية من حبوب المخدرات والصراصير. نثر كسح على وجهة قطرات مياة لكنه هز رأسه دليلاً على حياته وإن كان تائها في عالم آخر بعيد عنا.

لزم كلاً منا مكانه بحذاء جدران الزنزانة، في حين ظل الرجل الشنطة/الحقيبة مقيداً نائماً على جانبه الأيمن في منتصف الغرفة. بحركة غير ملحوظة -أو هكذا أوهمت نفسي- وضعت النقود التى أعطتها لى عطيات في جيب سري بالشنطة القماش التى تحتوى على ملابسي والصابون ومزيل العرق. تبقي الورق في المغلف البلاستيكى الشفاف، أخرجته وتصفحت الأورواق حتى وصلت لآخر صفحة كتبتها. قرأتها فعاودتنى كل تفاصيل العالم الذي وضعت أساسه وجدرانه وأنفاس أرواحه. أعدت الورق إلى المغلف. أثري وأهم ما أملك، لم أعده للحقيبة بل وضعته أسفل الفرشة التى تمددت فوقها مستلقياً. أخرجت كتاب إيزيس وحاولت القراءة لكن اضوء كان شحيحاً فأعدت الكتاب إلى الحقيبة، واستلقيت نائماً.

في سباتى غرقت في حلم كنت أطوف فيه حول منزل أبى فلا أجد الباب للدخول، لكن أشعر بسعادة لأن هذا يعنى أن الأب المتعنت السكير لم يعد له وجود، ثم أتذكر أنه مات منذ زمن بعيد وفجأة تلطمنى موجة من باطن الأرض ترفعنى لأعلى. انتبهت مستيقظاً من الحلم لأجد “كسح” يدق الباب الحديدى براحتى يديه وهو يصرخ “واحد بيموت يا حرس”. أحد العجوزين يشهق بصعوبه وصدره يرتفع للأعلى وظهره يتقوس مصارعاً جبال وهمية ليأخذ نفسه، بينما العجوز الآخر تناول منشفة وصنع منها مروحة ليهوى بها على الآخر. أما الرجل الشنطة فكان جسده ينتفض كأنما تيار كهربائي يعبر من خلاله.

جاوب أحد الحراس نداء كسح “في أيه؟”. فصرخ كسح “عم محمد العجوز مش عارف يأخذ نفسه.. واحد بيموت يا حرس”. أتى الرد ساخراً “وأنا أعمل أيه”.

“تعمل أيه” زعق كسح بالعبارة شاخراً وأخذ يخبط حديد الباب بكلتا يديه وقدميه. لثانية تساءلت وماذا عن الرجل الشنطة. لكن تبدد السؤال تحت حقيقة اكتشاف أن هذا الوضع الهيستيري حيث الموت واللا موت والعقاب ورائحة الروث والعرق وكوابيس النوم وأحلام الصحو هو لمحة من أيامى القادمة.

تجمدت في مكانى عاجزاً عن التفكير في شئ وكسح مستمر في الصراخ والسب والخبط بكف يده على الباب. همد كسح للحظة ثم مد يده لداخل فمه وأخرج شفرة من تجويف حلقه، وصرخ مخاطباً الحرس “هموت لك نفسي يا حرس، هموت نفسي عليك يا ناصر” ثم ضرب شفرة الموس في فخذه الأيسر فانبجس الدم من لحمه وتوالت ضرباته لتفجر الدماء وترسم خريطة للجروح على جسده وهو يضرب رأسه في باب الزنزانة. العجوز الذي كان يقوم بدور محرك المروحة بيده التى تمسك المنشفة توقف عن التهوية وأخذ يشارك كسح الصراخ والخبط على الباب.

أغمضت عينى وتكورت على جسدى متوقعاً الأسوء. لكن عكس ما توقعت استجاب الحرس وهرعوا تحت قيادة المدعو ناصر لفتح الباب. اخرجوا العجوز للخارج بينما قيدو كسح بعدما نزعوا الشفرة من يده. استدعوا سيارة الاسعاف وأخذوا الاثنان خارج الزنزانة وتركونى مع الرجل الشنطة والعجوز الذي كان مروحة. لاحظ الأخير الحيرة على وجهى ولأنه كان يعرف أنها تجربتى الأولى في السجن فلقد تطوع لشرح كل ما حدث بادئاً بوصله مديح لجدعنه ورجولة كسح، فعم محمد نزيه -العجوز الأخر- يعانى من الربو وأزمات تنفس ولأنهم يعرفون ذلك فكثيراً ما يتجاهلون أى شكوى تخصه لأن الأزمات أحياناً تنتهى ما أن يخرج للهواء الطلق أو من تلقاء نفسها. لكن قوات الشرطة في النهاية مسئولة عن المساجين وأجسادهم لهذا قام كسح بما قام به فاتحاً باب المشاكل والدوشة لهم. فالآن يجب على الضابط النبطشي أن يستدعى سيارة إسعاف في كل الأحوال لمعالجة جروح كسح، ولكى يمنحه الممرض تقرير طبي عن تلك الجروح لكى يضعه في محضر إثبات الحالة الذي يجب تحريره، ويجب أن يقوم الضابط ناصر باحتواء كسح حتى لا يقوم الأخير بتوجيه أى اتهامات لضباط القسم حينما يتم عرضه غداً على النيابة.فوتوغرافيا: Alvin Booths

لكن ماذا عن الرجل الشنطة الذي هدأت الآن انتفاضات جسده بينما استمرت آهاته خافتة.

كان هذا شنطة/حقيبة وليس انسان. فهو تابع لقوة جهاز المباحث والأرجح ليس مسجلاً على قوة القسم، بل المباحث في الدور الثانى هى من أحضرته وهؤلاء هم قوة الحقيقة ومن أجل الحقيقة لا نحتاج لأوراق أو تسجيلات إلا في المرحلة الأخيرة ما بعد انتزاع الاعترافات حيث تحضر الأوراق لتوثيق الحقيقة ودفترتها وإحالتها لسلطة القضاء الامبراطوري، وحتى الوصول لهذه المرحلة -إن نال شرف الوصول- فهذا ليس إلا شنطة/حقيبة.

 

تاريخ الحفر على الناشف

 

Mamluk_Muhammad_b_Qalawun_copper_fals_1310_1341
فلس نحاسي من عهد السلطان قلاون

 

موضوع الحفر على الناشف دا طلع تاريخيى، ابن إياس بيحكى عن كيفية بناء بيمارستان (مستشفي) الناصر قلاوون.
فبيقول أن السلطان تغيير خاطره على الناس (صحى متضايق يعنى) فأمر المماليك أن يعملوا السيف في الناس (يعنى شغل قانون الطوارئ ونزل امناء الشرطة والجيش يضربوا نار ويهدوا البيت ويعملوا اللى هما عايزينه زى ما احنا شايفين وعايشين لنا خمس سنين). وبعدين صعد العلماء والمشايخ للسلطان ورجوه ان يخف ايده ويهد اعصابه،
فبعد شوية ندم وقرر يبنى المارستان ويوهبه للناس، فوكل الأمير سنجر ( كامل الوزير) بأنه يبنى المارستان، فراح صادر دار عامرة، وامر جميع الصناع والحرفيين بانهم يشتغلوا في بناء المارستان، لدرجة ان اى رجل كان بيعدى عليهم وهم شغالين كان لازم يجبروه ينزل من على فرسه ويساعد معاهم حتى لو هيرفع حجر
أو كما يقول ابن إياس:
” وعابوا علي المارستان لكثرة عسف الناس في عمله، وذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانًا، ندب الطواشي حسام الدين بلالًا المغيثي للكلام في شرائها، فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها، على أن تعوض عنها بدار تلمها وعيالها، فعوضت قصر الزمرد برحبة باب العيد مع مبلغ من المال حمل إليها. ووقع البيع على هذا، فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعي للعمارة، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، وأخذ ثلاثمائة أسير، وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلًا وشدد عليهم في ذلك، وكان مهابًا، فلازموا العمل عنده، ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوان والرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك. وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم، وأوقف مماليكه بين القصرين، وكان إذا مر أحد ولو رجل ألزموه أن يرفع حجرًا ويلقيه في موضع العمارة، فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك، فترك أكثر الناس المرور هناك. “