فيكتور داندو.. شاهد قبل الحذف

تنفجر الألفة والإثارة في وجهك عند اللقاء الأول بأعمال فيكتور داندو. الألفة لأنك تعرف هذا العلم المحترق، لأنك شاهدت تلك الصور عشرات المرات سابقًا. فهي تنهمر عليك باستمرار من الانترنت، والتلفزيون، وحملات البروباجندا السياسية المختلفة.

أما الاثارة فمنبعها كثافة الرموز التي يقدمها فيكتور في لوحاته معزولة عن سياقها المعتاد. العلم الامريكي الذي يحترق في لوحات فيكتور شاهدناه كثيرا في نشرات الأخبار يحترق وسط المظاهرات. لكن حينما يحترق العلم معزولاً في لوحة فيكتور نشعر بالالفة مع المشهد والإثارة الناتجة عن رمزية حرق العلم. لكن لا نعثر علي الرسالة. لا رسائل دعائية في لوحات فيكتور، اللهم إلا عبارته الساخرة “الإنترنت يكذب” التي تتكرر في لوحات معرضنا، وربما رسائل آخري متروك أمر اكتشافها لك.

ألف ليلة وليلة- من أعمال فيكتور

 تتوهم في البداية إن اللوحة تخاطبك، ففي وقت تزداد بنية الفنون المعاصرة تعقيداً وإغالاً في الغموض والضبابية. هاهو فنان يقدم لنا صور ورموز معروفة، فهذه أعلام دول نعرفها، وتلك شخصيات سياسية نراها في نشرات الأخبار، وهذه صور أيقونية يتكرر بثها في الجدل الإعلامى العالمى. لكن بعد الإثارة والألفة مع لوحات فيكتور تأتى الحيرة. تميل الأرض تحت قدميك، وتدور عينيك في أرجاء اللوحة بحثاً عن مفاتيح تفسر وتشرح.

 الصور والرموز معروفة لكنها في لوحات فيكتور تأتى معزولة، وخالية من أى انحيازات، بحيث نشعر بالحيرة أين يقف الفنان ولوحته في هذا الجدل السياسي وأين نقف أنا. يتركنا فيكتور دون إجابة أبداً، ولهذا نظل نعود باستمرار إلى تأمل أعمال فيكتور، مرة تأملاً في جماليات التقنية واللون، ومرة بحثاً عن الرسالة الخافية، الكذبة التي يحذرنا منها.

يعلم فيكتور إن زائر معرضه، ربما يقف الآن يقلب في موبايلة بينما يتجول في المعرض. ويرفض فيكتور إن تكون أعماله مجرد صور في هذا السياق، بل يمارس الخداع الفنى ليتسلل داخل اللغة البصرية لإنسان الإنترنت المعاصر ليتلاعب بالصور وينتج منها قيم جديدة تثير الألفة وتدفع المتلقي من تأمل لوحته فقط  إلى تأمل كافة الصور التي يشاهدها ويتعرض لها ليل نهار.

الانترنت، صور الأخبار، شاهد قبل الحذف، الشرق والغرب، البروبجندا السياسية، الأيقونات البصرية للدول القومية.. مثل هذه الأفكار تشغل معظم أعمال فيكتور. لكن على عكس التيار السائد في الفن المفاهيمي، اختار فيكتور وسيط تقليدى للتعبير عن هذه الأفكار وهو اللوحة الزيتية.

في سلسلة أعماله “الإنترنت يكذب” وحد فيكتور التكنيك المستخدم في معظم اللوحات، فهى لوحات زيتية أفقية، اختيار الزيت لا اكريلك هو اختيار مفاهيمى قبل أن يكون اختيار تقنى، فالزيت ينتمى إلي تقنيات الرسم القديمة. وبينما يسود استخدام الأكريلك يعود فيكتور إلي التوال والزيت، ليصنع مفارقة جديرة بالتأمل وهى تقديم مشاهد يومية من الأخبار بلوحات زيتية يستغرق رسم اللوحة الواحدة أياماً. وذلك

لأن الرسم بالزيت يتطلب انتظار جفاف الطبقة اللونية حتى يمكن أن يضع الفنان فوقها طبقة آخري، لتكون النتيجة هالة من القدسية تضيفها اللوحة الزيتية على الصورة ذات الطبيعة الخبرية السريعة. وأخيراً يموضع فيكتور لوحته بشكل أفقي، لتتشابه في أبعادها مع  شاشة اللاب توب أو أغلفة المجلات ليصنع خيط من الألفة مع عين المتلقي وذاكرته البصرية التي ستربط تلقائياً بين اللوحة وأغلفة المجلات والشاشات، المصدر الأول للصور لدى إنسان العالم المعاصر. لكن أمام لوحات الزيت والعزلة التي يفرضها فيكتور على الرموز التي يختارها تظهر المسافة الشاسعة بين اللوحة والمعنى السياسي للرمز.

 يدرك فيكتور أيضاً المعانى المتعارضة للرموز خصوصاً بين الشرق والغرب. فداندو المولود في بولندا عام 1983 درس الفنون الجميلة في بولندا ومصر، وعاش وعرض أعماله في عدد من العواصم العربية والغربية، لذا فحينما يعرض لوحة يتداخل فيها علم بولندا مع علم السعودية يدرك أن استقبال المشاهد البولندى لتلقي اللوحة سيختلف عن المشاهد العربي، وحينما يضعنا في مواجهة بورتريه للبابا وتحته عبارة “الإنترنت يكذب” يجعلنا نسقط في دائرة مُتنوعة من التأويلات، وهى متعة أخرى تضاف إلى متعة تأمل لوحات فيكتور، فاللوحة واحدة لكن قراءتها تتنوع وتتعارض مع بعضها البعض على حسب موقعك في الملعب العالمى للأحداث.

يوقظ العمل الفني لدى فيكتور الشك.

لا تغمض عينيك، بل افتح عقلك واترك نفسك لدوامة الصور واللوحات التي يقدمها فيكتور داندو في هذا المعرض، وإذا كان فيكتور يصر إن الإنترنت يكذب، فتذكر إن الحقيقية ليست قصراً مشيداً وسط حديقة من الورود، بل ربما تختبأ في ضربة فرشاة على سطح قماش اللوحة.