هدية الماما

   في سن الرابعة رأيتُ بابا وماما يمارسان الجنس للمرة الأولى. ووقعتُ في حب الاثنين. أدركتُ بالحب كل شيء عن الحياة، الخلق، الهيجان، المتعة، الشبق، لبن الدكر، شهوة الست.

    بالمواظبةِ على التلصصِ، عرفتُ أيضًا عن دم الدورة الشهرية. شاهدتُ أبي واقفًا على الأرض، وأمى على السرير فاشخة ساقيها، مرفوعين في الهواء كسارية سفينة تنزل الأطلسي.

    أبي بظهره الخالي من الشعر ومؤخرته الصغيرة، يتحرك للأمام والخلف، ويده تصفع لحم فخذيها، حتى حانت لحظة أمسكت يد بابا بلحم ماما، ثم خرج من البابا خوار كأنه “آه” يشقها من صدره. أخرج زبه من كُسها، وبينما يستدير نحو الكومودينو ليتناول فوطة يمسح بها زبه، رأيت على أيره آثار دم دورة الماما الشهرية. فتمنيتُ في التو واللحظة أن أصبح امرأة  أقذف الدم والبول من كُسي.

   لم أسأم التلصص على والداي، ولم يبد أن الاثنين يهتمان بمُداراة حبهما ووسائل تعبيرهما عنه. أحبُ ماما وسأظل دائمًا أتمنى لو ورثت عنها بشرتها البيضاء. كنتُ ثمرة قصة حبهما الكلاسيكية. الطالب المصري، الذي سافر للدراسة في ألمانيا الشرقية، ثم عاد بالزوجة الألمانية لحي روض الفرج ليبدأ رحلة صعود طبقي بدعم وحب عائلته. ولتنشئة أطفاله بشكل صحي وحبوب فقد رأى أن وجود الحب وبروزه في العائلة مهمٌ للأطفال، وأبدًا لم يكن الاثنان يخفيان مشاعرهما.

    في سن الخامسة ولدتْ أمي أخي، حينما رأيته بجوارها في الفراش شعرتُ بحب  جارف تجاهه، لا كأخي فقط، بل كأنه ابني. شعرتُ أنه متميز منذ اللحظة الأولى، وتخيلته ابنًا لدم أمي ومَنِيّ أبي، وثمرة ليلة لمحت فيها تحت الضوء الدم يلطخ زب أبي.

    في سن السادسة كانت لدي صورة واضحة عن دورة الحياة وتفاصيلها، ووقعتُ في الحب للمرة الأولى مع أحمد، عمره ضعف عمري. على باب بنايتنا في روض الفرج كنت أنتظره وفي يدي باقة ورود، وحينما لا يعبرني ولا يلتفت، أجري خلفه وأمنحه الورود. يأخذها مني ويبتسم: “شكرا يا أمورة”. ابن الوسخة عاملني كطفلة، وكنتُ أعرف كل شيء وقتها عن عالم الكبار، فصادقتُ أخته، التي كانت في مثل سني. بين غرفتي وغرفتها، بين بيتنا وبيتها، دارت معظم ألعابنا.

    دخلتْ ماما علينا الغرفة وفي يدها جزرتين، منحتني واحدة والأخرى لها. شكرتْ أمي وهي تقضم جزرتها، بينما أمسكتُ جزرتي في يدي اليمنى، ووضعت ابهام يدي اليسرى فوق طرف الجزرة المدبب. تخيلتها قمة هرم. تخيلتها زب بابا. استعدت بحصيلتي اللغوية أسماء كل الأشكال ذات الرأس المدببة، والمستدقة والرأسية. وغبت في غفوة خارج اللحظة.

    خرجت أمي من الغرفة فنظرتُ للصديقة الصغيرة  مبتسمة، رفعتُ طرف تنورتها، وانقلبتْ هي تلقائيًا على بطنها. أتذكر بعض الألعاب، التي طالما لعبناها معًا، والبعض الآخر يحضر لذهني مشوشًا، لكن أتذكر أنها كانت مستمتعة جدًا وكثيرًا ما تغمض عينيها وتعضها على شفتيها أو أي ما يقع في متناول فمها. وسعت بيدي بين أردافها فبان صرم طيزها الوردي، وضعتُ عليه طرف جزرتي المدبب، أخذتُ أبرمه، بينما هي تعض على جزرتها، دفعتُ طرف الجزرة أكثر، وتمنيتُ لو نصل هذه المرة إلى نقطة أعمق، لكن فجأة انفتح باب الغرفة. دخلت أمي تحمل كوبين من العصير، شهقتُ ووقفتُ لثوان متجمدة أمام المشهد. فزعتْ أرنبتي البيضاء من تحت يدي واعتدلت وقد تراجعت لآخر ركن في الغرفة، فسقطت جزرتي من أسفل تنورتها، بينما جزرتها لا تزال في فمها.

    خرجتْ من أمي صرخة واحدة، اتبعتها بأن هرولت خارج الغرفة وغابتْ لثواني. استفاقت الأرنبة  وعدلت ملابسها، ثم انتقلت تهرول نحو منزلها. عادت أمي وهي تمسك بخرطوم بلاستيكي انتزعته من الغسالة، وتتلفظ بفيض من الكلمات الألمانية، ثم هَوّت أول جلدة من الخرطوم على كتفي. كانت هذه المرة الأولى والأخيرة، التي ضربتني فيها بهذه القسوة غير المبررة، وأكاد أجزم أن بسببها ظلت تدللني طوال حياتي معها، وكأنها تكفر عن خطيئتها غير متحضرة.

***

     في سن الرابعة والعشرين كنتُ في حفلة رأس السنة، حينما هجمت عليّ أحدهن، تقريبًا زنقتني في الحيطة وهي تقبل شفتي، وحينما وجدتني مستسلمة أخذتْ تلوكها، بينما يدها تهرس جسدي، أبعدتُ السيدة لا لشيء أكثر من أن رائحة فمها بدت لي مزعجة، ثم ظهر أحمد –غير الذي كان أخًا للأرنبة البيضاء – وقد انتبه لما يحدث، تقدم مني وأبعد السيدة. أخبرته أنني بخير، وأريد كأس جين تونك آخر.

    في الطريق إلي المنزل تذكرتُ للمرة الأولى كل ألعابي مع أرنبتي البيضاء، واستعدتُ المرة الوحيدة، التي انهالت فيها أمي علي جسدي بالخرطوم والضرب حتى أغمى عليّ وأنا صغيرة.

     بدا واضحًا أن ما حدث وما فعلته أمي سبب لي نوعًا من الإعتام الكلي في جزء من الذاكرة. اختفت الأرنبة والجزرة وضرب أمي. وطوال سنوات مراهقتي وشبابي، فكل ما أذكره عن الطفولة هو ابتسامة أبي، وكيف كان يجلب لنا مجلات الموضة الألمانية والأوروبية، ويدعني أنا وأخي نختار الملابس التي تعجبنا صورها، ثم يخرج شريط القياس، ويقيس طولي، محيط الصدر، محيط الوسط، محيط الأرداف، طول وعرض الأكتاف، يكتب ذلك في استمارة صغيرة مُرفقة مع المجلة، ويرسلها مع أرقام الموديلات، التي اخترناها  بالبريد ليصل الطرد وفيه ملابسنا بعد أسابيع.

   “أشيك الملابس وأحلاها كان أبي يختارها لنا، وكانت دائمًا ملابسنا من ألمانيا أو أوروبا“، نطقتُ الجملة بصوت مخدر، وأنا مع أحمد في السيارة، ثم انفجرتُ في نحيب وبكاء متواصل. شعرتُ بحنين جارف لماما، التي لا أعرف عنها شيئًا منذ سن الثامنة عشر.

    مارسنا الجنس نصف سكرانيَن، ثم نام أحمد سريعًا، بينما شعرتُ بحرقان في كُسي. دخلتُ إلي الحمام لأتبول بعد السكس حتى أحافظ على كُسي خالياً من البكتريا والميكروبات. غسلتُ كُسي بالماء وجففته بالمناديل، ثم لفت نظري فرشاة تنظيف المبولة، واقفة ورأسها مغروزًا في قاعدة بلاستيكية خضراء بينما الفرشاة بيضاء ولها يد ذات لون أخضر.

     أمسكتُ الفرشة وأخذتُ أداعب باليد البلاستيكية كُسي، شعرتُ بتهيجي يضرب جسمي كله ويسيطر على رأسي كسحابة سائلة، وبينما أدَعَك كُسي بمقبض الفرشاة استعدتُ ذلك التهيج والشبق والشهوة، التي لم تتحقق أبدًا لطفلة صغيرة قلبها مكسور بسبب أحمد، فتدفعها الغيرة لاكتشاف مذاق صديقتها ومعرفة لون صرم طيزها.

     في اليوم التالي استيقظتُ وفي قلبي شوق جارف لأمي. حادثتُ أخي تلفونيًا وطلبتُ منه أن نتحدث عبر سكايب، سألته عن أخبار خالتي، أخت أمي، فقال إنه لم يحادثها من أسابيع، لكنها أخبرته أنها قد تزوره في هامبورج بعد إجازة الكريسماس.

    “مفيش أخبار عن ماما؟” سألتُه بشكل مباشر.

   -أنت عارفة، أنا بطلت أدور عليها من زمان وأحاول التركيز بس في دراستي وتخليص الماجستير.

***

     في عيد ميلادي الرابع والثلاثين، تصالحتُ كليًا مع توصيف حالتي الشبقية. رسوخ طمأنينة الصداقة، خفوت نار الغرام والحب، وسعار الشبق الدائم.

    استيقظتُ من النوم، فوجدتُ أن أحمد  – وهو أحمد ثالث غير الخمسة أحمد الذين عرفتهم قبل ذلك – قد ربط ساقي ويدي في الفراش، فتحت عيني وبحثتُ في الغرفة فلم أجده، ندهت بصوت بين النوم والاستثارة:

-أحمد؟

     أتى من المطبخ حاملًا منضدة صغيرة ذات لون أخضر، عليها طبق عسل، لبنة بزيت الزيتون، قطع توت بري، وبرتقالة عارية بغير قشرة مُقسمة لنصفين، كل نصف يشكل شبحًا لكُس مُغلق في انتظار تمدد عضلاته. وضع أحمد قوائم المنضدة الأربع على الفراش، وعَدَّل من جلستي واضعًا الوسادة خلف ظهري. كعادته لم يقل حتي صباح الخير، صامتًا لا ينطق حتى بالعبارات الإنشائية من نوع السلام، أو وحشتني، أو إزيك، أو كويسة.

    لهذا تقبلتُ أن يأتي لزيارتي وينام معي لليال طويلة، كان يكره الكلام ويفضل عنه الرقص والموسيقي والجنس. أمسك أحمد نصف البرتقالة بيده، نزع منها الفص الأول وناوله لي في فمي، قطعة قطعة، أخذ يقدمها لي حتى انتهي الفص. غمس إصبعه بالعسل، ثم رفعه ولامس به شفتي، فتحتُ فمي كسمكة فتحة صغيرة تسمح له بإدخال إصبعه فقط، فأدخله لآخره، ومصصتُ إصبعه المُغمس في العسل.

    سحب الإصبع من فمي، وسار به على صدري وبطني حتى سرتي واصلًا لشعر عانتي، لمعت عيونه الزرقاء. أمسك نصف البرتقالة، لامس به شفتي، ثم رفعها في قبضته اليسرى. وبفارق زمني لا يتجاوز الثلاث ثوان حدثت ثلاثة أشياء متتالية، عصَرَ أحمد نصف البرتقالة فسال عصيرها على وجهي وشفتي ورقبتي، غرز إصبعيه عميقًا داخل كُسي، ثم رن جرس الموبايل. لم نلتفت نحن الاثنين إلى رنين الهاتف، سال عصير نصف البرتقالة على أكتافي وصدري ووجهي، وأحمد يحرك أصابعه أسرع فأسرع، ورنين الهاتف أشبه بأمواج تتوالى في اندفاع على صخرة بحرية. أغمضتُ عيني وأنا أشعر بالنشوة تتجمع من أطرافي نحو عقلي، حينما أغمضتُ عيني رأيتُ أشكالا تشبه القراميط وثعابين البحر تلمع وتبرق بألوان متعددة، ورنين الهاتف يدخل أذني، فيتحول لذبذبات تدفع ثعابين البحر الكهربائية في الأوردة، فتسبح أسرع فأسرع، حتى تصل إلى مخي، وتلتهم أعصابي.

    للحظة يتجلى في ظلام عيوني المغلقة صورة وجه أبي، ثم تضرب الرجفة كل جسمي.

     التقطت أنفاسي وأنا أفتح عيوني، أحمد ينظر مستغربًا وعلى غير العادة يُخرج تعليقًا لا داعي له: “بسرعة كدا”، يسحب إصبعيه من كُسي، يمدهما باتجاه فمي لكي أمصهما، لكنني أهز رأسي: “اديني تليفوني الأول”.

   ما أن مَدّ يده لالتقاط التليفون حتى توقف عن الرنين، قربه من عيني فرأيت اسم “بابا”. فك يدي اليمنى،  فأعدتُ الاتصال ببابا، وقبل “ألو” قال:

– مريم وحشتيني..

– ألو..

– أنا بابا يا روحي.

– أه ما انا عارفة، أنت جيت امتى يا بابا؟

– أنا في اسكندرية وراجع تاني، المركب هتتحرك كمان أسبوع.

– طيب مش هتيجي القاهرة اشوفك؟

– أنا بكلمك علشان كدا، أنا عايزك تيجي لي يا مريم، أنا لسه مخلصتش شغل هنا، وعندي حاجات في المحطة، مش هقدر أسيب إسكندرية وأنتِ لازم تيجي علشان تشوفي اللي لقيته.

– لقيت ايه؟

– ما أنتِ اللي لازم تيجي تشوفي وتقولي ليا..

– مالك يا بابا غريب؟

– يا روحي خيط لقيته، بس أنتِ اللي هتعرفي تحددي إذا كان الخيط يخص مامتك ولا لأ.

– ايه يا بابا اللي بتقوله دا؟

– بقول لك ايه، انتِ مش إجازة، بتعملي إيه عندك؟ تعالي ليا اسكندرية افسحك.

– طيب انت فين؟

– أنا في بيت إقامة المهندسين جنب المحطة.

– طيب والشيف علاء عندك ولا مين اللي ماسك المطبخ؟

– هاهاه والله يا روحي لسه ما أكلت ولا أعرف، تعالي انتِ بس وأنا اجيب لك الشيف علاء وأبو علاء.

– طيب أنا هخلص حاجات هنا واجي لك الصبح بدري.

– مريم.

– أيوه يا بابا.

– متتأخريش يا روحي.

***

    لم يتواجد الشيف علاء ولا أبو علاء. عرفتُ هذا وأنا أعبر البوابة الأمنية لمبنى المحطة. تذكرني حارس الأمن العجوز، وأكد بابتسامة أن الباشمهندس ينتظرني منذ الأمس، سألته وأنا أناوله رخصة السيارة من النافذة: “الشيف علاء موجود“.

ما أن فتح لي الباب حتى واجهته:

–        بتضحك عليا يا حمادة، بتستدرجني وفي النهاية يطلع مفيش لا شيف ولا علاء.

احتضنني وهو يداعب شعري، ثم قال:

–        أنا محضر لك مفاجأة أجمل من الشيف علاء.

مشى باتجاه المطبخ، ومن الثلاجة أخرج علبة بلاستيكية مغلقة بإحكام وقال:

–        أنا محضر لك “الزاور براتن”.

    في قلبي انفجرت ماسورة ذكريات، وشعرتُ بنار هادئة تشتعل في معدتي. فتح أبي العلبة فبانت داخلها قطع اللحم غارقة في الصوص المتجلط حولها بعد ثلاثة أيام في الثلاجة على الأقل.

   الماما كانت تعد “الزاور براتن” في المناسبات الخاصة، وقبلها أحيانًا بما يشبه الأسبوع. حينما كبرتُ بعض الشيء كانت تمنحني مهامًا محددة ودقيقة للمساعدة في الإعداد. في سن الثامنة عشر كانت تطلب مني المرور بالجزار بعد الجامعة واختيار قطع اللحم من الضلع العلوي تحديدًا. وهكذا كنتُ أقود السيارة إلي آخر شارع فيصل، حيث الجزار الذي تتعامل معه أمي، وهو جزار ومربي مواشي في الوقت ذاته. لا تتعامل مع غيره، لأنها تثق في طريقة تربيته للمواشي وذبحها. يمنحني الكيس فيه اللحم ملفوفًا، أقود السيارة إلى شارع جانبي، ثم أنزل منها إلي الزريبة فيأتي أحمد مساعد الجزار يزنقني خلف الباب، وينيك بلا قبلات، ولا كلام، وفي الغالب في دقائق معدودة يقذف، بينما استنشق أنا رائحة الزريبة وأفتح عيني متذكرة كل التفاصيل.

     أعود إلى المنزل أعطي اللحم لماما، ثم أهرول إلي غرفتي للاستمناء. أظل إصَبَعَ في نفسي أحيانًا طوال اليوم. بينما تقشر الماما البصل والجزر وتقطعهما إلي قطع صغيرة في وعاء، يضاف إليه الماء والخل والملح والفلفل والقرنفل وورق الغار. الجميع في وعاء واحد يصطلي على النار حتى يغلي المزيج، ثم يترك ليبرد فتتبدد الرائحة وتنتشر في المنزل كله. تزورني في غرفتي وأنا عارية أشمّ في البنطلون الجينز المعبق برائحة روث البهائم. الماما تغرق اللحم في المرق البارد، تضعه في وعاء محكم، ثم تتركه مغطى في الثلاجة لمدة ثلاثة أيام.

    كان البابا قد أكمل المرحلة الأولى، والآن يستعد للمرحلة الثانية. الماما عند هذه المرحلة وبينما تطلعني على سر الطبخة العائلية تقدم موجز تاريخي لـ “الزاور براتن”. الأكلة الألمانية، والتي تشتهر بها كولونيا، حيث عبر القيصر بالمدينة منذ 2000 عامًا، ولسبب ما فقد غضب من استقبال سكان المدينة، فأمر جنوده برفع الخيام والتحرك بأسرع ما يكون فذهبوا، وقد تركوا اللحم في المرق باردًا، مثلما أخرجه بابا من العلبة.

    أمسك بابا موبايله وضغط زرًا، ففتح شاشة التلفزيون 48 بوصة. أخرج اللحم ووضعه في طبق وحده، وبينما يضاف إليها الملح والفلفل والبهارات قال بابا:

–        أنا كنت بزور صديق قديم، ولقيت عنده نسخة إلكترونية من فيلم أقدم، دا تقريبا كان بعد ست أو سبع شهور من معرفتي بماما.

من الثلاجة أخرج مربع زبدة صغير وضعه في المقلاة، يذوب على نار هادئة. وهو يكمل حديثه:

–        وقتها كنت أنا وماما بنشتغل مع واحد اسمه “فيدار فريتل”، وفي جامعة أوسلو عملنا التجربة دي للمرة الأولى.

     تناول قطعة اللحم بالشوكة ورماها في الطاسة مع الزبدة. وعلى الشاشة ظهر لثوان وجه الماما. كان شعرها ذا لون أصفر زاهٍ، لم أرثه منها، بينما عيونها خضراء تلمع كعيوني. وضعتْ حبات أرز بين لوحيَن زجاجيَن شفافيَن، وقفتْ ماما بجوارها علبة تحتوي على حبات أرز ملونة، وبدأتْ في إلقائها من أعلي فوق كومة الأرز، حبة تليها حبة. أبطأ بابا حركة الفيديو، تناول قطعة اللحم من المرق ووضعها في الزبدة، ثم اتكأ على حافة المطبخ وهو يقول :

–        لاحظي، الحبة الملونة لا تنزلق مباشرة فوق سطح الكومة، وإنما يمكن أن تختلط ببقية الحبات ثم تظهر في مرحلة أخرى.

    بالتصوير البطيء أخذت الشاشة تعرض سقوط حبة الأرز الملونة، والآثار التي تحدثها في الكومة، ببطء وثبات تختلط الحبات الملونة بالحبوب البيضاء، بعضها ينزلق خارج الكومة. وقفتُ مدهوشة أمام الشاشة والتفاعل البطيء بين حبات الأرز. بدأ بابا في إضافة المرقة إلي اللحم ومعها قطع من الجزر والبصل، ثم غطى المزيج بوعاء نحاسي وخرج من المطبخ.

   جلس بجواري على الأريكة لدقائق، نظرتُ إلى عين بابا فشاهدتُ ماء مالحًا يتجمع في زاوية العين، مددتُ يدي وأغلقتُ الشاشة من الريموت، ثم تمددتُ على الأريكة، وضعتُ رأسي في حجر بابا، فتحتُ أزرار بنطلوني، وخلعته، تكومت في وضع جنيني في حجر البابا بينما رائحة الطعام تعبئ المكان.

***

    حلمتُ بأنني كنتُ في حمام السباحة بالنادي، بينما الماما تجلس تحت مظلة تقرأ في مجلة “أصل الحياة“. كنتُ كمن تتعلم السباحة، كأنني طفلة أخذتُ أصيح على ماما حتى تشاهدني وأنا أعوم. قامتْ الماما وأتت نحوي وقد بدأتُ أشعر برعب ممزوج بإثارة لا أعرف مصدرها، فتحتْ ماما المجلة فبانت داخلها مجلة أخرى، رمتْ المجلة في حمام السباحة فنمت في الماء أزبار وأعضاء ذكورية مختونة وغير مختونة، متعددة الأحجام والأطوال. أخذتُ أسبح وسط الأزبار نحو الماما، وحينما وصلتُ لحافة المسبح تغير المشهد. حيث كنتُ مع أحمد وقد وضع شمعة في طيزي وأشعلها، وبينما الشمعة تذوب ببطء، فيسقط الشمع سائلًا على لحمي يحرقه، كان زب حمادة يدخل ويخرج ببطء من كُسي، أغمض عيني ويطوف في ذهني بيت شعر لا أعرفه.

    قمتُ من الحلم وتناولتُ الموبايل، وكتبتُ أول ثلاث كلمات تذكرتهم من القصيدة “لو أن مسافرًا..” وبينما أنتظر ظهور نتائج البحث، نظرتُ حولي فلم أعرف أين أنا، كنتُ على أريكة في غرفة لا أعرفها، ليس بها إلا بابًا واحدًا. ارتديت ملابسي الداخلية وقميصي، كما كنتُ في حجر أبي. أرهفتُ السمع، لكن ما من صوت.

    تقدمتُ نحو الباب وفتحته للخارج، كان ثقيلًا ومقبضه بارد. ما أن فتحته، وجدتُ قاعة متسعة يقف فيها بابا أمام وحدة تحكم. ومن أحد جدران الغرفة يدخل أنبوب ضخم يبلغ قطره حوالي المتر، ثم يمر عبر جهاز معدني مربع، ويخرج من الجهة الأخرى مقتحمًا جدارًا ثانيًا في الغرفة.

  كان هذا هو الكابل بالتأكيد وهذه غرفة التحكم.

    يعمل بابا ككبير الخبراء التقنيين في شركة كابلات المتوسط البحرية وهى الشركة المسئولة عن مَدّ وصيانة ومراقبة الكابلات البحرية، التي تستخدم في الاتصالات، الانترنت، الأرواح، تحويل الأموال، الأسرار العسكرية، المشاعر، الأوامر التنفيذية، قرارات البيع والشراء، المحادثات العاطفية، الصور البورنوغرافية، فيديوهات التعذيب، الابتسامات، بيانات إنتاج حقول النقط والبترول، دراسات الماجستير والدكتوراه الأكاديمية، تطبيقات التجسس ومراقبة مستخدمي الانترنت، الإعلانات التجارية، الإعلانات الخيرية، الزيجات، الطلاق، الفانتازيا، الواقع، الرغبات، الأحزان، وصفات الطعام، وصفات الدواء، الثورات المجهضة، تلك الناجحة، ومفارش السرير، التي بللتها دماء الدورة الشهرية، تلك التي لف فيها جسد الشهيد، وأخرى استلقى عليها القاتل متنعمًا بالحياة في انتظار نعيم الآخرة، مكافأة على إنجازاته في سبيل الله والوطن والأمة والشعب.

   الكابل محايد يوصِّل، يعرِّف، ويعلُم. لكن لا يحكم أو يصادر.

   بابا أشار بيده لي أن أتقدم، قال بصوت خافت: “مريم.. صباح الخير”

    بدأت الكابلات مع التليغراف، وتطورت حتى الألياف الضوئية، وببناء البشر لشبكتهم المادية من الكابلات الممددة تحت المحيطات، اكتمال الاتصال المادي. لكن باحثين منذ الستينات اهتموا بالبحث عن شبكات أخرى موجودة بالفعل. ماما كانت تقول إنها مسيحية ثقافيًا، لكنها ملحدة. بابا كان يبتسم ويقول أنه مسلم، والاثنان أبدًا لم يتجادلا معي في الدين، لكن ماما كانت تقول دائمًا إن هناك شبكة اتصالات غير مرئية نتصل جميعًا بها، وإلا كيف تظهر فجأة ذكرى من الماضي؟ ما هي الشبكة التي تحمل تفاعلات وذبذبات الرغبة والحب كيف تخرج من جسم لجسم آخر؟ وكيف تلتفتُ للخلف فجأة، فتلمح الرجل في طرف الحديقة يراقبك؟ كيف ولماذا تعاود حبة الأرز الملونة الظهور مرة أخرى ولا تدفن تحت الكومة البيضاء؟ آمنت ماما بوجود هذه الشبكة، لكن عملها، والذي اختفت يومًا بسببه، هو كيف يمكن أن نربط بين الشبكة الفيزيقية والشبكة الميتافيزيقية؟

    لذات السبب أتت بنا ماما إلي مصر. تركنا ألمانيا والتعليم والصحة والحرية والاشتراكية، وأتت بنا إلى روض الفرج، فموقع مصر محوري بين كل الشبكات، سواء الكابلات الفيزيقية أو حتى الميتافيزيقية، وعدد المهتمين بمجال الاتصالات ومجال اختصاصهما كانوا معدودين في الثمانينات، لذلك فالفرص التي ستأتي لهم ستكون أفضل وأعلى. عملت هي وبابا في كل مشاريع الاتصالات المصرية المهمة، وحينما اختفت أكمّل بابا، حيث أصبحت له وحدة أبحاثه الخاصة بجوار وحدة تحكم الكابل الرئيسي.

– صباح النور يا بابا.

– أنا لقيت الباب يا مريم، الوصلة بين العالمين والشبكتين. والطريق لماما.

قام من مكانه وهو يتجه نحو باب لغرفة جانبية، أكمل حديثه:

– الحل الوحيد علشان أعرف ماما فين، كان إني أدور عليها في الشبكة الميتافزيقية، العواطف والرغبات والذكريات والفضلات الذهنية الأخرى.. لهذا فوصل الشبكتين، لم يعد منذ غياب الماما طموح علمي فقط، بل وسيلتي لاستعادة السعادة.

   عاد وهو يجرّ سرير طبي كذلك الذي يمكن أن تجده لدى طبيب أمراض النساء، وضعه بجوار جهاز تخرج منه وصلات متعددة، وقف بين السرير والجهاز وخاطبني:

–  منذ حوالي الثلاث سنوات حلمتُ بالحل، الذي قادني إلي ما نحن فيه، رأيتُ فيدار فريتل وماما، خلع الاثنان ملابسهما، وقد كانت ماما في ذات الصورة التي قابلتها عليها أول مرة، لمستُ ماما رأس فريتل، فأخذ يتحول إلى معدن تذوب ملامحه حتى أصبح قضيبًا معدنيًا لامعًا، لمسته ماما ثانية، فذاب لسائل تحت قدمي، انحنت ماما وقبضت على السائل الفضي، وحين فتحت يدها أمام عينى كان السائل يتبخر منها. حوّلت بسبب الحلم خط سير العمل، لخلق أكواد وبروتوكولات يمكن بها تحقيق التواصل بين الشبكتين لا البحث عن وصلة أو سلك بينهما، بل بروتوكول يمكنهما من التواصل بلغة مشتركة وللزائر الانتقال بين الشبكتين بسلاسة.

    انحنى بابا على الجهاز وأخذ يعبثْ في الوصلات والسلوك المختلفة، بعضها تم إيصاله بالسرير، ثم عاد ووقف أمام شاشة متصلة بالجهاز. تقدمتُ بخطوات محسوبة كأنني أمشي على رمال ناعمة وساخنة، وصلتُ للسرير وجلستُ على حافته. أرحتُ ظهري، ثم رفعتُ الساقين على الحامل. أشعل بابا شاشة ما، ثم عاد ووقف أمامي بين ساقيّ المَفروديَن المعلقيَن على السرير، وهو يحمل بيده قضيبًا معدنيًا متصلًا بسلك واحد بالجهاز.

    انحنى بابا عليّ ورأيتُ تجمعًا لدموع في عينيه يقاوم انسايبها، قبلني على جبهتي، ووضع القضيب على صدري فالتقطه بيدي، تراجع للخلف وعاد لشاشته. أمسكتُ القضيب المعدني وأنا أشعر بثقله يزداد في يدي رغم ثبات الحجم، ثم بدأ القضيب يهتز اهتزازات بسيطة راجفة، مشيتُ به على معدتي، داعبتُ به شفتي كُسي، فاهتز أكثر ودغدغني بشكل بعث النشوة في كل جسمي، أدخلتُ رأس القضيب في كُسي، وبدا كل شيء هادئًا كاتصال طبيعي بين جسدى وديلدو. بدأتُ استسلم للراحة المنبعثة منها واستعيد شوقي لأحمد حينما قال بابا :

–        فكري في ماما الآن يا مريم.. ماما فقط.

   فجأة شعرتُ بموجة من البرد تسري في القضيب، كدتُ أن أخرجه، لكنه اندفع لوحده إلى داخل كُسي. ميكانيزم الجهاز قراءة كل التغيرات الكيمائية والبيلوجية، ثم معالجتها وتحليلها وربطها بالحالة الشعورية. وتحليل ذلك لخلق أكواد يمكن أن يستوعب منها الجهاز ما هو غير مرئي وما يسري في الشبكة الميتافيزيقية. عاد الدفء ثانية للقضيب، هذه المرة أبعدتُ يدي عنه، فأخذ يتحرك ببطء وهو يهتز داخل كُسي، ثم تقوس ظهري بفعل ملامسته لنقطة لم أتخيل أبدًا وجودها داخل كُسي، نقطة لا تنتمي لتشريح الأعضاء الجنسية ولا العقد العصبية، بل شيء أيقظ الحلم فصرتُ أجري داخل حقل من الجزر، أقبض على العيدان الخضراء وأقتلعها فيخرج الجزر في يدي، وكتل متعددة الأحجام من طين الأرض ملتصقة بالجزرة البرتقالية.

    أغمضتُ عيني هربًا من فيض الصور والأفكار، الذي شعرتُ به يسرع عقلي، كأنني تحت تأثير “الأكستسي”، لكن حتى وعيني مغمضة تحوّل اللون الأسود إلى اللون البرتقالي، ثم سمعتُ صوت الماما لأول مرة منذ سنوات يناديني باسمى بصيغة التدليل، التي أبدًا لم ينادني بها غيرها، قالت: “مريومي.. مريومي”. من وسط اللون البرتقالي، الذي أسبح فيه تبدى كُس عملاق يسبح في الفضاء البرتقالي، حاولتُ الاقتراب منه، لكن بعد لحظات أدركتُ أن الكُس نجم، وأنني كوكب دري، يوقد من شجرة تدور حوله في مدار بيضاوي، في أجزاء من الدورة أقترب منها وفي أجزاء أبتعد.

    معلقة في الفضاء مربوطة بجاذبية الكُس، لا اتجه إلي إيثاكا، بل أدور حولها في تكرار أبدي لدورة الأفلاك الكونية، وأدركتُ حينها ما رأته الماما، وجهتُ نظري خارج المركز، وبدا اللون البرتقالي ساطعًا يغطى بضوئه على كل شيء، ثم اتضحت نجوم صغيرة تسبح في الفضاء البرتقالي. دققتُ فيها فبدا أن النجوم ما هي إلا حبات أرز ملونة، تغيب في سائل المادة البرتقالية، ثم تظهر مرة أخرى أحيانًا الحبة بذات اللون، وأحيانًا بلون آخر.

تكرر النداء: “مريومي… مريومي..”

    حاولتُ الصراخ “ماما”، لكن الصوت لم يخرج، أو للدقة لم أسمعه، ثم انتبهتُ أنني لا أسمع أي صوت. لكن الكُس أخذ ينقبض وينبسط وأنا أدور حوله في مدار بيضاوي فيتبدى أنهم ثلاثة أكساس متصلين من الظهر، لكن الثلاثة يتحركون كحزمة عضلات واحدة، ثم أخذتُ سوائل وإفرازات بيضاء تخرج من الكُس وتنساب في الفضاء البرتقالي. شكلت ثلاثة أنهار تسير في اتجاهات غير معلومة، ربما تصب في الفردوس في النهاية. جسدي هو الكوكب بالتأكيد، لكنني لست جسدًا.

   ازدادت سرعة انقباض وانبساط الأكساس الثلاثة، وازداد فيضان الأنهار الثلاثة، وبدأ كل نهر منها يأخذ شكلًا منفصلًا. واحد باللبن، وثاني كما العسل، وثالث كما الدم، ثم سمعتُ صرخة عظيمة لم أعرف مصدرها، ورعب بارد لامسني. فجأة ازداد ليصبح فزعًا وخوفًا لم أعرفه، ثم كنتُ أطير بعيدًا عن مداري، وفزعي يزداد حتي شعرتُ بأنه موت قبض الروح. لكن بصيصًا من الذاكرة ذكرني أننا هنا بين الموت والحياة. أكمل تصوري عن جسدي السابح في مداره، بينما رأسي تتقدم نحو الأكساس الثلاثة بعيدًا عن مدارها، تزايدت سرعة اقترابي من الكُس، الذي يخرج منه نهر الدم، حتى دخلت داخله.

   اختفى اللون البرتقالي وحلت بدلًا منه عتمة سوداء. كنتُ داخل رحم ماما، عرفتُ هذا بقلبي، لكن شعرتُ بجسد مبلول بجواري، وحينما مددتُ يدي لألمسه، أدركتُ أنه لم تعد اليد يدًا، بل أصبحت فكرة. وهذا الجسد المبلول بجواري جسدي، أنا جنين يتشكل. وعلمتُ، لا بالكلمات، لكن بالفطرة أن عليّ مهمة الآن، والماما كانتْ هي العتمة السوداء، التي أسبح فيها. مهمتي أن أضع كل الأفكار اللازمة في جسدي. أن أمنحه الوعي والرغبات والخيال ومفاتيح الحزن والاكتئاب. ومن خارج العتمة شعرتُ بيد الماما كإلهة تصيغ الكون وتضع حدود الانفجار الأعظم ومعدلات انكماشه وتمدده. وصوت ماما هامسًا: “هذه هديتي لك مريومي.. حرية الاختيار الكاملة، وولادة جديدة والقدرة على تغيير كل ماضٍ لحياة بلا ندم”.

جعلونى مجرم بيتكوين

تشرفت أثناء سجني العام 2016، بالتعرف على أهم وأكبر ثلاثة تجار عملة في مصر. سُجن الثلاثة كإجراء احترازي العام 2016، مع تجار عملة آخرين، في إطار حملة استباقية فرضتها الحكومة قبل قراراها تعويم الجنية. مع ذلك، كل مساء، كانوا يخبرونني بالسعر الرسمي والسعر في السوق السوداء غداً، وكنا ننتظر وصول الجرائد للسجن صباح اليوم التالي، وفي كل مرة يصدق توقعهم، حتى عرفت أنه لم يكن توقعاً، بل كانوا يحددون سعر الدولار وهم في السجن.

قضيت فترة طويلة من مدة سجني مع السادة تجار العملة، وبعض المتهمين في قضايا مالية متنوعة من تجار العملات، إلى المضاربة في سوق الفوركس، وحتى قضايا النصب وتوظيف الأموال. كان الحد الأدنى لدخول ذلك العنبر في السجن، ألا تقل القضية المتهم فيها المسجون عن مبلغ عشرة ملايين جنيه، أى ما يوازي مليون دولار بأسعار ذلك الوقت. والحقيقة أنني استفدت وتعلمت من هؤلاء الزملاء، عن بنية الاقتصاد العالمي والمحلي، أكثر مما قرأته في حياتي، حتى أني أصبحت أهتم وأقرأ الصفحة الاقتصادية في الجرائد، والآن ابدأ يومي بالاستماع إلى نشرة اقتصادية مُكثفة، بينما اغتسل وأُعد الفطور صباحاً.

بعد خروجي من السجن، كان قراري الأول هو التخلص من كل الأصول الثابتة، وجمع مدخراتي القليلة، وتحويلها إلي عملات افتراضية، تحديداً البيتكوين والايثاريم. لكن، على ما يبدو كنت قد تأخرت، فمنذ العام 2017، فرضت السلطات المالية المصرية، متمثلة في مدير البنك المركزي طارق عامر، حظراً على التعامل بالعملات المشفرة في السوق المصرية. نتيجة لذلك، توقفت المواقع الموثوقة في الانترنت، عن بيع أي عملات افتراضية للمواطنين المصريين.

تهدمت كل طموحاتي في إنقاذ مدخراتي التي كان يأكلها التضخم، كانت لدي محفظة إلكترونية تحتوي على عدد من العملات اشتريتها منذ سنوات على سبيل التجريب. كان بإمكاني الوصول إلى تلك المحفظة، لكن ليس في استطاعتي الشراء.

بدأت أسأل الأصدقاء والمعارف، انتقلت الكلمة من أذن على أذن، حتى حصلت على ثقة زملاء من السوق السوداء لعالم العملات الافتراضية، فتم ضمي إلى مجموعات سرية مغلقة متنوعة في فايسبوك. في العادة، تحمل المجموعة أسماء مستعارة، تمويهاً عن الغرض منها، مثل “رابطة محبي تربية الخراف الكشميري”، أو “جروب هواة تربية أسماك الزينة الذهبية”. يتحدث أعضاء الجروب عن عمليات نصب كثيرة تحدث، وعن مطاردات أحياناً من قبل مباحث الأموال العامة، لذا لا يتم فتح هذه المجموعات للأعضاء الجدد، إلا بناء على ترشيح أعضاء موثوق فيهم في المجموعة.

تمثل هذه الجروبات أسواقاً سرية لمحبي وتجار العملات الافتراضية، لكنها سوق سوداء، لا ترتبط إطلاقاً بالسوق العالمية للعملات الافتراضية، وذلك نتيجة لالحظر المفروض من قبل طارق عامر. فمثلاً، إذا فرضنا أنك مواطن مصري ترغب في شراء العملة “س” وسعرها العالمي يساوي 10 دولارات، فسترفض كل المواقع وبورصات تجارة العملات البيع لك، حيث أن معظمها يحتاج إلى التحقق من شخصيتك ويطلب اثبات هوية واثبات محل الاقامة، وتستغرق العملية أياماً حتى يتم التأكد من كل هذه المعلومات. ولأنك مصري فسترفض الموافقة على حسابك. طبعاً يبقى امامك مواقع البيع غير الرسمية، لكن عامل المخاطرة كبير.

أما في صفحات “فايسبوك”، فستجد تجار السوق السوداء يبيعونك العملة “س” بسعر العشرة دولارات، لكن بينما يبلغ سعر الدولار حوالى 18 جنيهاً، سيبيع لك تاجر السوق السوداء عبر صفحات “فايسبوك” على اعتبار أن سعر الدولار هو 21 جنيهاً.

لكن السوق الأنشط هو سوق التعدين، فجميع العملات الافتراضية تحتاج للتخديم على شبكتها إلى “المعدنين”، وهم أشخاص يستغلون أجهزة حواسيبهم لمراقبة وإجراء سلسلة من العمليات الحسابية والبرامجية التي تضمن صحة السجلات والتحويلات بين المَحافظ المختلفة. ولرفع كفاءة الحواسيب، يحتاج العاملون في التعدين إلى شراء “كروت الشاشة” وتركيبها في أجهزة الكومبيوتر. وبينما يبلغ سعر كارت الشاشة الواحد حوالى 500 دولار، يباع هنا في السوق المصري بما يوازي 800 وأحياناً ألف دولار.

لذا، فالغرض الأساس من كل الجروبات والصفحات السرية، هو أن يتبادل العاملون في التعدين، المعلومات والأسعار حول قطع الغيار اللازمة لتشغيل أجهزة الكومبيوتر في عملية التعدين، لكن مع ارتفاع أسعار الكهرباء مؤخراً أصبحت عملية التعدين غير مجدية. فمثلاً، لتشغيل ثلاثة كروت في التعدين، ستصل فاتورة الكهرباء الشهرية إلى حوالى 400 جنيه، وهذا استهلاك الكروت وحده، من دون احتساب كهرباء التكييف. مع العلم أن العائد من وراء تلك الكروت قد يتراوح من 20 إلى 60 دولارا شهرياً، بحسب العملة التي تُعدن فيها، وبحسب تقلبات سوق العملات الافتراضية.

بعض العاملين في التعدين يلجأون إلى حِيل أخرى، كتصميم تطبيقات ألعاب بسيطة أو برمجيات سهلة الانتشار بين المستخدمين، لتسيطر على أجهزتهم، واستخدامها في التعدين لصالح المبرمج الأصلي. ببساطة، تخيل فيروساً مصمماً على هيئة دعاء، إذا قلته، بنيتَ لك قصراً في الجنة، أرسل الرسالة إلى عشرة آخرين. كل شخص يفتح الرسالة، يستخدم موبايله او حاسوبه الآلي للتعدين في عملة معينة لصالح مصمم برنامج “قصر في الجنة”.

العام الماضي، كان حديث مجتمع العملات الافتراضية المصرية، مجموعة من التلامذة في المرحلة الثانوية في واحدة من أرقى مدارس اللغات في مصر، حولوا أجهزة الكومبيوتر في معمل المدرسة، إلى مناجم لتعدين الايثاريم والبيتكوين والعملات الأخرى، وكانوا يجنون حوالى 500 دولار شهرياً.

في يناير الماضي، اكتشف صديق آخر وخبير تعدين، أن موقع جريدة “اليوم السابع”، يستخدم برمجيات تسطو على أجهزة القراء وتستخدمها في تعدين عملة افتراضية مجهولة تحوم حولها الشبهات. وسارعت “اليوم السابع” إلى الاعتراف بوجود مثل هذه البرمجيات لكنها انكرت مسؤوليتها واتهمت شركة الاعلانات، بالرغم من أني شخصياً شاهدت الكود المستخدم وكان في قلب بناء الموقع وليس إعلاناً.

شباب التعدين الشرفاء يرفضون مثل هذه الأمور. وفي صفحات وجروبات العملات الافتراضية، كثُر الحديث مؤخراً عن الألواح الشمسية. أحد الشباب، من واحدة من محافظات الدلتا، فرش بامتداد نصف فدان من أراضيهم بالألواح الشمسية، التي تمد غرفة تحتوي على 8 أجهزة كمبيوتر بالطاقة اللازمة تعمل جميعها في التعدين، أما كابوس هذا الصديق فهو أن يبلغ أحدهم الشرطة عنه.

أفضل ما تصنعه مصر دائماً هو تحويل أفضل عقولها إلى مجرمين، من خلال الاستمرار في التجريم الشفوي للعملات الافتراضية، من دون تشريع واضح لها، بل قرارات من طارق عامر لا نعرف سببها.

قمت بأول صفقة لي منذ بضعة أسابيع، كانت لدى محفظة صلبة للعملات الافتراضية، أو ما يعرف بـ”Hardware Wallet” اشتريتها بحوالى 90 دولاراً من الخارج، ولم استخدمها لأسباب يطول شرحها. عرضتها للبيع وبعتها بحوالى 150 دولاراً. بعد مفاوضات وأسئلة تأمينية، التقيت بالمشتري في مقهى بمنطقة مهجورة على أطراف مدينة نصر. فوجئت أني أمام رجل أشيب الشعر في منتصف الاربعينات، لكنه بهيئة رجل في الستين. بدا الشاري مضطرباً وكأني أبيع له الهيروين، تضايقت من اضطرابه وشرحت له أن الأمر ليس أكثر من فلاشة، وأن مثل هذه الأجهزة غير مجرَّمة في مصر، فلماذا هذا الاضطراب؟ ارتاح الرجل وفجأة تحول اللقاء القصير إلى ساعتين من الحوار الطويل، مثل أي اثنين اجتمعا في حب الايمان بالعملات الافتراضية. لم أمنحه معلومات شخصية عن حياتي، لكني ذكرت رغبتي في السفر. حينها ابتسم، وأخرج ثلاث ورقات بيضاء، فردها أمامي.

“ما هذا؟”، سألته.

“عقد عمل”، أجاب.

كان العقد مكتوبا باللغة الروسية، وبالطبع لم أفهم منه شيئاً. شرح لي أن الحكومة الروسية تدعم مزارع التعدين وتتوسع فيها، وتبحث عن مبرمجين للعمل فيها، ولديه قريب يعمل هناك. إذا أردت، يمكنني السفر والعمل براتب يصل إلى 2000 دولار شهرياً، شاملة الاقامة والطعام عليهم. اعتذرت بلباقة للشاري، ولسبب ما جرحه اعتذاري وتحول حديثة لكلام عدائي يتهمنا بأننا جيل فاشل، وكسول ولا نرغب في العمل. أخذ يحرك ذراعيه في الهواء وهو يشير إلى الصحراء الخربة الممتدة أمامنا، ويقول لي: “هتقعد هنا تعمل ايه يعني؟ المستقبل هو البيتكوين، والبلد دي ضد المستقبل والبيتكوين”.

أمعنتُ في تمويه شخصيتي الحقيقية، وقلت له: معاك حق، لكني لا أقدر على ترك مصر، سأظل هنا حتى ابني مصر وأجعلها خرابة أفضل.

ألبير قصيري يحيا الآن

     تملكتني لذة مدنّسة، وأنا أعبث واقلب في أوراق وصُور ألبير قصيري التى وصلتنا من باريس من خلال ناشرته. رغم عدم قدرتي على القراءة بالفرنسية، فإن إحساس التلصص وانتهاك خصوصية واحد من كُتّابي المفضلين منحني مذاق الملذات المحرمة. كنتُ جالسًا مع لوسيان وديانا، في مكتبهما بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرةِ، أثناء إعدادنا لاحتفالية عشر سنوات على رحيل قصيري التي أقيمت ليومين في القاهرة. على بُعد خطوات منّا، تقع مكتبة جورج حنين الخاصة، والآن أمامنا ما تركه ألبير قُصيري بالغرفة الفندقية التي عاش فيها مجمل حياته. حقبة كاملة من الشِّعر والسرد والسخرية تحيط بنا، وشبح الفن والحرية يحلق فوقنا.

   المُقتنيات كانت دفَاتر يكتبُ فيها ملاحظاته. رسائل من ألبير، وأخرى موجهة إليه. دفتر يحتوي على ما يبدو وكأنه بداية لرواية جديدة. ومن بين المقتنيات، ظرف يحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية، غالبيتها مَطبوعة بأحجَام كبيرة. استعرضت مع لوسيان تلك الصور، بحثًا عن شخصيات نعرفها. غاب قصيري عن معظم تلك الصور، وإن حضر أصدقاؤه وأشخاص قرر لسبب ما الاحتفاظ بصورهم. بعض الصور ألصقت فوقها ورقة شفافة، وعلى تلك الورقة كان قُصيري بالقلمِ الرصَاص يُعيد رسم صور أصحابه، للدقة كان “يشف” هذه الصور، ثم يضيف للصورة أبعادًا أُخرى ويحذف ويضيف إليها. كأن تكون الصور لشخص يقف في فضاء منزلي، فيرسمه حتى وسطه، ثم يضيف للنصف السفلي تكوينًا آخر، ليخلق من الصور الجادة لأصدقائه ما يبدو كصورة أخرى غير مفهومة لنا. لكن فيها من الحميمية ما يجعلها أشبه بنكتة خاصة بين صديقين.

15726755_10154698645841405_3054464048610566890_n
قصيري في غرفته وسط كل متعلقاته

نكتة يائسة مثل كل نكتة، ذلك اليأس الذي يجعلك محتارًا بين البكاء أو الضحك على حالك. نكتة مريرة عمرها يقترب من القرن، ومحل إقامتها هو المدينة المصرية، التي تحمل أسماء مُتعددة، لكن جوهر علاقات القوة فيها ثابت. وروايات ألبير قصيري موضوعها بالأساس هو ذلك اليأس المثير للضحك والبكاء معًا، اليأس الذي ينذر دائمًا بثورة لا تأتي، وإن أتت فيسهل قهرها أو خداعها. وفي هذه المعركة الأبدية بين المتن والهامش، في المدينة المصرية التي تدعي التمدن والمعاصرة، يحيا أبطال روايات قصيري، يبحثون عن خلاصهم، أو وسائل تمكنهم أن يطفوا على أشلاء المعارك.

    يقدم لنا ألبير وصفًا لهذه المدينة في قصته “قتل الحلاق امرأته”، المنشورة لأول مرة بالعربية في العدد الأول من مجلة “التطور” -فبراير1940 بترجمةِ عن الفرنسيةِ لعلي كامل. كالعادة تعيش شخصيات قصيري في بيئات مُظلمة، يزدهر فيها الفقر وتسبح في محيط شَاسع من اليأس؛ ثورة مُحبطة لمجموعةِ من الكناسين، وشاويش يستعرض قوته على سكان الحي الشعبي الفقير، وطفل حافي القدمين لا يملك سوى جلباب خفيف في برد الشتاء ويحمل حزمة برسيم تحت إبطه ويحلم بخروف العيد.

    لكن الشر الحقيقي، وسبب كل هذا البؤس لدى قصيري –الثوري الشاب في ذلك الوقت- هو المدينة الأوروبية، التي يصفها بكلماته “أصبحت المدينة مرعبة على الأخص على امتداد شارعي فؤاد الأول وعماد الدين، فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تملكه مدينة متمدنة لإرهاق الناس ومضايقتهم، كانت هناك أماكن للتسلية لا طعم لها، وحانات يكلف المشروب فيها كثيرًا، وكابريهات ذوات راقصات تافهات وحوانيت وأماكن لبيع المصوغات وإعلانات كهربائية أيضًا. كان لا ينقص شيء من مظاهر الأعياد السعيدة، كان كل شيء يدفع إلى الضيق والملل“.

   تتغير الوجوه وأسماء الشوارع، شارع فؤاد يصبح شارع 26يوليو، لكن بلاهة تصنيع التمدن كما وصفها قصيري، نجدها تقطر من أسقف المولات الكونية، حيث أماكن التسلية التى لا طعم لها في ضاحية القاهرة الجديدة بتجمعاتها الخمس، ومدينة 6 أكتوبر، وامتدادات المدن الجديدة التي تُصنّع في الصحراء، بينما يغرق تعساء المدينة في الزحام الأبدي لشوارع وكباري القاهرة.

     قاهرة قصيري العام 1940، كانت تهرب من الفقر الناتج عن الفساد والاستغلال الطبقي، من الشقاء في أحيائها الشعبية، نحو مدينتها المتمدنة المشيدة على الطراز الأوروبي التي صارت وسط البلد. والآن حينما استنفذتها واستهلكتها السلطات المختلفة المتنوعة، ترحل بعاصمتها نحو مدينة متمدنة جديدة مُخلّفة المزيد من البؤساء، وطلاء جديد للمبانى التاريخية يجعلها أكثر إثارة للشفقة مثل مكياج رخيص.

قُصيري حي الآن. مُرشد أمين للمصري الملول، أو الحزين، وربما المهموم. قصيري جرس الإنذار على خطورة العنف وعلى تبريره كذلك.

13592699_10154198337031405_6436954291175889991_n

في العدد الثانى من مجلة “التطور”، سينشر ألبير قصيري، وبترجمة بديعة لعبد الحميد الحديدي، قصته “اضطرابات في مدرسة الشحاذين“. ينشأ خلاف فكري ويتحول إلى صراع ايدلوجى محتدم بين المعلم “أبو شوالي” الأستاذ بمدرسة تعليم الشحاذة، والأديب جاد، وأفكاره الحديثة القائمة على علم النفس حول فن الشحاذة. المعلم “أبو شوالى” سفير العنف وسؤال ضرورته، مبدأه الواقعية المجردة، ويعتمد على قيام الشحاذ بالامساك بخناق الزبائن والتشبث بملابسهم الثمينة والالتصاق بنوافذ سياراتهم المتوقفة عند إشارة المرور. ويتصف الشحاذون لدى “أبو شوالي” بأنهم “مخلوقات تتجمع فيها أفظع العاهات الجسمانية، غارقة في آلاف الأمراض المعدية التى لا تقبل الشفاء، مخلوقات بشرية تستطيع أن تبعث الرحمة في القلوب المتحجرة والضمائر الميتة، لا تبعث الرحمة فقط، بل تخيف أيضًا”.

أما الأديب جاد، الذي عبّر عن نظريته الجديدة في الشحاذة بينما كان جالسًا في “قعدة تحشيش”، فيرى أن سُكّان المدينة الجديدة لا يمكن الاعتماد على استدرار شفقتهم لأن هذه العاطفة قد اندثرت منذ زمن طويل، وحان الوقت لأن “يكف الفقراء عن التعلق بالوسائل التي تستدر الرحمة والشفقة، وليعتمدوا على الاستظراف الذي لم يستغله المتسولون بعد”.

أتذكر الآن هؤلاء الشباب الذي كانوا يقفون فوق الكباري بفرشاة طلاء ويطلبون من كل سيارة جنيهًا من أجل أن ننظف مصر، وهو ما طالب به الأديب جاد منذ ما يقرب القرن بأن تظهر “طبقة أخرى من الشحاذين، صغيرة السن تلبس الثوب النظيف وتظهر كدمى العيد الجميلة. فبهذا الهندام وبحركتهم اللطيفة يكتسب الغلمان حب الزبائن، الذين يجودون حينئذ بسخاء، إذ لا يعجب الإنسان الراضي أكثر من المنظر البهيج، ومما لا شك فيه أن من رقت قلوبهم من بلهاء الأحياء الأوروبية سيعجبون بهذه المناظر الحديثة إعجابًا شديدًا”.

سينشر قُصيري تلك القصص في مجموعة واحدة العام 1942 تحت عنوان “بَشَر نسيهم الله”. في هذه الفترة كان ابن حى الفجالة بالقاهرة، المولود العام 1913، يعج بالسخط الثورى لشباب جيل الحرب العالمية الثانية، ويقضي معظم الوقت في صحبة “جماعة الفن والحرية” وقائدها السياسي جورج حنين. يروى مجدى وهبة -أستاذ الأدب الانجليزى بعد ذلك- عن لقاء في العام 1942، عندما زار جورج حنين وكان يقيم في منزل والديه، حيث وجد عنده ألبير قصيري، رمسيس يونان، لطف الله سليمان وسلامة موسى. كان النقاش محتدماً. سلامة موسى يتحدث عن التنوير والسلام والحضارة المصرية واللغة العربية، بينما جورج حنين وجماعته يتحدثون عن الثورة المستمرة، وخيانة الاتجاه الثوري في الاتحاد السوفياتي، ونكوص أراجون عن السريالية ببقائه في الحزب الشيوعي الفرنسي، كما أبدى حنين اشمئزازه من كلام ستالين عن الموضوع القومى. ومبكرًا، سينسحب ألبير من هذه النقاشات لينتقل للعيش في فرنسا، لكنه سيستمر في الكتابة عن شخصيات يدفعها البؤس نحو مزيد من السخط على المجتمع، ينتظرون ثورة غير محددة الموعد. وحينما تأتى الثورة العام 1952، ستكون جماعة ألبير قصيري من أشد المتفائلين، حتى أن جورج حنين كتب في رسالة لهنرى كاليه أثناء أزمة مارس 1954: “نعم، صديقي العزيز، نحن لا نرفض شيئاً. الضوضاء والهيجان، الضجة والعاصفة، كلها هنا.. الأعصاب لم تستسلم بعد.. بالنسبة للمستقبل، فجَسور جداً من يعطيه اسمًا”.

    ألبير قصيري سيمنح مستقبل ثورة يوليو، اسمًا مناسبًا، بعد نصف قرن، في روايته “ألوان العار”، حينما يصفها بـ”طريق العمى وتوهم الكرامة”. والد أسامة، بطل الرواية، عامل مصنع فقد بصره في إضراب عمالي قبل الثورة، ومرّت السنون، ولا شيء تغيّر، فعاش أعمى في عزلة لا تقطعها إلا زيارات ولده التى يملأها بتخيل جنازة كريمة: “سيكون هناك رفقاء المصنع القدامى. أنا على يقين أنهم لم ينسوا أنني تلقيت ضربة الهراوة التي أفقدتني بصري أثناء كفاحنا المشترك. ولربما أيضًا أوفدت الحكومة الثورية واحدًا من وزرائها، أترى؟ لقد أعددتُ كل شيء حتى يتمّ دفني في لياقة وكرامة”.

Foucault_Bachelard.png
قصيري أثناء زيارته للقاهرة عام 1989

   سيصرح قصيري بعد ذلك، في حوار له، باشمئزازه من الطغاة، كما سيعترف بأنهم موجودون دومًا، وبالتالى من العبث محاربتهم. والأهم أن هذا لا يعني ألا نحب الحياة. “الحياة رائعة” سيقول لميشال ميتراني، وهو في التسعين من عمره، وللاستمتاع بروعة الحياة “يجب أن يكون الإنسان ذكيًا لكى يلاحظ بفرح هذا الاحتيال الذي يحيا به الطغاة، لكى يتناوله بسخرية بعدها“.

      يمنحنا أدب قُصيري الآن وجهة نظر قد تخفف من قسوة الواقع كما تفعل “الميمز” السياسية في “فايسبوك”، أو التعليقات الهزلية لرؤساء بعض الدول في “تويتر”. يمنح أدب قُصيري القارئ رؤية عدمية عن العالم، وهذا التعالي الذي يطرحه قصيري كوسيلة للتعامل مع العالم قد يبدو كما يحلو للبعض وصفه: كسلاً أو خمولاً. لكن، لنحذر، فالسخرية أو كما وصفها جورج حنين في مقال له: “الفكاهة السوداء” ليست “افيه” سريع الزوال، ولا نكتة غرضها التسلية.

      الفكاهة السوداء لدى قُصيري تنهض على سؤال رئيسي وهو الوجهة الفعلية لأي شيء. هل يتواجد هذا الشيء في مكانه الصحيح؟ وإذا كان مكانه، فبأي شرعية خُصص له هذا المكان؟

     السخرية عند قصيري لا تحترم التصنيفات المتفق عليها مُجتمعيًا. فهي، والنزعة المحافظة، لا يجتمعان. ولنحترس حتى لا تجرنا الفكاهة السوداء إلى المناطق العدمية الأكثر مجانية، بل يجب أن تدفعنا إلى عتبة واقع تغيّره جذريًا قضية لا تنازل عنها.

     الوصفة البسيطة لدى قُصيري: إذا نجحنا في السخرية من طغيان الأوغاد، بالشكل والقدر الكافي، فلن يخيفوا أحدًا، وبالتالي سيزولون. أما إذا لم ننجح في بلوغ هذا الأهداف، فعلى الأقل يمكن أن تتخيل شاطئًا ملغومًا، حيث سابحات خالبات الألباب، قد تعرض وجودهن دون أي اكتراث بالنتائج، وأن تحيا في غرفة مليئة بالأصدقاء، تعيد رسمهم من صورهم الفوتوغرافية.

Photo rare - Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery - Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart
Photo rare – Georges Moustaki- Kiki Uhart et Albert Cossery – Par Pedro Uhart (Archive Pedro Uhart